ملاحظة عامة:
والظاهرة العامة فى هذه التفاسير منذ نشأتها .. عنايتها بالإعراب والوجوه البلاغية والقراءات والأحكام الفقهية وخلافاتها وأدلتها أحيانا، كما لوحظ عليها ذكر الروايات والاسرائيليات والقصص الخرافية البعيدة عن العقل .. مما يعتبر عيبا كبيرا فى هذه التفاسير .. وإن كان قليل جدا من المفسرين من ذكر هذا وعقّب عليه بالنقد .. سواء فى الأحاديث أو غيرها من الروايات التى لا أصل لها إلا الاسرائيليات ..
ولذلك فإننى أرى أن الفكر الاسرائيلى قد غزا الثقافة الاسلامية من منبعها، وشوش عليها وأساء إليها، حتى لنرى الكثير من العقول- حتى عقول العلماء- فيها أثر كبير لهذا الغزو الغريب الذى كان يجب على مفكرينا وعلمائنا أن يتنبهوا له ويتحاشوه .. ولكن هذا ما كان. وظهر أثره جليا فى عصرنا، عصر العلم والحساسية الدينية، وهجوم الكثيرين على الاسلام وكتبه، مما يلقى علينا الآن عبئا كبيرا فى تطهير كتبنا من أثر هذا الغزو الذى بات يشكو منه الكثيرون ويستهجنونه ..
[كتب تفسير للفرق الاسلامية]
وإذا كنا قد عنينا بذكر كتب تفسير لأهل السنة، فليس معنى هذا أنها الوحيدة فى الميدان. فهناك فرق دينية متعددة. الشيعة الامامية، والزيدية، والخوارج ..
وكل هذه الفرق تعتمد على القرآن وتعتز به، وتتخذ منه أساسا لمذهبها، ومن الطبيعى أن ينشط علماء هذه الفرق، ويكتبوا تفسيرا لأتباعهم، لكن كل علماء فرقة، ينتهزون فرصة وجود آية يمكن أن تخدم مذهبهم فيؤولوها لما يريدون، وبعضهم كالشيعة اشتطوا فى تفسير بعض الآيات بما لا يقبله العقل.
. ولكنه بالنسبة للأتباع مقبول، وهم معصوبو العقول. يقبلون كل كلام يذكى فيهم روح المذهب ولو كان غير معقول ..
ولكن مما لا شك فيه أنهم فيما عدا هذه الآيات يفسرون تفسيرا موضوعيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
كغيرهم من المفسرين السنيين. وأمامنا تفسير كمجمع البيان للطبرسى الشيعى، نجد فيه مرجعا طيبا للبحوث التفسيرية، من حيث الإعراب والقراءات واللغة، والمعنى، يمكن الاعتماد عليه كما يمكن كشف الآراء الشيعية وتجنبها ..
وبجوار هذه توجد تفاسير أخرى، إشارية رمزية صوفية، تناول أصحابها فيه القرآن بالروح الصوفية واعتبروا كلماته الصريحة رموزا وإشارات لأشياء قائمة فى أذهانهم .. واستعملوا عبارات خاصة بهم، ربما تثير الالتباس والشكوك عند غيرهم من غير الصوفية ..
ولذلك لا أستحسن للعاديين اقتناء هذه التفاسير، ولا قراءتها، إلا لمن هم فى وجد كوجد الصوفيين الذين ألفوها، ويكونون على دراية برموزها ..
ويكون لديهم القدرة على تمييز الغث من السمين ..
ولا أود أن أثقل عليك هنا بذكر هذه التفسيرات، ومؤلفيها، فهى لا تعنينا كثيرا، ومن أراد أن يستزيد .. فيمكنه أن يراجع كتاب «التفسير والمفسرون» ج 2، 3 للمرحوم الشهيد الدكتور الذهبى، فقد ذكر هذه الكتب على صورة مرتبة منسقة تسهل مراجعتها .. جزاه الله خيرا ..
وكنت قد وعدت سابقا بأن أقدم لك دراسة مختصرة عن عمدة التفاسير بالمأثور ومؤلفه «جامع البيان» وهو الامام الطبرى، وها أنا ذا أبر بوعدى وأقدمه لك، على أن أقدم لك بعده عمدة التفاسير بالرأى الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره «مفاتيح الغيب» الذى أعتبره أول وأقدم تفسير علمى ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ابن جرير الطبرى وتفسيره
هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى الذى ترك لنا تفسيره المسمى ((جامع البيان عن تأويل آى القرآن)) المشهور باسم تفسير الطبرى. بجوار ما تركه من مؤلفات قيمة فى التاريخ وغيره.
وكانت ولادته سنة 224 هـ فى بلدة آمل عاصمة اقليم طبرستان بإيران وهى كلمة مؤلفة من مقطعين «طبر» آلة من آلات الحرب التى اشتهرت بصنعها المنطقة و «ستان» معناها أرض أو منطقة، أو بلاد مثل «كردستان» - افغانستان.
(أى بلاد الكرد وبلاد الأفغان). فنسب إلى المقطع الأول «الطبرى» واشتهر به ..
