دون العناية بالنظر إلى الجسم كله، وما فيه من تنسيق، جعله يؤدى مهمته فى الحياة .. ويظهر صنع الله المتقن .. وبرغم حاجة المفسر إلى بعض الأبحاث اللغوية والتركيبية، فإنه من الخطأ وضياع الهدف أن يصرف الجهد كله فى هذا.
. كما يحصل فى دراستنا للتفسير من كتبه المقررة وغير المقررة ..
[كتابى للتفسير]
ولكى أربّى طلابى على الطريقة التى أحبها، وكان ذلك فى أواخر الأربعينات- عملت على أن أكتب التفسير على ما أحب، وأنشره فى جريدة «منبر الشرق» لصاحبها ورئيس تحريرها المرحوم المجاهد الشيخ على الغاياتى، لكى يضم الطلاب لما يسمعونه فى الدرس، قراءة له فى كلام مكتوب، يمكنهم الاحتفاظ به ..
وبدأت ذلك فى سنة 1950، أسبوعيا وحكمنى المقرر على الطلاب، فبدأت من أول سورة الجاثية، وسرت فى هذا لمدة سنة، حتى منتصف سورة الأحقاف ثم سافرت للعمل فى الخارج .. وتوقفت عن كتابة التفسير.
ولكنه كان دائما يشغل بالى ويؤرقنى، فعدت إليه بعد قرابة ثلاثين سنة، أنشره فى جريدة «السياسى» الأسبوعية، التى تصدر عن «دار التعاون» سنة 1979 وما زال حتى الآن .. حيث توفر لدى الآن تفسير سور الجاثية، والأحقاف، ومحمد والفتح، والحجرات، ثم المجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن .. والكتابة والنشر مستمران ..
وقد نشرت دار التعاون «تفسير سورة الجاثية» فى كتاب، والبقية تأتى إن شاء الله وبفضله .. وقد سبقت فى كتابتى للتفسير على هذا النسق، كل الذين كتبوا التفاسير المختصرة والمتوسطة فيما بعد.
[تفسير الشيخ طنطاوى جوهرى والتفسيرات العلمية]
وبرغم الموجة الحديثة فى التفسير التى بعثها الشيخ محمد عبده، وبرغم التأثر الشديد بها، فى أوساط العلماء والقراء بوجه عام، رأينا عالما فاضلا أستاذا فى «دار العلوم» يضع تفسيرا مطولا، جعل همه فيه بيان عجائب الكون مما أشار إليه الله فى كتابه الكريم، على أساس ما وصلت إليه العلوم الزراعية، والطبية،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
والحساب، والهندسة، والفلك وعلوم البحار وغيرها من العلوم .. فما تأتى مناسبة تتصل بالزراعة مثلا إلا تحدث فيها بما وصل إليه علم الزراعة والنبات الخ.
وما تأتى مناسبة لذكر البحار، وما فيها من أسماك وأحجار ولآلىء، إلا وتدرج إلى بحث البحار، وملوحتها، ومساحاتها، وخواصها والأسماك وأنواعها وخواصها .. الخ. حتى لنراه يستعين بالصور فى بيان أنواع الأسماك .. وهكذا فى بيان اللؤلؤ والمرجان وكيفية تكوينه.
وكان يعتقد أن من الواجب عليه أن يبين فى هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق وعجائب الكون، فأثبت فيه من نظريات العلوم وحقائقها ما يشوق المسلمين إلى الوقوف على الحقائق البينات فى الحيوانات والنبات والانسان الخ.
وكان يتعجب من أن آيات الأحكام لا تعدو فى القرآن (مائة وخمسين آية) كما يقول، ومع ذلك تقوم على هذه الآيات، البحوث الفقهية، التى شغلت العلماء، وألفوا فيها هذه الكتب الكثيرة، بينما فى القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة آية وخمسين، ومع ذلك لا يعتنى علماء المسلمين بالوصول إلى فقهها ودقائقها. حتى ليقول فى أسلوب حماسى يستنهض همم المسلمين لطريقته»: فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها؟ هذا زمان العلوم، وهذا زمان ظهور نور الاسلام، وهذا زمان رقيه يا ليت شعرى لماذا لا نعمل فى آيات العلوم الكونية، ما فعله آباؤنا فى آيات الميراث»؟.
ثم يقول:
«ولكنى أقول: الحمد لله الحمد لله. إنك تقرأ فى هذا التفسير خلاصات من العلوم ودراستها، أفضل من دراسة علم الفرائض، لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد فى معرفة الله وهى فرض عين على كل قادر، إن العلوم التى أدخلناها فى تفسير القرآن، هى التى أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء فى الاسلام، فهذا زمان الانقلاب، وظهور الحقائق»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
وبهذه الصورة تجده متحمسا غاية التحمس لمنهجه، لأنه يؤدى للمسلمين فرض عين عليه وعليهم، لترقى الأمة فى عقيدتها ومعرفتها بربها، وفى حياتها.
ولم يعتمد فيما ذكره وأفاض فيه من أنواع العلوم إلا على الحقائق والنظريات العلمية السائدة يذكرها، ثم فى النهاية يستخرج منها العبرة التى من أجلها ساق الله الآية وهى الايمان بقدرة الله وعظمته فى تدبيره لخلقه ..
