Arabic source text

📘 ইলমুত তাফসীর কাইফা নাশা-আ ওয়া তাতাউওয়ারা হাত্তা ইনতাহা ইলা আসরিনাল হাদির (আব্দুল মুনিম আন-নামর - মৃত্যু 1411 হিজরী)

📘 علم التفسير كيف نشأ وتطور حتى انتهى إلى عصرنا الحاضر (عبد المنعم النمر - ت 1411 هـ)

📘 ইলমুত তাফসীর কাইফা নাশা-আ ওয়া তাতাউওয়ারা হাত্তা ইনতাহা ইলা আসরিনাল হাদির (আব্দুল মুনিম আন-নামর - মৃত্যু 1411 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بتشديد الباء فى قوله تعالى «وَفاكِهَةً وَأَبًّا» فيقول: نهينا عن التكلف والتعمق (1)» وفى رواية أخرى .. أنه كان يقرأ الآية فتساءل عن معنى «الأب» كما روى (2) أيضا أنه كان يقرأ «أو يأخذهم على تخوف» وهو على المنبر، فتساءل عن معنى «تخوف» فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا هو التنقص، ونحن الآن مع تباعد القرون بيننا وبينهم، لا نجد القرآن غامضا علينا إلا النادر منه الذى يحتاج إلى وقفة معه حتى العامى منا يدرك الكثير من معانى الآيات، ويخشع قلبه لما يسمعه ..
وفى ذلك يروى ابن جرير الطبرى عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله:
«التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله» كوقت قيام الساعة.
فالوجهان الأولان ظاهران لا يحتاجان إلى عناء فى فهمهما، والثالث هو مدار البحث والأسئلة، والرابع يسكت عنه لأنه مما استأثر الله بعلمه ..
ومما لا شك فيه أن الصحابة كانوا أحيانا يتوجهون إلى الرسول لفهم بعض الآيات، أو يتولى الرسول شرحها دون سؤال ويتلقى الصحابة الشرح والجواب ..
مما عنيت كتب الحديث بذكره.
ولكن إلى أى مدى نثق فى صحة ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من تفسير لبعض هذه المواضع من القرآن الكريم؟ ذلك أمر تكفلت به كتب السنة الموثوق بها، ولست أعنى بذلك كل كتب السنة المتداولة، لأن بعضها روى فى هذا الباب روايات لا يمكن أن تقبل عقلا .. فمثلا:
أخرج الحاكم عن أنس رضى الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القنطار فى قوله تعالى:
«وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ» (3) فقال: القنطار ألف أوقية «بينما روى الإمام احمد--------------------------------------------
(1) فجر للمرحوم أحمد أمين ص 281.
(2) المصدر السابق عن كتاب الموافقات للشاطبى.
(3) من قوله تعالى «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» الآية 14 سورة آل عمران.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

فى مسنده وابن ماجة عن أبى هريرة رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القنطار اثنا عشر ألف أوقية»
ولو اعتبرنا ما فى الروايتين صحيحا، لكانت النتيجة أن الرسول قال مرة:
القنطار ألف أوقية، ومرة اثنا عشر ألف أوقية، والزمن واحد أو متقارب جدا، لا يحتمل تغيير وزن القنطار، فلا يعقل أن يصدر عن الرسول مثل هذا التناقض الواضح، ومع ذلك فهما روايتان، رواهما الحاكم، والإمام أحمد ..
فلو قبلنا مثل هذه الروايات معصوبى الأعين، مغلقى العقول باعتبار أنها وردت فى بعض كتب السنة لأسأنا إساءة واضحة إلى رسول الله.
ولذلك فإن مما نحمد الله عليه أن نجد من المفسرين مثل الحافظ ابن كثير وتفسيره لهذه الآية يقف وقفة متأنية ناقدة ويقول: «لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فى تحديد القنطار وما ورد من ذلك فموقوف على الصحابة».
وليقل لنا الصحابة ما يشاءون حسب علمهم عن أمورهم، فقد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، ولسنا ملزمين بأن نأخذ ما يروى عنهم كما هو- فكل يؤخذ منه ويردّ عليه، ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بد إذن من التحوط فى قبول بعض الأحاديث الخاصة بتفسير القرآن، المروية فى بعض كتب الحديث عن الرسول بحيث لا نقبل منها إلا المقطوع بصحته فى كتب السنة، ذات الدرجة الأولى فى التوثيق، وإذا كان هذا بالنسبة لما يروى عن رسول الله فى تفسير القرآن فإن ما يروى عن الصحابة والتابعين يجب أن نقف موقف التحرز والتحوط منه، وما علينا من شىء إذا لم نقبل ما روى عن أحد منهم، وقلنا بغيره.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