وقد عاش نحوا من خمس وثمانين سنة حيث توفى سنة 310 هـ فى بغداد ودفن (1) بها .. أعنى أنه عاش فى أزهى عصور الاسلام تقدما وانتاجا على كل المستويات الفكرية. وكان من الطبيعى لإنسان موهوب من صغره، محب للعلم، متفان فيه، كالطبرى .. أن يجد ضالته وغذاءه العقلى فى هذا العصر الذى يعيش فيه، لكن ذلك لم يتم له بسهولة .. فالعواصم الفكرية العلمية التى تزخر بالعلماء كانت بعيدة عن موطنه الأصلى، فكان لا بد له من الارتحال إليها بعد أن درس على علماء منطقته، وكان أبوه «جرير» من ورائه يمهد له الطريق وييسر له السبل، منذ أن لمس فى ابنه الصغير نبوغا غير معهود فسافر إلى بغداد والكوفة، ثم ارتحل إلى مصر والشام، ثم استخفه الحنين إلى رؤية موطنه، فذهب إليه ولم يطل المقام فيه، فرجع إلى بغداد، وعكف على التدريس والتأليف، حتى آخر يوم من أيامه، برغم ضعفه وكبر سنه ..
ولقد كان فى كل بلد يحل فيه، يلتقى بفطاحل علمائه، يأخذ عنهم،--------------------------------------------
(1) مما يذكره التاريخ أن الحنابلة أو أهل الحديث غضبوا عليه لمخالفته لهم فى رأى، فرموا بيته بالحجارة وحاصروه فلم يستطع الخروج حتى مات، ولم يستطيعوا الخروج بجثته من بيته فاضطروا لدفنه فيه!!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
ويعطيهم، ولم يكن علم هؤلاء الاكابر قاصرا على فرع دون فرع، بل كانوا كالموسوعة، التى تجد فيها الوانا شتى من المعارف .... من تفسير وقراءات وحديث، وعلم برجاله، ورواياته، ونحو وبلاغة، وفقه، وأدب، وتاريخ.
فأخذ عنهم الطبرى هذه الموسوعة، واستوعب هذه العلوم، وبرع فيها، وإن اختلفت درجة هذه البراعة .. ولم يكن ذلك غريبا على رجل كالطبرى، فقد وهب حياته للعلم، وتخفف من كل اثقال الحياة وتبعاتها، حيث قضى حياته دون زواج. مع استعداد كبير للرضا بالحياة وشظفها، فكان انتاجه متساوقا مع نبوغه وفهمه وتفرغه، فترك كثيرا من المؤلفات التى أوصلها بعضهم الى نحو الثلاثين، واشتهر منها مؤلفان: «تاريخ الأمم والملوك»، «وجامع البيان فى تأويل آى القرآن» الذى يقع فى ثلاثين جزءا وهو الذى يهمنا الحديث عنه الآن.
مقدمات سبقته:
ولكن قبل أن نتحدث عن هذا التفسير، لا بد أن نتحدث حديثا موجزا عما سبقه من مقدمات أدت إليه، فإن مثل هذا التفسير الجامع الكبير، لا يمكن أن ينشأ دفعة واحدة، دون محاولات ومقدمات، ساعدت على ولادته عملاقا ..
فقد وضع هذا التفسير فى النصف الثانى (1) من القرن الثالث الهجرى تقريبا، ولم يكن معنى ذلك أن السنين التى زادت على المائتين والخمسين قبله لم يكن فيها تفسير، بل كان فيها تفسير ومفسرون، اشتهروا بقولهم فيه، فى كل عاصمة من عواصم العالم الاسلامى: فى مكة، والمدينة، وبغداد، والكوفة، والبصرة، ودمشق، ومصر.
وغيرها من بلاد الأندلس والشمال الافريقى، وكان الراغبون فى التفسير يرحلون إلى هؤلاء المشهورين ويأخذون عنهم ..
لكن التفسير كان شأنه كشأن كل علم اسلامى فى نشأته، نشأ صغيرا مبعثرا، ثم تجمع وكبر بمرور الزمن، وبذل الجهود.
ونحن نعرف أن عصر التدوين للعلوم الاسلامية بمعناه الواسع، لم يظهر إلا فى أيام الدولة العباسية، وكانت هناك تدوينات سبقت هذا العصر، فى عهد--------------------------------------------
(1) ذكر الدكتور أحمد الحوفى عنه: أنه ألفه قبل كتابه فى التاريخ وأنه قرأه على تلاميذه سنة 282 هـ وأملاه عليهم من سنة 283 هـ إلى سنة 290 هـ كتاب الطبرى ص 108 أعلام الاسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
الأمويين وما قبله، لكنها لم تأخذ المظهر القوى، الذى أخذته فى عهد العباسيين، الذى نضجت فيه العلوم الاسلامية المتنوعة ودونت، وكان منها علم التفسير ..
وكانت الصفة البارزة للذين تعرضوا لتفسير القرآن، تهيبهم من القول فيه بآرائهم واعتمادهم على ما وصل إليهم من روايات يتناقلونها، منها الصحيح ومنها الضعيف أو الموضوع أو المستمد من الاسرائيليات .. ولم يصل إلينا من هذه التفاسير شيء منسق، وإن كنا عرفنا بعض أصحابها. مما تناقله الرواة عنها فى الكتب التى بين أيدينا ..
وقد أثر هذا الجو على الطبرى، فكانت عنايته البالغة بالرواية، وإن لم يمنعه هذا من أن يدلي برأيه موافقا لها أو مخالفا، فكان تفسيره يمثل دائرة معارف ضخمة فى كل العلوم التى كانت سائدة فى هذا العصر وتتصل بتفسير القرآن، وذلك بسبب نبوغ الطبرى واتساع دائرة معارفه واستفادته من الجو العلمي الذى عاش فيه ..