وقد شرع فى هذا التفسير على طلبته بدار العلوم أولا، ثم سار فيه حتى أتمه فى خمسة وعشرين جزءا كبارا، وطبع حال حياته بمصر من 1341 هـ إلى سنة 1351 هـ 1922 - 1932 م، ولم يلق الإقبال الذى يستحقه، ربما لتغلغل منهج الشيخ عبده فى النفوس، وقد ولد عليه رحمة الله 1287 هـ- 1870 م وتوفى 1358 هـ- 1940 م .. مخلفا وراءه هذا العمل العظيم الذى قام به، مهما تختلف فيه الآراء من جهة فائدته فى التفسير وبيان معانى القرآن ..
الفخر الرازى والشيخ طنطاوى
وإننى أعتقد أن الهدف الذى دفع الفخر الرازى لكى يستعمل علوم عصره فى إظهار هداية القرآن وبيان عظمة الله، هو الهدف الذى دفع الشيخ طنطاوى لتفسيره .. والفرق بينهما، هو الفرق بين العلوم فى عصر الرازى، والعلوم فى عصر الشيخ طنطاوى .. فما ذكره الشيخ طنطاوى من علوم، متقدم كثيرا عما ذكره الفخر الرازى منها، كتقدم العلوم الآن عن عصر الرازى .. ولا شك أن الفائدة والعبرة من معلومات العلوم الآن، أكثر وأغزر مما كانت فى عهد الرازى ..
والذى أخذ على الرازى فى توسعه فى ذكر العلوم، يؤخذ على الشيخ طنطاوى .. والذى يعجب بالرازى، يعجب أكثر بالشيخ طنطاوى ..
وقد أخذ على الرازى من قبل أنه يشتت الذهن والقلب، ويبعدهما عن هدى القرآن، والعيش فى جوه، إلى مباحث علمية لا بدّ للانسان من التركيز عليها عند قراءتها .. وهو ما يؤخذ على الشيخ طنطاوى أيضا، كما يؤخذ على غيرهما من المفسرين الذين اشتغلوا بالمباحث اللفظية والفقهية والمجادلات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
الكلامية .. هؤلاء شتتوا الذهن بشيء، والآخرون شتتوه بشيء آخر ..
وكلاهما قرر المحدثون أنه إبعاد لقلب الانسان وشغل له عن الهداية بالقرآن ..
لكن مما لا شك فيه أن التشتيت بالعلوم التى تظهر دقيق صنع الله، يأتى فى النهاية بفائدة كبيرة فى تعميق الإيمان، لو صبر الانسان وجمع بين أول الموضوع وآخره .. وكل مفسر قد أدى خدمة لفهم القرآن على طريقته فى تقديم خدماته جزاهم الله خيرا ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
القرآن والعلم
ولعل هذا يجرنا إلى بحث موضوع «القرآن والعلم»، والقرآن من الدعوات الأساسية التى دعا إليها واعتمد عليها دعوته للعلم بشتى أنواعه.
ولذلك فنحن نتقبل فى أى تفسير بعض الحقائق العلمية، التى تبرز ما أشار إليه القرآن، وما رمى إليه من ذكر الدلائل الكونية، ولكن الكثير منه فى التفسير يشتت الذهن فعلا، وينقله إلى جو آخر. فالقليل منه نافع، والكثير يشوش الذهن ويبعده عن جو القرآن وسياقه .. هذا إذا لم نشد الآيات، ونلو عناقها، لتقبل تفسيرا علميا فيه كثير من التفتت ان لم يكن التفتت نفسه ..
فيصبح غير مقبول نهائيا …
وكلا التفسيرين، يمكن أن نقول عنهما: تفسيرا علميا، لكثرة ذكر العلوم والاستدلال بها فيه ..
وأحب أن أذكر هنا وأؤكد أن هناك فرقا كبيرا، بين أن نستعين بالعلم، لتوضيح معنى آية أو جملة أو إظهار إعجاز القرآن، وبين أن تؤول الآية أو الجملة أو الكلمة تأويلا تعسفيا، لتكون مطابقة لما يقال من أنه علم ..
فمثلا قوله تعالى «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» حين يأتى المفسر ويقول إن العالمين جمع عالم، وتكون بمعنى العوالم المخلوقة من انسان وهو أشرفها وغيره، ويأخذ فى ذكر هذه العوالم الأخرى وما فيها من أسرار، وتنظيم دقيق، كعالم الأرض والسماء، ثم عالم النبات والحيوان والحشرات. والأسماك، والنجوم والأفلاك الخ .. ويبين أن الله خلق هذه العوالم، وأعطى كل شىء خلقه ثم هدى، لأنه ربها، ومتولى أمرها، وراعيها وحافظ حياتها. لتؤدى دورها، ثم يمتد بحثه عن هذه العوالم الأخرى المشابهة لعالمنا كما بحث العالم المؤمن الاستاذ الغمراوى (1) يكون قد خدم القرآن بهذا دون خروج على نصه»--------------------------------------------
(1) كما جاء فى كتابه الذى جمع فيه بحوثه العلمية القرآنية «الاسلام فى عصر العلم» فى الفصل الأول من الكتاب الرابع «الأعجاز العلمى للقرآن» ص 221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
أو قوله تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها» فيتحدث عن الثمرات وتنوعها وخاصيتها، ويبين على ضوء العلم سر قدرة الله فى خلق هذه الثمرات، وفى مختلف المناطق، ولكل منطقة ثمارها والوانها الخ .. مقتصدا فى بيان ذلك، بحيث لا يفسر الآيات عنوة على معنى، أو يفسر تفسيرا مخلا .. بل إنه يلقى ضوءا فحسب على ما يشير الله إليه، ليزيدنا إيمانا .. بهذا يكون العلم فعلا فى خدمة الإيمان والقرآن. وداعيا إليه.
