قاعدة تحتاج إلى مناقشة:
ومع أن المشتغلين بالتفسير الذين عنوا بتنقية الروايات، وبيان الصحيح منها وغير الصحيح، قد أبلوا فى ذلك بلاء حسنا .. وقدموا لنا ذخيرة يمكن الاعتماد عليها. فإن هناك قاعدة من القواعد التى أقروها بصدد هذه الروايات، أعتقد أنه دخل منها الكثير من غير الصحيح، على الروايات المفسّرة للقرآن، وهى لهذا تحتاج إلى مناقشة ..
هذه القاعدة المعروفة المسلّم بها لدى النقاد جميعا هى المتصلة بالرواية الموقوفة على الصحابى التى لم يسندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: إذا كانت هذه الرواية أعنى موضوعها من الأمور الغيبية، وتكلم بها الصحابى، فمعنى ذلك أنه سمعها من الرسول .. ولو لم يصرح بذلك، لأنه لا مجال للرأى والعقل فيها .. فهى فى حكم المرفوع للرسول ..
وهذا الكلام الذى قالوه يمكن أن يصدق، ولكن إلى حد ما، لأنى أعتقد أننا لو أخذناه قضية مسلمة وعلى اطلاقها، فإنه من الممكن حينئذ أن يدخل منها المدسوس على رسول الله. ولا سيما فيما يتصل بالتفسير ..
ذلك أن بعض الصحابة كانوا يطمئنون- ولو أحيانا لنكون أكثر دقة واحتياطا- إلى بعض المسلمين من أهل الكتاب، وإخبارهم ببعض الأمور من تفصيلات القصص وغيرها، فينقلون ذلك عنهم. ويروى تلامذتهم، أعنى التابعين عنهم .. وتصبح الرواية بذلك موقوفة على الصحابى .. فإذا أخذنا القاعدة السابقة قضية مسلمة فى مثل هذه الروايات نسبنا الى الرسول بذلك ما لم يقله، أو يكون هذا احتمالا على الأقل ..
ومن الواجب أن نحتاط الاحتياط الشديد فى نسبة كلام الى الرسول عن مثل--------------------------------------------
القرآن. وإن كنت لا أتفق معه فى تحفظه فى بعض نواح من بحثه .. ثم بحث قدمه الدكتور الشيخ محمد أبو شهبه لم يستوعب أيضا الاسرائيليات فى القرآن. وإن كنت لا أتفق معه فى تحفظه فى بعض نواح من بحثه. ومجمع البحوث والدراسات العليا بكلية أصول الدين معنيان بإتمام بحث الاسرائيليات فى التفاسير وهناك رسائل تعد فى هذا الموضوع لشهادتى الماجستير والدكتوراة فى الكلية وهو اتجاه طيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
هذا الطريق، لا سيما ونحن نعرف أن الصحابى كان يحرص الحرص كله، على أن يسند الرواية إلى الرسول، إذا كان حقا قد سمعها منه، ليزداد شرفا بالرواية عن رسوله من جهة، وليكسب كلامه مهابة وتوكيدا من جهة أخرى، ولا سيما فى مثل هذه الأمور الغيبية التى تحتاج لتدعيم وتقوية.
فامتناعه أو عدم تصريحه حينئذ، بروايته عن الرسول، مع الحالة التى كانت قائمة بالأخذ عن بعض مسلمى أهل الكتاب فى مثل هذه الأمور، يوجب علينا أن نحتاط، فلا نقبل رواية بهذا الشكل، أعنى الرواية عند الصحابى التى لم ينسبها صراحة إلى الرسول ..
وهذا- فى رأيى- يختلف عن قول الصحابى أو عمله فى حكم من الأحكام، لأنهم لم يكونوا يسمحون لأنفسهم بمعرفة شىء من ذلك، أو من العقائد، عن مسلمى أهل الكتاب .. والرسول صلى الله عليه وسلم وضح كل ما يتصل بذلك قولا وعملا.، فإذا عمل أو تكلم الصحابة أو تابعوهم ممن كانوا فى المدينة أو خرجوا منها وكانوا على حال يوثق فيها بهم وبعلمهم، فإن من الجائز حينئذ أن نفهم أن قولهم فى الحكم أو عملهم، معتمد على عمل أو قول منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يصرحوا بنسبته إلى الرسول .. وهذا ما كان يأخذ به الامام مالك رضى الله عنه فى مذهبه، مما سمى بقاعدة عمل أهل المدينة .. وإن نازعه فى ذلك بعض الفقهاء، ممن لم يسلموا للامام مالك بحجة عمل أهل المدينة .. والاستناد إليه فى تقرير حكم من الأحكام ..
وقد يقول بعض الناس: وما الضرر فى أخذ مثل هذه الروايات، أعنى الموقوفة على الصحابى فى أمور لا مجال للعقل فيها، ما دامت لا تتصل بتقرير عقيدة أو حكم شرعى، ولكنها زيادة تفاصيل لما ذكر مجملا من القصص أو الكون مثلا؟ …
وأقول لهم: إن الضرر من هذا يرجع إلى تقييد عقولنا بفهم أو تفصيل خاص باعتبار أن ذلك صادر عن الرسول .. وقد تكون تلك الرواية متصلة بأحوال الآخرة فتدخل ضمنا فى تكوين عقيدتنا، أو فى تكميل الصورة عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
وقد تكون متصلة ببعض الظواهر فى الكون، وتأتى التجارب العملية بعد ذلك ببطلانها، فيمتد أثر ذلك على رسول الله!! وهذا كثير. ربما يكون هذا تشددا منى فى أمور قبلها السلف أو بعضهم وأقروها .. ولكنى أرى من الأولى لنا الآن بعد أن قاسينا ما قاسينا من الروايات الموضوعة والمدسوسة والإسرائيلية، أن نقابل كل هذا البلاء الذى بلينا به فى أمر يتصل اتصالا وثيقا بالقرآن، وهو تفسيره وتوضيح معانيه والوقائع التى جاءت فيه. أقول من الأولى لنا أن نقابل كل هذا بشيء من التشدد، حتى نجرّد التفاسير مما علق بها، وشوّه فهمنا للقرآن، ليبقى القرآن وحده أمام عقولنا مع الأحاديث الصحيحة المرفوعة للرسول الواردة فى كتب الأحاديث الصحيحة.