على أن هذا التفسير العظيم الذى أخذ شهرة واسعة، وتقديرا عظيما من كبار العلماء عند ظهوره حتى ليقول أبو حامد الأسفرائني المتوفى سنة 406 هـ- 1015 م عنه «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل كتاب تفسير محمد ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا» أقول إن هذا التفسير على عظمته اندثر ونامت نسخه فى بعض المكتبات الخاصة .. فمرت قرون وهو مندثر، دون أن يعرفه أحد، اللهم إلا بعض نماذج، وورقات مبعثرة، كانت تشير إليه، وتثير تلهف العلماء عليه .. حتى نجد المستشرق «نولدكه» يكتب فى سنة 1860 م بعد أن اطلع على نماذج من هذا التفسير، «لو حصلنا على هذا الكتاب لاستطعنا أن نستغنى عن كل كتب التفسير المتأخرة عليه، ولكنه يبدو للأسف. مفقودا بالكلية، ولقد كان مثل كتاب التاريخ الكبير لنفس المؤلف نبعا لا ينضب استمد منه المتأخرون حكمتهم (1).--------------------------------------------
(1) نقلا عن كتاب مذاهب التفسير لجولد تسهير تعليق المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار ص 108 المطبوع 1955 بمطبعة السنة المحمدية ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وقد اراد الله لهذا الكتاب العظيم أن يبعث من جديد فى عهد النهضة المطبعية إذ وجدت منه نسخة خطية كاملة- كما يقول «جولد تسهير» فى مكتبة أمير حائل. وأمكن الاعتماد عليها فى طبعه بالقاهرة فى أوائل هذا القرن.
ويقول العلامة الاستاذ محمود شاكر فى مقدمته التى كتبها لهذا التفسير الذى حققه وعلق عليه هو وأخوه العلامة المحدث المرحوم الشيخ أحمد شاكر (والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبرى لا تكاد توجد، والذى منها فى دار الكتب (المصرية) اجزاء مفردة من الجزء الأول، والجزء السادس عشر، ومنها مخطوطة واحدة كانت فى خمسة وعشرين مجلدا، ضاع منها الجزء الثانى والثالث .. وهى على ما فيها تكاد تكون أصح النسخ وهى محفوظة بالدار تحت رقم 100 تفسير
ويقول جولد تسهير: كما طبعت منه بعد ذلك طبعة منقحة سنة 1911، ويقول الدكتور الحوفى الذى كتب عن الطبرى فى سلسلة أعلام العرب ((طبع سنة 1921 م بالمطبعة اليمنية بالقاهرة، وبمطبعة بولاق سنة 1923 م، ويطبع بدار المعارف الآن بمصر تحقيق الأستاذ محمود شاكر)
وكم فى بطون المكتبات الخاصة والعامة من ذخائر لنا ثمينة، مثل هذا التفسير لما يقيض لها من يكتشفها أو يطبعها بعد ..
ولا بد لى من كلمة تقدير أقدمها للجهد العظيم الذى بذله الأخوان «شاكر» فى تحقيق هذا التفسير والتعليق عليه .. فى طبعة ممتازة تقوم بها دار المعارف بمصر وأصدرت منها 16 مجلدا انتهت إلى قوله تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا) من سورة إبراهيم الجزء الثالث عشر من القرآن. وتوقف حتى الآن (1982 م) كما أخبرنى الاستاذ محمود
لقد قام المحققان مشكورين بتخريج الروايات التى وردت فيه، وهذا أمر مهم جدا للقارئ .. وبتحقيق الألفاظ، ونسبة الأشعار، والأقوال إلى أصحابها، والمراجعة على النسخ الخطية والمطبوعة، وأهم من ذلك فتح مغاليق الجمل، بما عنا به من ترقيم وفواصل، وذلك لكثرة ما جاء فى كلام الطبرى من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
جمل اعتراضية استطرادية، وفواصل طويلة، تعرقل القارئ عن متابعة القراءة، أو تحول بينه وبين الفهم الصحيح ..
والواقع أن للطبرى أسلوبا خاصا يحتاج إلى مزيد من الصبر والأناة، والتتبع الدقيق لمعانيه، حتى إذا ألفه الانسان، سهل عليه بعد ذلك أمره .. مثله مثل بعض كتابنا المعاصرين الذين لهم أسلوبهم الخاص الذى يحتاج إلى قليل من الصبر على قراءته حتى يتعوده القارئ .. ولعل خير ما يعبر عن ذلك هو الاستاذ محمود شاكر العالم الدقيق حين يقول فى مقدمته:
كان يستوقفنى فى القراءة كثرة الفصول فى عبارته، وتباعد أطراف الجمل، فلا يسلم لى المعنى، حتى أعيد قراءة الفقرة منه، مرتين أو ثلاثا .. وكان سبب ذلك أننا ألفنا منهجا من العبارة، غير الذى انتجه أبو جعفر، ولكن تبين لى أن قليلا من الترقيم فى الكتاب، خليق أن يجعل عبارته أبين، فلما فعلت ذلك فى أنحاء متفرقة من نسختى، وعدت بعد إلى قراءتها، وجدتها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقة.
على أن الذى كان يجده الاستاذ شاكر .. وجده من قبله المفسرون الذين نقلوا عن الطبرى فى غير زماننا، مثل السيوطى وابن كثير وأبو حيان والقرطبى.
ولذلك وقعوا فى بعض أخطاء فى فهم المراد. كما يقول الاستاذ شاكر نفسه:
«ولما راجعت كتب التفسير وجدت بعضهم ينقل عنه فينسب إليه ما لا أجده فى كتابه، فتبين لى أن سبب ذلك .. هو .. هذه الجمل التى شقت على قراءتها، يقرؤها القارئ، فربما أخطأ فهم أبى جعفر .. وربما أصاب»
وإذن ففي أسلوب أبى جعفر فى تفسيره شىء من الصعوبة، ليست قاصرة على الذين تعودوا منا الأسلوب المعاصر، بل أيضا على القدماء من العلماء المفسرين أنفسهم، مما كان سببا فى أنهم أخطئوا فهم المراد من أبى جعفر.
