بالسيف، مما أضفى على حياتهم الطالع العملى الجاد، فلقد كان من مستلزمات ذلك أن لا تكون هناك عناية إلا بما يمس هذه الناحية العملية .. وأن يحد من الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل، وإثارة الإشكالات والشبه، فإن ظروف المسلمين فيما بينهم لا تسمح بذلك، كما أن ظروفهم أمام أعدائهم المحيطين بهم من كل جانب لا تستسيغه، والبناء الجديد يقتضى احتياطا وعناية لا بد منهما.
ومن هنا تحدد المنهج الذى يجب أن يسير عليه الصحابة فى حياتهم العلمية، وكان لذلك أثره فى فهمهم للقرآن وتفسيرهم له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
المنهج الفكرى فى الحياة الجديدة وصلته بفهم القرآن
هذا المنهج الفكرى كان من الضرورى أن يكون ملائما ومتناسقا مع الحياة الجديدة وضروراتها وفى إطارها، وإذا أمكن أن نستعمل مصطلحات العصر الحديث، قلنا: إنه كان من الضرورى أن يكون فى خدمة الحياة الجديدة ومتطلباتها، كما يقال الآن: يجب أن يكون العلم فى خدمة الإنتاج مثلا، وأن يغذى الإنتاج الفكرى الأهداف العامة للدولة، وذلك من أجل تماسك البناء، وهو لا يزال جديدا، وعدم إصابته بهزات عكسية، تترك عليه آثارها من التخلخل والتشقق ..
فكل ما يتصل بالعقيدة وتمتين بنائها مقبول بل مطلوب. أما أن تثار حولها شبهات ومجادلات نظرية تشتت العقول، تدخلنا فى التيه، فذلك أمر غير مقبول .. وذلك مثل الكلام فى القضاء والقدر الذى لم ولن ينتهى إلى نتيجة حاسمة ولذلك نهوا عنه ..
وكل ما يتصل بتصحيح العمل- عبادة كان أم معاملة- فالكلام والسؤال والجواب فيه مقبول. بل مطلوب كذلك، ولكن بقدر ما يصحح العمل، دون الاسترسال وراء شهوة الكلام والجدل والافتراضات.
ولقد كان القرآن ينزل فى شأن هذا وذاك، والرسول يتابعه بالبيان القولى أو التطبيقى بحيث لا يترك شيئا يحتاج إلى بيان إلا وضحه .. ومع ذلك فمن الجائز أن يبقى هناك شىء غامض لدى بعض الناس. وهذا يحمد منهم أن يستوضحوا أمره .. ومن الجائز أن تنزل آية، ويفهم منها الصحابة شيئا من التكليف الغير المستطاع أو شيئا يخالف ما فهموه من قبل فيلجئوا إلى الرسول ويسألوه، فيوضح لهم الأمر، مسرورا بإقبالهم على فهم دينهم ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
فمثلا .. حين نزل قوله تعالى من سورة الأنعام وهى مكية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ 82 (1) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ليس بالذى تعنون. ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 13 (2) يعنى لقمان كما جاء فى سورته.
فهذا الذى فهموه أولا من الآية السابقة أزعجهم، لأنه يتصل بحياتهم فى الآخرة، وهم يحرصون على أن تكون حياة طيبة، فسألوا رسول الله، فبين لهم أن معنى الظلم فى الآية هو الإشراك، وأحالهم على آية أخرى حكت عن لقمان قوله لابنه: (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وبهذا انتهى الإشكال.
والسيدة عائشة رضى الله عنها لما سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
«من حوسب عذب»، رأت أن هذا القول فى ظاهره، يخالف قوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ 7 فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً 8 وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً 9 (3)
فهناك إذن من يحاسب، ثم يلقى أهله مسرورا فى الآخرة، ولا يلحقه عذاب. والحديث يقول بصيغة التعميم (من حوسب عذب) فتلجأ إلى الرسول، وتحتج بالآية، وكأنها تعارضه. فتقول له: «أو ليس يقول الله عز وجل فسوف يحاسب حسابا يسيرا، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما ذلك العرض) وفى رواية ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض، أى عرض--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام الآية 82.
(2) انظر تفسير ابن كثير ج 2 سورة الأنعام. تفسير الآية المتقدمة .. وآية لقمان 13.
(3) سورة الانشقاق 7 - 9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
الأعمال على الله تعالى وتجاوزه عن السيئات منها ثم قال الرسول: (ولكن من نوقش الحساب يهلك، أو من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) روايات مختلفة والمعنى واحد.
وسؤال عائشة رضى الله عنها كان فى أمر مهم، يتصل بمصير الناس فى الآخرة، وما فهمته عنه من الآية الكريمة .. ورواية أخرى عن عائشة أيضا فى هذا تقول: (سمعت رسول الله يقول فى بعض صلاته (اللهم حاسبنى حسابا يسيرا) فلما انصرف، قلت يا رسول الله: ما الحساب اليسير؟ فقال: (أن ينظر فى كتابه، فيتجاوز له عنه. إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك) (1) وهو سؤال لتوضيح معنى يتصل بالآية السابقة.