‌‌ابن عباس وما روى عنه
وأذكر هنا على الأخص ما يروى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى باب التفسير، فقد أكثر الرواة الرواية عنه، حتى لا تجد آية فى القرآن غالبا إلا ويذكرون فيها قولا أو رواية لابن عباس، بل إن هناك تفسيرا خاصا به، منسوبا إليه .. قد يزعم الكثيرون أنه رواه عن رسول الله. وهو مطبوع.
وابن عباس كان فى نحو الثانية عشرة من عمره حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عمر لا يسمح بمثل هذه الاستزادة من الرسول، إلا أنه كان له من الفطنة والذكاء المبكرين، وطهارة المنبت، ومن دعاء الرسول له «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» يعنى التفسير لما رآه فيه من فطنة وذكاء مبكرين، كما كان له من الحرص الشديد على تعويض ما فاته مباشرة عن رسول الله بالتلقى عن أصحابه، أينما كانوا، وتفريغ وقته لذلك، وقد توفى فى نحو السبعين من عمره بجانب تبحره فى علوم اللغة، وحفظ أقوال العرب وشعرهم، أقول كان له من ذلك كله، ما جعله يحتل منزلته العلمية منذ عمره المبكر، ويأخذ- لذلك- من اجلال الصحابة وفى مقدمتهم الخلفاء الراشدون- ما لم يقاربه فيه أمثاله وقرناؤه .. حتى رويت روايات كثيرة فى فضله العلمى، وتبحره فى علوم الدين واللغة، ولكنا مع اعتقادنا بمكانة ابن عباس العلمية، نكاد نشك، أو نشك فعلا كما شك الأقدمون فى الكثير مما روى عنه فى التفسير، حتى يقول الإمام الشافعى رضى الله عنه: «لم يثبت عن ابن عباس فى التفسير إلا شبيه بمائة حديث (1)» ونعتقد أن الكثير مما نسب لابن عباس من روايات قد أضيف إليه فى زمن الدولة العباسية، المنسوبة إليه وإلى أبيه العباس، ويرضيهم ويسرهم كل من يتقدم بزيادة علم وفخر لابن عباس--------------------------------------------
(1) الإتقان ج 2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

تقربا وتزلفا. والساعون لذلك كثيرون، ومن هذا وذاك تكونت الهالة الكبرى حول اسمه.
وهناك أمر آخر نعتقد أنه كان من أسباب الزيادات على ابن عباس.
فابن عباس مشهور بالعلم وله نسبه ومكانته والوضاعون لم يتورعوا عن الوضع على رسول الله ليؤيدوا وجهة نظرهم، برغم إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم للكذابين الذين ينسبون إليه ما لم يقله: (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ..
أقول إذا كان هناك من تجرأ ونسب إلى الرسول ما لم يقله، برغم هذا الإنذار، فإن الأمر يكون سهلا فى ذلك بالنسبة للوضع على ابن عباس، ونسبة كلام اليه لم يقله .. وهى- أعنى النسبة لابن عباس- تكسب الكلام على أية حال قوة لا يكتسبها من مجرد نسبة الكلام أو الرأى لقائله.
ومن هذا وذاك كثرت نسبة الروايات لابن عباس حتى وجدنا العلماء الناقدين يقفون أمام هذه الكثرة ويزنونها بالموازين التى وزنوا بها أحاديث الرسول أعنى من وجهة الرجال الذين رووا كلامه، ومبلغهم من الثقة، فيزيفون الكثير، ويضعفون الكثير، ويخرجون لنا بالطريقة أو ببعض الطرق التى يمكن أن نثق بها على تفاوت فى هذه الثقة.
ولا شك أن اهتمام الناقدين من العلماء بنقد الرجال الذين يروون عن ابن عباس هو دليل على اهتمامهم، أو إن شئت فقل اهتمام جمهرة طلاب العلم والعلماء، بما يروى عنه، واحتجاجهم به، فكان لا بدّ من غربلته، حتى يتبين الصحيح السليم من غيره.
ولعل مظهر هذا الاهتمام يبدو لنا واضحا جليا فى كتب التفسير .. فإننا لا نكاد نجد آية إلا وقد روى المفسرون فى معناها رأيا لابن عباس، وقد يذكرون له رأيين متعارضين فى الآية، مما يقطع بعدم صحة الروايتين أو إحداهما على الأقل، ومع ذلك تروى الروايتان!! كما رووا عنه فى اسم الشجرة التى أكل منها آدم فى تفسير الطبرى ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

‌‌[ابن عباس والاسرائيليات]
ولقد أخذ على ابن عباس أو على ما روى عنه، كثير من الروايات الغريبة، التى تدل على أن مصدرها ليس هو القرآن، ولا الحديث، ولكن من الكتب والمعلومات الإسرائيلية، مما يقطع- إن صحت نسبة هذه الروايات إليه- بأنه كان يستفيد ممن أسلم من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار فى موضوعات من القرآن لا تتعلق بعقيدة أو تكليف من التكاليف، فإن هذين لا يصح أن يلجأ فيهما إلى غير ما ورد فى القرآن، ولا يعقل أن ابن عباس كان يروى عنهم فى هذا، لكنه كان يروى- فيما يقول الرواة عنه- فيما يشبع فضول الناس فى القصص التى جاءت فى القرآن الكريم، مما طواه وسكت عنه، وكان مسلمو أهل الكتاب يتحدثون بما يشبع هذا الفضول، الذى لا نزال نرى كثيرا من المسلمين يتعلقون به حتى الآن- وإلا فمن أين جاء لابن عباس أو لغيره، كعلى رضى الله عنهم، بمثل هذه التفصيلات؟ ..
وقد قلت من قبل: إن صحت هذه الروايات .. لأنى أشك فى أن رجلا كابن عباس أو على رضى الله عنهما يسلم عقله ودينه لأمثال هؤلاء ويأخذ عنهم.
وأمامهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلّهم إلى الطريقة التى يجب أن تتبع فى مثل هذه الحالة: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ومعلوم أن هذا فى غير ما ورد فيه نص من القرآن، وما هو من أصول وتعاليم الإسلام .. فإنه لو وافق كلامهم ما عندنا صدقناهم. وإن خالفه كذبناهم، فالحديث إذن فيما سكت القرآن عن بيانه فى القصص مثلا. فلا يعقل إذن أن يأخذ ابن عباس عن الإسرائيليين مثلا: لون كلب أهل الكهف، ولا نوع خشب سفينة نوح، وأمثال هذا مما لم يتعرض له القرآن، لعدم الحاجة إليه، ولاكتمال العبرة فى القصة بدونه، ولنهى الرسول عن تصديقهم أو تكذيبهم فيه، لأن نقله عنهم وتعليمه للناس معناه تصديقهم فيه والاقتناع به.