وحين نذكر آيات خلق الانسان وتكون الجنين من «نطفة أمشاج» ونستعين بما وصل إليه العلم من مناظير وتشريح وتحليل، لبيان ما أشار الله إليه من عظيم قدرته فى خلق الإنسان- حين نفعل ذلك- لا نكون متعسفين فى استخدام العلم فى تفسير القرآن .. بل إننا نثاب على ذلك.
ولا يخشى على الحقيقة القرآنية من التغييرات فى النظريات العلمية، فإن النظرية العلمية مهما تتغير لا تخرج عن أنها تكشف جديدا فى التطور أو فى بيان قدرة الله، وإن كنا لا نشجع على بيان معانى القرآن وأسراره على ضوء نظريات لا تزال محل بحث. ومع ذلك .. فإنه لا يضر فى رأيى أن نبين معنى أو نذكر شيئا على أساس علمى ثم يظهر ضعفه، أو خلافه فيما بعد، لأن هذا الفهم لا يقدح فى القرآن، ولأن هذا الذى وصلنا إليه وقلناه، يمثل عقليتنا وعلمنا نحن حين قلناه، ولا يمثل حقيقة القرآن، وفى تفسيرات القرآن التى بين أيدينا الآن نجد أقوالا من علماء أفاضل فى تفسير الآية نراها متهافتة، ومع ذلك لا نعيب إلا على قائلها وفهمه ولا نعيب القرآن ..
ومع أن هذه هى الطريقة التى يمكن أن نقف عندها ونستعملها دون انزعاج، فإن ما يثار أحيانا من تفسيرات علمية تافهة ومتعسفة، تسيء للتفسيرات للجادة، وقد تروج وتشتهر بين الناس، ويكون ضررها أكثر من نفعها .. فى فهم القرآن، ولكن إلى حين .. وذلك كالذى فسر آيات سورة الرحمن حين ظهور مراكب الفضاء ووصولها للقمر، وذهابها إلى ما بعد الغلاف الجوى المحيط بالأرض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
فقد قفز هذا العالم- دون علم- لا بالقرآن، ولا بأوليات العلوم- وأنزل آية «يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان» على مراكب الفضاء، وقال: إن الانسان نفذ من أقطار السموات والأرض بسلطان العلم .. وادعى أن القرآن تنبأ بهذا، ظانا أنه يخدم القرآن مع الأسف!! وكان ذلك خطأ فادحا يدل على عدم فهم سياق الآيات التى سيقت لبيان عجز الجن والانس من أن يكون لهما أى خيار أو قدرة فى مصيرهما أمام الله وقدرته ومساءلته لهم عن أعمالهم ..
وكان خطأ يدل على عدم الفهم العلمى لأقطار السموات والأرض ..
فراكب الفضاء لم يخرج عن هذه الأقطار حين ذهب للقمر، والمعروف أن القمر كوكب تابع للأرض أو للمجموعة الشمسية. فكيف يفهم علميا أنه خرج من أقطار السموات والأرض وإلى أين غير أقطار السموات والأرض؟
ولكن مع هذا الفهم الفادح فى خطئه، رأينا مثل هذه المقولة يختطفها الجاهلون بالقرآن، وبالفلك وعلومه، ويتحدثون بها .. وهذا هو الذى نقف دونه وله بالمرصاد ..
«القرآن محاولة لفهم عصرى»
ومثل هذا الذى نعيبه، ونقف دونه، جاء منه أيضا فيما كتبه أخونا الفاضل الدكتور مصطفى محمود فى محاولة لفهم القرآن .. ولا أشك فى أنه أقدم على هذا الذى اعتبره ويعتبره العلماء جميعا خطأ غير مقبول، أنه مشوب بسوء نية، بل على العكس، أعتقد أن نيته كانت حسنة حين أخطأ، وخرج عن الحقيقة الإسلامية فى بعض الموضوعات. ولى كثير من الشواهد على أنه لم يكن يتعمد هذا الخطأ، بل كان مشوقا إلى أن يراجعه أحد العلماء، فيما كتبه حتى لا يحدث منه شىء من هذا، وفعل هذا فى بعض الموضوعات.
وأعتقد أن تعجله فى النشر أسبوعيا فى المجلة الأسبوعية التى كان يكتب بها فى هذا الموضوع، هو الذى حال بينه وبين لقائه بالمرجع الدينى الذى يراجع عليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
كما كان يريد ونريد .. ولو أنه كان من الأفضل له ولنا أن يتأنى. ففي الكتاب الكثير مما يسرنا ونحمده عليه .. وفى نشاط الدكتور فى النواحى الدينية وتعميق الإيمان، ما يجعلنا نحييه على جهوده وفى روحه الدينية المتصوفة، ونظرته الآن للدين والإيمان، ما يجعله قريبا جدا إلى نفوسنا، برغم أخطائه فى محاولته لفهم عصرى للقرآن- ولكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة .. والله ينفع بخيره وجهده ..
لقيته مرة فى مراقبة البحوث بالمجمع، وقد جاء صارخا لما علم من صدور قرار بمصادرة كتابه هذا المطبوع فى بيروت، ووجدته كتب مذكرة غلبت عليه فيها صوفيته، واعتمد فيها على أن يقول: إن الله هو الرقيب لا أنتم الخ ..
فأخذته لمكتبى وهدأته، ووجهت له لوما على تسرعه بإبداء هذه الآراء ..