وقد وقع لى كثيرا ما وقع للأستاذ محمود شاكر حين قراءة هذا التفسير، فكنت أعانى الكثير فى فهمه، وتتبع أفكاره، ووصل كلامه بعضه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
ببعض. وكنت أضيق ذرعا بكثرة استطراداته وانتقاله حين الكلام على فكرة أو موضوع، إلى كلام آخر بين كلامه، وإن كان له صلة به إلا أنه يمزق المعنى، ويشتت الفكر بين الفكرة الأصلية، وبين ما استطرد إليه وأضافه، حتى وجدت الجزء الأول من هذا التفسير المحقق، فسهل على كثيرا مما كنت أجده من صعوبة، كما وفر أيضا من الوقت.
ولأجل أن اشركك معى فى هذا .. أضع أمامك هذا النموذج من كلام الطبرى فى تفسير قوله تعالى «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» ومثله «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ» و «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» بعد أن استعرض بعض الأقوال قال (1):
«والصواب فى ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء فى كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرا، وهو بذلك من قوله وفعله به مورثه مساءة باطنا. وكذلك معنى الخداع والمكر.
فاذا كان ذلك كذلك (2) - وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق فى الدنيا الاحكام. بما أظهروا بألسنتهم، من الاقرار بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله المدخلهم فى عداد من يشمله اسم الاسلام، وان كانوا لغير ذلك مستبطنين- احكام المسلمين المصدقين اقرارهم بألسنة أنهم مصدقون، حتى ظنوا فى الآخرة أنهم إذا حشروا فى عداد من كانوا فى عدادهم فى الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم. «والله جل جلاله مع اظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقة بهم فى عاجل الدنيا. وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقه بينهم- معدّ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه، وشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات صحيحة بالدرك الأسفل- كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم- وإن كان جزاء على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم،--------------------------------------------
(1) ص 303، 304 ح تحقيق شاكر
(2) من هنا جملة اعتراضية استطرادية تطول نحو عشرة أسطر إلى قوله كان معلوما ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
لاستحقاقهم اياه بعصيانهم له- كان بهم- بما أظهر لهم من الأمور التى أظهرها لهم أمن الحاقه احكامهم فى الدنيا باحكام أوليائه وهم أعداء، وحشره إياهم فى الآخرة مع المؤمنين، وهم به من المكذبين- إلى أن ميز بينهم دينهم- مستهزئا وبهم ساخرا .. الخ»
فانت ترى فى هذا النموذج كثرة الاستطرادات وبعد أجزاء الجملة بعضها عن بعض بسطور بلغت نحو عشرة- فى احداها .. وقد وضحت لنا الفواصل التى وضعها الاستاذ محمود شاكر إمكان الربط بين الجملة الواحدة ولذلك علق فى الهامش بقوله «أكثر الطبرى الفصل بين الكلام فى هذه الفقرة وسياق العبارة هو كما يلى «فإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعلهم بهم.
. كان بهم مستهزئا وبهم ساخرا» وما بين الكلام فى هذين الموضوعين فصل للبيان.
وترك الفصلة الطويلة جدا وهى من أول قوله «فاذا كان ذلك كذلك ..
كان معلوما. وبين جزءي الجملة ما يزيد عن عشرة أسطر جاء بها لزيادة التوضيح- ولكن من الصعب جدا على القارئ العميق أن يصل إلى فهم هذه الفقرة .. ولا سيما فى الطبعات التى لا توجد فيها هذه الفواصل ..
لكن لا تظن أن هذه الظاهرة تعم الكتاب كله بل هى قليلة، وبجوار هذا القليل تجد الأسلوب المشرق الذى يمكن ادراكه بسهولة حين يدلى برأيه بعد نقله للروايات الكثيرة فى موضوع الآية ..
موقف الطبرى وموقفنا من الروايات:
ولقد كان الطبرى يورد هذه الروايات، وهو عالم بما فيها من تناقض أو كذب أو ضعف، ثم ينقدها أحيانا، ويأتى أيضا بالكثير منها ويتركها بلا نقد.
وبعض النقاد يذهبون إلى تبرئة ساحة أبى جعفر من النقد، لسياقه هذه الروايات دون نقدها، قائلين إنه ذكر لك السند، وعليك أنت أن تبحث عن صحته أو كذبه أو ضعفه .. الخ، راوين العبارة المشهورة بين علماء الحديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
(من أسند لك فقد حملك) يعنون أن من ذكر لك سند الرواية فقد برئت ذمته، وحملك أنت مسئولية البحث عن صحته ..
ومع أن هذا الكلام صحيح فى حد ذاته، وربما كان محتملا للخاصة أو خاصتهم فى زمنه إلا أنه يحمّل القراء عامة أمانة فوق طاقتهم، فليس كل قارئ عارفا بالرجال، أو
بأساليب النقد، حتى يستطيع التمييز بين المقبول وغير المقبول، وليس كل قارئ عنده الرغبة أو الأمانة التى تحمله على التوقف حتى يتبين.
على أن هذا إن كان ممكنا فى زمن كثرت فيه الكتب المطبوعة المتداولة التى عنيت بالرواة ونقدهم وبيان غثهم من سمينهم، فإنه لم يكن متيسرا من قبل شيوع هذه الكتب.
ومن أجل هذا كان تدوين هذه الروايات التى كانت متداولة على ألسنة الناس فى أيامه- ومعروف بين العلماء أنها كانت بضاعة القصاص للتكسب والرواج عند العامة- أقول كان رفعها إلى مقام التدوين، ووضعها بجانب كلام الله على أنها تفسير له، مما ساعد كثيرا على إشاعة الخرافات والأضاليل فى نفوس المسلمين ملصقة بتفسير كلام الله.