يبقى شىء آخر يحتاج لمناقشة
هو أقوال مشاهير المفسرين، مثل على وابن عباس وابن مسعود من الصحابة رضى الله عنهم، ومثل عطاء ومجاهد ومقاتل وغيرهم من التابعين ممن يستشهد بآرائهم فى التفسير.
هل ما يقوله هؤلاء فى فهم الآية كرأى لهم .. حين يصح النقل عنهم، ونسبة القول إليهم، يجب أن يؤخذ قضية مسلّمة، لا يصح لنا العدول عنها، أو مناقشتها، باعتبار أن هؤلاء أقرب إلى نور النبوة، وأكثر منا فهما للقرآن؟
وأقول مع تقديرى وإجلالى لهم- إن من المجازفة أن نتقيد بفهمهم فى الآية فلا نخرج عنه، وأن لكل من جاء بعدهم إلى ما شاء الله من الأزمان، أن يعملوا عقولهم فى فهم القرآن، ويستخرجوا من ألفاظه المعانى التى تؤديها، ما داموا أهلا لهذا الفهم، دون تأويل بعيد، أو شطط فى الفهم يصادم نصا، أو قاعدة إسلامية، أو يتنافى مع روح الاسلام العامة ..
والكل يؤخذ منه ويرد عليه ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وأعتقد أن هذا لا يلقى جدلا كثيرا لأن المفسرين الذين جاءوا بعد هؤلاء، لم يتقيدوا بآرائهم، وإن كانوا قد عنوا بنقلها فى صدر تفاسيرهم للآية ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
تفرق الصحابة فى البلاد ومدارس التفسير
لقد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البلاد. مكة، والعراق، ومصر، والشام وغيرها .. وكان منهم من عرف عنه العلم بتفسير القرآن أو القول فيه .. كابن عباس وابن مسعود وغيرهما .. والمسلمون جميعا مشدودون للقرآن، مهتمون بمعرفته وتفسيره، كل على قدر تطلعاته. وكان من الضرورى أن يسألوا عما يريدون منه، لاجئين إلى من يرونه ثقة فى ذلك ..
ولا يمكن أن نتصور فى هذا العصر أن أحدا من هؤلاء الموثوق بهم، قد خصص وقتا لتفسير القرآن، كما هو الشأن فى أيامنا، ولكن التفسير كان يحدث تبعا لأسئلة تلقى، فكان تفسيرا متناثرا حسب الوقت، والحاجة .. كما لا يمكن أن نتصور أن التفسير فى ذلك الوقت، كان كالتفسير الذى نقرؤه فى كتبه، أو نسمعه من المتخصصين أو شبههم فى أيامنا ..
بل كان تفسيرا فى حدود ما سمع من الرسول، أو قيل إنه سمع منه، مع إضافة شىء إليه مما سمع من أهل الكتاب إن كان المفسر ممن يقبل ذلك، كما كان فى حدود الفهم العربى للألفاظ والتراكيب، وما عرف من سبب نزول الآية.
وكانت تغلب عليه الرواية، ويسير فى حدودها .. ويتناقله الناس شفاها غير مكتوب ..
«واشتهر من الصحابة عدد قليل فى تفسير القرآن، وأكثر من روى عنه على ابن أبى طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأبى بن كعب.
. وأقل من هؤلاء: زيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير» (1).
وكان أبعد هؤلاء وأكثرهم أثرا فى التفسير: ابن عباس ومدرسته فى مكة، وابن مسعود ومدرسته وتلاميذه فى الكوفة، وأبى بن كعب الذى آثر المكث فى المدينة--------------------------------------------
(1) فجر الإسلام ص 249 الطبعة الثالثة للمرحوم أحمد أمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
وكون فيها مدرسته التفسيرية .. وكان لكل من هؤلاء الصحابة تلامذة، أخذوا عنهم أقوالهم فى التفسير .. ولهؤلاء التلاميذ، تلامذة نقلوا عنهم .. وكل ذلك كان فى الصدور، لم يعن أحد منهم إلا قليلا بتدوين ما تلقاه فى كتاب، إذ كانت كتبهم هى صدورهم .. يحدثون الناس بما سمعوه من أساتذتهم من تفسير لآيات القرآن .. وبما يضيفونه إلى ذلك، من رواية سمعوها من غيرهم بطبيعة الأمر ..
وكانت الأقوال فى تفسير الآيات كالهواء فى تنقلاتها بين الناس، ليس هناك ضبط لها، ولا بيان لصحيحها من غيره .. فاختلط فيها الصحيح القليل عن الرسول، بما وضع على لسانه، بما نقل عن معلومات أهل الكتاب .. مع تفسير للألفاظ وبيان لمعانيها حسب المفهوم العربى لها .. ولم يكن ذلك كله بشكل منتظم مرتب، ولكن على حسب الظروف وسؤال السائلين، أو رغبة الاستاذ لبيان آية من الآيات يقتضيها الحال ..