ويروى البخارى فى صحيحه- فى باب الصوم- عن عدى بن حاتم رضى الله عنه قال: لما نزلت (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (2) عمدت إلى عقال أسود، وعقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى، فجعلت أنظر إلى الليل، فلا يستبين لى، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار».
وفى رواية أخرى عن عدى أيضا بلفظ آخر «لما نزلت: وكلوا واشربوا ..
الآية» عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود، والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتى. قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لى الأبيض من الأسود أمسكت.
أى امتنعت عن الطعام وبدأت الصيام. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذى صنعت فقال: (إن وسادك- إذن- لعريض. إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل).
وتعليق الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن وسادك لعريض) مبنى على أنه وضع تحته الخيطين اللذين جعلهما الله كناية عن بياض النهار وظلمة الليل فاتخذ--------------------------------------------
(1) انظر صحيح البخارى فى باب العلم وابن كثير فى تفسير الآية من سورة الانشقاق ج 4 ص 48 طبعة الحلبى.
(2) سورة البقرة 187.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وسادته كأنها أفق يضم هذين الخيطين. وفى رواية أخرى أنه قال له أيضا (إنك لعريض القفا) وبعض الناس يفهم من هذا أنه يرميه بالبلادة فى فهم المراد من الآية .. ولكنه من مستلزمات (إن وسادك لعريض) فما دام الوساد عريضا إلى هذا الحد فلا بد أن القفا الذى يستلقى عليه عريض كذلك بما يتناسب معه. وربما يكون ذلك إشارة إلى أنه كان مستريحا فى نومه على وسادة مريحة فتكاسل عن القيام وأجرى تجربته وهو نائم.
وهى كلها تعليقات طريفة على هذا الفهم البدائى، الذى أخذ ما فى الآية على حقيقته، ولم يفطن إلى أن ذلك كناية عن خيط النور الذى يشق سواد الليل مؤذنا بطلوع الفجر ..
والشاهد فى هذه الرواية هو أن الرجل فهم فهما فى القرآن، ثم لم يطمئن إليه بعد التجربة التى أجراها، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض عليه هذا الفهم، ويستوضحه الحقيقة فيه، فبين له الرسول حقيقة المراد فى الآية ..
وأمثال هذه الاستفسارات لا بدّ أنها كانت كثيرة، وقد روى البخارى ما صح منها فى صحيحه وكانت أمرا لا بدّ منه فى فهم الصحابة للآيات التى تشرع لهم فى أمر عباداتهم أو معاملاتهم .. ومن الطبيعى أن الرسول كان يتقبل هذه- الاستسفسارات بصدر رحب، ويجيب عنها بما يوضح لهم الفهم الصحيح.
لأنها كانت تدخل فى صميم الحياة العملية لهم .. ويتوقف عليها تسديد الخطى فى هذه الحياة …
لكن العقل البشرى له جولاته فى نطاق الحياة العملية، وله تساؤلاته فيما يغيب عنه، وكثيرا ما يدفعه الفضول أو الرغبة فى الاطلاع على المجهول إلى أسئلة يرجو الإجابة عنها.
وقد نزل القرآن موجزا مجملا وحمال أوجه، وفيه متسع لمن يريد السير وراء الأسئلة التى من هذا النوع .. حيث ركز على موضع العبرة عنها، تاركا فيها بعض الجوانب التى يلح العقل فى معرفتها عادة ..
كما أن فى القرآن بعض الآيات التى تبدو فى ظاهرها متناقضة .. فالله «ليس كمثله شىء» كما تقرر آية، ثم تأتى آيات أخرى، فتتحدث عن أن الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
يدا (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) ووجها (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) وعينا (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي)، وسمعا وبصرا (إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً). إلى غير ذلك من الآيات التى تبدو على غير اتفاق مع قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مما أطلق عليه أنه من المتشابهات فى القرآن .. بمعنى عدم جلاء معناه عند قراءته أو سماعه، كما يفهم سريعا من قوله تعالى مثلا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) .. (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ).
وهناك ألفاظ فى القرآن جاءت على غير ما اعتاد العرب فى كلامهم ((الم.
ألر. المص. طسم. حم. ص. ق. ن). مما بدأ الله به بعض سور القرآن ..
وهناك آيات فى القرآن الكريم تنص على أن الله «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ و (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً).
(وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) وآيات أخرى صريحة فى مجازاة الإنسان على ضلاله وعلى عمله، وينتج عن هذه وتلك .. هذا الإشكال المزمن: هل العبد مسير أو مخير؟ وكيف يحاسب الله العبد على شىء، نفذت به مشيئة الله وليس فيه حينئذ خيار؟
آيات كثيرة فيها هذا وذاك وذلك .. ومرت القرون عليها، والناس مختلفون متجادلون فى فهم المراد منها .. وستمر قرون كذلك، دون أن يصل فيها العقل إلى رأى قاطع حاسم، فماذا كان موقف صحابة رسول الله منها؟.
