وهذا يصور لك مدى ما كان يموج به عصر الرازى من خلافات وفتن ..
ثم تميز هذا العصر من ناحية أخرى بالإقبال على الدراسات العلمية من المنطق والعلم الطبيعى والفلسفة، وعلم ماوراء الطبيعة، والهندسة والفلك والموسيقى، بجانب الإقبال على الدراسات الدينية والعربية ..
كما تميز باعتزاز المعتزلة بمعرفة الفلسفة والمنطق، وتعاليهم بها على غيرهم ..
وادعائهم بأن العالم المتمكن لا يكون كذلك، إلا إذا جمع بين علوم الدين وهذه العلوم. وقد ظل المعتزلة مسيطرين بأفكارهم وإنتاجهم زمنا، حتى شعر أهل السنة بما يشبه عقدة النقص، فأقبلوا على هذه العلوم التى احتكرها المعتزلة وأضرابهم زمنا، فاغترفوا منها، لينازلوا المعتزلة ويكونوا أندادا لهم ..
وكان ممن اتجه هذا الاتجاه الإمام فخر الدين الرازى منذ شبابه. فتعلم على والده، وكان من كبار علماء عصره وهو «ضياء الدين أبو القاسم الرازى» وكان فقيها أصوليا متكلما صوفيا خطيبا محدثا أديبا.
وأضاف إمامنا فخر الدين إلى ما أخذه عن والده علوم عصره، من الفلسفة والمنطق وعلم الفلك والطبيعة على علمائها، واستعان بذلك كله على خدمة دينه.
وتجلية معانى القرآن وأسراره بالطريقة التى رآها مناسبة لعصره .. حتى يبز المعتزلة وغيرهم فيما يدعونه- من أنهم خدمة الدين والقرآن .. والكاشفون عن معانيه وأسراره- ويلجمهم ..
؟؟؟ وضع ثقافته الاسلامية الواسعة المتنوعة فى خدمة القرآن، هادفا؟؟؟ إلى أن يبرز ما فيه من الحكمة والمعرفة حسبما تفيده دراسة الفلسفة والكلام والعلوم الأخرى، ولذلك كان يوغل فى بيان معانى القرآن وما تدل عليه العبارات، ولو سار شوطا بعيدا فى العلوم التى يبرز بها هذه الناحية ..
وإنك لتجد صورة من هذا حين فسر قوله تعالى «رَبِّ الْعالَمِينَ»، واندفاعه ليبين العوالم المتعددة التى خلقها الله .. فى السموات وفى الأرض .. مما يخيل للقارئ أنه ابتعد كثيرا عن القرآن، وهو لم يبتعد، وإنما يفسر «العالمين» بما وقف عليه من علم، يجلى به حكمة الله فى مخلوقاته ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
فذلك أولى عنده وأجدى من حصر التفسير فى مباحث لفظية وبلاغية ..
تبرز اعجاز القرآن البلاغى، بينما يوجد فى القرآن آيات كثيرة تتحدث عن الكون، وتبرز الإعجاز العلمى للقرآن، ولا بد من بيانها والكشف عنها، بواسطة ما نعرفه من علوم .. ولذلك استغل الرازى ما عرفه من علوم ليجلى بها أسرار القرآن، ومعجزاته العلمية فى الكون. بالاضافة إلى معجزته البلاغية مما أشار القرآن إليه أو تكلم بصراحة عن آيات الله فى كونه، ولا يجلى هذه الآيات، ويبرزها، ويصل إلى أغوارها إلا العلم. فإذا قال الله «رب العالمين» فما هى هذه العوالم التى خلقها الله وهو ربها؟ لا تستطيع البلاغة أن تبرز لنا هذا وتبينه، بل العلم هو الذى يقدم لنا هذه العوالم أجلى بيان على قدر اتساعه ..
وهو كل يوم يزداد اتساعا».
وسار الإمام فى دروسه على هذا المذهب أو هذه الطريقة التى اختطها، برغم ما لقي من استغراب ومعارضة من الذى ألفوا القديم من التفسير .. أو كما يقول: الذين ألفوا من أنفسهم التعلقات الفارغة عن المعانى، والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى».
وكان مصمما ومقتنعا بهذه الطريقة لخدمة القرآن، فبدأ يفسر على أساسها سورة «الفاتحة» واتسع فى تفسيرها والاستنباط منها بما آتاه الله من علوم، تبرز قدرة الله وحكمته فى خلقه، أو فى كونه العلوى والأرضى. فعند ما يتعرض مثلا لتفسير «رب العالمين» يبين أن الوجود ليس محصورا فى عالمنا الذى ضبطت أحواله، لأن الخلاء الذى لا نهاية له خارج هذا العالم .. يمكن أن يشتمل على الآلاف من العوالم الأخرى .. بل إن الانسان لو اقتصر علمه على أن يحيط من هذا العالم فقط بعجائب المعادن، ويعرف عجائب أحوال النبات، وعجائب أقسام الحيوان، لنفد عمره فى أقل القليل من هذه المطالب، فلا ينتهى إلى غورها، مع أن ذلك كله يندرج تحت قوله تعالى «رَبِّ الْعالَمِينَ» (1)--------------------------------------------
(1) باختصار من كتاب التفسير ورجاله للشيخ محمد الفاضل بن عاشور ص 73، 74.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
وفى مقدمة تفسيره يقول: «اعلم أنه مر على لسانى فى بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة (الفاتحة) يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغى والعناد، وحملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعانى والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعت فى تصنيف هذا الكتاب، قدمت هذه المقدمة، لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب المنال» (1).