‌‌[يعيب على الأخذ عنهم]
وإذا أضفنا الى هذا ما رواه الإمام البخارى عن ابن عباس أنه وقف يخطب الناس، وقد هاله اتجاههم لأهل الكتاب، ليشبعوا فضولهم العلمى بسؤالهم عن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

أشياء لم يذكرها القرآن فقال لهم: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الاخبار بالله، تقرءونه لم يشب؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: (هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم. أى ليأخذه عنكم، ومفهوم أنهم لم يكونوا يسألونهم عن الصلاة أو تحريم الخمر أو كيفية الحج مثلا، بل كانوا يسألونهم عن أشياء فى القصص وأمثالها، مما سكت القرآن عنه لعدم الحاجة فى العبرة إليه. جريا وراء الفضول العلمى، وغريزة حب الاستطلاع.
فلا يعقل إذن أمام هذا الحديث الصحيح أن ينهى ابن عباس المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب، وتصديق ما فى كتبهم بهذه الصورة، ثم يسأل هو أهل الكتاب عن أشياء يرجعون فى الإجابة عنها إلى كتبهم ومعلوماتهم، التى عرفوها من هذه الكتب، بل وخيالاتهم.
ولا يغير من الموضوع شيئا أن الذين كان يسألهم ابن عباس قد أسلموا، إن قلنا إنه كان ينهى المسلمين عن الأخذ من أهل الكتاب الذين لم يسلموا، لأن المصدر فى الحالتين واحد وهو كتبهم .. ولا يعقل أن ينهاهم عن شىء وهو يفعله. اللهم إلا إذا كانت ثقته الكاملة فيهم جعلته يستبعد أن يخبروه بشيء غير واثقين به.
وإزاء هذا لا نملك إلا أن نهوى على رأس كل الروايات التى ذكرت فى التفسير إلى ابن عباس فى هذه الناحية فنطيح بها، ونبرئ ابن عباس من مسئوليتها، ونتحمل وزر بقائها فى كتب التفسير المتداولة حتى الآن، تحشو أذهان المتعلمين والقراء بمعلومات واهية، لا سند لها، وتخرج لنا جيلا مخرفا من طلاب العلم، فإن العملة الزائفة تطرد العملة الصحيحة من السوق وتقضى عليها كما يقال.
ولا بد لنا مع ذلك من وقفة قصيرة مع صرخة ابن عباس هذه فى المسلمين، ينهاهم عن مساءلة أهل الكتاب والتعلم عليهم بهذه الشدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

فابن عباس لا يقف هذا الموقف، أو يحمل هذه الحملة، إلا لأنه رأى أن إقبال المسلمين على التعلم من أهل الكتاب، والتأثر بهم، قد أصبح ظاهرة تنذر بالخطر .. وهى ظاهرة تشبه الظاهرة التى تقلق الكثيرين منا الآن، والتى تتمثل فى الإقبال على كل ما يرد لنا من الغرب من أفكار وأنظمة، والإعجاب بها، مع عدم الالتفات الواجب إلى كتابنا وعلمنا وأفكارنا .. وذلك يشبه التهيؤ النفسى لفقد الثقة بالنفس فى أمر مهم يتصل بصميم كيان المسلمين، وكتابهم .. ألا ترى لقول ابن عباس لهم: (ولا والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم) فلم إذن تعتمدون على علمهم وتثقون بكلامهم؟.
فلم يحمل ابن عباس على هذا الهجوم- إذن- إلا الخطر الذى أحسه من الاندلاق على معلومات أهل الكتاب فى أمور لا تلزم المسلمين. ولا ينقص من شأنهم عدم العلم بها، بل ربما شوّشت عليهم ونخرت عقولهم.
فهل يعقل مع هذه الصرخة والشدة أن ينقل ابن عباس عن أهل الكتاب ويصدقهم؟!!
ومع ذلك فان هذه الظاهرة تبين لنا إلى أى حد اختلطت معلومات المسلمين- فى القصص وأمثالها- بمعلومات أهل الكتاب، مما يدعونا إلى الشك فى كل رواية فى هذا الموضوع، حتى ولو رويت عن رجل ثقة لا نشك فى عدالته.، إذ من الذى أنبأه وخبره؟ ومن أين استقى العلم الذى يقوله؟ ..
وكثير من المزيفين زيفوا على العدول روايات، ونسبوها إليهم .. وإننا لا نستطيع القول بأن الناس- كل الناس- قد امتنعوا عن مساءلة أهل الكتاب، أو أن هذه الظاهرة التى أقلقت ابن عباس قد اختفت، وقضى عليها فى كل مجتمعات العالم الإسلامى حينذاك، بمجرد أن ابن عباس أو غيره ممن يكون قد هالته هذه الظاهرة قد نبه وقرع الأجراس.

