يقال له: الليل والنهار قد وُجدا معاً ساعة الخلق وصار كل واحد منهما خلفة للآخر في نفس الوقت وحصل هذا والأرض ثابتة فما لنا ولهذيان المعطلة؟.
فالرب سبحانه خلق الأرض أولاً قبل السماء وما فيها من الشمس والقمر والنجوم قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
قال ابن كثير رحمه الله: فذكر أنه خلق الأرض أولاً لأنها كالأساس والأصل أن يُبدأ بالأساس ثم بعده السقف كما قال عز وجل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ). انتهى.
إن علوم الملاحدة ومن قلّدهم ليس فيها للكون أساس ولا سقف فما كان اليوم أسفل يكون غداً أعلى وهكذا.
والمراد هنا أن الرب عز وجل لما خلق الأرض خلق السموات بما فيهن من الشمس والقمر والنجوم، والشمس خلقها من البداية في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
السماء جارية دائرة على كرة الأرض، كذلك القمر والنجوم، فهي سراج أهل الأرض يدور عليهم لتعاقب دَوْلتي الليل والنهار فمِن حين خلق الله الشمس وصل نورها إلى الأرض فهذا النهار.
ومعلوم أنها ليست تغمر الأرض كلها بالضياء وإنما نصفها فما غمرته بضيائها صار مقابِلُهُ ظل كرة الأرض وهو الليل، وحيث أن الشمس من البدء خلقها الله جارية في كرة السماء فبذلك جعل الله الليل والنهار خِلْفة، يأتي هذا فيذهب هذا، وما عدا ذلك فهذيان الملاحدة ومُقَلِّديهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) الآية
قال صاحب كتاب توحيد الخالق: القرآن يعد يكشف الآيات لتدعيم الإيمان:
لكن الذي خلق الإنسان وعلمه، وأنزل القرآن وبيّنه اخبر في كتابه ووعده بأن سيكشف للناس وللعلماء خاصة حقيقة ما في هذا القرآن من آيات بينة لتكون دليلاً لهم على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (1).
قال تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (2).
وقال تعالى: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (3).
الوعد يتحقق: وقد تحقق وعد الله، وكان مما تحقق في عصرنا هذا عصر العلوم الكونية أنه كلما تقدمت الكشوف العلمية في ميدان من الميادين كشفت للناس عن آيات الخلق الباهرة التي تزيد الناس إيماناً--------------------------------------------
(1) فصلت، آية: 53.
(2) سبأ، آية: 6.
(3) الأعراف، آية: 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
بربهم وخالقهم وكشفت أيضاً عن معنى من المعاني، فإن القرآن قد تحدث بصراحة أو أشار إليه؛ وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية، فكان هذا نوعاً من إعجاز القرآن يظهر في عصر العلم الكوني يشهد بأن القرآن: كلام الله بما حوى من حقائق جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن ليس من عند رجل أمي أو من عند جيل من الأجيال البشرية لا يزال يعيش في جهل كبير إنما هو من عند الذي خلق الكون وأحاط بكل شيء علماً، وصدق الله القائل لنبيه: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (1).
إن ما يقوله صاحب كتاب توحيد الخالق وأمثاله ممن فُتِنوا بهذه العلوم من كون آيات الخلق ومعانيها تؤول وتفسّر على غير معناها عل عهد الصحابة فمن بعدهم من السلف الصالح، إنه قول عظيم خطير لأنه تجهيلٌ للسلف بعدم معرفة معاني هذه الآيات وتضليلٌ لهم باتّهامهم بتأويلها على غير معانيها والعكس هو الصحيح، وفيما ذكرته وأذكره إن شاء الله كشف لحقيقة الأمر.
أما هنا فذكر قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) الآية وكثيراً--------------------------------------------
(1) توحيد الخالق، ص341.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
ما يستدل بها المفتونون بعلوم وكشوفات الغرب فيتأوّلونها على غير تأويلها، ويأتي إن شاء الله تفسيرها.