رأى علماء عصره وغيرهم فيه ورأيه فيهم:
ونظرا لأن هذا النسق فى التفسير لم يكن مألوفا فيما كتب من تفاسير، وكان تفسير الرازى هذا أول تفسير دعمه صاحبه بالعلوم التى أتقنها من فلسفة وطب وفلك. الخ .. انتقده كثير من العلماء حتى نجد أبا حيان صاحب تفسير «البحر المحيط» الذى ولد بعد وفاة الرازى بخمسين سنة تقريبا يقول فيه بعد أن اطلع عليه: «جمع الإمام الرازى فى تفسيره أشياء كثيرة لا حاجة لها فى علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شىء إلا التفسير.
وهذه النغمة كانت موجودة فى زمن الرازى نفسه سمعها ورد عليها بشدة بقوله: «ربما جاء الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت فى كتاب الله تعالى من علم التهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد .. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت فى كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته.
وكان ذلك بلا شك ناشئا من شدة عنايته بالرد على الفلاسفة فيما قالوه- واعتقد أنه يمس القضايا الدينية، واجتهاده فى أن يبرز حكمة الله وهديه القرآنى عن طريق كشف ما أشار الله إليه فى القرآن من مظاهر النفس والكون .. مقدما بذلك أدلة أخرى على إعجاز القرآن غير الإعجاز البلاغى الذى تكلم فيه الكثيرون واقتصروا عليه ..--------------------------------------------
(1) مقدمة تفسيره ج 1 ص 322 عن «التفسير والمفسرون» ج 1، ص 296.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وكان شديد العناية بالربط بين الآيات بعضها مع بعض وبين السور كذلك.
كما كان معنيا بالرد على المعتزلة، وبتجلية مذهبه الشافعى ومناصرته على غيره من المذاهب، حتى ألف كتابا خاصا بسيرة الإمام الشافعى ومناقبه، ولم يهمل الرازى مع ذلك المسائل النحوية والبلاغية والأصولية بل أدلى فيها بدلوه، وقد كان إماما فى الفقه وله آراؤه فيه، حتى قيل إنه من المجتهدين، ولكن ضيعه تلامذته، وإن كان شافعيا وأبلى بلاء حسنا فى نصرة مذهبه والدفاع عن الشافعى وتجلية مذهبه .. وقد ألف فى علوم عدة وترك فيها كتبا منها المطالب العالية، والبرهان فى الرد على أهل الزيغ، والمحصول، وفى الحكمة أى الفلسفة: الملخص وشرح الاشارات، وعيون الحكمة، وقام بشرح الوجيز فى الفقه للإمام الغزالى .. وله كتاب فى مناقب الإمام
الشافعى ..
هل أتم تفسيره؟
وقد شاع بين العلماء وقرروا أنه لم يتم كتابة تفسيره كله، وتولى إتمامه بعض تلامذته وذكروا أسماءهم .. حتى أن ذلك دون فى طبعته التى أخرجتها المطبعة البهية المصرية فى اثنين وثلاثين جزءا. بتحقيق بعض العلماء مستدلين ببعض عبارات وردت فى التفسير تدل على أن المفسر غير الرازى .. وأن مجموع ما فسر ضم بعضه إلى بعض فكان تفسيرا للقرآن كله سمى «مفاتيح الغيب» ونسب للرازى. بينما هو توقف عند سورة الانبياء.
والمجال هنا لا يتسع لمناقشة هذا تفصيلا، لذلك اكتفى بتصدى أخينا وزميلنا العالم الباحث الدكتور على محمد حسن العمارى لهذه النقطة فى كتابه «الامام فخر الدين الرازى» الذى أجازته أيضا لجنة القرآن والحديث بالمجلس الأعلى للشئون الاسلامية الذى تولى طبع الكتاب
فقد ذكر وجهة نظر القائلين بأن الرازى لم يتم تفسيره، بأسانيدهم التى اعتمدوا عليها مما جاء فى التفسير نفسه ثم تولى الرد مفصلا على هذه الأسانيد، مسلما بأن تفسير سورة الواقعة ليس للرازى. كما ورد فى كلام العلماء الناقدين .. وان كان نسق التفسير لم يختلف فيها عما كتبه الرازى ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
وقد انتهى الدكتور العمارى بعد سرد أدلته والرد على مخالفيه إلى ترجيح أن الكتاب كله للرازى ما عدا سورة الواقعة وقال ص 183:
«لقد ترجح عندى بعد هذا التردد الطويل بين أخبار أصحاب التراجم، والتفسير الكبير للرازى أن هذا الإمام الجليل قد أتم تفسير القرآن كله، ثم لأمر لعله من صنع التتر الذين اغاروا على خوارزم سنة 617 هـ بعد وفاة الرازى بإحدى عشرة سنة، ضاع جزء من هذا الكتاب يغلب على الظن أن يكون تفسير سور متفرقة كتفسير سورة الواقعة، فجاء شمس الدين الخويى (المتوفى سنة 639 هـ)، ووضع لهذه السور تفسيرا، وربما كان قد وضع تفسيرا كاملا للقرآن، وأدخل بعض أجزائه فى تفسير الرازى»
وقد قيل أيضا من الناقدين أن نجم الدين القمولى المتوفى سنة 627 هـ كان له أيضا جهد فى تتمة هذا الكتاب .. ويلاحظ الدكتور على العمارى أن نسق تفسير سورة الواقعة التى سلم الجميع أنه ليس للرازى لا يختلف عن نسق الرازى فى تفسيره، مما يجعل من الصعب على الفاحص أن يميز بين هذا وذاك عن طريق الأسلوب والمنهج ..
وليس هذا بغريب، فهما من تلامذته المتأثرين به، وحين كتبا، كان ما كتباه على نسق أستاذهما. لم يكن بينهما فرق .. مما يصعب على القارئ الفاحص التمييز بين الأسلوبين ..
