Arabic source text

📘 ফী উলূমিল কুরআন দিরাসাত ওয়া মুহাযারাত (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 في علوم القرآن دراسات ومحاضرات (مجموعة من المؤلفين)

📘 ফী উলূমিল কুরআন দিরাসাত ওয়া মুহাযারাত (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إن النفس هنا هي الغيب، تشبيها له بالنفس، لأنه مستتر كالنفس.
ويقولون في تأويل قوله تعالى:
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ أنه المعبود في السموات والأرض، أو أنه العالم بما فيهما.
وقوله تعالى:
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ يقولون فيه: «لم يرد سبحانه بنفي النوم والسنة عن نفسه إثبات اليقظة والحركة، لأنه لا يقال لله تعالى يقظان ولا نائم، لأن اليقظان لا يكون إلا عن نوم، ولا يجوز وصف القديم به، وإنما أراد بذلك نفي الجهل والغفلة (1)».
وهكذا يمضون في تأويل آيات مثل:
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (ص: 75) وقوله تعالى:
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ (الرحمن: 27) فيؤولون اليد والوجه وما شابههما إلى معان تصرفها عن المعنى الحسي أو الجسدي.
والخلاصة أن أرجح الأقوال في المحكم هو أنه ما كان واضح الدلالة--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 85.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

ظاهر المعنى، وأن المتشابه ما احتاج فهمه إلى تأويل، ولم يمكن القول في تأويله برأي قاطع، بل كان قابلا لأكثر من معنى، وإن رجح بعض هذه المعاني على سواه. وإلى مثل هذا ذهب الإمام الفخر الرازي في كتابه «أساس التقديس».
وإلى هذا ذهب صاحب كتاب «المباني في نظم المعاني» (الذي ألف عام 425 هـ) يقول: «أما القول في المحكم والمشابه، فإن القرآن كله محكم من جهة النظم والإعجاز، كما قال تعالى:
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ وكله متشابه من تشابه ألفاظه بعضها ببعض، فليس فيه ما ينفى ويردّ لنا، ويخرج عن النظم ويهمل، وذلك قوله تعالى:
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً وبعضه محكم من جهة احتماله وجها واحدا لا يرتاب فيه مرتاب، وبعضه متشابه من احتماله وجوها كثيرة لا يقطع على واحد منها قاطع، كما أنه في بابه علم ساطع، وذلك قوله تعالى:
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فاللاتي هن أم الكتاب مثل قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.
(سورة 6 آية 151) وقوله:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (سورة 113 آية 1)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

وقوله:
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ (سورة 59 آية 23) فأما المتشابه، فإنه مثل قوله:
عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (سورة 39 آية 56) وقوله:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ (سورة 2 آية 210) وقوله:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (سورة 89 آية 22) وما أشبهها (1).
أما الحكمة في وجود هذه الآيات المتشابهات فهي ما تقتضيه الضرورة في مخاطبة الآدميين، وكثير منهم لا يستطيعون تصور الذات الإلهية منزهة كل التنزيه، فكان الخطاب بأسلوب يقرّب تصور الذات من أفهام الناس، مع التحدث بصريح التنزيه عن الخالق في الآيات المحكمات. وبردّ المتشابه الى محكم آيات القرآن ينتفي التشبيه والتجسيد عن الذات الالهية، ويتضح الأمر أمام خاصة العلماء--------------------------------------------
(1) كتاب المباني، ص 176، 177. (ضمن: مقدمتان في القرآن)، القاهرة، 1954.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