وأما قوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) الآية فليس معناها كما أراد، قال ابن جرير رحمه الله: وعنى بالذين أوتوا العلم مُسْلِمَة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ونظرائه الذين قد قرءوا كتب الله التي أُنزلت قبل الفرقان فقال تعالى: وليرى الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة، الكتاب الذي أُنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق، وقيل: عَنَى بالذين أوتوا العلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
فهل أراد الله بالذين أوتوا العلم أهل هذه العلوم ومن قَلّدهم؟ وأيّ علم عند هؤلاء؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال في الحديث الصحيح: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويُثْبت الجهل) (1) وهذا هو الحاصل في عصرنا، وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع كيف بالعلم الضار؟--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1/ 43) ومسلم (4/ 2056) عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
(كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء)
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في كتابه ص343 على قوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء):
بعد أن تمكن الإنسان من الطيران، والصعود إلى السماء، والارتفاع إلى طبقات الجو العليا، عرف أنه كلما ارتفع إلى أعلى قلَّ الأكسجين والضغط الجوي، مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدور، وعملية التنفس، وذلك عين ما تنطق به الآية الكريمة قبل طيران الإنسان بثلاثة عشر قرناً من الزمان.
قال تعالى: (مَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) (1).
والحرج: شدة الضيق، والآية تمثل من عمل ما يستحق به أن يعاقبه الله بإضلاله، فمثل حاله عند سماعه الموعظة، وما يتصل بالإسلام، وما يصيبه من ضيق شديد كحال ذلك الذي يتصعد في السماء، وما أدرى الرجل الأمي بتلك الحقيقة التي لا تُعرف إلا من الله لمن تَصَعَّدَ في السماء فهل كانت له طائرة طار بها؟ انتهى.--------------------------------------------
(1) الأنعام، آية: 125.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
الجواب: لقد هان الكلام في القرآن على صاحب كتاب توحيد الخالق والخطر والله عظيم والأمر جسيم وإنما تُشْكى الأمور إلى الله وهو حسبنا ونعم الوكيل، إن هذا التلاعب بكلام الله وإجباره على مجاراة هذه العلوم والكشوف وتصديقها لمن علامات إثبات الجهل ورفع العلم النافع، ومن علامات رفع القرآن، ولا والله ما تجرأ على كلام الله أحد إلا لعظم جهله وضلاله، وقد تقدم كلام الصِّديق رضي الله عنه في القول بالقرآن فما بال هؤلاء كأنما أُعطوا الأمان بأن يقولوا في القرآن بآرائهم وأهوائهم.
ولقد أصبح الكلام في القرآن بالرأي فضيلة ومجال منافسة في عصرنا، فقد رأيت من ذلك عجائباً.
فالذي يقوله صاحب كتاب توحيد الخالق حاشا وكلا أن يكون هذا مراد الله بكلامه، وكيف يخاطب الله خير القرون بما لا يعرفون ولا يفهمون؟ كيف يصف لهم الضلال بما لا يعقلونه وإنما يسْتأثر بفهمه ومعرفته المتأخرون، هذا تنقّص للسلف حيث يُظن أنهم يقرءون كلام الله ولا يعرفون معناه، وقد صَرَّح صاحب كتاب توحيد الخالق بذلك في مواضع من كتابه (توحيد الخالق) وتقدم بيان ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
إن صرف معاني كلام الله إلى هذه المعاني السخيفة الهزيلة التي على تقدير صحتها لا تُعلم إلا لأفراد قد لا يخطر ببالهم مثل ما صال به وجال صاحب كتاب توحيد الخالق.
أما ما يخاطب به الله عباده فهو الذي يعرفونه ليتحقق الانتفاع بالقرآن للمؤمن وقيام الحجة على الكافر.
قال ابن عباس في الآية: يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يُدخله الله في قلبه.
وقال ابن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدّة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الإيمان وضِيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وِسْعِهِ وطاقته. انتهى.
أنظر كيف حصل معنى الآية للسلف بأهون سبب، فكل يعرف هذا، فإن من يروم صعود السماء يجد من الشدّة والضيق والحرج ما يُشعره بامتناع حصول مرامه، فكذلك من يُرِد الله إرادة كوْنيّة إضلاله نَقْل الصخر أيْسَر وأهْوَن عليه من سماع الموعظة والدعوة إلى الله والدار الآخرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ) الآية
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).
قال: كما كشف العلم الحديث أن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وهو أطول وأعرض من الموج السطحي، وقد تمكَّن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعية أيضاً، والقرآن يذكر هذه الحقيقة قبل قرون (1).
وقال قبل ذلك: الظلمات التي في البحار العميقة والأمواج التي تغشاها.
كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة -كثيرة الماء- (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه الظلمات الحالكة في ماء البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية. انتهى.--------------------------------------------
(1) توحيد الخالق، (ص344).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
وهذا أيضاً من عجائب الإحالات ولا شك أنه تأويل لكلام الله باطل فالله سبحانه لا يخاطب عباده بمثل هذا.
ولقد كاد إبليس هؤلاء بما خاضوا به من هذيان الكفار لِصرف معاني كلام الله عن حقيقتها وصرف التفكر فيها والانتفاع إلى الالتفات إلى الكفار والتعظيم لهم ولعلومهم وازدراء السلف وتنقّصهم.
فهذه الآيات العظيمة ضرب الله فيها مثلاً لأعمال الكفار فوصَفَها بالسراب الذي يظنه رائيه ماءً فإذا وصل إليه لم يجد شيئاً لأن أعمال الكافر حابطة بالكفر.
فهذا مثل والمثل الثاني لأعمال الكفار الظلمات في البحر العميق عظيم الموج فتتّفق ظلمة الليل وظلمة الموج وظلمة السحاب، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وقد خاطب الرب سبحانه عباده بما يعرفونه ويدركونه لا سيما الأمثال فإن المراد من ضَرْبها التفكر والاعتبار والعبور من صورة المثل إلى حقيقة المعنى المراد.
فالذي ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق في تفسير القرآن بما يشبه الأحاجي بل بما يُنزّه كلام الله عنه خطره عظيم، وهو لا يُقرّب فهم القرآن بل يصُدّ عن فهمه بتغيير الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فهو سبحانه يخاطبهم بما يدركونه بحواسهم ويعرفونه بل ويشتركون في معرفته، وهو يُنزل الله على نبيه قرآناً يُتلى أربعة عشر قرناً معاني آيات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
الخلق فيه كالطلاسم والألغاز لا تُعرف حتى جاء هذا العصر فظهرت معانيه على أيدي المعطلة ومقلّديهم؟ هذا منكر من القول وفيه من اسْتهجان السلف وتعظيم الكفار ما هو ضلال مبين.
والذي يُقارن بين ما أذكره من تفسير السلف لكلام الله وما أنقله من تفسير المتأخرين يظهر له الفرق بين الهدى والضلال إلا من فسدت فطرته.
قال قتادة: (لُّجِّيٍّ) هو العميق. (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل الكافر الجاهل البسيط المقلّد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين ذهب بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.
وقال أبي بن كعب في قوله تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فهو يتقلب في خمسة من الظُّلَم: فكلامه ظلمه، وعمله ظلمه، ومدخله ظلمه، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. انتهى.
هل يحيل الله عباده إلى هذه الأشياء الدقيقة في فهم كتابه بحيث لا يُفهم القرآن إلا بصواريخ تجوب الفضاء وغوّاصات تذهب في أعماق البحار ومناظير تُقرّب البعيد وتُكَبِّر الصغير ثم يجعل مفاتيح ذلك مع أعدائه يكتشفونه في آخر الأمة؟.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
هذا والله من عجائب وقتنا بل ومن ثمار ظلماته موْج في قعر المحيطات العميقة تكتنفه ظلمات، اكتشفه الباحثون ولم يعرفه الأولون، هذا معنى (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أما ما يُرى ويعرف لكل احد وهو أن أعمال الكافر كظلمة ليل بحر مائج يُغطيه السحاب فهذا كأنه لا يبيّن المعنى ولا يفي بالمقصود.
كذلك قوله: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) يوجد فوق الغلاف الجوي فضاء خال من الهواء فالإنسان إذا وصل إليه يجد صعوبة وضيق، فيقال في معنى الآية ببساطة: صفة الكافر في حال سماعه للحق أو انتفاعه به كمن يحاول الصعود إلى السماء فهو ما لا يقدر عليه فهو في ضيق وشدّة وهو على الأرض.
كذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أحياء لا تُرى بالعين لا تعيش بدون الماء.
يقال: معنى الآية أن أصل الأحياء من الماء، كذلك قوله: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) والحاجز بين البحرين والمجرات وأبعادها خيالية والذرات التي لا تُرى.