هل نقول إنه تفسير علمى:
يمكن أن يقال ذلك بجوار كونه تفسيرا موضوعيا لغويا فقهيا عقديا، فقد استعان على تجلية معانى ألفاظ القرآن بما عرفه من علوم فى زمنه .. وهذا وإن عابه القدماء الذين ألفوا أن يكون التفسير على غير هذا الوجه وقالوا فيه ما قالوا، إلا أننا لا نجاريهم على طول الخط، فليس ما قالوه- من أنه فيه كل شىء إلا التفسير- صحيحا، ففيه ما درج عليه المفسرون قبله وبعده من تفسير يقوم على الناحية البلاغية والنحوية والفقهية مع عنايته بالربط بين الآيات، والرد على المعتزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
ثم فيه زيادات نافعة لكل من يريد التوسع فى معرفة أسرار القرآن والكون، ليخرج من هذا بالعبر النافعة المؤيدة لإيمانه ..
وإذا كان الفقهاء قد أخذوا ما جاء من آيات فى الأحكام الفقهية وهى لا تتعدى نحو مائتى آية، فأقاموا عليها علم الفقه والأحكام .. فإنه قد جاء فى القرآن آيات تتحدث عن الكون والانسان والحث على النظر فيها أكثر بكثير جدا مما ورد فى الأحكام .. وهى فى حاجة إلى تجلية بالنظر فى علوم الكون والانسان والاستعانة بها فى إيصال أسرار القرآن للناس ..
والمهم فى هذه الحالة ألا يوغل المفسر فى سرد تفصيلات كثيرة، تجره إلى تفصيلات لا حاجة إليها كثيرا .. فلنأخذ من تفسير الامام الرازى ما نأخذ من كتب التفسير الأخرى، ولنأخذ منه ما يزيد عن ذلك إن أردنا، مما يزيدنا علما ويقينا وإدراكا لأسرار الكون، وعظمة الخالق. فهو أشبه بموسوعة أو مائدة يختار الجالس عليها ما يشاء من ألوان الطعام والغذاء ..
ويمكن أن نعد هذا التفسير أساسا لا تجاه المرحوم المفسر «الشيخ طنطاوى جوهرى» الذى ألف تفسيره على هذا النسق أيضا، مستغلا ما وصل إليه العلم والفلك من فتوحات جديدة ..
ومما لا شك فيه أن هذين التفسيرين وأمثالهما ليسا لعامة القراء، ولكنها لخاصة الخاصة، فيكفى المسلم العادى ما يعلمه من المعنى العام للآية، وما فيها من هداية دون الدخول فى تفاصيل .. مما تكفلت به أخيرا تفاسير مختصرة طبعت على هامش المصحف، أو وضعت مستقلة
ولقد كان مما يلفت النظر أن تقوم ضجة من العلماء حول ما ذكره الرازى واستطرد إليه من علوم، فى الوقت الذى لم تحظ فيه الاسرائيليات والخرافات بمثل هذه العناية والنقد، فظلوا يتناقلونها فى تفسيراتهم، مما نراه فى كتب التفسير التى بين أيدينا .. والتى ألف بعضها بعد عصر الرازى .. ويشكو الجميع منه الآن مر الشكوى ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
النهضة الحديثة للتفسير
فى بداية القرن الرابع عشر الهجرى، ونهايات القرن التاسع عشر الميلادى بدأ تحول كبير فى طريقة التفسير. بدأ من مصر وعلى يد الإمام الشيخ محمد عبده.
وقد كانت التفاسير كما عرفنا- من أول أمرها تدور حول أبحاث لفظية نحوية أو بلاغية أو قراءات، وحول روايات، أغلبيتها الكبرى خرافات، وإسرائيليات. وأحاديث لا أصل لها- وجاء تفسير الفخر الرازى فغلبت عليه العلوم العقلية الفلسفية والفلكية، فدون منها الكثير عند ما يرى مناسبة لذلك فوق المباحث الأخرى .. وقد كان آخر
هذه التفاسير المتداولة بيننا هو تفسير الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ جامعا لما رأى جمعه وإثباته من التفاسير السابقة عليه ..
وحين ظهر الشيخ محمد عبده بنضجه العقلى، كانت كل هذه التفاسير أمامه، فلم يتقبل طريقتها كما هى، وإنما نحا منحى جديدا فى التفسير، فى دروسه التى ألقاها ببيروت حين نفى إليها، ثم عاودها حين عاد لمصر، وبدأ دروسه فيها من أول القرآن على الطريقة التى رآها تبرز هدايته وأثره فى النفوس، حتى يستعيد المسلمون بهدايته سيرتهم الأولى، فى القوة العلمية والسياسية .. ويتحقق بذلك منهجه فى الإصلاح، الذى تأثر فيه بمنهج أستاذه جمال الدين الأفغانى ..
فالقرآن هو الذى نهض بالمسلمين الأول، وهو الذى ينهض بالمسلمين الآن، متى تشربوا هدايته، كما تشربها السابقون ..
على هذا الأساس بدأ تفسيره للقرآن، هادفا إلى إبراز هدايته للنفوس، بعيدا عما جرى عليه المفسرون السابقون، مما كان يذهب ببهاء المعانى، وروح الهداية.
ويضيع الهدف المقصود منه «هدى للمتقين».