‌‌حديث آخر
وهناك حديث لا بد من إيراده هنا، فإنى أعرف أن كثيرا من القراء المتخصصين سيذكرونه، وهم يقرءون هذا الإنكار على من يأخذ من أهل الكتاب فى تفسير القرآن، أو ربما ذكروه فيما كتبوا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

هذا الحديث فيما رواه البخارى عن عبد الله بن عمر هو: «بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج. ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (1) فبعض المشتغلين بالتفسير من العلماء يرون أن هذا يفيد إباحة النقل، والتحدث عن أهل الكتاب فيما يروونه وينقلونه من كتبهم!!
ولا بد لنا حينئذ من وضع الحديث الأول هنا بجانب هذا الحديث- وكلاهما رواه البخارى (2) - يقول عليه الصلاة والسلام «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ .. » الآية (3).
فأصبح أمامنا حديثان: الأول .. يدعونا إلى ألّا نصدق أهل الكتاب، ولا نكذبهم فيما يروونه من كتبهم، ومعنى هذا أننا لا ننقل عنهم، لأن النقل يؤدى إلى ترويج كلامهم، وحمل الناس على تصديقه، لا سيما إذا كان الناقل موثوقا به عند الناس .. والنتيجة أننا لا يصح أن نحدث عن بنى اسرائيل. والثانى يقول: (بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج) ويأتى هذا الأمر بعد الأمر بالتبليغ عن الرسول ولو آية .. كأنهما بميزان واحد أو متقاربان على الأقل فى إفادة العلم وفى ضرورة الثقة!!
والحديثان فى ظاهرهما لا يمكن أن يصدرا عن الرسول .. فلا بد اذن من شىء خفى يحتاج إلى التأويل فى معنى الحديثين حتى يلتقيا ..
وقد سبق أن بينا معنى حديث (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقلنا إن مجال تحقيق هذا الحديث وتنفيذ ما جاء فيه، هو ما لم يرد فيه نص من القرآن أو السنة .. مثل ما سكت عنه القرآن من تفاصيل القصص .. فلا يصح أن ننقلها عنهم، ونحكى للناس لون كلب أهل الكهف، ونوع خشب سفينة نوح الخ ..--------------------------------------------
(1) ج 6 من فتح البارى فى شرح البخارى- كتاب الأنبياء- باب ما ذكر عن بنى اسرائل.
(2) فى فتح البارى ص 120 ج 8.
(3) 136 - من سورة البقرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

فأين مجال الحديث الآخر: (حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج)؟ إن كان الأخذ عنهم فيما جاء به القرآن أو تحدث به الرسول فلا مانع ولا حرج. لأنه يكون مؤيدا لهما، وإن كانا فى غير حاجة لتأييد، لكنه استئناس على كل حال تقرّ به العيون .. إلا أنه ليس موضوع كلامنا.
إن كلامنا فيما سكت القرآن عن بيانه كما سبق، فجاء أهل الكتاب فبينوه، فقالوا لنا مثلا: لون الكلب أبيض أو أسود أو الخشب كان من الزان أو الساج مثلا؛ فهل الحديث الذى يقول «حدثوا عن أهل الكتاب ولا حرج» يبيح لنا أن نمشى وراء أهل الكتاب، عند ما نفسر القرآن، ونقول ما قالوه، فى هذا وذاك- ولو أنه لا يقدم ولا يؤخر لكنه ينسب الى تفسير القرآن، ويتناقله العلماء كأنه شىء ثابت. وهو لا أصل له يعتد به؟
هل الحديث يبيح لنا أن نحكى عنهم أن الموت يأتى فى صورة كبش، والحياة فى صورة فرس، كما نسب إلى ابن عباس فى بعض كتب التفسير؟!
هل الحديث يبيح لنا أن نفسر القرآن بما يحكونه- عن كتبهم- من أحوالهم وأعاجيبهم، ويكون معنى ذلك تصديقهم دون سند عندنا نستند إليه إلا كلامهم؟ ..
أعتقد .. لا. ولا .. لأن الرسول قال فى هذا: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن يمكن أن تسمعوا، ولا تعلقوا، وكونوا على حذر. لا تصدقوهم، لأن تصديقهم خطر، ولا تكذبوهم، لأن ذلك ربما يؤدى إلى شقاق وخلاف، أنتم فى غنى عنه. وربما كان صحيحا فتكونون قد أنكرتم الصحيح وأنتم لا تعلمون وهذه هى منتهى العدالة فى العلم وفى الدين ومنتهى الحياد.
ولا يبقى عندنا- لقبول الحديثين- إلا أن نقول: معناه حدثوا عنهم فيما يتفق حديثهم فيه مع ما تعرفونه من كتابكم وسنة نبيكم. وهذا أقصى ما يمكن أن نهضمه حتى لا نرد الحديث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

وحينئذ لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث على إباحة أخذ معلومات عن الإسرائيليين، لتفسير أو توضيح ما سكت القرآن عن بيانه