وغير ذلك إذا تتبّعتَه وجدتَ إحالات على تقدير صحتها فهي كالطلاسم وهذا لا يليق بكلام الله وفهم معانيه فقد جعله سبحانه هدى وشفاء لا أحاجي وطلاسم مفاتيحها بأيدي معطلة دهرية يخرجون في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
آخر الأمة.
إن المقلِّدة يَدَعون الواضح الجلي الهيِّن السهل الصحيح الذي يدركه كل أحد.
إلى شيء على تقدير وجوده خفي صعب باطل لم يرده الله بكلامه لا يُدْرَك إلا بالخيال.
وصاحب كتاب توحيد الخالق يُبالغ بتعظيم هذه العلوم والكشوفات مما جعله ينسب إلى الله وإلى نبيه الباطل فإنه يقول في موج وظلمة بحره المزعوم.
* موج من فوقه موج:
وإلى قبل عام 1900م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندنافيون ليكشفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار، تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) (1).
فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟! وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟ فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون في عهده إلى قبل 76 عاماً؟! ص346. انتهى.
أنظر كيف أن صاحب كتاب توحيد الخالق يقرر أن موجه وظلماته التي في أعماق البحار هي المراد بالآية فهو يقول: (غير أن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان).
وانظر قوله: (فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل 76 عاماً) فنسب موج وظلمة خيال المعطلة إلى أنه معنى الآية وأن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان نبيه، وهذا كذب على الله وعلى رسوله، وقد تقدم أن المراد الموج المشاهد وظلمة الليل وظلمة السحاب بلا تكلف.--------------------------------------------
(1) النور، آية: 40.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
(وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً)
ثم تكلم صاحب كتاب توحيد الخالق في جملة خوضه وخرصه على الجبال فقال: في قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً).
الوتد يُغرس في الرمل لتثبيت الخيمة، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتدادها الطبقة اللزجة التي تقع أسفل الطبقة الصخرية التي تُكَوِّن القارات. فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يُغْرَس في الصحراء وكذلك الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
ولقد تأكد الباحثون من هذا في عام 1965م، وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات، ومالت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن، قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) وقال سبحانه: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (1).--------------------------------------------
(1) توحيد الخالق، ص345.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
صاحب كتاب توحيد الخالق يفسر القرآن كما تبين على مقتضى نظريات المعطلة، وقد بيّنت ولله الحمد انهيارها من أصلها في الكلام على السديم المزعوم، وحيث أنه متابع للقوم فقد خاض في شأن الجبال على مقتضى النظريات الزائفة كما خاض في دوران الأرض على طريقتهم.
وهنا زعم أن الجبال تُثبِّت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة التي زعم أنها لَزِجَه وأنها تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات.
وهكذا تستمر إحالات صاحب كتاب توحيد الخالق إلى ظلمات خيالات المعطلة، وكلامه هذا وغيره مبني على مقتضى نظرياتهم وهو يغصب آيات القرآن غصباً ويقسرها قسْراً لتجاري هذيان الملاحدة.
فالطبقة التي يزعمون أن أصول الجبال مغروسة فيها طبقة مُتَخيَّلة على مقتضى أن الأرض منفصلة من السديم الغازي الدائر وكانت حين انفصالها غازاً دائراً حتى تكثفت وبردت وصارت صالحة للحياة مع استمرار دورانها، فعندهم أنه أثناء دورانها برزت من باطنها الجبال لِتثبِّتها ليس التثبيت الذي أراد الله عز وجل بكلامه وإنما تثبتها عن الاضطراب والميدان حال الدوران.
وحيث أن السديم باطل والدوران باطل فكذلك هذا الكلام عن الجبال باطل لأنه مبني على باطل فالجبال مُلْقاة من أعلى إلى أسفل كما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
تواتر ذكر إلقائها إلقاءاً في القرآن بخلاف دعوى الملاحدة أنها برزت من باطن الأرض أثناء الدوران.
كذلك فتثبيتها للأرض ليس كما زعموا أنه لمنعها من الميدان أثناء الدوران وإنما كما قال السلف قال ابن كثير رحمه الله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً) أي ممهدة للخلائق ذلولاً قارة ساكنة ثابتة. (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) أي جعلها لها أوتاداً أرساها بها وثبتها وقرّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، انتهى من تفسيره.