بل إنى أقول أكثر من هذا فيما يتصل بالروايات التى نقدها، وهى أمنية تمنيت أن لو كانت قد تحققت فى ذلك الزمن المبكر من وضع التفسير، كنت أتمنى أن لو اقتصر الطبرى وأمثاله على الروايات الصحيحة فى تفاسيرهم، وجردوها من الروايات الباطلة التى كروا عليها بالنقد .. لأنها كانت ستموت فى زمنها، أما بعد أن دونت ووضعت بجانب التفسير. فقد فتحوا الباب للقصاص وأصحاب الهوى أن يطلعوا عليها، ويستندوا إليها، فى حكاياتهم للعوام لجذب انتباههم، وكسب إعجابهم .. وابتزاز أموالهم .. كما نرى الكثير فى أيامنا ممن يدورون فى الأرياف، وبين العوام، أو متخلفى الثقافة، يتحدثون فى التفسير أو الدين ويستولون على ألبابهم بهذه الروايات الخيالية الخرافية، دون خوف من الله، ولا حرج من أصحاب العقول والفهم. ولا مراعاة لما يجب أن يكون عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
تكوين الأمة العقلى والفكرى حتى انجرف فى هذا التيار بعض العلماء من الوعاظ والخطباء …
ولقد روى لنا كيف أن الخرافيين ممن كانوا يعتمدون على هذه الروايات الكاذبة، كانوا يستولون على قلوب العامة، ويهيجونهم ضد العلماء الذين ينكرون هذه الروايات، حتى يوجعوهم ضربا وإهانة، ومع ذلك عنى الطبرى بتدوينها!!
إننا نجنى من هذا وذاك الآن الكثير من المر، والكثير من التهجم على الاسلام وكتابه .. ولقد كونت هذه الروايات جانبا خرافيا فى عقول المسلمين، تحتاج إلى كثير من الجهد والوقت فى القضاء عليه، وبعض المتمردين على الدين- من المسلمين أنفسهم- مع الأسف ممن تأثروا بمؤثرات غربية، يتخذون من هذا تكأة لرفض الدين كلية، ومع أنهم مبطلون، إلا أنهم أصحاب هوى، يستغلون نقطة الضعف عند عدوهم لينقضوا عليه، ونحتاج نحن إلى دفاع وجهد كبيرين، لتطهير عقول الناس من هذه الخرافات، والروايات الإسرائيلية المضللة.
ولقد كان من الأولى لهؤلاء السلف الطيبين أن يكونوا بعيدى النظر، فيريحوا أنفسهم والأجيال التى بعدهم من هذه الخرافات والأضاليل، ويذكروا لنا ما صح سنده وما رأوه بعقولهم الناضجة؟ ويتركوا غير ذلك يموت مع الزمن.
نعم كان من الأولى .. ولكن ماذا نفعل الآن وهذا هو الذى كان .. ولعل لهم عذرا وأنت تلوم ..
واجبنا الآن هو التجريد:
إن هذا يحملنا الآن مسئولية ضخمة وإن لم تكن مستحيلة أو صعبة ..
ولكنها تحتاج إلى همة وغيرة وجهد يتكاتف فيه العلماء مع الحكومات التى تعنى بهذه الناحية …
هذه المسئولية هى تجريد هذا التفسير وأمثاله من كل رواية غير صحيحة ..
سواء أكانت إسرائيلية أم موضوعة .. وإخراج الكتاب بعد ذلك للناس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
بريئا من هذه العيوب .. ثم جمع كل النسخ الأصلية من الأسواق ووضع ما أمكن منها فى المكتبات العامة ليطلع عليها الخواص من الباحثين كما يحظر النقل منها لما لم ينقل فى التجريد ..
بذلك نقضى على هذه الخرافات والاسرائيليات من العقول، ولا بد بجوار ذلك من جهد آخر .. هو عدم السماح بطبع أى كتاب آخر فيه شىء من هذه الأضاليل .. فقد تسربت من كتب التفسير وكتب التاريخ كذلك إلى كتب أخرى بعناوين أخرى وتحتاج إلى المتابعة المستمرة ..
وإذا كانت هناك رقابة على المطابع فى الأمور السياسية، فمن الواجب أيضا أن تفرض هذه الرقابة فى مثل هذه الأمور، التى تتدخل تدخلا قويا فى تكوين عقلية المسلمين وإلى أجيال .. وتفسد تصوراتهم عن القرآن وعن الحياة ..
وهذا شىء ليس بالقليل، بل هو من الخطورة بمكان، وسبق أن أشرنا اليه ..
ولا أظن أن فينا من يعارض مثل هذا المشروع بحجة صيانة التراث أو حجج أخرى. فالتراث سيظل لمن يريد الاطلاع عليه. على أننا سوف نقدم التراث الفعلى حقيقة، ولا نحرم المطلعين من شىء له فائدة، بل نحول بينهم وبين سموم هذه الخرافات ونقيهم شر أضا ليلها .. ونشجع المطلعين على الاطلاع. ونقدم الكتاب فى حجم أقل كثيرا من حجمه الحالى .. وبثمن أقل من ثمنه مما يغرى بالشراء والاطلاع .. رأى أضيفه إلى ما سبق من قبل ..