الذين يناط بهم الإدراك الواضح لمعنى التنزيه. أما العوام فهم في العادة لا يستطيعون بلوغ هذه الغاية.
وقد ساق صاحب كتاب المباني ثمانية أوجه لبيان الحكمة في متشابه القرآن، وسنذكر هذه الأوجه هنا بإيجاز.
1 - إن الله احتج على العرب بالقرآن، إذ كان فخرهم ورياستهم بالبلاغة، وحسن البيان والاختصار والإطناب. وكان كلامهم على ضربين: أحدهما:
الواضح الموجز الذي لا يخفى على صاحبه، ولا يحتمل غير ظاهره. والآخر على المجاز والكنايات، والإشارات والتلويحات وهذا الضرب هو المستحلى عندهم، الغريب من ألفاظهم، البديع في كلامهم. فلما قرعهم الله سبحانه فعجزهم عن المعارضة بمثل سوره أو سورة منه أنزله على الضربين ليصح العجز منهم وتتأكد الحجج ولزومها إياهم، فكأنه قال: عارضوا محمدا في أي الضربين شئتم، في الواضح أو في المشكل. ولم يقدروا عليه. ولو أنزله كله واضحا محكما بحيث لا يخفى على أحد سمعه منه لوجد المشركون مقالا، وقالوا: ما باله لم ينزله بالضرب المستحسن عندنا، والمستحلى في طباعنا؟ لأن ما وقع فيه الإشارة والكناية والتشبيه والتعريض كان أفصح وأعرب. ثم يؤيد بعد ذلك رأيه هذا بأبيات من الشعر فيها الاستعارات والمجاز والكناية ويطبق بعض هذه المفهومات البلاغية على آيات من القرآن.
2 - في الآيات المتشابهة اختبار لموقف المؤمن الذي يتقبل ما جاء بهذه الآيات ويردها إلى عالمها في حالة العجز عن إدراك معناها، في حين أن المنافق يتخذ من المتشابه سبيلا إلى بث عقائده الفاسدة، عن طريق التأويل السيّئ.
3 - في المتشابه حث للعلماء على التدبر والتأمل وهؤلاء ينهضون بالتأويل، وينتفع العامة بعلمهم، ولو كان كله واضحا محكما لاستوى فيه العالم والجاهل.
4 - في المتشابه من الآيات تدريب لعلماء الأمة على التدبر والتأمل، واستدعاء لهم لمداومة التفكر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

5، 6، 7 - يمكن أن ترد هذه الأوجه إلى الوجه الرابع، فكلها مرتبط بفكرة البحث والتأمل، وما لهما من أثر في إظهار العلماء، الذين يوالون البحث فيه.
ولو كانت كل معاني القرآن واضحة ظاهرة لانتهى القول فيها، وتوقفت دراسة القرآن الكريم عند حد، وربما أدى ذلك إلى الانصراف عنه.
8 - في المتشابه اختبار يكشف عن المؤمنين الراسخين في الإيمان، وعن أهل العقيدة المتزعزعة. قال تعالى:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا.
(سورة 2 آية 26) وهذا هو المقصود من قوله تعالى بعد ذلك:
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً.
وهذا الوجه مرتبط إلى حد بعيد بالوجه الثاني الذي ذكره صاحب كتاب المباني (1).
وكل هذه الأقوال تدخل في باب الاجتهاد. فهي من قبيل المحاولات التي تساق لإيضاح بعض جوانب الدراسات المتصلة بالقرآن الكريم. ولسنا مطالبين بالأخذ بها على علاتها، بدون التفكير فيها، والبحث عن مدى اتفاقها مع النصوص القرآنية.--------------------------------------------
(1) كتاب المباني، ص 177 - 182. ضمن كتاب: مقدمتان في علوم القرآن.
نشر: آرثر جيفري. القاهرة، 1954.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

-‌‌ 15 - فواتح السور
يحصي الزركشي عشرة أنواع من الكلام افتتحت بها سور القرآن الكريم، نقلها عن الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي.
1 - فمن هذه الأنواع استفتاح الآيات بالثناء، بما يكون فيه إثبات لصفات المدح وتنزيه عن صفات النقص.
2 - ومنها الاستفتاح بالنداء نحو: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (المائدة، والحجرات، والممتحنة)، ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ (الأحزاب والطلاق، والتحريم).
3 - ومنها الاستفتاح بالجمل الخبرية نحو قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ (سورة الأنفال)، بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ (سورة التوبة)، وهكذا.
4 - ومنها الاستفتاح بالقسم مثل قوله تعالى:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