‌‌[احتلال اسرائيلى]
لقد احتل الإسرائيليون فى وقت مبكر أدمغة كثير من المفسرين، وأفسدوا علينا صفاء القرآن، وصفاء الأفكار، وشغلوا علماءنا بأقاويلهم وأضاعوا عليهم وعلينا أوقاتنا، وكانوا هم السبب فى كثير من الخرافات التى تحتل أدمغة المسلمين فى كل مكان وزمان.
إنه احتلال سطا على الفكر الإسلامى أيام ازدهاره، ودام قرونا، وسيدوم، إن لم نتدارك الأمر وننقى كتبنا ونخلصها من هذا الاحتلال .. وما أخطره من احتلال .. وما أشد فتكه بالعقول!! ولعل مجمع البحوث يكمل ما بدأه فى هذه الناحية ..
ترانى قد وقفت كثيرا مع ابن عباس. ولا بأس فى ذلك .. بل الأمر معه قد يستحق وقفة أطول، وتشريحا أكثر فى كتاب ضخم ودراسة أعمق، لأنه عند كل المفسرين العمود الفقرى فى التفسير، حتى الذين عرف عنهم أو عن كتبهم (التفسير بالرأى لا بالمأثور) تجدهم يعنون بذكر بعض الروايات فى تفسير الآية، وفى مقدمتها ما يروى عن ابن عباس، لما ذكرنا من الهالة العلمية التى أحيط بها.
فهو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، دعا له الرسول: فقال «اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل» فلماذا لا نأخذ عنه؟
وليس لنا من قصد فى ذلك .. إلا أن يتحرر القارئ من بريق الرواية عن ابن عباس، وألا يحشو بها فكره. قبل أن ينظر إليها نظرة الناقد البصير .. فإن ابن عباس مظلوم فى الكثير مما أسند إليه ..

‌‌[ليس تفسيره]
حتى تفسيره الذى عرف باسمه والمسمى (تنوير المقياس من تفسير ابن عباس) المطبوع المتداول والذى عنى بجمعه العلامة مجد الدين الفيروزآبادي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

صاحب القاموس المحيط .. هذا التفسير ضعيف الصلة بابن عباس إن لم نقل إنه مما نسب إليه زورا ..
يقول المرحوم الشيخ محمد على النجار فى مقدمته لكتاب البصائر (1) للفيروزآبادي وهو يتحدث عن مؤلفاته وآثاره: «ومن هذا أنه جمع ما يروى فى التفسير عن ابن عباس، واعتمد على رواية محمد بن مروان عن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس. ويقول السيوطى فى الاتقان (2) فى النوع الثمانين الذى عقده لطبقات المفسرين: إن أوهى الطرق عن ابن عباس طريق الكلبى عن أبى صالح عنه. فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدى الصغير فهى سلسلة الكذب»
ومع أن هذه هى حقيقة كتاب التفسير المنسوب لابن عباس، فإن جمهرة العلماء والمتعلمين لا يعرفون هذا ويأخذون كل رأى فيه على أنه لابن عباس!!
أرأيت إلى هذه المظاهرة الكبيرة التى أقامها المفسرون والرواة لابن عباس وما نسب إليه، والتى اندس فيها كثير من ذوى الأغراض المشبوهة، ودسّوا عليه نسب كثير من الكتب والروايات؟
ومع أنه من المعروف عند رجال الجرح والتعديل- أو بلفظ آخر عند نقاد الرواة- أن طرق الرواية عن ابن عباس كثيرة، وأنهم لم يعتمدوا إلا القليل منها، وزيفوا الكثير. فإن بعض المفسرين لم يتحر الدقة فى الرواية عن الموثوق بهم، وترك من عداهم، بل روى عن هؤلاء وهؤلاء دون أى تعليق، ثم جاءت طبقة أخرى من المفسرين أغفلوا أسماء الرواة .. وأوردوا ما رووه من أقوال منسوبة إلى ابن عباس وكأنها قضية مسلمة. وقرأ القراء ذلك، دون أن يخالطهم شك فى نزاهة المفسر، وفى صحة هذه الأقوال التى أوردها، فقبلوها، وتحدثوا بها، واعتمدوا عليها فى تفسيرهم. فدخل من هذه الناحية على التفسير وعلى العقول خلط كثير.--------------------------------------------
(1) حققه المرحوم الشيخ محمد على النجار وصدر عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة سنة 1964 م، ص (10) من مقدمة الجزء الأول.
(2) (189) من الجزء الثانى طبعة حجازى بالقاهرة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

أذكر هنا على سبيل المثال ما جاء فى بعض كتب التفسير معزوا إلى ابن عباس عند قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) من سورة تبارك، فتقول: «واعلم أنه اختلف فى الموت والحياة» ولا أدرى فيم الاختلاف، ولكن انتظر وأقرأ التفاصيل «فحكى عن ابن عباس والكلبى ومقاتل (هكذا بالجملة): أن الموت والحياة جسمان. فالموت فى هيئة كبش أملح، لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهى التى كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام يركبونها!! خطوتها مد البصر!! فوق الحمار ودون البغل!! لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى!! ولا تطأ على شىء إلا حيى!! وهى التى أخذ السامرى من أثرها ترابا فألقاه على العجل فحيى الخ ..
فهل يعقل أن تقبل عقلية نيرة كعقلية ابن عباس مثل هذا الكلام. ثم من الذى رواه عن ابن عباس؟ لقد ذكر بجانبه الكلبى ومقاتل. والكلبى هذا قال عنه النقاد أنه من الوضاعين الكذابين، ولا يوثق بروايته .. ومع ذلك كله ..
نجد هذا فى بعض كتب التفسير (1) التى يتناولها المبتدءون وغيرهم، وتغذى عقولهم بهذه الروايات، التى تفوق كل خيال، والتى ينفر منها كل ذى عقل يحترم نفسه. فهل كان العالم العلامة العارف بالله الشيخ أحمد الصاوى. الذى نقل هذا الكلام لا يعرف قيمة الرواية عن الكلبى؟
لكنه روى .. والسلام ..
وأمثال هذا كثير لا يحصى، ويكاد يغطى معظم تفسير الآيات الكريمة، ولا سيما عند ما تتعرض الآيات لقصة من القصص أو لأمر من الأمور الغيبية.
ابن عباس .. مظلوم، فكم اعتدى باسمه على تفسير القرآن وعلى العقول!!
حتى فى الأشياء التى لا يتصور عليها خلاف يعنى بعض المفسرين بذكر خلاف على ماهية الموت والحياة ويجر المظلوم ابن عباس جرا إلى معركة الخلاف، وينسب إليه هذا الكلام!!--------------------------------------------
(1) وجدت هذا فى حاشية الصاوى على تفسير الجلالين. ولا بد أنه مذكور فى غيره لأن الصاوى ينقل عن غيره غالبا .. أو دائما ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