هل فهموها ووصلوا فيها إلى حل مريح، أو سألوا الرسول عنها فبينها لهم؟
لو أنهم فهموها أو بينها لهم الرسول، لروى لنا هذا الفهم، وهذا الحل، واسترحنا، إذ ليس من المعقول أن يندرس مثل هذا البيان عن هذه الآيات المشكلة، فلا يرث علمهم أحد ممن أخذ عنهم، ولا نتوارثه، مع أن الروايات، نقلت لنا الكثير من أقوال الرسول وأقوالهم، مما هو أقل شأنا من موضوع فهم هذه الآيات، ومع أن عهد التابعين قد كثرت فيه الأسئلة عن غوامض القرآن.
ولكن هل تمر عليهم دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها؟ ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
أظن ذلك هو الأقرب إلى العقل .. إذ لو سألوا وأجابهم عنها لوصل إلينا ذلك فيما وصل.
وما دمنا لم نعثر على حديث صحيح عن الرسول، أو على رأى للصحابة موثوق بنسبته إليهم، فالأقرب للعقول أنهم لم يفهموها تفصيلا ولم يسألوا عنها.
ولكن كيف مرت دون أن يفهموها، ودون أن يسألوا عنها، وهى التى تشغلنا الآن كما أنها شغلت من كان قبلنا، وستشغل من هو بعدنا، ويكثر فى فهمها الاختلاف كما كثر من قبل دون الوصول إلى رأى قاطع ..
ما المراد بقوله تعالى فى أوائل السور: الم. المص. الر. حم .. الخ؟
ما المراد بيد الله وسمعه وبصره وعينه؟
ألم يفسرها الرسول تفسير قاطعا؟ ألم يتطلع الصحابة لمعرفتها فيتركوا لنا فيها تفسيرا مقنعا؟
تروى بعض كتب التفسير عن أبى بكر وعمر أنهما مما استأثر الله بعلمه ..
ولو صحت هذه الرواية لكان معنى ذلك أنهم يعلمون ذلك من الرسول ..
ولقطعت هذه الرواية حبل الاجتهاد على كل متحدث يريد شرحها وفهمها ..
ولكن حبل الحديث والتفسير والاجتهاد فى فهمها لم ينقطع، حتى بلغت الأقوال مثلا فى معنى الحروف المقطعة .. عشرات. ومغزى هذا أن هذه الرواية عن أبى بكر وعمر لم تصح، ولم تعتمد لدى المفسرين جميعا. فبقى باب الفهم والاجتهاد فيه مفتوحا.
فرأينا فريقا من المفسرين يقف عن تفسيرها ويقول (الله أعلم بمراده) وآخرين منهم يفسرونها بما يمكنك الاطلاع عليه فى كتب التفسير .. وكلها تفسيرات اجتهادية ترجع إلى عقل المفسر وترجيحه ..
والسبب فى ذلك كله أننا لم نرث عن الصحابة رواية صحيحة معتمدة، تقطع الطريق على أى قول آخر.
فكيف تترك هذه الأمور غامضة دون توضيح؟ .. وهل يعقل أن تكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
معانيها غامضة عليهم، ثم سكتوا فلم يسألوا الرسول، وهو المرجع الأعلى فى تفسير القرآن وفهمه؟ ..
أسئلة أجدها كلها نابتة من جونا العلمى والفكرى الذى نعيش فيه، والذى دأب الناس فيه على أن يسألوا عن كل شىء، حتى ما لا يحتمل السؤال .. وفى هذه الأسئلة التى نتساءلها شىء .. من الاستغراب، عن موقف الصحابة وإحجامهم عن السؤال .. وشىء من الأمانى الغالية أن لو كان الصحابة سألوا عنها الرسول فبينها وأراحنا ..
فهل يلام الصحابة لعدم سؤالهم أو بيانهم؟.
إنه لا بد لنا لكى نفهم موقفهم ونقدره .. نحاول بتفكيرنا العيش معهم فى الجو الذى كانوا يعيشون فيه، ونقدر مع ذلك البساطة العربية التى كانت تنفر من التعقيد، والتى كانت طابعهم العام، ونعرف فى الوقت نفسه أن وقتهم كان وقت تعبئة عامة وتركيز حول المسائل المهمة، التى تأخذ من حياتهم الاهتمام الأول، وهى العقيدة وبناؤها، والأحكام والالتزام بها، والأعداء الكثيرون المحيطون بهم وضرورة مجابهتهم .. وأولا وأخيرا أمة جديدة فى كل شىء، تزرع وسط حقول ألغام، ولا بد لها من الحذر والحيطة التامة فى سيرها ..
فهل يحتمل هذا الجو- مع ما نعلمه من البساطة العربية- أن ينصرف الصحابة- والحالة حالة طوارئ- إلى مناقشات حول موضوعات لا تدخل فى صميم عقيدتهم، أو عباداتهم ومعاملاتهم. وهى موضوعات أثيرت فيما بعد، بدافع من الأمن والفراغ، واتساع الحركة الذهنية والعلمية، وكثرة الداخلين فى الإسلام من غير العرب ..
لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بعثته نحو عشرين سنة كانت هى مدة الدعوة إلى الدين الجديد بعد فتور الوحى، ومنذ أمره بإنذار عشيرته الأقربين، وأمره بتبليغ الدعوة جهرا إلى الناس أجمعين. وقد قضى من هذه المدة نحو نصفها فى مكة فى حالة ضغط مستمر عليه وعلى أصحابه، واضطهاد عنيف تحملوه صابرين .. ومطاردة ومصادرة لهم فى أفكارهم وتحركاتهم ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
بل وحياتهم. فلم يكن من المعقول فى هذا الظرف أن تثور مناقشات نظرية حول هذه المتشابهات التى نزل أكثرها بمكة ..
وقضى رسول الله فى المدينة نحو عشر سنوات كذلك، قضاها كلها فى دفاع وحروب مستمرة فرضها عليه أعداؤه .. فكانت كلها سنوات طوارئ بلغتنا الحديثة .. وفى حالات الطوارئ لا يقبل فيها من الكلام والمناقشات ما يقبل عادة فى حالات الأمن والرخاء .. بل تفرض التعبئة العامة جوها على الحياة وعلى الأفكار ..
هل يكون من المقبول والمستساغ لدينا- إذا كنا فى حالة حرب أو طوارئ وتعبئة- أن نثير فى الصحف بحوثا ومجالات نظرية تشغل الأفكار وتمزقها، ولو حول بعض المسائل الدينية البعيدة عن جونا الذى نعيش فيه؟
هل يستساغ أن نثير فى مثل هذه الحالة بحثا حول جواز ترجمة القرآن مثلا، أو عدم جوازها؟ أو حول من كان أحق بالخلافة. أبو بكر أم على؟. أو حول المراد من الحروف المقطعة التى بدئت بها بعض السور؟ أو حول القضاء والقدر؟
وهل الإنسان مسير أو مخير؟ - أو حول القرآن، وهل هو مخلوق، أو غير مخلوق؟. أو نثير بحثا حول الشعر القديم والشعر الحديث؟. أو نعيد سيرة البيزنطيين فنتناقش: أيهما الأصل: البيضة أم الدجاجة؟!!
وإذا كنا لا نستسيغ ذلك حاليا مع شهوتنا الملحة دائما فى الكلام والجدل، فكيف يمكن أن نطلب من الرسول .. وصحابته وقد كانوا فى حالة طوارئ مستمرة، وحالة حرب، وخطر الحرب، أن يسألوا ويبحثوا فى أشياء نظرية، وبعضها قد يثير الاضطراب الفكرى، ويبعثر الجهود، ويشتت الأفكار، ويؤدى إلى الدخول فى التيه؟ ..
ولكن أليس فى فهم معنى يد الله وسمعه وبصره اتصال بالعقيدة؟
نعم .. كان له اتصال .. ولكنهم فهموه فهما إجماليا وتركوه، واكتفوا بهذا ولم ينساقوا الى ما وراءه مما أثير بعد ذلك .. اكتفوا واكتفى منهم الرسول بأنهم مؤمنون بالله وبصفاته كما جاء فى كتابه، وليس لهم أن يشغلوا أنفسهم وأفكارهم بالبحث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
عن: كيف، ولماذا؟ بدليل أننا لو آمنا الآن بصفات الله كما وردت فى القرآن، وفوضنا معناها إلى الله، ما كان فى ذلك بأس، بل إن بعضنا يقول: هذا هو المطلوب منا. وهكذا سار المسلمون بعد الرسول. وتحرجوا عن السؤال فى هذه المتشابهات وقال الإمام مالك: إن السؤال عنها بدعة.
ومع أن طابع الحياة العملية وظروفها التى عاشوا فيها قد أملى عليهم هذا الاتجاه، كان هناك بجوار هذا أو قبل هذا توجيهات من القرآن الكريم، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحبذ مثل هذا أو تدعو إليه، وترسم منهجا لتفكيرهم وأسلوب فهمهم للقرآن، والدين الجديد الذى اعتنقوه ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
لا تسألوا عن أشياء …
إن المعروف فى تاريخ الأديان والمذاهب حتى الوضعية منها أن الدور الأول فيها يكون الجهد فيه منصرفا الى القواعد العامة، والى إشعال الروح، والى التطبيق العملى
لتعاليمها .. أما التفريعات والتعليلات، أو التماس فلسفة لهذه القواعد وهذه التعاليم، فذلك يكون بعد إرساء القواعد، وتكميل البناء، وغالبا ما يصاحب ذلك شىء من خمود الروح ولو نسيبا عما كانت عليه فى الدور الأول .. دور الحماس وفوران العاطفة ..