فقال لى: لم أجد من يسعفنى بالمراجعة، وجئت مرة لمشيخة الأزهر وصححوا لى بعض الموضوعات، فأخذت بها فورا، وجئت ثانية فلم يسعفنى أحد، هكذا قال، والعهدة عليه .. ولكنى لم أخله من العهدة، فقد كان بوسعه أن يتأنى، ما دام يطلب الحقيقة كما أفهم .. وأنهيت الموضوع بتعهد أخذه على نفسه، بأن يدفع الكتاب لمراجعة عالم ثقة، أو لمراجعة الأزهر قبل طبعه بعد ذلك .. أما هذه الطبعة فهى فى بيروت ولا سلطان لنا هناك ..
ومن هذه المحادثة فهمت حسن نيته، وصدق طويته، لا سيما وقد رغب فى تصحيح كل خطأ نشره .. فى الوقت الذى حمل فيه حملة شعواء على تفسيرات الباطنية والبهائية، وغيرهما من الفرق المنحرفة بالاسلام، لالتوائهم بألفاظ القرآن وتأويلها، حتى يوافق أهواءهم الضالة المخربة .. وكتب كتابة رائعة أظهر فيها جلال القرآن وجماله وفضله على البشرية.
وقد تحدث عن هذه المحاولة العالم الفاضل الشيخ مصطفى الحديدى الطير ..
عضو المجمع، وكتب عنه تقريرا قدمه للمجمع، أنصفه فيه، فذكر محاسنه، كما ذكر مساوئه ..
ومن هذه المآخذ: قوله فى خلق آدم مما يخالف القرآن .. ، وحديثه عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
آدم فى الجنة، وآدم فى الأرض، ورأيه فى نعيم الجنة، وفى الجحيم والعذاب، وفى معنى غض البصر، وفى الحد وتوبة السارق .. وأرجو أن يعيد الدكتور مصطفى طبع كتابه بعد تصحيح ما يحتاج لتصحيح منه .. حتى يكون خيرا كله ..
وغير الدكتور مصطفى محمود .. هناك بعض العلماء الذين اندفعوا وراء ما يشبه التصفيق الشعبى، فقدموا للناس أبحاثا عن القرآن والعلم، ينبهر لها بعض الذين لم يدرسوا القرآن ولا العلم، مع أنهم لم يسلموا من الزلل والشطط ..
وكان لهذا كله رد فعله عند الراسخين، والغيارى من العلماء، وكبار المثقفين، فأصبحوا ينفرون من أية دراسة عن القرآن والعلم .. وهكذا كان رد الفعل لهذا الانتشار غير الملتزم فى الحديث عن القرآن والعلم ..
ومع ذلك فهناك دراسات جادة مؤمنة من رجال وعلماء ثابتين، غيارى على دينهم وعلى العلم، ملتزمين بنصوص القرآن، ولا يحملونها فوق طاقتها، بل يجلونها بما درسوه وعرفوه من حقائق علمية، ويقدمون للناس دراسة علمية دينية جادة، تفيدهم كثيرا فى استجلاء بعض الآيات الكونية فى القرآن ..
وأذكر للقارئ واحدة من هذه الدراسات، وهى التى قام بها ونشرها فى مقالات .. العالم الكيميائى الورع، المرحوم الاستاذ محمد أحمد الغمراوى، وأعدها للنشر صديقه العالم الاستاذ أحمد عبد السلام الكردانى، ونشرتها دار الانسان ..
وقد كان هدف المرحوم الاستاذ الغمراوى أن يكشف فى بحوثه التى استندت على الحقائق العلمية، معجزات القرآن العلمية، التى أشار إليها وقررها قبل إن تكتشف بعدة قرون .. وبذلك تتوالى المعجزات العلمية. وتظهر جديدة حينا بعد حين. كلما تقدم العلم، ولها أهميتها وأثرها فى إقناع العلماء جيلا بعد جيل، بأن القرآن من عند الله.
ويقرر الاستاذ الغمراوى كما يقرر الكثيرون أن الاسلام هو وحده- من بين الأديان- الذى احتضن العلم، ودعا إلى العب منه بشتى أنواعه، وتحاكم إلى العقل، وحث على النظر والتدبر فيما خلق الله فى كونه المنظور. ومما يفخر به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
المسلمون أن قرآنهم بما أشار إليه أو ذكره من حقائق علمية .. تأتى حقائق العلم بعد ذلك بقرون فتؤكدها، ولا تجد تناقضا أبدا بين القرآن وبين الحقائق العلمية، كما
تجده فى غيره من الكتب السماوية التى ناقضت- فى بعض ما جاء فيها- ما أثبته العلم، واستعصت على التأويل، كما نصت التوراة على عمر للأرض محدود، لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، فى حين أن العلم اليقينى يقرر عمرها بالملايين، مما حمل بعض كتاب الغرب وقسيسيه على أن يظنوا أن الدين عندهم قد خذ له الواقع، فلم يبق ما يستند إليه إلا المعانى الشعرية والقيم الأخلاقية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
التوراة والإنجيل والقرآن والعلم
ولعل من المناسب ونحن نتحدث عن القرآن والعلم الحديث، وعما كتبه المسلمون فى هذه الناحية وقرروه من أنه لا يوجد تناقض بين مقرارات القرآن ومقرارات العلم، أقول: لعل من المناسب أن نذكر هنا دراسة قام بها عالم طبيب فرنسى مشهور هو «موريس بوكاى» عن العلم والكتب المقدسة الثلاثة:
التوراة والإنجيل والقرآن، ونشرت هذه الدراسة الدقيقة دار الكندى فى بيروت بعد أن ترجمها نخبة من الدعاة بالعنوان المذكور، ثم قامت دار المعارف المصرية بترجمة هذه الدراسة ونشرها تحت عنوان: دراسة الكتب المقدسة فى ضوء المعارف الحديثة.