ابن عباس .. كان عملاقا فى علمه المصفى .. فاستغل اسمه وسمعته العلمية كل من أراد ترويج بضاعته الإسرائيلية الزائفة .. تماما كما يستغل بعض المزورين الاستغلاليين الآن أسماء الشركات الموثوق بها فى ترويج بضاعتهم التافهة الهزيلة.
وعفوا إذا وقفنا مع ابن عباس رضى الله عنهما، هذه الوقفة فهو وما روى عنه يستحقها بل وأكثر منها .. محاولة منا لوضع الأمور فى نصابها ..
ولننتقل إلى الموقف العام للصحابة من التفسير ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

‌‌الصحابة وفهمهم للقرآن اعتبارات لا بدّ من مراعاتها ..
ونعود للكلام عن الصحابة رضوان الله عليهم ومدى فهمهم للقرآن وتفسيرهم له بشيء أكثر من التفصيل ..
فحين نقول إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يفهمون القرآن، قد ينطبع فى أذهان الكثيرين أنهم كانوا يفهمونه على النحو التفصيلى الذى نراه الآن فى كتب التفسير، بحيث لم تكن هناك كلمة أو عبارة غامضة عليهم، لا سيما وهم عرب فصحاء والرسول صلى الله عليه وسلم معهم، يعلمهم ويرشدهم، ويستطيعون سؤاله عن كل شىء يدق فهمه عليهم …
فهل كان الأمر كذلك؟.
وإذا شئنا أن نضع هذا السؤال فى صيغة أخرى، فإنه يمكن أن نقول: إلى أى حد كان الصحابة يفهمون القرآن ويفسرونه؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نضع أمام اعتبارنا الأمور الآتية:
1 - أن القرآن عربى والصحابة عرب فصحاء.
2 - أنهم لم يكونوا سواء فى الفهم أو الذكاء، كما لم يكونوا سواء فى قربهم من الرسول وبعدهم عنه.
3 - أن الوقت كان وقت دعوة وبناء للعقيدة ودفاع عنها بالحجة أو السيف.
4 - أن الصحابة كان همهم الأول الإيمان مع التطبيق والسلوك.
5 - أن آيات نزلت وأحاديث صدرت من الرسول تحد من تتبع المتشابهات ومن كثرة السؤال …
6 - أن البيئة العربية فى ذلك الوقت لم تكن بيئة علمية بالمعنى المعروف ..
هذه الاعتبارات يجب أن نضعها أمامنا، ونحن نتحدث عن فهم الصحابة للقرآن أو تفسيرهم له.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

ويمكن أن نتناول كل اعتبار من هذه الاعتبارات بشيء من البسط والتوضيح.
نزل القرآن باللغة العربية فى عهد ازدهرت فيه هذه اللغة، فلم يكن قد داخل الألسنة شىء مما داخلها بعد ذلك حين اختلط العرب بغيرهم، من أبناء البلاد التى اعتنقت الإسلام، ولقد امتن الله سبحانه على العرب بنزول القرآن بلغتهم، وفى متناول فهمهم
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (1)
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ (3)
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ 193 عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ 194 بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ 195 (4)
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)
ومؤدى هذا كله أن القرآن نزل بلغة العرب واضحا وبينا، لكى يعقلوه ويتدبروه، ويصلوا عن هذا الطريق إلى الإيمان به، وبالذى أنزله، ومن أنزل عليه .. وقد جعل الله معجزة رسوله فى هذا القرآن، وتحدى العرب أن يأتوا بسورة من مثله فى بلاغته وبيانه .. وهذا يقتضى بالطبع أن يكونوا مدركين له، وللمعانى التى احتوت عليها الآيات وعبرت عنها الكلمات .. إذ بغير إدراك المعانى لا يمكن تذوق البلاغة، ولا الإحساس بالعجز عن مجاراة القرآن فى التعبير عنها بمثل هذا الأسلوب.--------------------------------------------
(1) أول سورة يوسف.
(2) سورة الزخرف.
(3) سورة فصلت.
(4) الشعراء/ 195.
(5) فصلت/ 3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

وهذا الذى كان .. فقد اتخذ الرسول من بلاغة القرآن أقوى سلاح لدعوته ..
فكان يحرص فى مجالات الدعوة للإيمان على أن يقرأ على المشركين العرب آيات منه، وهو مدرك تماما أنهم يتفاعلون مع تعبيراته، ويحسون ما فيها من روعة تفوق كل روعة يحسونها من كلام الخطباء وشعر الشعراء .. حتى كانوا يضطرون وهم فى ذروة معارضته، والحملة عليه إلى اعتراف بعضهم لبعض سرا، بأن هذا ليس من كلام
البشر، ولكنهم اتهموه أمام العامة بأنه سحر مبين، وأصدر زعماؤهم تحذيرا عاما من الاستماع إليه خوفا من تأثيره عليهم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ 26 (1)
وقد وجدنا فى قصة إسلام عمر أن استماعه لآيات من سورة (طه) أطفأت ما فى نفسه من حمية جاهلية، وقلبته من رجل يتوعد الرسول، ويستعد لقتله، إلى رجل هادئ، وادع، يستسلم للرسول، ويؤمن به، ويعز الله الإسلام بجرأته.
هذا- وأمثاله كثير- يدلنا بلا شك على أن القرآن كان مفهوما للعرب بمجرد أن يسمعوه، إذ لو لم يفهموه لما تأثروا به، ولما سحرهم بقوة بيانه وبلاغته ..