وقد كان الأمر كذلك بالنسبة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان التفسير جزءا منها غير منفصل .. وظل الأمر كذلك حتى نهض فى أواخر القرن الهجرى من المسلمين، رجال هالهم هذا الخلط الكثير فى الأقوال والروايات، واتجهوا إلى غربلتها، وتمييز الصحيح من غير الصحيح، بتتبع حال الرواة الذين رووها، والوقوف على مدى الثقة فيهم .. وكان ذلك منهم حرصا على تنقية ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال غير صحيحة الانتساب، باعتبار أن الأحاديث الصحيحة هى المرجع الأول والأخير، سواء فى بيان معانى القرآن، أو فى بيان الأحكام، فوصلوا فى هذا المضمار إلى ما أرادوا، مما تميزت به صفحة الإسلام عن غيره من الأديان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
عصر التدوين
وقد ظل التفسير كغيره من العلوم. شائعا فى الهواء، متنقلا بين الصدور حتى اتجهت الأذهان إلى تدوين هذه العلوم فى كتب، ومنها التفسير، وذلك فى مستهل القرن الثانى الهجرى، فانفصل التفسير عن الحديث بعلم خاص، وإن ظل علماء الحديث يذكرون ما روى فيه من أحاديث الرسول:
ويذكر المرحوم الاستاذ محمد الفاضل بن عاشور مفتى تونس السابق ومن كبار علمائها (1) «أن أول من ألف فى التفسير هو عبد الملك بن جريج المتوفى 149 هـ»
كما يذكر ذلك المرحوم الأستاذ أحمد أمين (2) وإن كان لم يقل إنه أول من ألف، ويقول عن تفسيره وعنه «كان شأنه شأن المحدثين الأولين يجمعون ما وصل إليه من صحيح وغير صحيح، وقد ذكروا «أن ابن (3) جريج لم يقصد الصحة، وإنما روى ما ذكر فى كل آية من الصحيح والسقيم» ولم يكن ابن جريج هو الذى ابتكر هذه المحاولة بل سبقه وزامله واتى بعده آخرون على نفس الخطة مثل تفسير السدى، ومقاتل، وغيرهم ممن تحدث عنهم السيوطى فى كتابه «الإتقان» الباب الثمانون- طبقات المفسرين. ولم تصل لنا هذه التفاسير فى كتب، وإن كانت آراء مؤلفيها قد نقلها غيرهم فى الكتب التى وصلتنا، وفى مقدمتها تفسير ابن جرير الطبرى ..
بينما يقول الفاضل بن عاشور: إن هناك تفسيرا مهما وجامعا لم يعرف فى المشرق كما عرف فى المغرب، وإن لم يكثر تداوله، وهو تفسير «يحيى بن سلام»--------------------------------------------
(1) فى كتابه التفسير ورجالة إصدار مجمع البحوث ص 21.
(2) فى كتابه ضحى الإسلامى ص 142 الطبعة الأولى نقلا عن الإتقان للسيوطى.
(3) اسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج من علماء مكة ومحدثيهم وأول من صنف الكتب بالحجاز أصله روميّ نصرانى ولد سنة 80 هـ وتوفى سنة 150، لم يظفر بإجماع العلماء على توثيقه فيما يرويه ورماه كثير منهم بالتدليس ورواية الموضوعات ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الذى كان أول التفاسير ظهورا فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى، والذى سار فيه أيضا على طريقة جمع الروايات المتداولة فى تفسير الآية، مما اقتضى جمع روايات متخالفة فى تفسير الآية الواحدة غير أنه كان يتعقبها بالنقد والاختيار .. فبعد أن يورد الأخبار المروية، مفتتحا إسنادها بقوله «حدثنا» يأتى بحكمه أو برأيه مفتتحا بقوله «قال يحيى» إلخ ..
وهذه هى الطريقة التى سار عليها الطبرى فى تفسيره .. وهى طريقة التفسير الأثرى النظرى، وفيها شىء من التجديد والترقى عما سبقها، حيث يعتبر إيراد رأى المفسر، اختيارا لرأى أو رواية من الروايات، ورفضا لما عداها، أو نهجا فى التفسير يرتضيه .. ويحيى بن سلام ألف تفسيره وروى عنه بالقيروان من بلاد المغرب، وتوفى سنة 200 هـ، والطبرى ولد سنة 224 هـ فى المشرق فى طبرستان، ولكنه رحل إلى مصر، والشام، والعراق، التى توفى بها سنة 310 هـ، فهل يمكن القول بأنه اطّلع على تفسير يحيى بن سلام واستفاد منه؟.
ويقول الفاضل بن عاشور إنه «توجد نسخة من تفسير ابن سلام عظيمة القدر نسخت منذ ألف عام، موزعة الأجزاء بين المكتبة العبدلية بجامع الزيتونة، وبين مكتبة جامع القيروان، ومن مجموعها يتكون نحو الثلثين منها، ويوجد جزء آخر منها عند بعض العلماء لعله يتممها»
فهذا التفسير- إذن- لم يطبع حتى الآن، ولا عجب فى ذلك على أمة هذه حالها من ميراثها .. فقد ظل تفسير الطبرى بعد رواجه فى أوائل ظهوره وترجمته للفارسية- مخطوطا مهملا، وإلى عهد قريب لم يكن متداولا، حتى عثر على نسخة كاملة منه فى حيازة «أمير حائل» «حمود بن الأمير عبد الرشيد» من أمراء نجد، من نحو سبعين سنة فطبع عليها الكتاب (1) وصار متداولا معروفا لدى الخاصة والعامة، وأيضا من أهم المراجع فى التفسير .. جمع إلى الرواية النقد والاختيار للرأى الذى يراه. وكان يخطئ المفسرين الذى يعتمدون على مجرد الرأى واللغة .. ويعتبر تفسيره موسوعة ضمت إلى الروايات المتعددة، الثمينة--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون للمرحوم الدكتور الذهبى ص 208 نقلا عن كتاب المذاهب الإسلامية فى التفسير ص 86.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
والغثة، دراسات فى اللغة، ونقد للروايات أحيانا، وأقوال السابقين واختيار الرأى الذى يراه أخيرا ..
وقد جاء هذا التفسير الزاخر الضخم الموسوعة شبيها بنهر كبير، ضم مع الماء العذب كثيرا من القش والنفايات، وعلى القارئ وهو يسبح فى خضم هذا النهر أن يختار طريقه .. أو إذا أراد أن يشرب منه أن يعنى بتصفية الماء الذى يشربه.