يقول السيد محمد رشيد رضا فى مقدمته لتفسير المنار وهو الذى تشرب روح الأستاذ الإمام:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
«كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب فى التفسير، يشغل قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن، بمباحث الأعراب، وقواعد النحو، ونكت المعانى. ومصطلحات البيان، وفيها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين، وتخريجات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب، بعضها على بعض، وبعضها يلفتها عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الاسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازى صارفا آخر عن القرآن، وهو ما يورده فى تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، من العلوم الحادثة فى الملة على ما كانت عليه فى عهده- مما قلده فيه بعض المعاصرين، وهى تصد قارئها عما أنزل الله القرآن لأجله»
«وصحيح أنه لا بد من وسائل فهم القرآن من فنون العربية واصطلاحات الأصول، ومعرفة سنن الله فى كونه، وما صح من أحاديث رسول الله، ولكن الاغراق فى ذلك، واللجوء إلى الروايات الباطلة الخرافية، أمر يذهب بهداية القرآن» 1 هـ مختصرا ثم يقول فى نهاية ما أورده حول هذا «فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه فيه العناية الأولى إلى هداية القرآن على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة فى وصفه»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
دور السيد رشيد رضا فى هذا التفسير
السيد محمد رشيد رضا من قرية القلمون جنوب طرابلس لبنان .. وقد زرت بيته فيها، وأنا أزور ابن أخيه العالم الفاضل السيد عاصم رضا- عليه رحمة الله- فى الستينات .. وقد درس على علماء بلده «طرابلس» حتى أكمل دراسته هناك، واطلع على أحد أعداد مجلة «العروة الوثقى» التى كان يصدرها محمد عبده مع جمال الدين من باريس، فتأثر بما كتبه الشيخ عبده فيها واشتاق إلى لقائه، ثم حانت له الفرصة، فشد رحاله إلى مصر سنة 1315 هـ 1897 م. ليلتقى فيها بالإمام ..
وعقب وصوله إلى مصر فى رجب سنة 1315 هـ اتصل فورا بالإمام .. وكان أول اقتراح له عليه أن يكتب تفسيرا للقرآن ينفخ فيه من روحه التى وجدنا روحها فى مقالات (العروة الوثقى) … فاعتذر بأن العمر لا يتسع لتفسير كامل، فاقترح عليه أن يقرأ درسا فى التفسير. فكان يعتذر باستمرار عن الكتابة وعن الدروس .. وكان يصده عن الكتابة- كما ذكر- أن القارئ لا يستفيد كثيرا من الكتاب كما يستفيد السامع. وإذا وصل الكتاب لأيدى هؤلاء العلماء، وفيه غير ما يعلمون، لا يعقلون المراد منه، وإذا عقلوا منه شيئا، يردونه ولا يقبلونه، وإذا قبلوه حرفوه إلى ما يوافق علمهم ومشربهم.
وكان يعتذر عن الدروس بأنه- على عكس بعض الناس- تؤثر فيه حال المخاطب «ولذلك لا أتكلم بشيء عن حالة الاسلام، عند ما أجتمع بهؤلاء العلماء، لأن أفكارهم منصرفة عن ذلك بالكلية، وإذا كان هناك من يلقى بالا لما أقول يفتح الله على بكلام كثير.
ويقول السيد رشيد: ولم أزل به حتى أقنعته بقراءة التفسير فى الأزهر، فاقتنع، وبدأ الدرس بعد ثلاثة أشهر ونصف- أى فى غرة المحرم سنة 1317 هـ مايو 1899 م، وانتهى منه فى منتصف المحرم سنة 1323 هـ مارس- 1905 م عند تفسير قوله تعالى «وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» من الآية 125 من سورة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
النساء، فقرأ زهاء خمسة أجزاء فى ست سنوات، إذ توفى لثمان خلون من جمادى الأولى من السنة نفسها.
وكان يتوكأ على تفسير الجلالين الذى هو أوجز التفاسير، فيذكر عبارته، ويقرها أو ينتقدها، ثم يتكلم بما فتح الله به عليه، مما فيه هداية وعبرة.
وكان يختار هذا التفسير لإيجازه، ولأنه لا يدخل فى مباحث لفظية أو غيرها، مما لا يجب أن يدخل الإمام فيه، أثناء تفسيره. ويقول السيد رشيد:
«وكنت أكتب أثناء الدرس مذكرات، أودعها ما أراه أهم ما قاله، وأحفظ ما أكتب لأبيضه، وأمده بكل ما أتذكره وقت الفراغ، ثم تلقى اقتراحا من قراء «النار» التى أصدرها فور وصوله، أن ينشر فيها هذا التفسير، فشرعت فى ذلك فى أول المحرم سنة 1318 هـ 1900 م وذلك فى المجلد الثالث من المنار، وكنت أولا أطلع الاستاذ على ما أعده للطبع كلما تيسر لى ذلك، بعد جمع حروفه فى المطبعة .. فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات.
على أنه لم يكن كله نقلا عن الاستاذ، ومعزوا إليه، بل كان تفسيرا للكاتب من انشائه، اقتبس فيه من تلك الدروس جل ما استفاده منها .. وبعد أن توفاه الله صرت أرى أن من الأمانة ألا أعزو إليه إلا ما كتبته عنه أو حفظته ..
وأقول: قال ما معناه ..
ولما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه، بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، وفى تحقيق بعض المفردات والمسائل الخلافية، والإكثار من شواهد الآيات فى السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسألة خاصة تشتد حاجة المسمين لتحقيقها، أو بعض المشكلات التى أعيا حلها، بما يطمئن به القلب» (1).
ولعلك ترى بعد هذا السرد الموجز، كيف كانت أهمية دور السيد رشيد فى بروز هذا التفسير، سواء فى الدروس أو بعد ذلك حين طبع .. أو فى السير فيه بعد وفاة الإمام إلى آخر سورة يوسف على نسق الإمام ..--------------------------------------------
(1) من مقدمة السيد رشيد تفسير المنار ج 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
[مقدمة الإمام لتفسيره]
هذه المقدمة الموجودة فى أول التفسير، وإن كان السيد رشيد قد اقتبسها من دروس الإمام بفحواها، إلا أنها تعبر- بلا شك- عن روح الامام واتجاهه، ونظرته لتفسيره، والتفاسير القديمة ..