دفاع أو اعتذار:
ولقد أحسن الأستاذ محمود شاكر الدفاع عن الطبرى أو الاعتذار عنه، لما رواه من الأحاديث والروايات الغريبة والمنكرة التى لم يكن من المستحسن روايتها .. فذكر فى هامش صفحتى 453، 454 من الجزء الأول، دفاعا لا أعتقد إلا أنه مجرد التماس عذر له، فهو يقول:
«تبين لى مما راجعته من كلام الطبرى أن استدلال الطبرى بهذه الآثار التى يرويها بأسانيدها لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ أو بيان سياق عبارة، إلى أن يقول: «وهذا مذهب لا بأس به فى الاستدلال».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
ويقول: «فاستدلال الطبرى بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارا للمعانى التى تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها، فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويا .. الخ».
وهذا الذى يقوله العلامة محمود شاكر لا بأس به فى الدفاع، لكنه مع ذلك ليس قاطعا ..
فما كان أغنانا عن هذه الروايات، وعندنا ما يكفى فى الدلالة على معناها من كلام العرب من شعر ونثر، على أن الاسرائيليات- وما شابهها- لا تقطع بمعنى لفظ فى القرآن الكريم .. وفيها ما فيها من الخطر على فهمه، ثم إننا نجد الروايات الإسرائيلية على ما فيها من تناقض تتدخل لفهم شىء مغيب عنا، لم يعن القرآن ببيانه فجاءت هذه الروايات تفسر المراد منه، وهو ليس من باب الاستدلال على معنى الكلمة عند العرب، كما يستدل بالشعر .. واكتفى هنا بمثال.
ما المراد بالشجرة:
ففي ص 518 من الجزء الأول يروى الطبرى عن ابن عباس قولا فى المراد بالشجرة فى قوله تعالى (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ)، بأنها: البر، او السنبلة.
ويعدد الروايات عن ذلك القول، ويروى فى احداها صراحة أن أهل التوراة يقولون: هى البر، ثم روى روايات أخرى عن المراد بالشجرة، ومنها رواية ثانية عن ابن عباس نفسه بأنها: الكرمة (ص 519 فقرة 730 وما بعدها)، ثم يروى رواية ثالثة وأخيرة بأنها: التينة ص 520 فقرة 740.
وقد أتى بهذه الروايات التى شغلت حيزا كبيرا بعد ما ذكر قبلها: «الشجرة فى كلام العرب: كل ما قام على ساق ومنه قوله جل ثناؤه «وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ» يعنى بالنجم ما نجم من الأرض من نبت، وبالشجر ما استقل على ساق» فذكر بذلك المراد بالشجرة فى كلام العرب. ثم بدأ فى بيان المراد منها عند أهل التأويل، وذكر هذه الروايات الغريبة التى تعتبر كلها خبطا بدون دليل ولا بينة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
فما الفائدة- اذن- من كل هذا السرد، وهو لا يكشف عن معنى الكلمة عند العرب؟!
إنه حقيقة- أعنى هذا السرد- يكشف لنا عن نموذج من تفكير الناس فى فهم القرآن فى ذلك الزمن .. لكننا كنا نود أن لو طوى عنا هذا النموذج، الذى لا أساس له من كلام العرب، ولا من بينة يوثق بها، ما دام يحمل معه هذه الخرافات.
ونلاحظ أن الطبرى روى فى هذه الروايات روايتين عن ابن عباس. رواية تقول المراد بالشجرة: البر، ورواية أخر تقول: إنها الكرمة!! فهل كان لابن عباس رأى، أو رأيان، أو لم يكن له رأى البتة؟. ولكن الرواة قالوا عن لسانه! ومن أين لابن عباس بهذا الرأى أو ذاك؟ ذلك ما كنا نحب أن يضعه أبو جعفر فى حسابه ويريحنا ويريح نفسه .. ومع هذا التعب كله فى سرد الروايات لمعرفة المراد بالشجرة، نجد الطبرى فى النهاية يضرب صفحا عن هذه الروايات كلها، ولا يثق بشيء منها، وكأنها معرض تحف قديمة بالية، ويشق الطريق إلى الرأى الذى يرتضيه- معه- أهل العلم والعقل المتزنون، وهو نموذج لخطته فى التفسير حين يكشف عن رأيه.
والحق أنها خطة ممتازة تكشف عن عقليته الفذة، العقلية العلمية المؤمنة التى لا ترضى بالكلام الجزاف، والتى تحافظ على العقول أن يملأها الحشو والخرافة وما لا جدوى منه .. وحبذا لو التزم هذه الطريقة فيما سرده من روايات. اقرأ معى رأيه فى المراد من الشجرة بعد سرد الروايات:
قال أبو جعفر (يعنى نفسه وهذه طريقته): والقول فى ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجته أكلا من الشجرة التى نهاهما ربهما عن الأكل منها فأتيا الخطيئة التى نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها بعد أن بين الله جل ثناؤه لهما عين الشجرة التى نهاهما عن الأكل منها، وأشار إليها بقوله: «ولا تقربا هذه الشجرة» ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطبين بالقرآن دلالة على أى أشجار الجنة كان نهيه آدم أن يقربها، فلم ينص عليها باسمها، ولا بدلالة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
عليها. ولو كان لله فى العلم بأى ذلك، من أى رضا، لم يخل عباده من نصب دلالة لهم عليها، يصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك فى كل ما العلم به له رضا.
فالصواب فى ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها، كما وصفهما الله جل ثناؤه به، ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على اليقين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن، ولا فى السنة الصحيحة، فأنى يأتى ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل، كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها.
وذلك علم، إذا علم، لم ينفع العالم به علمه، وإذا جهله جاهل لم يضره جهله به (1) هـ ..