. ولا شك أن هذا الكتاب وهو مخطوط قد عرف فى زمنه، وبعد زمنه، واطلع عليه طلاب العلم والعلماء، وأخذوا عنه، كما كتب الكثيرون من كبارهم يشيدون به بما لم يظفر به كتاب آخر، وكانت هذه الإشادة به من علماء المشرق والمغرب، وفى عصور متتالية، دليلا على تداوله.
وقد حذا كثير من العلماء منهج الطبرى فى التفسير، وإن زاد بعضهم عليه نقدا للروايات التى يذكرها حسبما عرف فى علم الجرح والتعديل لرواة الأحاديث، كابن كثير وعمدتهم جميعا الاعتماد على الرواية المأثورة فى تفسيرهم، ولا يمكن لنا تتبع ما كتب فى هذه الناحية بالحصر، وإن أمكن ذكر بعض التفاسير المشهورة، وإن تفاوتت شهرتها مثل: «بحر العلوم للسمرقندى، والكشف والبيان للثعلبى، ومعالم التنزيل للبغوى، والمحرر الوجيز لابن عطية، وتفسير ابن كثير، والجواهر للثعالبى، والدر المنثور للسيوطى» (1)
وتفسير ابن كثير تفسير متداول بيننا، حائز للقبول، ويمتاز فى اعتماده على الرواية بنقدها، وبيان قيمتها من الصحة أو الضعف، أو الغرابة أو الوضع ..
وقد قام بعض الفضلاء بتجريده واختصاره ..
وكان بجوار هذه التفاسير التى عرفت بأنها كتب التفاسير بالمأثور. كتب أخرى لم ينح أصحابها منحى الطبرى وإخوانه بل سلكوا طريقا آخر- وكانوا ممن يميلون للاعتماد على العقل والرأى- وعرفت هذه الكتب باسم «التفاسير بالرأى»، وهذا يعنى عندهم عدم الاعتماد الكلى أو غالبا على الروايات وسردها، بل الاعتماد على التصرف العقلى واللغوى والبلاغى والعلمى فى--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ص 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
استخراج معانى الآيات .. مع ما صح عند المفسر واختاره من روايات للاستشهاد بها، وكان من هؤلاء الذين نحوا هذا المنحى المعتزلة .. لكنهم تغالوا فى الاعتماد على الرأى، حتى أنزلوا القرآن على مذهبهم الاعتزالى، واشتطوا فى التأويل .. فمنهم من عنى بإعراب القرآن واستخراج معانيه عن هذا الطريق كالزجاج «القرن الثالث الهجرى» صاحب كتاب «معانى القرآن وإعرابه» (1).
ومنهم من عنى بالوجه البلاغى للقرآن، فبنى تفسيره على هذا الاتجاه مثل «تفسير الكشاف» لجار الله محمود بن عمر الزمخشرى (467 - 538) ..
منتصرا لمذهبه المعتزلى حين تجىء مناسبة ..
وكان هؤلاء يعيبون على أهل التفسير بالمأثور اعتمادهم على روايات غير صحيحة، وساعدهم على هذا القول ما اعتمده البخارى من أحاديث قليلة فى تفسير القرآن، حيث قال هؤلاء: إن ما عدا هذا مما ذكره المفسرون، واعتدوا به فى التفسير، غير صحيح، وشوشوا عليهم وجرحوهم .. حتى لنجد المعتزلى الكبير إبراهيم النظام يقول:
«لا تستر سلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا فى كل مسألة، فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم. كان أحب إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبى، والسدى، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم فى سبيل واحدة، فكيف أثق بتفسيرهم، وأسكن إلى صوابهم؟» ولا شك أنه كان لمذهب الاعتزال أثر فى هذه النظرة .. ومن هنا انصرف المعتزلة إلى كتابة تفسير لا يعتمد على هذه الروايات، وإن شايعهم فى ذلك العقلانيون من غير المعتزلة دون طعن على السابقين، فوجدنا كتبا فى التفسير لا تعتمد على الرواية اعتمادها على العلوم العقلية كالنحو والبلاغة والعلوم التى اكتسبها المسلمون من آثار ترجمة الكتب اليونانية الفلسفية وغيرها ..--------------------------------------------
(1) شرح وحققه الدكتور عبد الجليل شلبى، وطبع تحت إشراف الأزهر .. على نفقة الشيخ خليفة بن زائد ولى عهد الإمارات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
فما دام منهج الاعتماد على الروايات قد جرحه المعتزلة هذا التجريح، وأصبحت الثقة به ضعيفة، فليعتمد هؤلاء على منهج جديد، يلبى حاجة العقول فى عصرهم ولا يعتمد على الرواية، بل يعتمد على اللغة العربية والمعانى المستخرجة من حقيقتها ومجازها، بالاضافة إلى ما استفادوه من علم المنطق وغيره ..
وأقبلوا على القرآن يفسرونه بهذا المنهج، وينصرون مذهبهم الاعتزالى بتأويل القرآن وإنزاله عليه كلما جاءت مناسبة تمس مذهب السنة، أو الاعتزال، واستعملوا مهارتهم الكلامية فى ذلك، حتى أو غلوا فى التعسف فى تأويل بعض الآيات وفى الوقت الذى ساد فيه مذهب الاعتزال، وسانده الحلفاء العباسيون، كان هؤلاء يعتقدون أنهم فرسان الحلبة فى تفسير القرآن، وعلم الكلام.
بينما أهل السنة ممن يؤثرون التفسير بالماثور وقفوا منهم موقف المعارض الذى يعتقد أن المعتزلة بمنهجهم هذا يعتدون على كلام الله، وبعدت بينهم الشقة من هذه الناحية أيضا ..
ولكن بدأ جو المعتزلة فى الانكماش بعد تخلى الخلفاء عنهم، وبعد ظهور أبى موسى الأشعرى الذى وقف بعلم وعناد ضد مذهبهم.