ولذلك أحببت أن أضع أمامك منها- بقدر الإمكان- بعض الفقرات المهمة- ولو باختصار، باعتبارها معبرة عن رأيه ..
فمما يراه الإمام «أن التفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين، يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة»
والتفسير له وجوه شتى:
أحدها: النظر فى أساليب الكتاب ومعانيه، وما اشتمل عليه من بلاغة، كما فعل الزمخشرى فى الكشاف.
ثانيها: الإعراب .. وقد توسع فيه أقوام.
ثالثها: تتبع القصص. وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا فى قصص القرآن ما شاءوا من كتب التاريخ والاسرائيليات من غير تمييز بين غث وسمين.
رابعها: غريب القرآن.
خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات والاستنباط منها.
سادسها: الكلام فى أصول العقائد ومقارعة الزائغين.
سابعها: المواعظ والرقائق.
ثامنها: ما يسمونه بالإشارة وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية. ومن ذلك التفسير الذى ينسبونه للشيخ الأكبر محى الدين بن عربى، وهو للقاشانى الباطنى الشهير، وفيه من النزعات ما يتبرأ دين الله وكتابه منه ..
وبعد أن يورد الإمام هذه الأنواع والوجوه، يقول:
وقد عرفت أن الإكثار فى مقصد خاص من هذه المقاصد، يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الالهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
ثم يبين منهجه فيقول:
لهذا كان الذى نعنى به من التفسير، هو ما سبق ذكره، أى فهم الكتاب من حيث هو دين وهداية جامعة لبيان ما يصلح به أمر الناس فى دنياهم، وفى آخرتهم. ويتبع ذلك بلا ريب بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب عند الحاجة إلى ذلك، وتبيين بعض قواعد الأصول مما لا يشغل القارئ عن المعانى ..
ويقول: إن الأحكام العملية التى نسميها فقها، هى أقل ما جاء فى القرآن. وفيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ما لا يستغنى عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر .. وما هو أجدر بالدخول فى الفقه والفهم الحقيقى. ولا يوجد إلا فى القرآن.
ثم يبين أن للتفسير مراتب:
أدناها: أن يبين إجمالا ما يشرب القلب عظمة الله ويصرف المؤمن عن الشر.
وهذا متيسر لكل أحد.
وأعلاها: يتم بوسائل ..
أولها: فهم حقائق الألفاظ واستعمالاتها وقت نزول القرآن، دون التقيد والاكتفاء بقول فلان وفلان، فإن دلالات بعض الألفاظ قد تغيرت عما كانت عليه وقت التنزيل، مثل كلمة «تأويل» التى كان أصل دلالتها: العاقبة والمآل أى ما يؤول إليه الأمر. وكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن على ضوء الاصطلاحات التى حصلت بعد القرون الثلاثة الأولى!!
ثانيها: الأساليب.
ثالثها: علم أحوال البشر.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن .. فمن نشأ فى الاسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته ..
خامسها: العلم بسيرة النبى وأصحابه ..
ثم يقول: فعلم من هذا أن التفسير قسمان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
1 - قسم جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ والإعراب الخ .. فهذا لا يسمى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون، كالنحو والمعانى وغيرهما ..
2 - التفسير الذى قلنا: إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية، وهو ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى العقائد والأحكام، على الوجه الذى يجذب الأرواح ويسوقها للعمل، ويتحقق به كون القرآن «هدى ورحمة»، ثم يقول الإمام: وهذا هو الفرض الأول الذى أرمى إليه فى قراءة التفسير ..
ثم تكلم عن التفاسير الموجودة، ونقدها نقدا مرا، وتكلم عن نظرتنا للقرآن، واتخاذه أحجبة، وحماية من الجان لمن حمله، وإحداثنا الضوضاء حول قارئيه بصوت حسن لحسن الصوت، لا لفهم المعنى والألفاظ كما هو معروف، وبهذا صرنا كما يقول- فى جاهلية أشد من الجاهليين والضالين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم.
وإننا نعتقد أن المسلمين ما ضعفوا وزال ملكهم إلا بإعراضهم عن هداية القرآن، ولن يعودوا إلى عزهم إلا بالرجوع إلى هدايته، والاعتصام بحبله.
وبهذا انتهت المقدمة التى اقتبسها السيد رشيد رضا من كلام الإمام.
وعلى هذا الأساس، وتحقيقا للهدف الذى يرمى إليه الإمام من إصلاح، أقبل على إلقاء دروسه فى التفسير، فصار أول معلم من معالم التغيير والتحول، لا فى منهج التفسير فحسب، ولكن فى حياة الأمة نفسها ..
حينما تأثر بهدايته وطريقته ودعوته الكثيرون سنة بعد سنة، وصار صاحب مدرسة تجديدية فى الفكر الدينى عموما لا فى التفسير وحده ..
وقد قيض الله له تلميذه السيد رشيد رضا، وأتى به من لبنان أو من الشام كما كانت تسمى، ليقوم بهذا الدور العظيم، ويقيم صرح مدرسة الإمام التجديدية .. ويواصل رسالته ويمكنها بعد وفاته، بواسطة مجلة المنار، ومدرسة الدعوة والإرشاد، والخطب والدروس، وكانت مدرسة الإمام كشجرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
عظيمة، ذات ثمر حلو شهى، لا تثمر ثمرتها، وتؤتى أكلها، إلا بعد سنوات من غرسها ..