لقد وجدنا القرآن الكريم يتعرض لأناس يكثرون من سؤال الرسول ووجدوها فرصة يشبعون فيها نهمهم فى الأسئلة عما فى نفوسهم حتى أدى شغفهم بكثرة الأسئلة إلى أن يسأل واحد منهم رسول الله: اين أبى؟ فيضطر الرسول إلى أن يخبره أنه فى النار، وكان قد مات على الكفر .. ويسأل آخر: من أبى؟ وآخر أين ناقتى؟ وآخر يسأله عن الحج أواجب مرة فى العمر أم فى كل سنة .. إلى غير ذلك، فأنزل الله آية تحسم هذه الحالة، وتحد منها، لأنها لا جدوى منها ولا تتناسب مع الرسول ووقته ومهمته، ولا مع الصحابة وما ينبغى أن ينصرفوا إليه فى حياتهم، فقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ 101 قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ 102 (1)
وفى ألفاظ الآيتين وترتيبها المنطقى من قوة الردع والزجر ما تنخلع منها القلوب وتخرس الألسنة «إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل--------------------------------------------
(1) المائدة/ 101، 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
القرآن تبد لكم. ثم «قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين».
ردع قوى عن الاسترسال فى توجيه أسئلة للرسول لا داعى لها فوق أنها تشغله، وما كان هذا الردع القوى إلا لأن «الناس» كانوا كما جاء فى حديث أنس رضى الله عنه «سألوا نبى الله صلى الله عليه وسلم حتى أضنوه بالمسألة. وفى حديث آخر يوضح المعنى «فلما أكثروا عليه المسألة غضب». وكان من أثر غضبه عليه الصلاة والسلام أن قال لهم: ذرونى ما تركتكم.
وأجدنى فى حاجة لأن أقف قليلا لأوضح: لم غضب الرسول؟ حتى لا أترك فى ذهن القارئ علامة استفهام كبيرة لا جواب عنها ..
سبب الغضب يمكن أن يبينه هذا الحديث «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال- إن الله قد فرض عليكم الحج. فقال رجل- أفى كل عام؟ فسكت عنه. حتى أعاده ثلاثا. فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت، ما قمتم بها أو لما استطعتم .. ذرونى ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه.» (1)
فمثل هذا السؤال من الرجل «أفى كل عام؟» لا محل له .. إذ لو كان فى كل عام لبينه الرسول دون حاجة إلى سؤال أحد. ثم كان على الرجل أن يكون فطنا حين لم يرد عليه الرسول، فيسكت هو الآخر، ولا يتمادى فى السؤال، كأنه هو الحريص وحده على البيان .. ومثل هذا الموقف كثيرا ما يدخل صاحبه فى باب التنطع الذى قال عنه الرسول «هلك المتنطعون»، والاسلام ذوق، وجمال، وإحساس، وجو، لا بد أن يشيع فيه هذا كله.
والذين ما رسوا مهنة الدعوة أو التدريس، هم أكثر الناس إدراكا وفهما لمثل هذا الموقف، فكثيرا ما يجابه المدرس بأسئلة، تنطلق من بعض الطلاب--------------------------------------------
(1) سنن النسائي ورواه مسلم وغيره بألفاظ مختلفة راجع تفسير الآية فى ابن كثير وفى المنار وغيرهما، وكيف كان غضب الرسول من كثرة الأسئلة فى موضوعات متعددة لا أهمية لها أو تؤدى للتشديد عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
كالرشاش فى (الفاضى والمليان) وقبل الشرح أحيانا، وخارج موضوع المدرس أحيانا، ولو استرسل المدرس مع السائل لتشتت الموضوع، وضاع الوقت، وتبرم الباقون، ولو سكت الطالب (المتسائل) لجاءه الشرح الذى ينبغى له أن يفهمه، ولا يزيد عليه، وخرج هو وزملاؤه بالفائدة المرجوة ..
ثم ماذا ربح السائل: أين أبى؟ «حين قال له: فى النار .. ومعروف أن الذين ماتوا على الكفر مآلهم النار كما قال عمر ملطفا حدة الموقف، ثم هذا الذى سأل: من أبى؟ أكان يضمن- كما قالت له أمه توبخه- أن أمه علقت فيه من غير أبيه فكان يفضحها أمام الجميع ويفضح نفسه؟ جو اندفع إليه الصحابة، ولم يكن لائقا أبدا بهم ولا بالرسول ومهماته ..
فكان لا بد للرسول أن يغضب من هذه الحالة التى تضيع الوقت وتبعد المسلمين عن الطابع الجدى الوقور، الذى يجب أن يكون طابع مجالس الرسول، ومجالس العلم بعامة، وطابع الجد الذى يعيشون فيه،
ومن هذا يتضح جليا سبب الغضب، ويبعد عن الأذهان ما قد يناوشها- من أن الرسول لم يكن يجب أن يسأل عن بيان أمر شرعى، يتصل بتصحيح عقيدة المؤمن وعمله، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الرسالة ومهمة الرسول ..