وبدأ أهل السنة فى العمل فى مجال التفسير وغيره بقوة، فكان من ذلك مؤلفات فى التفسير وغيره لعلماء فى المغرب والمشرق .. لا سيما بعد أن أقبلوا على بضاعة المعتزلة من علم المنطق والفلسفة وغيرهما، ليتخذوا منها أسلحة لبيان معانى القرآن، ولتأييد آرائهم .. وللرد على مخالفيهم.
وفى هذا الجو ظهر الامام فخر الدين محمد بن عمر بن الخطيب الرازى الشافعى. وقدم فيما قدم من مؤلفات تفسيره الذى سماه «مفاتيح الغيب» فكان أساسا وعمدة لأهل التفسير بالرأى من غير المعتزلة، كما كان الطبرى أساسا وعمدة لأهل التفسير بالمأثور.
ويصبح من حقهما وحق القراء علىّ أن أذكر نبذة عنهما وعن تفسيرهما فيما بعد ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
[أصل هذا التقسيم]
وأصل هذا التقسيم أو هذا الاصطلاح- الذى يقتضى إلقاء ضوء عليه، أصله قديم منذ عهد الصحابة الذين كانوا يتحرجون أن يتكلموا فى تفسير آية إلا إذا كانوا قد سمعوا عن الرسول شيئا فيها .. حتى لما سئل أبو بكر رضى الله عنه فى معنى آية لم يكن يروى عنها شيئا امتنع وقال عبارته المشهورة «أى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى لو قلت فى القرآن برأيى».
فاتخذ الناس من هذا الكلام دليلا على وجوب الاعتماد على التفسير المأثور، بحيث لا يتكلم أحد فى التفسير إلا برواية رويت .. وكان هذا سببا فى بدء حياة التفسير، اعتمادا على الرواية، وجمعوا فيها الغث والثمين. كما عرفنا، وكانت مزرعة، نما فيها الكثير من الاسرائيليات، والخرافات حول تفسير القرآن، وذلك لأن الأحاديث لم تغط تفسير القرآن، فلجئوا لأقوال الصحابة وغيرهم، ولروايات أخرى يفسرون بها.
بينما نظر آخرون إلى قول أبى بكر، نظرة غير هذه النظرة، وقالوا لا يعنى كلامه هذا أن نهمل عقولنا ومعارفنا فى تفسير الآيات، من حيث اللغة، والمعنى الظاهر السافر ونخرج برأى حسب ما تؤديه الكلمات العربية، والأسلوب العربى، والله يقول «إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون» فالموضوعات التى تحتاج إلى رواية، وهى التى لا يمكن للعقل أن يحكم فيها .. نرجعها للرواية .. ونقف عندها ..
لكن الآيات السافرة الظاهرة، التى تحكى قصة، أو تقول حكما، أو تحث على نظر فى الكون .. الخ. مما لا يحتاج فهمها إلى رواية؛ نتولى فهمها بعقولنا، ومعارفنا فى اللغة أو الأحكام، أو الكون .. بحيث لا نخرج عن قرآن صريح، أو حديث صحيح، هذا إذا لم يدفعنا فضولنا لمعرفة ما تركه القرآن من تفاصيل، بل قال بعضهم: إن النص إذا تعارض مع العقل، أوّلنا النص لما يوافق العقل، والله يقول «أفلا يتدبرون القرآن .. » وتفاسير هؤلاء سموها «التفاسير بالرأى»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ومثل هذا حدث فى الفقه أيضا حيث ظهرت مدرستان فقهيتان: مدرسة الحديث. ومدرسة الرأى، واشتهر عن مالك رضى الله عنه أنه من مؤسسى المدرسة الأولى فى المدينة، وعن أبى حنيفة أنه مؤسس المدرسة الثانية فى العراق.
وحدث أيضا فى علم الكلام حيث انقسم المتكلمون فى علم التوحيد أو فى صفات الله .. إلى سلف: يحجمون عن التأويل فى مثل يد الله، وعينه، ووجهه، واستوائه مما ورد فى القرآن، ويقولون: له يد .. لا كأيدينا .. ولا نقول أكثر من ذلك، وإلى خلف: رأوا أن مثل هذا الموقف لا يشبع نهم عالم، ولا يردّ شبهة متمرد، فلجئوا إلى التأويل بأن اليد معناها القدرة، ليسكتوا هؤلاء المتمردين .. معتمدين على الاستعمالات المجازية فى كلمة اليد فى الأسلوب العربى ..
ولا نعتقد أن أحدا منهم جاوز الهدف فى أيامه فى خدمة الاسلام، ولكن كان لكل منهم طريقة فى أداء هذه الخدمة حسبما رأى، على أن الذين اتجهوا إلى الاعتماد فى التفسير على الرأى لم يهملوا الأحاديث الصحيحة، بل ذكروها أيضا، وجالوا فى دائرتها، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن كله، ولم ترو أحاديث صحيحة يمكن بها تفسيره كله .. فالحاجة تدعونا- إذن- إلى الاعتماد على العقل والرأى فى التفسير.