والترجمة البيروتية فى 217 صفحة والترجمة المصرية فى 288 صفحة من القطع نفسه ..
والكاتب لم يكن قد أسلم بعد حتى يتهم بالتحيز للاسلام، ولكنه كان مسيحيا، حين أقدم على هذه الدراسة، يدين للتوراة والإنجيل بالولاء، كما هو معروف عن المسيحيين .. ولكن- والحق يقال- كان موضوعيا جدا فى دراسته، محايدا بين الكتب الثلاثة، شأن العالم الحقيقى، فخرج من نتيجة دراسته .. بإظهار الحقيقة التى تنطق بصدق القرآن، وأنه من عند الله حقا، وأنه لم يجد فيه رائحة تناقض مع مقررات العلم الحديث .. وإنما وجد فى غيره، ولذلك أسلم.
ويقول فى مقدّمته ص 12 فى طبعة دار المعارف:
«هذه التأملات حول الصفة المقبولة أو غير المقبولة علميا، لمقولة فى كتاب مقدس. تتطلب منا إيضاحا دقيقا، إذ علينا أن نؤكد أننا عند ما نتحدث هنا عن حقائق العلم، فإننا نعنى بها كل ما قد ثبت منها بشكل نهائى، وأن هذا الاعتبار يقضى باستبعاد كل نظريات الشرح والتبرير التى قد تفيد فى عصر ما لشرح ظاهرة، ولكنها قد تلقى بعد ذلك تاركة مكانها لنظريات أخرى أكثر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
ملاءمة للتطور العلمى، وإن ما أعنيه هنا .. هو تلك الأمور التى لا يمكن الرجوع عنها. والتى ثبتت بشكل كاف، ويمكن استخدامها دون خوف الوقوع فى مخاطرة الخطأ.
وبهذا حصن الكاتب العالم الفرنسى نفسه فى بحثه، ولم يترك ثغرة لأحد ينفذ منها لمهاجمته ..
ثم يقول الكاتب الباحث تعليقا على ما تقدم ..
«إننا نجهل مثلا التاريخ التقريبى لظهور الانسان على الأرض، غير أنه قد اكتشفت آثار أعمال إنسانية ترجع دونما ريب إلى ما قبل عشرة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح .. (قيل إن العلم اكتشف أبعد من هذا موغلا فى القدم) دون أن يكون هناك مكان للشك .. فلا يجوز إذن اعتبار النص التوراتى لسفر التكوين كما لو كان صحيحا، إذ لا يمكن علميا قبوله، إذ يذكر السلالات البشرية والتواريخ التى تحدد بداية الإنسان (خلق آدم) بأنها ترجع إلى سبعة وثلاثين قرنا- أى ثلاثة آلاف وسبعمائة سنة قبل المسيح لا عشرة آلاف) ولكنا نستطيع أن نكون واثقين بأننا لن نثبت أبدا أن الإنسان ظهر على الأرض منذ 5736 سنة كما شاء التقويم العبرى سنة 1975. إن معطيات التوراة المتعلقة بالإنسان القديم- إذن- خاطئة وغير صحيحة» ..
والاستاذ الباحث يبنى حكمه بخطإ التوراة، على أساس علمى ثابت لا يمكن أن يتطرق إليه شك وهو فى هذا جد محتاط، فالعلم الحديث والحفريات قد تظهر لنا- أو أظهرت فعلا- أن عمر الإنسان على الأرض يرجع إلى ملايين من السنين بواسطة العثور على جمجمة للإنسان فى كينيا، وبعد تحليلها علميا ثبت ذلك .. فكون التوراة تحدد عمر الإنسان بما حددته به- فى سفر التكوين- قد ظهر خطأ ذلك وتناقضه مع معطيات العلم اليقينية ..
ويقول فى المقدمة أيضا:
«لقد قمت أولا بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أى فكر مسبق، وبموضوعية تامة، باحثا عن درجة التوافق بين نص القرآن ومعطيات العلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات .. أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكن معرفتى كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربى استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها .. أن القرآن لا يحتوى على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم فى العصر الحديث.
وقد قمت بالتدقيق ذاته وبالفحص بموضوعية تامة للعهد القديم والأناجيل.
أما بالنسبة للعهد القديم .. فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول- أى سفر التكوين- فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم الحديث رسوخا فى عصرنا ..
وأما بالنسبة للأناجيل .. فما نكاد نفتح الصفحة الأولى، حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة فى مواجهة مشكلة خطيرة، ونعنى بها شجرة أنساب المسيح، وذلك أن نص إنجيل متى يناقض بشكل جلى إنجيل لوقا، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض ويتناقض معها.
ثم يتكلم بعد هذا عن أثر هذا التناقض على الإيمان فيقول: لا يبدو لي أنها تستطيع أن تضعف الإيمان بالله .. ولا تقع المسئولية فيها إلا على البشر.