ولعل الأمر يزداد وضوحا إذا ذكرت هنا آية أخرى فى هذا المقام- ولو أن الاستطراد سيطول- لكن هذه النقطة لا بدّ أن أوضحها تماما .. ولا أترك لها مخلفات فى الأذهان .. هذه الآية من سورة المجادلة تقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 12 (1)
كيف هذا؟
هل مناجاة الرسول ومحادثته تقتضى أن يتصدق المتحدث قبل أن يقدم على مناجاته؟--------------------------------------------
(1) سورة المجادلة الآية 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
أليس الرسول مبينا، ومن مهمته أن يتحدث للناس ويستمع إليهم؟
بلى. من مهمته ذلك. ولكن حسن خلقه وسيره على طبيعته السهلة أطمع كل من حوله فى أن يتحدث معه، ويناجيه، وقد ينفرد به، وقد يشغله، وقد يقتحم عليه أوقات راحته، وقد يتحدث معه فى توافه الأمور، فكان تواضعه وحسن خلقه سببا فى إيجاد شىء من عدم الدقة فى فهم مقام الرسول، وما ينبغى أن يكون عليه الحديث معه .. ولما يجب من توفير وقته للمهم من الأمور، أو كما نقول سببا فى «رفع الكلفة» فى الحديث معه، فكان لا بد من وقفة، أو من هزة تنبه الجميع إلى ما يجب أن يكون عليه الحديث مع الرسول، فليس هو مثلهم. إنه رسول .. وإذا كان قد رباه ربه على التواضع، فليس معنى ذلك أن تزيلوا كل حجاب، أو ترفعوا الكلفة بينكم وبينه وتشغلوا كل وقته بأسئلتكم ومحادثاتكم.
إن مقامه عظيم، ومقام المحادثة معه عظيم، يقتضى أن يقدم من يريد الحديث معه صدقة. نعم. لا حجاب، ولا حراس، ولا استئذان ولكن صدقة من مال، أفهمتم مقام الرسول؟ أفهمتم خطورة التحدث معه؟ لا بد أن تتأدبوا. لا بد أن تحتاطوا.
وعرفوا قدر المحادثة مع الرسول ومناجاته وقيمة وقته، وأحجموا .. حتى أقرب الناس إليه وهو على رضى الله عنه، لما أراد أن يحدثه، قدم صدقة قبل أن يتحدث معه، ثم تحدث .. وكان المهم أن يعوا هذا الدرس، ويعلموا أنهم يتحدثون مع رسول الله، ولا بد أن يكون الحديث جديا مناسبا لمقامه.
وقد فهموا هذا ووعوه، ثم أدركتهم رحمة الله سريعا وأعفتهم من هذه الصدقة، لكن بعد أن فهموا وتعلموا، فقال الله لهم أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ 13 (1)
ومنه حفظكم لمقام الرسالة والرسول وتأدبكم فى الحديث معه.--------------------------------------------
(1) المجادلة/ 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وفى معنى هذا أيضا يقول الله «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا «من أواخر سورة النور، وقوله فى أوائل سورة الحجرات «يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم، إن الذين ينادونك من وراء الحجرات (كما ينادون أمثالهم) أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم».
أدب مع النبوة يجب أن تتأدبوا به. فلما غفلوا عنه غضب الرسول وغضب الله له. حتى لا يكون هؤلاء (المتنطعون) سببا فى الإثقال على غيرهم .. كما قال الله «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ». وكما قال الرسول:- «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم».
ولقد كان هذا الدرس نافعا ومفيدا، بل ذهب إلى نفوس الصحابة إلى أكثر من مداه .. وهذا هو شاهدنا وموضع هدفنا من الآية وأثرها ..
فلقد تخوف الصحابة من السؤال، أى سؤال، وتحرجوا منه، مما يمكن أن نعده رد فعل لما كانوا عليه أولا، قبل أن يغضب الرسول وتنزل الآية .. فقد أداهم الخوف والخشية إلى أن يحجموا عن الأسئلة، خوفا من أن يبدو منهم ما قد يكون محل مؤاخذة فآثروا العافية .. والرواية الآتية تبين لنا إلى حد آثروا العافية وتخوفوا الأسئلة ..
روى مسلم فى صحيحه عن أنس رضى الله عنه قال «كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شىء، وكان يعجبنا أن يجئ الرجل الغافل من أهل البادية (أى الذى لم يبلغه أمر النهى كما بلغنا) فيسأله ونحن نسمع (1)، وأخرج الإمام أحمد فى مسنده عن أبى أمامة قال:- «لما نزلت، يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء» الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم فأتينا أعرابيا،--------------------------------------------
(1) عن تفسير المنار ح 7 ص 148 نقلا عن فتح البارى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
فرشوناه برداء وقلنا سل النبى صلى الله عليه وسلم والأعرابى ليس بملتزم بما يلتزمه المقيمون مع الرسول .. والرشوة هنا ليست هى الرشوة المحرّمة طبعا، بل هى تحريض على خير يريدونه ولا يستطيعونه.
وروى مسلم أيضا عن النواسى بن سمعان قال: «أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة ما يمنعنى من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبى صلى الله عليه وسلم».