ولقد تعهدها السيد رشيد، حتى اتسع ظلها، وكثرت ثمارها .. فغيرت مجرى التفكير الدينى فى العالم الاسلامى، لا فى مصر وحدها .. وهى تضرب بجذورها الأصيلة لأفكار السيد جمال الدين الأفغانى موقظ الشرق والغرب الاسلامى .. حيث امتدت فروعها فظهر زعماء الاصلاح والتحرر فى المغرب العربى، والمشرق الاسلامى .. على المنهج الاصلاحى الذى اختطه جمال الدين وتلميذه محمد عبده ..
[فى الجزائر]
فكان الشيخ عبد الحميد بن باديس فى الجزائر الأب الروحى لحركة التحرير الجزائرية، معتمدا فى بث نهضته ودعوته على القرآن الكريم، وتفسيره على المنهج الذى ارتضاه محمد عبده فى مصر، فظل يلقى دروسه فى التفسير على مدى نحو خمس وعشرين سنة، حتى اختتم تفسير القرآن، وقام احتفال فى مدينة «قسنطينة» فى الثالث عشر من شهر ربيع الثانى 1357 هـ- 1938 م .. كما يقول المرحوم زميله الشيخ محمد البشير الابراهيمى. وللأسف لم يلتقط أحد هذا التفسير ويدونه، ولكن الذى بقى من تفسير ابن باديس هو ما كان ينشره أحيانا هناك فى «مجلة الشهاب» ويسميها «مجالس التذكير»، وقد جمعت ونشرت فى كتاب بعنوان «تفسير ابن باديس» أو «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير» جمع وترتيب وإعداد ومراجعة وتعليق الاستاذين محمد الصالح رمضان الجزائرى، والدكتور توفيق محمد شاهين المصرى الأزهرى، نشر دار الكتاب الجزائرى. فى مجلد يضم نحو 500 صفحة ..
[فى الهند]
وقد تعجب إذا عرفت أن أثر هذه المدرسة امتد حتى وصل للهند وكان له أثره فى تحريك المسلمين، أو فى إشعالهم لطلب التحرر لبلادهم من الاستعمار الانجليزى ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
ولم يكن الأمر إلا شرارة مست قلب شاب تخرج فى المعاهد الهندية، ثم جاء إلى مصر يزورها، ويتعرف على الحركات الدينية والوطنية بها- سنة 1326 هـ- 1908 م بعد وفاة الإمام محمد عبده- وهو فى سن العشرين، والتقى بالسيد رشيد، وأعجب بمنهجه، وطريق دعوته، وبمدرسة الدعوة والارشاد التى افتتحها، ولم يمكث بمصر طويلا، ولكن العلاقة توطدت بينه وبين السيد رشيد. وكانت المراسلات العلمية والاسلامية الوطنية بينهما متواصلة.
[أبو الكلام أزاد]
هذا الشاب هو مولانا أبو الكلام أزاد، الذى صار فيما بعد صاحب الإمامتين- كما كان يدعى فى الهند- إمامة فى الدين، وإمامة فى السياسة، حين قاد حركة التحرير فى أشد أوقاتها أثناء الحرب العالمية الثانية، وتولى المفاوضات مع الانجليز، باسم الهند والحزب الوطنى، الذى كان يرأسه طوال مدة الحرب ..
ومع أن «أزاد» زار تركيا، وبلادا عربية أخرى، إلا أن الشرارة التى مست عقلة وقلبه كانت من مصر، من مدرسة الإمام الدينية. فعاد للهند متأثرا بهذه المدرسة، حتى ألف جماعة هناك، على نسق جماعة أو مدرسة الدعوة والإرشاد التى انشأها السيد رشيد، وقر عزمه على أن يتخذ من الاسلام وروحه، الوسيلة لإلهاب روح التحرر فى نفوس المسلمين، فأصدر مجلتين:
الهلال ثم البلاغ، لتقوما بهذه المهمة، وكان ينشر فيها تفسيرا للقرآن على النسق الذى تشيع به، بجوار مقالاته الأخرى .. وبدأ بالهلال فى 12 يونيو 1912 م- 1330 هـ ثم لما صودرت، أصدر «البلاغ» فصادرها الانجليز ..
يقول علامة الهند السيد سليمان النّدوي: «لا شك أن مجلتى الهلال والبلاغ لأبى الكلام أزاد، قد كونتا الذوق القرآنى لدى الشبان المسلمين، وفتحتا نوافذ جديدة أمام الجيل الجديد، وعرضتا الآيات القرآنية بأسلوب بلاغى، يتسم بالحكمة، وجودة الصناعة، مما أنار القلوب بنور الإيمان واليقين، وكشفتا معانى القرآن وسمو قول الرحمن»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
«اتجاهه لكتابة تفسير»
وحين لمس «أزاد» إقبال المسلمين على التفسير فى المجلة اتجه إلى كتابته ونشره فى كتاب، وكان عبارة عن ترجمة محكمة سهلة العبارة الأوردية، ثم تفسير بعض ما يحتاج لتفسير على الهامش .. بحيث تكون الترجمة حاوية على المعنى الذى يريد إيصاله للقراء دون توقف .. أما التفسير فعلى الهامش لمن أراد زيادة وتوسعا ..
وقد تعطل هذا المشروع بسبب اعتقال السلطة الانجليزية لمولانا أزاد مرات وتبديدها لمسودات ترجمته وتفسيره، وبين تأرجح العمل بين القلة والكثرة سار العمل شوطا كبيرا ..
وقد نشر من ترجمته وتفسيره إلى سورة النور .. وجاءت الفاتحة فى الطبعة الأخيرة فى مجلد خاص يضم أكثر من خمسمائة صفحة باللغة الأوربية.