فإن سألت عن سكونها عن الاضطراب الذي ذكر ابن كثير فلا تظن أنه يوافق هذيان الملاحدة الذين يزعمون أن الجبال تُسَكّن اضطراب الأرض حال الدوران، هذا ظن باطل لأنه كما تبين مبني على أصل باطل.
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة بعد أن ذكر أن الأرض خلقها الله واقفة ساكنة ذكر الجبال وقال: ومن منافعها ما ذكره الله تعالى في كتابه أن جعلها للأرض أوتاداً تثبتها ورواسي بمنزلة مراسي السفن وأعْظِمْ بها من منفعة وحكمة (1).
وقال شيخه ابن تيمية: والأرض يحيط الماء بأكثرها، والهواء يحيط بالماء والأرض، والله تعالى بسط الأرض للأنام وأرساها بالجبال لئلا تميد--------------------------------------------
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
كما تُرْسي السفينة بالأجسام الثقيلة إذا كثرت أمواج البحر وإلا مادت (1).
وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت) (2) فهذا الميدان والاستقرار لأن الأرض والمقصود اليابس منها خلق على الماء فهو يضطرب اضطراب السفينة الواقفة على ساحل البحر، ولذلك توضع عليها الأثقال لِتَسْكن.
والمتأخرون يزعمون أن وظيفة الجبال تثبيت الأرض عن الميدان أثناء الدوران وهذا باطل مبني على السديم الباطل.
ورحم الله ابن القيم حيث يقول: فلا تُتْعب ذهنك بهذيانات الملحدين فإنها عند مَن عرفها مِن هَوَس الشياطين وخيالات المبطلين، وإذا طلع فجر الهدى وأشرقت النبوة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) انتهى.
وأين ابن القيم يرى آيات كلام الله رب العالمين تُحْشَر حَشْراً وتُقْسَر قسْراً لمصاحبة هوس الشياطين وخيالات المبطلين؟.
ويقول صاحب كتاب (من الإعجاز العلمي) ص2/ 57: إن دوران الأرض حول محورها يُشكّل تضاريس سطح الأرض، ثم ذكر بعض--------------------------------------------
(1) الفتاوى 6/ 596.
(2) رواه الترمذي (6/ 154) وأحمد (3/ 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
الجبال وأنها تجمّعت لفترات طويلة من الزمن تصل إلى مئات الملايين من السنين، وبفعل النشاط النووي في باطن الأرض تعرضت هذه الرواسب لحركات رفع تكتونية أدّتْ إلى ظهورها على سطح الأرض على شكل طبقات رسوبية مُلْتوية متخذة شكل السلاسل الجبلية والهضاب العالية. انتهى.
إن دعوى بروز الجبال من باطن الأرض مبني على اعتقاد دورانها واعتقاد دورانها مبني على اعتقاد السديم واعتقاد السديم مبني على اعتقاد تكوينه الذرّي وكل هذا باطل سوف يظهر بطلانه بهذا الكتاب إن شاء الله غير ما تقدم.
والرب سبحانه خلق الجبال في الهواء وألقاها على الأرض لئلا تميد وتضطرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
(قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ)
السير في الأرض لمعرفة كيفية بدء الخلق:
قال صاحب كتاب توحيد الخالق: (إن تحديد المنهج العلمي للبحث أمر في غاية الأهمية، وهذه الآية القرآنية: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ … ) تحدد لنا منهجاً علمياً لمعرفة كيفية بدء الخلق وتبين أنه لا بد لنا من أن نسير في الأرض باحثين ومنقبين، وأن معرفة تلك الكيفية التي بدأ بها الخلق تتوقف على سيرنا على الأرض، وهذا ما وجده الباحثون في هذا الزمان من أنه لا بد من دراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات الأرض المختلفة إذا أردنا أن نعرف بدء الخلق على الأرض فمن أخبر محمداً النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بكل هذا؟.
الجواب: ليس مراد الله بكلامه هذا الهذيان الذي ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق وإنما ذكر هذا لِينزل بمعاني القرآن إلى هذه المستويات الدنيئة الهزيلة السخيفة بل والباطلة، فما للمسلمين ودراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات التربة المختلفة؟.
لقد أراحنا الله من هذا العناء والضلال الذي ظهرت نتائجه عند أعداء الله فتكلموا بأصل الكون السديمي وأصل الإنسان القردي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)