ولا يستطيع أحد أن يقول كيف كانت النصوص الأصلية؟ وما نصيب الهوى والخيال فى عملية تحريرها؟ أو ما نصيب التحريف المقصود من قبل كتبة هذه النصوص؟، أو ما
نصيب التعديلات غير الواعية التى أدخلت على الكتب المقدسة (1)؟
إن ما يصدمنا حقا فى أيامنا هذه أن نرى المتخصصين فى دراسة النصوص يتجاهلون ذلك التناقض والتعارض مع الحقائق العلمية الثابتة، أو يكشفون عن بعض نقاط الضعف، ليحاولوا بعد ذلك التستر عليها مستعينين فى ذلك ببهلوانيات جدلية.»--------------------------------------------
(1) كل هذها لتساؤلات والتناقضات تثبت تلاعب الناس بالنصوص الأصلية وما سماه القرآن بالتحريف»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ثم يتعجب من القدرة الجدلية وغيرها على إخفاء هذه التناقضات على كثيرين من المسيحيين الذى يجهلون حتى الآن العيوب الكبيرة لعديد من مقاطع العهد القديم والإنجيل، مما تكفل هو ببيانه فى الجزءين الأول والثانى من الكتاب ..
ثم يقول: أما الجزء الثالث فسيجد فيه القارئ أمثلة توضيحية لتطبيق العلم على دراسة أحد الكتب المقدسة (يريد القرآن) وهو تطبيق لم يكن يتوقعه إنسان، كما سيجد القارئ فى ذلك بيانا لما قد جاء به العلم الحديث الذى هو فى متناول كل يد، من أجل فهم أفضل وأكمل لبعض الآيات القرآنية، التى ظلت حتى الآن مستغلقة، أو غير مفهومة، ولا عجب فى هذا إذا عرفنا أن الإسلام قد اعتبر دائما أن الدين والعلم توأمان متلازمان، فمنذ البدء كانت العناية بالعلم جزءا لا يتجزأ من الواجبات التى أمر بها الاسلام، وأن تطبيق هذا هو الذى أدى إلى ذلك الازدهار العظيم للعلوم فى عصر الحضارة الاسلامية، تلك التى اقتات منها الغرب نفسه قبل عصر النهضة فى أوربا.
وإن التقدم الذى تم اليوم بفضل المعارف العلمية فى شرح بعض ما لم يكن مفهوما، أو فى شرح بعض ما قد أسىء تفسيره حتى الآن من آيات القرآن ليشكل قمة المواجهة بين العلم والكتب المقدسة».
وانتهى المؤلف الفرنسى من مقدمته الموجزة التى نقلت لك فقرات منها، وكأنى أقدم لك بها رائحة شواء لذيذ يسيل لعابك لتتوفر على قضاء وقت ممتع على مائدة هذا الرجل، ومع هذا الكتاب .. فما تغنى مقدمة ولا فقرات منها عن الحقائق الصريحة التى قدمها هذا العالم المسيحى عن الكتب المقدسة، والتى خرج منها بحقيقة عن القرآن يعتز بها كل مسلم، ويقدرها ويحترمها كل إنسان عاقل ..
ونصل بهذا الموضوع إلى نهايته مكتفين بما قدمناه منه لننتقل إلى موضوعات أخرى باقية لا بد من الإلمام بها ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
علوم القرآن أو أصول التفسير
ومن هذه الموضوعات التى أرى ضرورة عرضها هنا هو ما سمى بعلوم القرآن وأصول التفسير. وهو علم نشأ من اشتغال العلماء بتفسير القرآن، إذ لا يمكن الإقدام على التفسير إلا بعد الإلمام بموضوعاته، كالوحى، ونزول القرآن ومتى وكيف نزل. وأول ما نزل وآخر ما نزل، والمكى والمدنى، وأسباب النزول.
والمحكم والمتشابه ونزول القرآن على سبعة أحرف، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ إلى غير ذلك مما يعد أساسا للتعرض لتفسير القرآن ولذلك سماه بعض العلماء المؤلفين «بأصول التفسير .. »
وقد وفاه المؤلفون من العلماء القدامى. حقه، وكتبوا فيه كتبا مطولة ومختصرة من قديم «كالبرهان» للزركشى «والاتقان» للسيوطى، كما كتب المحدثون لطلابهم فى الدراسات العليا كتبا مناسبة للدراسة ..
غير أن هذا العلم ظل قاصرا على العلماء والدارسين فى قاعات الدرس، ليس لدى المثقفين عامة أى إلمام به .. مع ضرورة هذا لكل مسلم متعلم.
ومن أجل ذلك عنيت بهذه الناحية، وعملت على صياغة هذه الموضوعات، وتقديمها لعامة المثقفين، وللدارسين أيضا بأسلوب سهل سلس. يجذب القارئ ويشده إليه، ويعطيه المعلومات الكافية فى موضوعه، وسميته أيضا «علوم القرآن» وصدرت طبعته الأولى فى سنة 1979 م- 1399 هـ بمناسبة قدوم القرن الخامس عشر الهجرى، أصدرته دار الكتاب اللبنانى المصرى بالقاهرة، وأعيد طبعه مع تنقيحات وزيادات ..
[تجريد التفاسير القديمة]
ونظرا لأن حاجة العصر الآن، تقتضى السرعة والتخفيف على القارئ.
وتقديم وجبة دسمة له فى أصغر حجم ممكن، فقد تاقت نفوس القراء إلى اختصار الكتب المطولة، وتجريدها مما لا يحتاجون إليه، ومما علق به مما يسيء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
تغذيتهم، وتجريد الأحاديث الصحيحة من العنعنات الكثيرة فى إسنادها وروايتها والاكتفاء بمتن الحديث والإشارة إلى موضعه ..