على أن الذين عابوا التفسير بالرأى لم يعيبوه إلا لبعض سقطات من بعض الذين تركوا الحديث، واعتمدوا على عقولهم وعلى وجه من وجوه اللغة، غير ناظرين لما روى من حديث صحيح، ولا إلى الوجه الآخر فى اللغة، ولا إلى جو الآية .. بل نجدهم- أعنى أصحاب التفسير المأثور- أعملوا عقولهم فى التفسير، فإن أبا بكر رضى الله عنه، لم يكن يعنى إلغاء عقله نهائيا أمام القرآن والتوقف النهائى عن فهمه، إذا لم يرد فيه حديث، بل كان وقوفه أمام أمر يحتاج إلى رواية .. بدليل أنه وعمر وابن عباس وباقى الصحابة، كانوا يرجعون فى الفهم إلى لغة العرب واستعمالاتهم، وقد سأل عمر عن معنى «الأب»، وعن معنى «تخوف»، وكان ابن عباس يفسر القرآن بما عرفه من كلام العرب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
وشعرهم، وأبو بكر كان متورعا وقافا عند ما يؤثر عن الرسول حتى أنه عارض فى كتابة القرآن أولا، ثم اقتنع بكتابته .. فالخلاف الذى نشأ قديما بين المدرستين، كان خلافا بين زمنين، أو فى الحقيقة- إن شئنا الدقة- لم يكن خلافا جوهريا، بقدر ما هو خلاف شكلى، بدليل أننا يمكننا- بل رأينا مفسرين- أمكنهم الجمع بين الطريقتين أو بين الحسنيين .. وأما الأحاديث التى رويت فى النهى عن التفسير بالرأى فمطعون فيها وإن كان السابقون قد أخذوا بها، لكن الظاهر والمفهوم بداهة، أن المراد بالرأى الوارد ذمه فى الحديث لو اعتمدناه، إنما هو الهوى الذى لا يعتمد على أساس، والذى يخرج القرآن عن معناه الأصيل وعن هدفه .. كما يحصل من تأويلات فاسدة، أو بعيدة كل البعد، يلجأ إليها أصحاب الهوى لخدمة أغراضهم، أو أغراض الذين يتزلفون إليهم ..
أما القول بالرأى: فى حدود اللغة والقواعد العامة، والنصوص الأخرى، فلا يمكن أن يكون محل تهديد من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا لو كان محل هذا التهديد من الرسول، لعنى صلى الله عليه وسلم بتفسير كل آية وكل كلمة، حتى لا يترك مجالا لرأى من الآراء، والرسول لم يؤثر عنه ذلك ..
وكيف وقد أمرنا الله بتدبره فى قوله تعالى «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» (1)
وقوله تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها 24 (2)
وقوله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 3 (3)
وقوله فى ختام آيات كثيرة تعرض مظاهر خلق الله:
«إن فى ذلك لآيات للمؤمنين، أو لقوم يتفكرون، أو يتذكرون ..--------------------------------------------
(1) ص/ 29.
(2) محمد/ 24.
(3) الزخرف/ 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
وهذه كلها تأمر بالتدبر والفهم لما يعرضه القرآن، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالبحث العقلى دون انتظار لحديث يروى، وأين هذه الأحاديث؟
إن هذا الاتجاه وهذا التوقف فى تفسير الآية على حديث من الرسول، فى أمور غير غيبية، لا يمكن أن يكون الباعث عليه إلا مجرد الورع والخوف من الوقوع فى قول خطأ، يتحمل مسئوليته ومسئولية من يقتدى به طول الزمن ..
وإلا فلا يجوز أبدا أن يكون منهجا لفهم القرآن، وإلا كنا قد حسبناه فى قمقم، وحجزنا هديه عن الناس ومنعنا تدبره، ومعرفة ما يشير إليه من أسرار.
. فيها الهدى للناس، ولا يمكن أن نقول فى تفسير كتفسير الإمام الطبرى ورأيه فى الآية، إن الطبرى لم يستعمل رأيه فى فهم الآية ونحمد الله على أن هذا الرأى لم يسيطر على علماء المسلمين جميعهم، بل قام أفذاذ العلماء برده والتخلص منه، وأقبلوا على تفسير القرآن بما منحهم الله من عقل وفهم ورأى، ولم يغفلوا مع ذلك ما ورد من روايات صحيحة، وكانوا حائزين لكل الشروط، أو متسلحين بكل الأسلحة التى يجب أن يتسلح بها كل من يريد التفسير: من علوم اللغة والبلاغة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأصول الفقه وما ورد من أحاديث صحيحة، ولا سيما فى آيات الأحكام، وآيات الغيب، ومن أسباب النزول، مع ذوق يعينه على استشفاف المعانى. ومع تجنب شد الآيات وليّها نحو رأيه ومذهبه وهواه ..
فترك هؤلاء العلماء لنا كثيرا من التفاسير التى عرضوا فيها آراءهم وفهومهم للقرآن، وما يتصل به من علوم ومعارف، مع اسهاب، أو توسط، أو اختصار، فكان لنا من ذلك كله ذخيرة ضخمة، ووردا يقصده كل طالب علم .. وما يزال القرآن مقصد العقول والهمم، يتناولونه بالتفسير من خلال ما وهبهم الله من فهم له وتدبر لآياته .. ليس هناك ما يصد عن هذا المورد العذب، إلا سوء الفهم أو سوء القصد، أو تحميل للألفاظ ما لا تحتمله، وخروج بها عن الظاهر إلى معان باطنية بعيدة، وجعلها رموزا لأشياء يعرفونها هم .. كما حصل من كثير من الباطنية والمغرقين من الصوفية، وكما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
يحصل الآن من بعض الذين تعرضوا للتفسير، وقد كان هذا المورد أو النهر الخضم العظيم، مجالا واسعا لكل من أنس القدرة على العوم فيه، بما تيسر له من علم وأدوات، فبعضهم خاضه بما أتقنه من علوم العربية، وبعضهم أضاف إلى ما عرفه من علوم الدين، ما علمه من علوم الكون كالرازى، وبعضهم ركز فيه على الجانب الذى يتقنه، فجعله معرضا لعلم الفقه والأحكام .. وهكذا.
يقول السيوطى (1): «ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا فى علوم، فكان كل منهم يقتصر فى تفسيره على الفن الذى يغلب عليه، فالنحوى تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدى فى البسيط، وأبى حيان فى البحر والنهر.»
«والأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيعابها، والأخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة، أم باطلة كالثعلبى»
«والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التى لا تعلق لها بالآية والجواب عن أدلة المخالفين كالقرطبى»
«وصاحب العلوم العقلية كالفخر الرازى قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها. وخرج من شىء إلى شىء، حتى يقضى على الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية»
«والمستبدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد»
«والملحد لا تسأل عن كفره وإلحاده فى آيات الله»
ويعتبر هذا ملخصا لنظرة السيوطى إلى التفاسير التى ظهرت واطلع عليها فى أيامه (1849 - 911 هـ)--------------------------------------------
(1) فى كتاب الاتقان الباب الثمانون ص 190 ج 2 طبعة حجازى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
كتب التفسير
وأرى من المستحسن أن أمر بك سريعا على كتب التفسير التى ألفت حتى عهد السيوطى لمجرد التعريف بها وبمؤلفيها فى سطور .. سواء من ذلك كتب التفاسير بالمأثور أو كتب التفاسير بالرأى- المعتزلى منها وغير المعتزلى:
[التفسير بالمأثور]
1 - جامع البيان فى تفسير القرآن للطبرى (224 - 310) وهو عمدة التفاسير
2 - بحر العلوم «للسمرقندى المتوفى سنة 373 هـ لا يزال مخطوطا
3 - «الكشف والبيان» للثعلبى أو الثعالبى المتوفى سنة 427 هـ لا يزال مخطوطا
4 - معالم التنزيل: للبغوى المتوفى سنة 516 هـ مطبوع ..
5 - المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسى الغرناطى المتوفى سنة 546 وهو ند تفسير الكشاف. وأكثره قبولا لدى العلماء
6 - تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير البصرى ثم الدمشقى ولد سنة 700 هـ وتوفى سنة 774 وكان محبا لابن تيمية وآرائه
7 - الجواهر الحسان فى تفسير القرآن للثعالبى المغربى المتوفى سنة 876 ودفن بالجزائر ..
8 - الدر المنثور فى التفسير بالمأثور للسيوطى المولود سنة 849 - والمتوفى سنة 911 فى منزله بروضة المقياسى وهو مختصر من كتابه «ترجمان القرآن» الذى ذكر فيه أحاديث التفسير بأسانيدها وفى الدر المنثور حذف الأسانيد، واختصر على المتن ..
وهذه هى الكتب التى اختارها المرحوم الشهيد الدكتور الذهبى فى كتابه (1) عن التفسير بالمأثور وهى تقريبا عالة على الطبرى ..--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون ج 1 ص 204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
[التفسير بالرأى]
وهناك كتب تفسير غير هذه تعتبر من التفسير بالرأى المحمود وهى تفاسير أهل السنة وهى:
1 - مفاتيح الغيب للإمام فخر الدين الرازى (544 - 606 هـ) وسنفرده بحديث خاص ..
2 - البحر المحيط لابن حيان الأندلسى الغرناطى (أثير الدنيا أبو عبد الله محمد بن يوسف) ولد سنة 654 هـ وقد عنى فيه بوجوه الإعراب والقراءات، وينقل عن السابقين ما يراه
3 - تفسير البيضاوى (ناصر الدين أبو الخير عبد الله) المتوفى سنة 1685 و 691 هـ وهو تقريبا مختصر من تفسيرى الكشاف والرازى ..
4 - تفسير الخازن (علاء الدين أبو الحسن على بن محمد) البغدادى الشافعى، ولد بدمشق 678 هـ وتوفى سنة 741 هـ وقد نقله عن البغوى والسابقين وحشاه بالاسرائيليات والخرافات والأكاذيب. وكان هذا عيبه مع أنه جيد الرأى والعبارة ..
5 - تفسير النسفى: (أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفى الحنفى توفى سنة 701، وقد اختصره من الكشاف تقريبا مهملا كلام الزمخشرى فى الاعتزال .. وهو معروف حتى لطلاب العلم لأنه مقرر عليهم بالأزهر ..
6 - غرائب القرآن: للنيسابورى. (نظام الدين الحسن بن محمد الحسين الخراسانى النيسابورى) توفى حول سنة 850 هـ وقد اختصره من تفسير الرازى مع الكشاف وغيره بتصرف ..
7 - تفسير الجلالين: جلال الدين المحلى الشافعى وجلال الدين السيوطى الشافعى أيضا بدأه المحلى من أول الكهف إلى سورة الناس وهو مولود بمصر سنة 791 هـ وتوفى 864 هـ ثم جاء السيوطى المتوفى سنة 911 هـ مفسرا من أول البقرة لآخر الاسراء على منهج المحلى .. وعليه حاشية الصاوى والجمل ومعروفة لدى طلاب العلم وغيرهم ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
8 - السراج المنير: للخطيب الشربينى القاهرى الشافعى المتوفى سنة 977 هـ وقد ذكر فيه أنه اقتصر على أرجح الأقوال. مع إعراب، وقراءات وإسرائيليات ..
9 - إرشاد العقل السليم: لأبي السعود التركى. ولد بقرية قريبة من القسطنطينية سنة 893 هـ وبرز فى العلم حتى تولى الافتاء ومكث بها نحو 30 سنة ويلقبه المفسرون «بشيخ الإسلام» وتوفى بالقسطنطينيه سنة 982 هـ ودفن بجوار قبر أبى أيوب الانصارى المعروف هناك .. وهذا التفسير يمتاز بحسن الصياغة والكشف عن أسرار البلاغة القرآنية، وأسلوبه يحتاج إلى تأن فى فهمه ودقة فى قراءته ..
ولا أظن أن السيوطى قد اطلع على هذا التفسير فقد ألف بعد وفاته وهو بمصر، وأبو السعود فى تركيا ويعتبر تفسير الرازى غالبا أساسا لهذه الكتب ..
أما تفاسير المعتزلة: ويسميها أهل السنة: بالتفاسير البدعية، نظرا لأن أصحابها تعسفوا فى تأويل بعض آيات القرآن على مذهبهم تعسفا شائنا غير مقبول فى أحيان كثيرة. بتنزيلهم القرآن على مذهبهم، وقواعده الخمسة.
ومن أشهر كتبهم المتداولة ما ذكرناه من قبل وهو:
1 - معانى القرآن وإعرابه للزجاج
2 - الكشاف لجار الله محمود الزمخشرى ولد فى سنة 467 وتوفى سنة 538 هـ وهو معروف متداول ..