[كيف كان منهجه]
كان منهجه ومشربه فى التفسير هو منهج الإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، فى القصد رأسا إلى العبرة والهداية المحركة للقلوب. حتى إنه اعتمد على القرآن كما قلنا فى إثارة المسلمين أكثر وأكثر لمحاربة المستعمر، ومقاطعته فى كل شىء، مما اعتنقه غاندى بعد ذلك، وسماه بما ترجمناه «حركة العصيان المدنى» حين انضم الهندوس للمسلمين فى حركة المقاطعة متأخرا ..
وقد كتب مقدمة لترجمته وتفسيره سماها «التفسير والمفسرون» اشتملت على نظرته للتفاسير السابقة، وكيف حجبت عن المسلمين هداية القرآن، بمباحثها اللفظية، وأخبارها الإسرائيلية، ومناقشاتها الفقهية والكلامية وبالعلوم اليونانية .. وهى تماما مثل نظرة الإمام محمد عبده .. وتكلم عن التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأى، ووضح المراد من «الرأى»، كما وضح هدفه من عمله.
وكتب هذه المقدمة وهو فى سجن «ميرت» شمال دهلى فى 16 نوفمبر سنة 1930 م
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وقد دعا لتأليف جماعة تسمى «جماعة القرآن» - على نسق «جماعة الانجيل» - لخدمة القرآن، طباعة، وتفسيرا، وترجمة إلى اللغات المختلفة، لتنتشر دعوة الاسلام فى العالم، ولكن ذلك لم يتحقق .. حتى توفى فى فبراير سنة 1958 دون أن يتم التفسير الذى أراده … وكان فى شوق شديد لإتمامه، لكنه لم يجد الفراغ الكافى ..
وله بحث قيم دقيق ومحقق بالشواهد والأدلة التاريخية والأثرية حول ذى القرنين ذكره بمناسبة تفسيره لقصة ذى القرنين فى سورة الكهف .. يعتبر من أدق وأصح ما كتب حتى الآن عن شخصية ذى القرنين، وهو الامبراطور «غورش» أو «قورش» الايرانى مؤسس أول امبراطورية ايرانية، احتفل شاه إيران السابق بمرور 25 قرنا على تأسيسها منذ عدة سنين ..
ومن أراد المزيد حول أزاد وتفسيره وآرائه فى التفاسير القديمة، ومنهجه وإصلاحه الدينى بالقرآن، فليرجع إلى ما كتبته مفصلا فى كتابى «مولانا أبو الكلام أزاد» المصلح الدينى والزعيم السياسى (1) ..
والمهم من ذكر هذا كله أن نسجل هنا .. أن مدرسة الإمام فى التماس الهداية من القرآن، والاصلاح الدينى والدنيوى على أساسه قد امتد أثرها حتى وصل إلى الهند بفضل مولانا أبى الكلام أزاد، ولم يقتصر على البلاد العربية .. وعلى أساس هذا قامت الحركات التحررية فى البلاد العربية والاسلامية ..
[فيما بعد الإمام]
وقد سرى أثره فى تلامذته الذين أعجبوا بآرائه، وكان أولهم تلميذه الوفى المخلص السيد محمد رشيد رضا، الذى سجل كل ما يختص به من تاريخ، ومن أقوال وآراء .. فأبقى الشيخ عبده حيا فى النفوس، مؤثرا على مدى السنين.
وإذا كانت آراؤه الاصلاحية الدينية ومنهجه قد وجد لهما معارضة فى حياته، وقام علماء زمنه فى وجهه شأن ما يجرى لكل مصلح، فقد مات هؤلاء--------------------------------------------
(1) طبع فى جزءين الأول- المصلح الدينى، والثانى الزعيم السياسى، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
جميعا، وبقيت القاعدة: «البقاء للأصح» تعمل عملها حتى جاء الوقت الذى يفخر فيه العلماء بالانتساب لمدرسته .. ويشرفون بترديد آرائه .. والسير على منهجه المفيد فى التفسير ..
الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر
ولقد كان الشيخ الإمام المراغى شيخ الأزهر سابقا، أوفى العلماء فى اتباع منهجه فى هداية الناس بالقرآن وتفسيره وإن لم يكن قد ترك تفسيرا منتظما للقرآن، فقد ظهر طابعه هذا، فيما تناوله من دروسه للملك السابق من تفسير بعض آيات القرآن وسوره .. كتفسير سورة لقمان، والحجرات، وبعض آيات أخرى، جمعت وطبعت فيما بعد.
وعاصر الإمام المراغى وجاء بعده علماء ساروا على المنهج نفسه فى تفسير القرآن تفسيرا يهدف إلى تربية الروح، وإيقاظ القلب، وبعث الهمة فى النفوس عن طريق تعريفها بمعانى القرآن وأهدافه ومراميه، دون الدخول فى تفاصيل ..