نظرا لهذا اتجهت عناية بعض العلماء إلى تحقيق هذا الغرض للقراء، وقاموا فعلا بتجريد بعض الكتب المطولة، إلا أن ذلك لا يزال فى دائرة ضيقة ..
وقد رأى مجمع البحوث بدلا من تجريد هذه الكتب أن يقدم «التفسير الوسيط» الذى أشرنا إليه من قبل.
كما عنى بموضوع الإسرائيليات والروايات التى لا أصل لها لحماية قراء هذه الكتب المطولة من ضررها .. وذلك بمراجعة هذه الكتب، وتقييد ما يمكن حذفه منها وحماية العقول من غثها ..
وكان أمامه لذلك طريقان:
الأول. وضع كتب مستقلة عن التفاسير تبين هذه الاسرائيليات والروايات التى لا أصل لها .. كما فعل المرحوم الشهيد الدكتور الشيخ الذهبى فى كتابه «الاسرائيليات فى
القرآن» وكما فعل الدكتور الشيخ محمد أبو شهبه فى كتابه عن الاسرائيليات، ولو أنهما لم يستوعبا كل الاسرائيليات فى تفسير سور القرآن ..
وقد اختارت لجنة الدراسات القرآنية هذا الطريق، ورأت أن تستحث العلماء للمشاركة فى هذا المشروع العظيم، كما اتصلت بالمسئولين فى كلية أصول الدين وقسم التفسير بها ليوجهوا طلاب الدراسات العليا للاهتمام بهذه الناحية فى رسالاتهم للماجستير والدكتوراة .. لنخرج فى نهاية الأمر بما يمكن أن يكون حصرا وتجنيبا لما لا نريده فى كتب التفسير والتنبيه إليه ..
الطريق الثانى: أن يدون هذا على هامش التفسير، حين إعادة طبعه، حتى يكون أمام القارئ وهو يقرأ، حتى لا يكون فى حاجة للرجوع إلى كتاب آخر قد لا يسعفه .. ويصدر حظر على إعادة طبع هذه الكتب بدون هذا التصحيح ..
وكان رأيى
أن تجرد هذه الكتب من كل هذا الغذاء الفكرى السام، ويعاد طبعها بدونه، حتى لا يتسرب للأفكار شىء من هذه السموم، والوقاية بهذا وإبعاد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
المواد السامة والحارقة، خير من وجودها وتحذير الناس منها .. وقد لا يتنبهون، وقد لا يحذرون، فالوقاية خير من العلاج ..
أما هذه الكتب بطبعاتها الموجودة الآن، فتظل فى المكتبات العامة للخواص الدارسين، ولن يحتاجوا إليها، إلا إذا أرادوا الاطلاع على هذه المواد الفاسدة المفسدة ..
ولا يصح أبدا التأثر بكلمة: التراث .. التراث .. وضرورة الإبقاء عليه، فإننا فى غنى عن هذا الذى ورثناه فى الكتب من مواد فكرية سامة، ولا يصح أبدا أن تسمى تراثا نتعلق به ونحافظ عليه .. بل الأولى بنا أن نتخلص منه، ونحمى أجيالنا من التأثر به، أو من التلوث منه. كما نحمى الانسان من آثار التلوث بأشكاله وأنواعه ..
كان هذا رأيى، وإن كان الرأى الأخير دائما للأغلبية .. وللزمن حكمه الأخير ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
ترجمة القرآن أو تفسيره باللغات غير العربية
حين نقول: ترجمة القرآن، فإننا نعنى ترجمة معانيه، وذكر المعنى الذى تدل عليه ألفاظه العربية بلغة غير عربية، ولذلك قلنا أو تفسيره بلغة أجنبية، لأن الذى سيترجم هو المعنى، إذ الترجمة اللفظية من أية لغة إلى لغة أخرى غير ممكنة فى الكتب العادية، فما بالك بالقرآن الصورة العليا فى البلاغة؟ ..
ونحن العرب قد لا نشعر بضرورة هذه الترجمة لأننا نقرأ القرآن ونقرأ تفسيره بلغة عربية ..
أما غير العرب فيحسون الحاجة الشديدة إلى هذه الترجمة ليفهموا القرآن، ويعتبروا به، ويحيطوا علما بما قدمه من معارف شتى فى الأمور الدنيوية والأخروية، والعلمية الخ ..
لأنهم حتى إن طوعوا ألسنتهم لقراءته بالعربية، فهم كالشريط، ينطقون به، ولا يعرفون أى معنى لما ينطقون، لذلك كان من الواجب إسلاميا إيصال معانيه إليهم باللغة التى يفهمونها، إذ لا يمكن إجبار كل مسلم ولو كان فى الحقول والأودية، والكفور والبادية، أن يتعلم العربية، ويترك لغته أو يحتفظ بها ..
وقد دخل الاسلام بلادا غير عربية كثيرة فى إفريقيا وآسيا وأوربا قديما، ومع ذلك لم يمكن تحويل كل الذين دخلوا فى الاسلام من لغتهم الأصلية إلى اللغة، العربية لتكون لغة التخاطب والقراءة والكتابة .. وظلوا أو ظلت الكثرة الساحقة منهم على لغتهم، لا يعرفون العربية نطقا ولا فهما، وهؤلاء فى شديد الحاجة لكى يعرفوا دينهم وقرآنهم عن طريق لغتهم.