فلم يتخذ النواسى صفة المقيم بالمدينة حتى لا ينطبق عليه ما ينطبق على المقيمين مع الرسول من تحشم واحتياط فى الأسئلة، وظل سنة ضيفا، دون أن يأخذ حكم الإقامة،
لتكون له الحرية فى سؤال الرسول عما يريد. لأن الحرج كان خاصا بالمقيمين لا بالوافدين؟؟؟ .. لأنهم يتزودون بالعلم ويرحلون، وتسامح معهم أكثر مما يتسامح مع المقيمين.
وروى أبو يعلى عن البراء «إن كان ليأتى على السنة، أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب، أى قدومهم، ليسألوا فيسمعوا هم الأجوبة عن أسئلة الأعراب فيستفيدوا منها ..
إلى هذا الحد بلغ رد فعل هذا الدرس الذى فهموه من الآية: إحجام عن السؤال مع رغبتهم الشديدة فيه، حتى يحرضوا الأعرابى، ليسأل بدلهم، ويغروه بشيء فى مقابل السؤال، واستماعهم معه للجواب .. مبالغة فى الأدب، مع حرص شديد على الاستفادة ..
ومع أن الآية- كما يفهم من مدلولها- لم تنههم عن السؤال أيا كان موضوعه، بل نهتهم عن أسئلة من نوع خاص، بينته لهم «إن تبد لكم تسؤكم» كما أن الحالة التى نزلت الآية تعالجها كانت مفهومة عندهم، أقول ومع ذلك أحدثت الآية فى نفوسهم رد فعل زائد عن الحد المطلوب فيها.
ولو أنهم- مع هذا المعروف عنهم- لم يغفلوا أول الأمر عما كان يجب عليهم من مراعاة مقام الرسول، والحفاظ على وقته الثمين، الذى يجب صرفه كله للأمور المهمة، لما حصل هذا كله .. ولكنه درس لهم، ولكل من أتى أو يأتى من بعدهم، حتى لا تشغلهم التوافه عن العظائم، ولا يتشددوا فيشدد الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
عليهم، وحتى يوفروا للعلماء ولمن يدبرون لهم الأمور أوقاتهم، وينزلوا الناس منازلهم.
ونعود بعد هذا لنتساءل- هل معنى هذا أنه لم يعد بعد نزول الآية استفسار من الصحابة للرسول عن أمور تهمهم فى دينهم؟
. لا .. إذ لا يمكن أن تزول ظاهرة السؤال والجواب .. ما دام الرسول حيا .. ينزل عليه الوحى بتشريعات جديدة، تحتاج أحيانا- ولدى بعض الناس على الأقل- إلى استفسار وتوضيح ..
فما معنى تهيب هؤلاء، حتى كانوا يستعينون بالوافدين عليهم، أو ينتظرون قدومهم، ليسمعوا أسئلتهم وجواب الرسول عنها؟
الذى أفهمه من جملة النصوص ومن طبيعة الرسالة معا أنه حدث تهيب عام من الأسئلة بعد نزول الآية، لم يمتد إلى الضرورى مما تمس الحاجة إلى السؤال عنه .. ولكنه وضع حدا للسؤال فيما لا تمس الحاجة إليه، ولا تتوقف صحة العقيدة والعمل عليه .. بالإضافة إلى أن بعض الناس رأى من باب الأحوط أن يأخذ نفسه بعدم السؤال عن شىء، خوفا من الوقوع فى الحرج، مكتفيا بما يسمعه من سؤال الوافدين على الرسول، وإجابته لهم، أو ببيان صحابى له، يكون أكثر إدراكا وفهما منه ..
ومما لا شك فيه أن هذا الجو الذى أحدثه نزول هذه الآية كان له تأثيره فيما يتصل الاستفسار عن بعض ما فى القرآن من ألفاظ وموضوعات ذكرنا شيئا منها وتساءلنا- كيف تمر فى عهد الرسول، دون أن يسأل أحد من الصحابة عنها ودون أن يصلنا شىء موثوق به عن معناها وتفسيرها، وكان من الممكن- لو وجد- أن يقطع كل خلاف بين العلماء حول تفسيرها ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
فى قلوبهم مرض
ومع ذلك لم تكن هذه الآية هى كل ما فى الموضوع، بل كان هناك غيرها، يشاركها فى تأثيرها.
وأعنى بها قوله تعالى
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ 7 (1)
وقد كان سبب نزول الآية نقاشا دار بين النبى عليه الصلاة والسلام، وبين وقد نصارى نجران، فى شأن عيسى عليه السلام، كانت نتيجته إفحامهم، فلجئوا إلى الجدال والمراء فقالوا: ألست تقول إنه من روح الله وكلمته؟ قال:
بلى، قالوا: هذا حسبنا .. فنزلت الآية تندد بهم لوقوفهم- خدمة لهواهم- عند ما ورد فى القرآن من أنه روح الله وكلمته، غير ناظرين إلى الآيات الأخرى المحكمة التى تبين حقيقة عيسى عليه السلام، مثل قوله: «إن هو إلا عبد أنعمنا عليه» فى سورة الزخرف المكية، وغير ذلك من الآيات التى تبين حقيقة ولادته وبشريته مثل «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ .. » (2).