وكانوا فى الوقت نفسه يلبون حاجة ماسة فى نفوس المثقفين، لفهم القرآن، دون الدخول فى اصطلاحات ومباحث تصرفهم عن المعنى- فظهر تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغى الاستاذ بكلية دار العلوم، كما قام بعض العلماء الأجلاء بإلقاء محاضرات بالتناوب فى قاعة الشبان المسلمين، أو فى قاعة دار الحكمة فى تفسير القرآن، وكان الحضور إليها مفتوحا، كما اتجه بعض العلماء والدارسين لكتابة تفسير مختصر على هامش المصحف، يقدم المعنى العام لقارئه .. وكان أفضل ما كتب فى ذلك «تيسير التفسير» للشيخ عبد الجليل عيسى عضو مجمع البحوث عليه رحمة الله .. وأتبعه بكتابة تفسير ميسر مختصر، على هامش المصحف أيضا سمى «بالمصحف الميسر» وقدم فيهما خدمة جليلة أخرى تيسر لقارئى القرآن- دون استعانة بقارئ آخر- قراءته فى الكلمات المرسومة بالرسم العثمانى، المخالف لما عليه الرسم حسب الإملاء الحديثة الآن .. ووضع ذلك فى أسفل الصفحة، فمثلا «يا صالح» تكتب هكذا «يصلح»، فكتبها الشيخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
عبد الجليل أسفل الصفحة برقم خاص «يا صالح» و «الصلاة» بالرسم العثمانى كتبها «الصلاة» و «الصلحت» كتبها «الصالحات» وبذلك قدم خدمة كبرى لقارئى القرآن .. وجمع بين المحافظة على الرسم العثمانى، وتسهيل القراءة على قارئى القرآن ..
ومع هذا تفسير الاستاذ محمد فريد وجدى على هامش المصحف أيضا، وإن كان عليه بعض المؤاخذات، وتفسير «القوصى» للاستاذ أحمد نصار القوصى .. «والتفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمود حجازى عليه رحمة الله، وفيه يذكر الآيات، ثم يتبعها بشرح مبسط سهل.
وتلا ذلك كله تفسير كتبه المرحوم الاستاذ «سيد قطب» وهو أوسع من هذه التفاسير، لكن لم يتعرض فيه لمباحث لفظية أو مجادلات تصرف عن سياق المعنى، وانصبابها فى نفس القارئ، وقد صاغه صياغة أدبية فنية، وحرص على إبراز المعانى بصورة مؤثرة، وأعانه على ذلك اسلوبه الفنى الشيق، مستعينا ببعض الأحاديث وأسباب النزول الصحيحة .. وقد أخرجته «دار الشروق» فى ستة مجلدات كبيرة بالقطع الكبير، والطباعة الجيدة، ولقى هذا التفسير قبولا عند الجميع وسماه «فى ظلال القرآن»
وبجوار هذا «منتخب التفسير» الذى توفر على كتابته بعض العلماء، وعلى مراجعته وصياغته لجنة منهم مختصرة، كنت واحدا من أعضائها، تحت رعاية «وزارة الأوقاف» وكان الفضل فى البدء به «للاستاذ أحمد طعيمة» وزير الأوقاف سابقا واستمر المشروع بعده، حتى خرج فى مجلد واحد سمى «المنتخب فى تفسير القرآن، وقد روعى فى التفسير الاختصار المركز فى إيراد معنى الآية فى ضعف حجمها غالبا وبأسلوب سهل وآراء معتمدة، لا تثير جدلا ولا شكوكا، لأن الهدف منه، كان ترجمته للغات الأجنبية، ولكن مع الأسف لم يتحقق هذا الهدف برغم المحاولات التى بذلت حتى الآن ..
ويخرج مجمع البحوث. «التفسير الوسيط» لعامة القراء، يقوم به صفوة من العلماء تحضيرا وصياغة، وهو ليس بالطويل كالتفاسير القديمة، وليس بالمختصر كتفاسير الهامش، ولكنه بين بين ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
ويقدم غذاء طيبا للقارئ الذى يحرص على فهم القرآن فى سهولة واختصار وقت .. وقد نسيت أن أذكر أن فضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت بذل جهدا فى التفسير مشكورا، سواء كان فى المحاضرات التى أشرت إليها، أو فى ندوات أخرى، وقد خرج له كتاب فى تفسير ثلث القرآن تفسيرا موضوعيا سهلا، لم يتبع فيه طريقة الأقدمين، ولكنه ساق تفسيره فى خطة جديدة، وبأسلوبه الشيق، وهو مطبوع متداول أيضا ..
وهكذا نرى أن اتجاه العلماء الآن فى التفسير، قد استفاد وتأثر بمنحى الشيخ عبده فيه، وأصبح هو الاتجاه الغالب.
[طريقة تدريس التفسير]
ومع ذلك فإن الطريقة التى لا تزال متبعة فى تدريس التفسير بالأزهر وغيره هى الطريقة التقليدية القديمة، والكتاب المقرر على الطلاب كتاب من هذه التفاسير القديمة، كالنسفى والجلالين أو غيرهما .. والمدرس ملزم بملازمة الكتاب وتفهيمه للطلاب، ويتخرج الطالب عالما وهو متشبع بهذه الطريقة التقليدية، وبالأقوال والروايات الواردة فى هذه التفاسير، مع ضعفها أو بطلانها .. دون أن يأخذوا وجبة روحية من القرآن وتفسيره ..
وكنت وأنا أدرّس التفسير بالأزهر وفى الخارج طوال المدة التى اشتغلت فيها بالتدريس، أعانى ضيقا فى الجمع بين دراسة الكتاب، وتفهيم الطلاب ما جاء فيه، من نحو، وقراءات، وآراء، وروايات، وهذا يأخذ جل الوقت أو كله، وبين الطريقة التى أنا مقتنع بها، وهى طريقة الشيخ عبده فى استخلاص العبرة وربط الآيات بالحياة ومشكلاتها .. مما يتشوق إليه الطلاب .. ويخرجون منه بفائدة ووجبة معنوية من القرآن ..
لكنى استطعت أن أخصص وقتا قصيرا للمباحث اللفظية، ثم أصرف كل الوقت للدراسة التى أراها مفيدة ..
وكنت أشبه الدراسة التقليدية بدراسة عالم الطبيعة لجسم الإنسان فى المعمل، مما يضطره لفك أجزائه، والتحدث عنها، جزءا هنا وجزءا هناك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)