هذا هو الذى يستريح إليه العقل والقلب. وهو يكفينا جدا فى فهم كلام الله، ولو اقتصر أبو جعفر عليه لكان خيرا له وللمسلمين .. وهذا النموذج من التفسير هو الذى أدعو الى الاقتصار عليه فيما دعوت إليه من تجريد تفسير الطبرى مع ضميمة ما يوجد من حديث صحيح.
خطته فى المبهمات:
والخطة التى سار عليها الطبرى فى تفسيره من عدم الجرى وراء معرفة أشياء مبهمة لم يبينها القرآن ولا السنة، ولا ضرر من عدم معرفتها، هذه الخطة هى المثلى فى
تفسير القرآن، وقد سار عليها، وهاجم الذين يتعبون أنفسهم فى الجرى وراء معرفة نوع الشجرة، كما قرأت سابقا، كما هاجم الذين يحاولون معرفة الذى كان على مائدة عيسى: أسمك أم غيره؟ فى أواخر سورة المائدة، ومعرفة عدد الدراهم التى بيع بها يوسف: أهي عشرة أم عشرون أم أكثر؟ .. وأمثال ذلك فى القرآن، ملتزما قاعدة: [العلم بها غير نافع، والجهل بها غير ضار].
ولو كان العلم بها نافعا لبينه الله .. وبذلك سد الباب على الفضوليين الذين--------------------------------------------
(1) ص 520، 521 ج 1 تحقيق الأخوين: شاكر ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
يخبطون فى مثل هذه الأمور خبط عشواء، ويضيعون أوقاتهم فيما لا يفيد. وهذا من أجود التفاسير وأنقاها ..
ومع ذلك تجده يذكر الروايات المتعددة حول هذه الأشياء التى ينكر الجرى وراءها!!
وإننى أعتقد أن هذه الروايات كانت رائجة فى أيامه، فذكرها ليكر عليها بخطته، ويبين أنه لا فائدة من الاشتغال بها .. لكنها بذلك اكتسبت البقاء عبر القرون، تطغى على التفكير، وتحتل مكانا لها فيه. بل تأخذ صفة الصدارة وتطرد الفكر السليم. فما تسأل إنسانا الآن عن نوع هذه الشجرة، إلا قال لك قولا مما نقله الطبرى واستهجنه، وقليل من العلماء من يقف عند خطة الطبرى ويقتدى به فيها، لأن الفضول كثيرا ما يؤدي بأصحاب العقول ..
وجاء الخطر الأكبر من أن بعض من جاء بعد الطبرى من المفسرين، ربما اقتصر على ذكر نوع الشجرة، كأن ذلك أمر ثابت، يقرؤه الطالب المبتدئ فى الأزهر أو غيره، ويقرؤه أنصاف العوام، فيأخذونه قضية مسلمة. ترتسم فى عقولهم من الصغر، لتستمر غالبة على تفكيرهم فى الكبر!! واسأل من شئت من العلماء الآن عن نوع الشجرة، تجد منه الجواب سريعا بتحديدها .. فإذا قلت له: من أين لك هذا؟ قال: كتب التفسير التى درسناها، دون التأكد من صحة ما ذكرته هذه الكتب عن طريق حديث صحيح .. وهكذا جاء الخطر على العقول.
شىء لا بدّ من التنبيه عليه:
لقد لاحظت فى تفسير الطبرى وفيما اشتهر عنه بين العلماء أشياء لا بد من الوقوف عندها لتمحيصها .. وقد يدعو تتبعها إلى الإطالة فلذلك اكتفى بواحدة منها ..
فالعلماء والدارسون يضعون هذا التفسير على قمة التفسير بالمأثور، وكثير منهم يرد سبب هذه التسمية إلى عناية الطبرى بالروايات الكثيرة التى تشغل الحيز الأكبر منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ولكن بقليل من التتبع لآراء الطبرى وتفسيره الخاص به، نجد أنه لم يلتزم بهذه الروايات عند ما أخذ يبدى رأيه فى تفسير الآية، يذكر أولا معنى الكلمات عند العرب، ثم اعرابها مع ذكر الشواهد على ذلك من شعر أو نثر، ثم يذكر الروايات الواردة فى تفسير الآية، صحيحة وغير صحيحة، ثم يكر على هذه الروايات أحيانا بالنقد أو النقض، ثم يأخذ فى بيان رأيه فى تفسير الآية، غير ملتزم بما ذكره، إلا إذا كان صحيحا ثابتا، ويبدى رأيه فيما يؤخذ منها من أحكام، غير متقيد غالبا برأى امام فقيه معين، مع أنه كان شافعيا، حتى قيل عنه إنه كان صاحب مذهب فقهى خاص به، اندرس لعدم شيوع تلاميذ له ينتصرون لآرائه، ويجادل مع ذلك المتكلمين من أصحاب المذاهب الكلامية، ملتزما خطة السلف مدافعا عنها.
ومعنى ذلك كله .. أن الرجل كان له رأى واتجاه بارزان، وتفسيره الخاص به الذى يبدؤه بقوله: «قال أبو جعفر .. أو يقول: والرأى عندنا، أو التأويل عندنا أو مثل ذلك. ويبين هذا الاتجاه الاستقلالى بوضوح ..
فهو لم يكن- اذن- أسير الروايات الكثيرة التى ذكرها، ولا أسير أقوال العلماء الذين سبقوه، لأنه أحيانا يرد عليهم وينقض قولهم .. فهو مفكر مستقل، له رأيه فى معنى الآية، وفيما يستنبط منها من أحكام، وآراؤه فى غاية الاتزان العقلى، ولا سيما عند ما يتناول بعض الأشياء التى كثر الجدل فيها، كالأشياء التى ذكرناها وكالمتشابهات مثل اليد والعين الخ ..