وَالطُّورِ، وَالنَّجْمِ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَالْفَجْرِ، وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وهكذا.
5 - الاستفتاح بالشرط نحو: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وهكذا.
6 - الاستفتاح بالأمر مثل قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وهكذا.
7 - الاستفتاح بالاستفهام مثل قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، عَمَّ يَتَساءَلُونَ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وهكذا.
8 - الاستفتاح بالدعاء مثل قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ.
9 - الاستفتاح بالتعليل وقد ورد في موضع واحد هو لِإِيلافِ قُرَيْشٍ.
وكل هذه الأنواع التسعة واضحة الدلالة.
أما النوع العاشر فهو:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

‌‌الاستفتاح بحروف التهجي
يحتاج هذا النوع من الاستفتاح لأن نقف عنده وقفة خاصة محاولين أن نرى بعض ما نقل عن الأقدمين في إيضاح أسراره.
لقد افتتحت بعض سور القرآن الكريم بحروف التهجي، نحو الم، المص، الر، كهيعص، طه، طس، حم، حمعسق، ق، ن، وقد وقع هذا في تسع وعشرين سورة.
وقد تراوح عدد الأحرف التي افتتحت بها هذه السور بين ثلاثة وخمسة.
ومنها ما افتتح بحرف واحد.
وقد أسرف المفسرون في استقصاء أنواع الحروف، ومحاولة النفاذ الى ما يكمن وراءها من أسرار. وحاول بعضهم دراسة قيمتها العددية أو الحديث عن خصائصها الصوتية.
وقد اختلف البصريون والكوفيون حول اعتبار هذه الحروف آيات أو عدم اعتبارها. فأما البصريون فلم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون، فقد عدوا بعضها آيات، أما البعض الآخر فلم يعدوه من الآيات. وعندهم أن ما قالوه علم توقيفي لا مجال للقياس فيه.
أما بالنسبة لتفسير معانيها فقد سلك العلماء إزاءها مسلكين:
أحدهما: أنها علم مستور وسر محجوب استأثر الله به. وينسب أصحاب هذا الرأي إلى الصديق أنه قال: «في كل كتاب سر، وسرّه في القرآن أوائل السور». كما يروى عن الشعبي أنه قال: «إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل (1)».
وثانيها: وهو اتجاه المتكلمين الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن يرد في كتاب--------------------------------------------
(1) الزركشي، ج 1 ص 173.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره، والاستنباط منه، وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه (1).
فإذا انتقلنا إلى وجوه التفسير التي رويت عن هؤلاء وجدنا الكثير. ويذكر الزركشي وحده عشرين وجها. ومن قبله أفاض الطبري في تعداد الوجوه المنقولة عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين. وجاء بعض المستشرقين في الوقت الحاضر وحاولوا تقديم تفسيرات لهذه الحروف، وكذلك فعل بعض المحدثين من الدارسين المسلمين.
1 - ومن أوجه الآراء التي قرأتها بين هذه النقول أن هذه الأحرف أسماء للسور. فهذه الأحرف وضعت لتمييز السور بعضها عن بعض. وقد نقل الزمخشري ذلك عن كثير من العلماء، كما أن سيبويه نص على ذلك الرأي في كتابه.
ووصفه فخر الدين الرازي بأنه قول أكثر المتكلمين.
ومما يعترض به على ذلك أن بعض هذه الحروف قد ورد في افتتاح أكثر من سورة واحدة. فهناك مثلا الم. ذلِكَ الْكِتابُ (البقرة) الم. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران) وردّ على ذلك بأن ما جاء بعد «الم» يميز السورتين إحداها عن الأخرى، كما يميز الاسم الواحد لشخصين بما لكل منهما من صفات، فيقال زيد النحوي وزيد الفقيه.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

2 - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من حروف الهجاء، فجاء بعضها مقطعا، وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين أتى القرآن بلغتهم على أن هذا القرآن المعجز مركب من الحروف التي يعقلونها ويبنون كلامهم منها.
3 - ومن الآراء المعقولة أيضا أن هذه الحروف قصد بها جذب انتباه العرب لاستماع القرآن. يقول الزركشي: «إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه.
وقال بعضهم:
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (فصلت: 26) فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب، وتلين الأفئدة.
هذه تأويلات بدت لي معقولة بين ركام ضخم من التأويلات، لم أر داعيا لتكرارها هنا، فليرجع إليها من يشاء في كتاب الزركشي أو في تفسير الطبري.
ومن الطريف أن بعض المستشرقين وكذلك بعض الكتاب المحدثين أدلوا بدلوهم في تفسير هذه الحروف. لكني لم أجد فيما قالوا به ما يستند الى أساس معقول، اللهم إلا إن كان راجعا لواحد من هذه الآراء التي أسلفت ذكرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