‌‌ولكن أى فهم كان؟
لقد نزل القرآن يتحدث عن العقائد، كما يتحدث عن التشريع، وعن قصص السابقين، وعن خلق الكون، وبعض مظاهره وذلك بأسلوب جديد عليهم فى قوته وبيانه، مستعملا الحقيقة والمجاز والكناية، وكثير من الموضوعات التى تحدث عنها جديدة عليهم، فإلى أى مدى كان فهمهم للآيات التى تتحدث عن هذا كله؟
هل كان فهمهم مستوعبا لكل آية، وكل كلمة وعبارة، وفى أى موضوع من الموضوعات التى تحدث عنها القرآن؟--------------------------------------------
(1) فصلت/ 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

أو أنهم مع تأثرهم العام ببلاغة القرآن لا يلزم أن يكونوا ملمين بمعانى القرآن كله وكلماته، بل كانت تفوتهم معانى بعض الكلمات أو العبارات، والغرض المراد منها؟ تبعا لاختلاف مستوياتهم فى الفهم والذكاء، أو لقربهم من الرسول- مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه، أو لظروف أخرى غير ذلك؟
إن الإجابة عن هذا تحتاج إلى أن نعرف الجوانب التى كانت تستحوذ على الرسول وصحابته فى بناء حياتهم الجديدة، لأن هذه الجوانب هى التى يمكن أن تبين لنا ما إذا كان عندهم وقت فراغ يتيح لهم التوسع والاستيعاب، وتبين لنا المنهج الذى كان يتناسب مع هذه الحياة الجديدة، أو يفرض نفسه فرضا عليها.
كما أن الإجابة تحتاج إلى معرفة المحصول العلمى، الذى كان لدى الصحابة قبل إسلامهم، واستقبلوا به القرآن وما جاء به من معارف وعلوم، لأن الرجل المحدود المعرفة، قد يكفيه من الفهم السطحى العابر، أو الإجمالى العام ما لا يكفى الرجل الواسع المعرفة والثقافة. فكلاهما له نظرته الخاصة فيما يقرؤه أو يسمعه، وله تساؤلاته ومناقشاته، وموضوعاته، التى يمكنه أن يخوض فيها، ويسأل عنها، كما هو مشاهد محسوس الآن من الفرق بين الجو العلمى للوسط المثقف، وبين الجو العلمى للوسط الذى لم ينل حظا من الثقافة، من حيث الفهم والدقة فيه، ومن حيث نوع الأسئلة التى تطرح للإجابة عنها ..
وعلى أساس تحديد الجوانب المهمة فى الحياة الجديدة، والوقوف على ما كان لدى الصحابة من محصول علمى سابق، يمكن تحديد الاتجاه الذى اتجهوا إليه فى فهمهم للقرآن وتفسيره، لأن الطابع العام للحياة فى أى عصر من العصور، له تأثيره القوى على الاتجاه العام للناس، فى فهم القرآن. فطابع الحياة فى عهود الاختلاف ونشوء الفرق مثلا .. أضفى على تفسير القرآن اتجاها يتناسب معه، كما نلمس ذلك فى بعض التفاسير، وفى توجيه المفسر للآية، وفهمه لها على حسب اتجاهه السياسى أو المذهبى، والطابع العلمى الذى يمتاز به عصرنا دفع كثيرا من الناس إلى إضفاء الثوب العلمى على كثير جدا من آيات القرآن وفسروها تفسيرا علميا، حتى خرجوا أحيانا عن الحد المناسب .. وهكذا …

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

‌‌بناء العقيدة أولا:
لقد كان أهم شىء فى الحياة الجديدة هو- أولا- بناء العقيدة السليمة- عقيدة التوحيد، والقضاء على كل المظاهر التى تتنافى معها، ولم يكن ذلك بالأمر السهل فى بيئة مردت على الشرك، وعبادة الأصنام، والتعلق بالخرافات، والاستهانة بالعقول، إلى حد أنها كانت تحكّم الطيور والأحجار فيما تقدم عليه من أفعال،. وكانت تعد الخروج على شىء من ذلك، خروجا على مقدسات الآباء الموروثة وتقاليدهم، وثورة على ما تواضع عليه المجتمع، تجب المبادرة بقمعها والقضاء عليها.
ومن هنا كانت العناية المركزة فى القرآن الكريم، وفى دعوة الرسول، على عقيدة التوحيد والبعث.
كان الإشراك قد تحصن فى عقول العرب، حتى أصبحوا يعدّون ما عداه أمرا غريبا يلفت النظر، ويدعو إلى العجب، والدعوة إلى التوحيد مؤامرة تستدعى الحذر
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ 5 وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ 6 (1)
فهذا الحصن هو الذى يقف أمام دعوة الإسلام. ولا يمكن أن يلجأ الداعون للتوحيد إلى التسلسل من ورائه وتركه .. لا بد من مجابهته، وهدمه حجرا حجرا، بل لا بدّ من إزالة أنقاضه، وترابه وغباره، وكل أثر من آثاره.
… وهذا كله ليس بالأمر السهل فإن هدم الحصون الحجرية- أو الخرسانية بلغة العصر- قد يكون أسهل كثيرا من التغلب على الحصون العقلية والتقليدية.
ومن هنا يمكن أن نتصور أى شىء كان يشغل الرسول ومن آمن معه، ويأخذ منهم كل أوقاتهم وجهودهم.--------------------------------------------
(1) أوائل سورة «ص».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