والطبرى بهذا يوضع فى مقدمة أهل الرأى فى التفسير، إذا فهمنا الرأى على أنه الذى ينتهى إليه الانسان بعد دراسة عميقة متجردة من الأهواء، التى تعصف بعقول العلماء، وتحملهم على لي عنق الكلمات القرآنية لتوافق أهواءهم أو مذاهبهم ..
فالذين يفهمون إذن أن تفسير الطبرى من التفسير بالمأثور، بسبب كثرة الروايات الواردة فيه، غير دقيقين فى الفهم، لأنه لم يتقيد بهذه الروايات ولم يكن أسيرا لها …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
أما إذا فهمنا (الرأى) على أنه اخضاع الآيات للمذاهب الخاصة، والشطط فى تأويلها، وعدم التقيد بالحديث أو تأويله كذلك، فإن الطبرى ليس من هذا النوع، ولا يعد تفسيره على هذا من التفسير بالرأى، لأن الرجل التزم خطة التحفظ فى التأويل، والحفاظ على منهج السلف، والدفاع عنه، فيما يتصل بالله وصفاته، والمتشابهات عموما فى القرآن … وكل ما تتوقف معرفته على أخبار موثوق بها عن الله سبحانه، أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولو قلنا بناء على هذا إن تفسيره تفسير بالمأثور لكنا محقين .. لأنه لم يتأثر بالمذاهب الكلامية التى سادت المجتمع الاسلامى فى عصره، ولكنه التزم الخطة السلفية المأثورة عن الصحابة ..
الرأى المذموم:
ولو تأملنا قليلا فيما ورد من كراهة الصحابة للرأى فى التفسير، وما ورد فى ذلك من ذم، لفهمنا أن الرأى المذموم فى التفسير هو الذى يخضع للأهواء ولعصبية المذاهب، ولم يقم على دراسة محايدة متأنية. أما الرأى الذى يبديه الإنسان فى التفسير مستندا إلى معانى كلام العرب، وإلى ما ورد من حديث صحيح، غير متأثر بمذهب مستحدث أو عصبية طارئة، حتى يصل إلى المفهوم الذى يستريح إليه عقله وقلبه، فذلك لا يمكن أن يذم بحال من الأحوال- كما قلنا من قبل-، وإلا ما كان هناك معنى لدعوة القرآن المسلمين لتدبر آياته والاتعاظ به، وأخذ أحكامهم منه ..
وقد تحدث عن ذلك الامام الطبرى فى مقدمة تفسيره، كما تحدث فى هذه المقدمة، عن أمور لا بد من الاحاطة بها لكل من يفسر القرآن مثل اتفاق معانى القرآن، وما اتفقت فيه ألفاظ العرب والعجم، واللغة التى نزل بها القرآن، ونزوله على سبعة أحرف، وما قيل فى النهى عن تأويل القرآن بالرأى، وفى الحض على العلم بتفسير القرآن، وآراؤه فى المفسرين الخ ..
بقيت كلمة لا بد من بيانها فى ختام هذا، وهى كلمة (تأويل) التى جعلها الطبرى فى عنوان كتابه: ((جامع البيان عن تأويل آى القرآن)) والتزمها عند ما يأخذ فى ابداء رأيه فى الآية ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
هل تأخذ هنا معنى غير معنى كلمة تفسير التى استعملها غيره من المفسرين.
والجواب. لا .. فإن المراد بها هو المراد بكلمة تفسير.
ويكفى هذا دون الدخول فى تفاصيل ما قيل عن معنى كلمة تأويل الواردة فى القرآن من معان أخرى لم يقصدها الطبرى فى استعماله لها ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
الإمام فخر الدين الرازى وتفسيره
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين البكرى الطبرستانى الرازى.
وشهرته فخر الدين أو ابن الخطيب الشافعى.
ولد سنة 544 هـ وتوفى سنة 606 هـ. وكان ميلاده فى مدينة «الرى» ونسب إليها على غير قياس النسب فقيل الرازى ..
وقد نسب إلى هذه المدينة بهذه النسبة كثير من علمائها، مثل أبى بكر بن زكريا الرازى الطبيب العربى المعروف، ومثل أبى بكر الرازى الفقيه الحنفى المعروف بالجصاص، وأبو الحسين بن فارس بن زكريا الرازى صاحب كتاب المجمل فى اللغة، ومحمد بن أبى بكر الرازى مؤلف «مختار الصحاح»، وقطب الدين الرازى وهو مؤلف شرح الشمسية وسماها «الرسالة القطبية» المعروفة فى الأزهر .. وتوفى سنة 766 هـ
ولكن أشهر هؤلاء جميعا لدى عامة المسلمين وخاصتهم هو الامام فخر الدين الرازى صاحب التفسير .. وما ذلك إلا لأن مؤلّفه وتفسيره مرتبط بكلام الله وخدمته، وبيان معانيه للمسلمين، وهكذا كل كتاب وكل مؤلف يرتبط بكتاب الله ويخدمه ..
العصر الذى عاش فيه وألف كتابه
كان عصرا مليئا بالفتن الداخلية. والهجوم الخارجى على المسلمين، وكان مثار هذه الفتن إما طمعا فى الملك، وإما طمعا فى وجاهة وسيادة مذهب، كما حصل بين الفرق الاسلامية .. المعتزلة، وأهل السنة، والشيعة، والرافضة من جهة، وفيما بين هذه الفرق نفسها من مذاهب «حتى عدا ابن السبكى تسعا وعشرين فرقة نازلها الرازى وانتصر عليها (1)»--------------------------------------------
(1) الامام فخر الدين الرازى- للدكتور على محمد حسن العمارى ص 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)