-‌‌ 16 - اعجاز القرآن
من المعروف أن القرآن الكريم كان معجزة الرسول الكبرى. وربما تروى له معجزات أخرى، لكن المعجزة التي أجمع المؤرخون والعلماء على نسبتها إليه هي القرآن الكريم.
وعلى هذا كان إعجاز القرآن طوال العصور موضوعا للدرس والبحث، وكان كل باحث يحاول أن يهتدي إلى سرّ هذا الإعجاز. وكم من كتب تناولت هذا الموضوع، فكان منها الكلامي، وكان منها البلاغي. وأعتقد بعد كل هذا البحث والدرس أننا لا نزال نفتقر إلى العمل العلمي الكامل الذي يضع يدنا على حقيقة الإعجاز في كتاب الله.
لقد أراد الله أن تكون معجزة الرسول هي صميم رسالته. لم يجر الله على يد الرسول ما كان يجريه من قبل على يد أنبيائه، فموسى كان يلقي العصا فتصير حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء. وعيسى كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص أما الرسول فكانت معجزته الكتاب الذي أنزل عليه.
ولقد كانت الجزيرة العربية إبان البعثة النبوية عامرة بالشعراء والخطباء والبلغاء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

فكانت المعجزة المحمدية معجزة تتفق وعصرها وكذلك مع طبيعة البيئة العربية التي كانت إذ ذاك تحفل بالفصاحة وتعتد بالبيان.
يضاف إلى ذلك أن الاسلام يمثل آخر الرسالات السماوية. وقد جاء زمانها حينما كانت البشرية قد بلغت شأوا بعيدا من النضج، في عصر تاريخي متأخر نسبيا. فلم يعد من المقنع القيام بالمعجزات الشبيهة بالسحر، وإنما أصبح الوقت وقت الإقناع بالمنطق والحجة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
يقول القاضي عبد الجبار في كتابه المغنى: «إنه تعالى خص رسوله بالقرآن من حيث ختم به النبوة، وبعثه إلى الناس كافة، وجعل شريعته مؤيدة، لأن غيره من المعجزات كان يجوز أن يدرس على الأوقات (أي يختفي مع الزمن)، ويضعف النقل فيه، وذلك لا يتأتى في القرآن (1)».
ويستدل من قول القاضي عبد الجبار هذا أن القرآن معجزة دائمة لا تنقطع، في حين كانت معجزات الأنبياء السابقين في الزمن على محمد مما حدث وقت دعوتهم ثم انقطع، فلم يشاهده إلا بعض من عاصر هؤلاء الأنبياء، أما القرآن فهو معجزة باقية على الأيام تخاطب العقل والروح.
ومن الثابت بالتواتر أن الرسول تحدى العرب بالقرآن، وأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله. وفي القرآن الكريم نصوص تسجل مراحل التحدي. قال تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الاسراء: 88) وتحداهم بعد ذلك بأن يأتوا بعشر سور. قال تعالى:--------------------------------------------
(1) المغنى، ج 16، ص 165.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (هود: 13) وحين عجزوا عن الإتيان بعشر سور، دعوا إلى الإتيان بسورة واحدة.
قال تعالى:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
(البقرة: 23) وإذا أردنا أن نتتبع طرق علمائنا القدامى في بحث الإعجاز نجدهم يبدءون ببيان قدر المعجز من القرآن. ونراهم ينقلون عن الأشعري أن أقل ما يعجز من القرآن السورة، قصيرة كانت أم طويلة. ويرى أيضا أن الآية التي تبلغ حروفها مقدار حروف السورة القصيرة فهي أيضا معجزة.
أما المعتزلة فيرون أن كل سورة برأسها معجزة (1).
أما تفسيرات القدماء للإعجاز فجاءت منوعة بتنوع النظرات إلى هذا الموضوع، وتبعا لاختلاف ثقافات الكتاب الذين تناولوه. وسنذكر هنا أمثلة لما ذكره هؤلاء القدماء في تفسيرهم لإعجاز القرآن.
1 - ذهب إبراهيم بن سيّار النظام أحد متكلمي المعتزلة إلى أن إعجاز القرآن راجع إلى أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم. وهذا الرأي لم يكن من الآراء التي لقيت قبولا عند العلماء، ذلك لأنه يجعل الإعجاز مقصورا على--------------------------------------------
(1) الزركشي: ج 2، ص 108.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