كيف يتم ذلك دون أن نترجم القرآن إلى لغتهم وكذلك كل ما يتصل بفهمهم لدينهم؟
ولقد لمست هذا على أرضية الواقع أيضا، حين كنت مدرسا للعربية فى إحدى الجامعات الدينية فى الهند لأكثر من سنتين، وزرت كثيرا من معاهدها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
وجامعاتها الدينية. ووجدت علماء يعرفون العربية قراءة وفهما من أمهات الكتب العربية، ولكنهم حين يشرحون لطلابهم أو لسامعيهم من عامة المسلمين لا يستطيعون نطق جملة كاملة باللغة العربية قبل أن يقضوا وقتا فى صياغتها صياغة ركيكة.، فكانت الضرورة تقضى بأن يشرحوا لهم بلغتهم ويذكرون لهم معانى القرآن مترجمة بلغتهم ..
والإمام أبو حنيفة رضى الله عنه- وأصله فارسى- كان أكثر الأئمة لمسا لهذه الحقيقة أو قربا منها، ولذلك وجدناه يلبى هذه الحاجة، حينما رأى أن للمصلى أن يقرأ معنى الفاتحة باللغة الفارسية حين يعجز عن قراءتها بالعربية، بينما الأئمة الآخرون لم يلمسوا مثله هذه الحالة فمنعوا أن يصلى بغير العربية مهما يكن الأمر ..
ونحن العرب لا نحس الحاجة إلى الترجمة كما يحسها غير العرب .. لذلك تأخرنا كثيرا جدا فى النظر إلى الترجمة، حتى إذا أثارها الإمام الشيخ المراغى عليه رحمة الله ودعا إلى ضرورتها ثار عليه كثير من العلماء والمفكرين، وكانت معركة فكرية حامية، امتدت مرة إلى معركة بالكراسى فى قاعة الشبان المسلمين من أنصار المراغى ضد أحد معارضيه وشاهدت هذه المعركة وأنا طالب فى الكلية فى أواخر الثلاثينات .. حتى وجدنا أحد أعضاء المحكمة الشرعية العليا يصدر كتابا يجعل عنوانه «حدث الأحداث فى الاسلام الاقدام على ترجمة القرآن» وطبعا كان الرد على المنكرين باستمرار مما شغل الرأى العام والدولة فى أيامها ..
وكان الجدل دائرا حول الممكن وهو ترجمة المعانى، لا ترجمة الألفاظ التى لا يختلف أحد على عدم إمكانها، لا فى القرآن ولا فى غيره ..
فى الهند
حدث هذا عندنا فى النصف الأول للقرن العشرين، بينما نجد أن هذه الترجمة قد استقر على الحكم بجوازها، بل بضرورتها جميع علماء الهند من قرون مضت ..
ترجم أولا للغة الفارسية، وقام بالترجمة حجة الإسلام هناك شاه ولى الله الدهلوى رأس مدرسة الحديث والمتوفى سنة 1176 هـ- 1762 م .. وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
صاحب كتاب «حجة الله البالغة» الذى يعرفه العلماء هنا ويعتمدون عليه ..
ثم قام ابنه ووارث علمه وطريقته، العالم المحقق، مولانا عبد القادر الدهلوى المتوفى سنة 1230 هـ- 1814 م بترجمته إلى اللغة الأوردية- اللغة الحديثة فى الهند لدى المسلمين، واعتبروا ذلك أنه «كان من أعظم ما من الله به سبحانه عليه». وكانت أول ترجمة للأوردية ..
ثم تتابعت الترجمات بعد ذلك إلى لغات الهند المتعددة، كل عالم كبير يجعل من فخره وقرباته عند الله، أن يقوم بترجمة إلى لغته. ليستطيع المسلمون فى المنطقة تذوق معنى القرآن ..
حتى جاء مولانا محمود الحسن شيخ الهند، وكبير العلماء المجاهدين، «وأسير مالطا» كما يلقبونه أيضا أثناء الحرب العالمية الأولى .. والمتوفى سنة 1339 هـ- 1920 م، حيث عكف فى معتقله فى «مالطا، على كتابة ترجمة سهلة باللغة الأوردية، بعد أن صارت الترجمة الأولى معقدة، بلغة أوردية قديمة، وقد تطورت بعدها اللغة تطورا كبيرا، وأتم ترجمته فى معتقله كأعظم عمل يتقرب به إلى الله ..
وطبع الترجمة هناك غالبا أن يكتبوا تحت كل سطر من القرآن، ترجمته بالأوردية، فيستطيع القارئ سريعا الإلمام بمعنى ما يقرؤه ..
ثم جاء مولانا أزاد، وكان ذا لغة أوردية فصيحة قشيبة، وعلى طريقته فى التفسير التى أشرنا إليها من قبل، قام بترجمة القرآن ترجمة سهلة بليغة، متقربا بها إلى الله .. وذلك فيما سماه «ترجمان القرآن» وعند طبعه كتب القرآن بترقيم الآيات أعلى الصفحة، وكتب ترجمة بالترقيم تحت ذلك ..
وكذلك كانت الترجمة فى بلاد اسلامية، متعددة لها ظروف المسلمين فى الهند. كأمر وواجب دينى يقوم به العلماء الكبار .. ومعنى ذلك ومؤداه أن ما كنا نتجادل ونتعارك فيه هنا، حول ترجمة القرآن، كانت أمم اسلامية قد فرغت منه قبلنا بقرون واعتبرته ضرورة أو بديهة .. وعاشت وتعيش عليه فى فهمها للقرآن ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)