والقارئ يعلم بلا شك تلك الظروف التى عاش فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون القليلون معه فى مكة مدة ثلاث عشرة سنة .. كما يعلم الظروف التى عاش
فيها الرسول مع صحابته بعد ذلك فى المدينة.
وكلها ظروف تحتم توجيه أكبر قسط من الجهد والعناية للأمور الأكثر أهمية بالنسبة للدين الجديد: من الدعوة إليه والتمسك بمبادئه وتشريعاته من ناحية، والدفاع المستميت عنه ضد أعدائه من ناحية أخرى، أو بلغة العصر الحديث:
إقامة بناء جديد قوى للدعوة فى الداخل، ودفاع وحماية لها من أعدائها فى الخارج.
وهذا هو الذى كان، فلقد انصرف الرسول وصحابته بكل ما يسعهم من جهد وطاقة، إلى تدعيم العقيدة فى النفوس، والعناية بالتطبيق لكل ما جاء به الدين من تشريعات، والاستعداد التام لمجابهة كل عدو والوقوف أمامه. [وهذا يعنى أن الناحية العلمية كانت هى الجانب الأهم فى حياة الرسول والمؤمنين، وكان المسلمون ينصرفون إليها بكل جهودهم ووقتهم، بعد أن يعلمهم الرسول القائد، ما عليهم من واجبات ..
ثم لا ننسى أنه كان عليهم واجبات معيشية أخرى غير واجبات دينهم ..
[ولا ننسى أيضا أنهم مع حرصهم الشديد على التجاوب التام مع دينهم، وعلى حفظ القرآن، لم يستطع أكثرهم متابعة ما ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن بالحفظ والاستظهار .. ولم يكن هناك أمر فى القرآن، ولا فى كلام الرسول، يوجب عليهم استظهاره كله .. لأن ذلك شىء قد يشق عليهم، ولا يستطيعون احتماله، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. وليس المهم الحفظ والاستظهار، وإنما المهم فى الدرجة الأولى: التنفيذ والعمل .. وهو ما حرصوا عليه، وقاموا به.
صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يحفظوا، وكانوا هم الآخرين يتسابقون إلى الحفظ، ويعتبرونه مفخرة، لكن ذلك كله لم يصل إلى حد أن كل واحد منهم قد وجد الفرص الكافية لحفظ القرآن كله … وإن كان كل واحد لم يفته أن يحفظ شيئا من القرآن قليلا أو كثيرا ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

وكانوا يتفاوتون فى هذا الحفظ ويتفاضلون به، فحفظ كل منهم قدر ما يستطيع، على حسب ما يتيسر له، وإن كان هناك من الصحابة جمّ غفير عرف عنهم أنهم حفظوا القرآن كله فى عهد رسول الله.
ولا شك فى أن الواحد منهم إنما كان يعنى بتفسير ما يحفظ وفهمه، على قدر استطاعته، أو بالاستعانة بالرسول، أو بغيره من الصحابة، ممن يتوسم فيهم المعرفة. أما ما لا يحفظه فإننا لا نستطيع القول بأنه عنى بفهمه أو بتفهمه، اللهم إلا إذا سمع أحدا يقرؤه.
ومؤدى هذا كله أن الصحابة رضوان الله عليهم مع عنايتهم الشديدة بالقرآن، لم يتيسر لجمهرتهم حفظه كله، كما لم يتوفر لهم بالتالى تفسيره وفهمه تفصيلا، وإن كان هناك من خواصهم من تيسر لهم حفظه، وتوفر على فهمه قدر استطاعته.
وفى ذلك نروى ما قاله مسروق ((جالست أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فوجدتهم كالإخاذ- يعنى الغدير- فالإخاذ يروى الرجل، والإخاذ يروى الرجلين، والإخاذ يروى العشرة، والإخاذ يروى المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم)) يعنى يرويهم. يعبر بذلك عن اختلاف مستوياتهم العلمية، ومحصولهم من فهم القرآن، كما تختلف الآبار فى كمية مياهها ..
ويقول ابن قتيبة: إن العرب لا تستوى فى المعرفة بجميع ما فى القرآن من الغريب والمتشابه، بل أن بعضها يفضل بعضا فى ذلك ..
وهذا أمر طبيعى كما سبق أن قررناه .. وقلنا إنه يرجع إلى استعداداتهم الفطرية، كما يرجع إلى قربهم من الرسول .. - مصدر الإشعاع- وبعدهم عنه .. وإن كان من الممكن أن نقول: أنه كان هناك قدر مشترك بينهم فى فهمهم العام لما يقرءون، أو يسمعون من القرآن، باعتبار أنهم عرب .. كما قررنا من قبل ..
وإذا كانت الدعوة الجديدة قد أخذت من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، جهدا ووقتا فى دعوة الناس إليها، وفى الدفاع عنها بالحجة أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)