زمان الرسول، حين قام التحدي. كما أنه ينافي صريح القرآن، في قوله تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً.
(الاسراء: 88) 2 - وفي رأي بعض العلماء الأقدمين أن الإعجاز راجع إلى تأليف القرآن الخاص به، ذلك الذي يتجلى في اعتدال مفرداته تركيبا ووزنا، واشتمال مركباته على أرفع المعاني بحث وقع كل فن في مرتبته العليا من حيث اللفظ والمعنى.
3 - وذهب فريق من العلماء إلى أن إعجاز القرآن يرجع إلى إخباره بالغيوب المستقبلة. فقد وقع في القرآن الكريم تنبؤ بأحداث قبل وقوعها، وتحقق ما أنبأ به.
ومن أمثلة ذلك ما أخبر به عن تغلب الروم على الفرس، بعد أن أوقع الفرس الهزيمة بالروم واستولوا على بيت المقدس. وقد جاء ذلك في قوله تعالى:
الم. غُلِبَتِ الرُّومُ.
(الروم: 1، 2) وقد اعترض على هذا بأن آيات القرآن التي أخبرت بالغيب قليلة، بالنسبة إلى حجم الكتاب كله، فهذا القول يجعل الإعجاز مقصورا على قسم صغير منه.
على أن هذا لا ينفي عندهم أن الإنباء بالغيب من أسرار الإعجاز في الآيات التي ورد بها.
4 - ومن الأقوال في الإعجاز أيضا أنه راجع إلى الإخبار عن قصص الأولين، وما وقع في سالف العصور، بأسلوب من شهد الأحداث وحضرها.
وهذا القول أيضا مردود كسابقه، لأن القرآن يتناول هذه الأخبار في قسم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

منه، لا في جميع أجزائه. على أن هذا لا ينفي عندهم أن مثل هذا الإخبار من أسرار الاعجاز في الآيات التي تحدثت به.
5 - ومن الأقوال في أسرار الإعجاز أيضا أنه راجع إلى إخبار القرآن الكريم عن أسرار الضمائر، وكشف ما خفي عنها، ومن أمثلة ذلك كشفه عن ضمائر المنافقين، وهو قول ضعيف يقصر الإعجاز على قسم صغير من القرآن الكريم.
6 - هناك رأي آخر أختاره السكّاكي في كتابه مفتاح العلوم، يذهب إلى أن الإعجاز شيء لا يمكن التعبير عنه. إنه شيء يدرك ولا يمكن وصفه، يقول:
«مدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا». وعنده أنه يدرك كما يدرك طيب النغم، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما.
ويشير كلام السكّاكي هذا الى موضوع كان له خطره في تاريخ الدراسات العربية، وهو ارتباط علوم البلاغة بدراسة الإعجاز في القرآن.
لقد كان هذا الارتباط وثيقا، وقد ساعدت دراسة الإعجاز على تطوير البلاغة العربية، وتوسيع مجال بحثها، وأغنتها بدراسات كثيرة.
7 - القائلون بأن الإعجاز راجع إلى فصاحة القرآن أو بلاغته كثيرون.
وهناك كتابات متعددة تعبر عن هذا المعنى. فحازم القرطاجني يذهب في كتابه «منهاج البلغاء» إلى أن الإعجاز راجع إلى استمرار الفصاحة والبلاغة فيه استمرارا لا ينقطع، وبصورة لا يقدر عليها أحد من البشر. فكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في العالي فيه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية فتقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد تفاريق وأجزاء منه. والفترات في الفصاحة تقع للفصيح، إما بسهو يعرض له في الشيء من غير أن يكون جاهلا به، أو من جهل به، أو من سآمة تعتري فكره … وهكذا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