3 - تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضى عبد الجبار (أبو الحسن بن أحمد الهمذانى الأسدآبادى الشافعى شيخ المعتزلة المتوفى 415 هـ .. وهو مطبوع فى مجلد واحد كبير
ولا يرى فى هذا الكتاب من عيب إلا المغالاة فى الانتصار لمذهبه الاعتزالى. وما عدا ذلك فهو عظيم ..
4 - أمالى الشريف المرتضى أو غرر الفوائد ودرر القلائد: وهو أبو القاسم على ابن الطاهر أبى أحمد الحسين، ينتهى نسبه إلى جعفر الصادق إلى الحسين بن على رضى الله عنهم .. كان شيخ الشيعة فى العراق ومع ذلك يعتنق مذهب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
المعتزلة، والكتاب يضم إملاءات الشريف المرتضى فى ثمانين مجلسا فى التفسير والحديث والأدب، فهو لم يتعهد بتفسير القرآن كله كغيره من المفسرين، بل من خلال نظرته وتفسيره لهذه الآيات التى تعرض لها وهى غالبا آيات فى العقيدة التى ينزلها على مذهبه كان تفسيره وقد ولد سنة 355 هـ وفى سنة 436 ببغداد.
النظرة إلى تفاسير المعتزلة:
نظرا للخصومة الشديدة التى كانت قائمة بين المعتزلة وأهل السنة، رأينا الأخيرين يطلقون على تفاسير المعتزلة، أنها تفاسير بدعية، وراج هذا الإطلاق برواج مذهب أهل السنة، وسيطرته على العقول، وتراجع مذهب المعتزلة، وانكماش القائلين به، حتى لم يعد لهم كيان خاص بهم. حتى رأينا المرحوم الشهيد الدكتور الذهبى .. يدرج هذه التفاسير ضمن التفاسير البدعية، تأثرا برأى أهل السنة فيهم ..
والمعتزلة- بالرغم من آرائهم التى ذهبوا إليها وتخالف مذهب أهل السنة- كانوا مخلصين فى اتجاههم لهذه الآراء لخدمة الاسلام على الصورة التى رأوها ..
وقد استنفدوا كل وسائلهم للدفاع عن مذهبهم .. وإن كانوا قد استعملوا سلطة الخلافة فى تدعيمه والتنكيل بمخالفيه، كما حصل فى فتنة القول بخلق القرآن، وما جرى فيها من تصرفات شاذة لا يقبلها العقل ولا الدين ..
لكن خصومة أهل السنة لهم كانت شديدة شدة خصومة المعتزلة لهم- وحين مال الميزان لصالح أهل السنة انقضوا على المعتزلة وآرائهم وسفهوهم وسفهوها، ومن ذلك تسمية تفاسيرهم بالبدعية، أما نحن فى أيامنا، فلا يجوز أن نتأثر بهذه الخصومة، بعد أن ركدت ريحها، وذهب زمنها، وبالتالى ننأى بجانبنا عن كتب المعتزلة وآرائهم جملة .. بل ننظر إليها من حيث الموضوع غير متأثرين ولا وارثين لخصومة أهل السنة لهم ..
ففي هذه الكتب والتفاسير ما لا يحصى من الفوائد العلمية. وآراؤهم الخاصة تحت نظرنا، يأخذ بها من يأخذ ويتركها من يترك ..
ومن هذه التفاسير، تفسير الكشاف وهو موضع القبول جدا لدى المشتغلين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
بالتفسير .. وكذلك غيره .. وإذا كان تفسير الطبرسى الشيعى قد أخذ مكانه لدينا، فلا يليق بنا إغفال كتب المعتزلة ..
تفاسير الألف الثانى من الهجرة
هذه التفاسير التى ذكرناها كانت من نتاج العقول فى الألف الأول الهجرى.
. وهو كما ترى حافل بالمؤلفات ومنها التفاسير .. وكان آخرها تفسير أبى السعود التركى «ارشاد العقل السليم» فقد ألفه صاحبه فى النصف الثانى من القرن العاشر.
فإذا استعرضنا تآليف أو تفاسير الآلف الثانى فإننا سنجد فى مقدمتها:
تفسير روح المعانى: لشهاب الدين محمود الألوسي الحنفى البغدادى. الذى ولد سنة 1217 هـ فى بغداد وتوفى سنة 1270 هـ، واستفاد فيه بكل ما سبقه من تفاسير، واختار منها ما أراد، مع عناية بنقل عبارة أبى السعود غالبا معبرا عنه بشيخ الاسلام، كما يعبر عن الرازى بالإمام. وله شخصيته حين يذكر الآراء، ويقارن بينها، ويختار منها، مع تفنيده لآراء المعتزلة والشيعة، ومع ذكره لآراء أهل الفلك والفلسفة، وإقرار ما يرتضيه، ومع عنايته بالمسائل النحوية والفقهية والكلامية، ونقده الشديد ورفضه للاسرائيليات، والأخبار المكذوبة، فجمع فيه الألوسي ما اعتبره زبدة آراء السابقين .. وإنه لكذلك، فقد وجد مائدة السابقين مبسوطة أمامه، فانتقى منها ما قبلته نفسه، وهضمه عقله، وقدمه بشيء قليل أو كثير من التوسع حسب المقاسات .. لكنه عنى بما لم يعن به غيره من التفسير الصوفى والإرشادى الرمزى، بصورة تصوره بأنه من أهل العلم بهذا التفسير والرضا به .. مع أنه تفسير مرفوض من الأغلبية الساحقة من المسلمين.
. وعسير الهضم على عقولهم ..
وكان هذا آخر التفاسير الجامعة المعروفة على النسق القديم، والسائرة على منهجها، الدائرة فى فلكها .. ويعتبر لذلك من أوسع المراجع المهمة فى التفاسير، وأوفرها قصدا واعتدالا ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)