ونلاحظ أن الآية توجه حملتها على الذين يعمدون إلى الألفاظ المتشابهة ..
مثل هؤلاء .. فيؤولونها حسب هواهم، بقصد إثارة الفتنة .. وابعاد الناس--------------------------------------------
(1) أوائل سورة عمران.
(2) سورة مريم الآية 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
عن الحق .. «فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» على حسب هواهم، مع أن هناك آيات أخرى تحول بينهم وبين اتباع الهوى ..
ولكنهم يتعامون عنها، ويهملونها، انتصارا لرأيهم، وتلبيسا على العوام، وجذبا لهم …
وفى مقابل ذم هؤلاء الذين يتعامون عن الحقائق، ويثيرون الفتن، ذكر الله طائفة أخرى لا تذهب مذهب الأولين فى إثارة الفتن بالمتشابه بل تؤمن به إيمانها بالمحكم، باعتبار أنهما صادران عن الله سبحانه، وسماهم الراسخين فى العلم، أى الراسخين فى علمهم بالله جل جلاله، وبالتالى فى إيمانهم به. فقال تعقيبا على الأولين وبيانا لموقف الآخرين (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ). ربنا (أى يدعو الراسخون المؤمنون ربهم قائلين) لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، لفرط إيمانهم واعتصامهم بربهم.
وبذلك وضح موقف فريقين من الناس: فريق يعمد للمتشابه ليؤوله تأويلات فاسدة يقصد منها إثارة الفتن، وفريق يؤمن به كما يؤمن بالمحكم من الآيات.، والفريق الأول مذموم.، والفريق الثانى ممدوح.
ويؤكد هذا حديث روته السيدة عائشة رضى الله عنها تقول فيه: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال: (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم.
ومع أن الآية والحديث- كما رأيت- يذمان الذين يتبعون المتشابه، ويؤولونه تأويلا يثير الشبه والفتن، ولا يتناولان الذين يسألون عن المتشابه سؤالا بريئا بقصد الفهم، أو الذين يذكرونه، ويردونه إلى المحكم، ويفهمونه على ضوئه، أقول مع هذا أصبح السؤال عن المتشابه أو الحديث عنه مثيرا لعلامة استفهام حول صاحبه، أو واضعا له موضع الريبة فى إيمانه، حتى تتبين حقيقته …
ولذا كان من الطبيعى أن يتحاشى المخلصون الصادقون هذه الريبة، ويبتعدوا ما أمكن عن الكلام حول المتشابه ويكتفوا بالفهم الإجمالى، رادين كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
ما يسمعونه أو يقرءونه منه، إلى إيمانهم العميق بالله جل جلاله. وتسليمهم المطلق بكل ما ورد فى القرآن، ولو لم يفهموا حقيقة المراد منه، حتى يكونوا ممن مدحهم الله.
فمثلا الآيات التى تتحدث عن مشيئة الله ومشيئة العباد. وعن قضاء الله وأفعال العباد. فيها آيات ترد كل شىء إلى الله «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» ..
وآيات تضيف العمل إلى الإنسان «كل امرئ بما كسب رهين» فكيف نوفق بين مشيئة الله، وقضائه وقدره بالنسبة لعباده، وبين محاسبة العبد على ما يفعل؟
هذه القضية التى شغلت الناس قبل الإسلام وبعده، وإلى الآن، وإلى ما شاء الله من أزمان وأجيال ..
وفى غمرة الاختلاف حول هذه القضية نتمنى- حسب تفكيرنا- أن لو أثار الصحابة هذه القضية ليجدوا لهم ولنا حلها من الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولكنا لم نرث هذا البيان، ولو كان .. لورثناه ..
وبالإضافة إلى هذا نجد توجيها من الرسول فى هذا: «إذا ذكر القدر أو القضاء فأمسكوا» (1) أى ولا تخوضوا فى البحث عنه .. ولذلك كان الخلفاء بعد الرسول يطاردون كل من يثير كلاما حول القدر، بعد اتساع رقعة الإسلام.
وعن صفات الله، وما ورد عنها فى القرآن من الوجه، واليد والعين والسمع والبصر .. الخ- مما يدل على المشابهة، ويفيد فى ظاهره التجسيم، وهو محال، بنص الآية الأخرى «ليس كمثله شىء» فماذا تفيد- إذن- وما المراد بها؟.
كان الكلام فى هذه الناحية والاسترسال فيه مما حظره الرسول، فوق أنه يثير شبها حول صاحبه .. ولذا لم نجد من يسأل عن حقيقة الوجه واليد .. الخ ..
بل آمنوا بها كما وردت مع إيمانهم بأنه ليس كمثله شىء …
يقول العالم المحقق شاه ولى الله الدهلوى فى كتابه (حجة الله البالغة) ص 134 ج 1 بعد أن تكلم عن هذه الصفات: (والحق فى هذا المقام أن النبى صلى--------------------------------------------
(1) رواه الطبرانى من حديث ابن مسعود بإسناد حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)