وخلاصة هذا الكلام أن في القرآن بلاغة تعم كل آياته، وفصاحة تشيع في مختلف نواحيه، بعكس كلام البلغاء يتفاوت في قوته وضعفه، ولا يخلو كلام أحدهم من الغث.
وممن أرجع إعجاز القرآن إلى الفصاحة وغرابة الأسلوب والسلامة من جميع العيوب مع اقتران ذلك بالتحدي العلامة فخر الدين الرازي صاحب التفسير المشهور. فهو يضيف التحدي إلى الفصاحة، وغرابة الأسلوب عما كان مألوفا عند العرب.
ولأبي سليمان الخطابي المتوفي عام 388 أيضا رسالة في الإعجاز ترجع سره إلى البلاغة. ويرى أن بليغ الكلام ينقسم إلى نوع أعلى وآخر أوسط وثالث أدنى أي أقرب. يقول: «فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع بين صفتي الفخامة
والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام يعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن، يسّرها الله بلطيف قدرته ليكون آية بينة لنبيه، ودلالة على صحة ما دعا اليه من أمر دينه. وانما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور:
منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني.
ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها، وارتباط بعضها ببعض … وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لها ناظم.
إذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه، والرقيّ إلى أعلى درجاته.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا.
فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصح المعاني، من توحيد الله تعالى، وتنزيهه في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، ومنبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق امر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعا في القلب، وقرعا في النفس، يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
(الفرقان: 5)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

مع علمهم أن صاحبهما أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا ..
ثم أعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يفسد به الكلام، أو إذهاب الرونق الذي تسقط به البلاغة، وذلك أن في الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعاني في زعم أكثر الناس، كالعلم والمعرفة، والشح والبخل، والنعت والصفة، وكذا بلى ونعم، ومن وعن، ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف، والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن اشتركا في بعضها».
هذا النص الطويل يشير إلى كثير من الموضوعات البلاغية، كما أنه يشير إلى نظرية «النظم»، ويقدم أفكارا عنها. هذه النظرية أيضا قد أشار اليها أبو بكر الباقلاني (المتوفي سنة 403) صاحب «إعجاز القرآن»، وهو من أشهر الكتب في هذا الباب، فقد ذكر أن من أسرار الإعجاز ما في القرآن في النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب (1). لكن الباقلاني لم يسلك مسلك الخطابي من حيث التوسع في شرح مفهومات البلاغة، وخصائص النظم والتأليف، بل شغل نفسه بمسائل كلامية عقلية لا نراها قادرة على الوفاء بإيضاح معنى الإعجاز وأسراره.
8 - ولقد أتيح لفكرة «النظم» أن توضح على أحسن صورها وذلك على يد اللغوي البلاغي القدير عبد القاهر الجرجاني المتوفي عام 471. فهذا الرجل العبقري قد استطاع في كتابيه «دلائل الإعجاز» «وأسرار البلاغة» أن يضع الأسس التي قام عليها علم المعاني وعلم البيان. وقد توسع في إيضاح فكرة «النظم» بوصفه السر الكامن وراء كل كلام بليغ، واستعان بهذه الفكرة في إيضاح أسرار الإعجاز.
ويرى الدكتور مندور أن عبد القاهر الجرجاني قد اهتدى في العلوم اللغوية--------------------------------------------
(1) إعجاز القرآن، ص 54.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

كلها إلى مذهب يشهد لصاحبه بعبقرية لغوية منقطعة النظير، وعلى أساس هذا المذهب كوّن مبادئه في إدراك «دلائل الإعجاز» في القرآن. إن عبد القاهر يرى «أن الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب (1)». من هنا لم يهتم عبد القاهر في بحثه عن الإعجاز بالمفردات
اللغوية، على أساس أن هذه لا تعني شيئا إذا جرّدت من النظم الذي يخلق لها السياق، ويحدد العلاقات بينها.
إن صفة الإعجاز- عند عبد القاهر- ينبغي أن تكون «وصفا قد تجدد بالقرآن، وأمرا لم يوجد في غيره، ولم يعرف قبل نزوله. وإذا كان كذلك فقد وجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون في الكلم المفردة، لأن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون الألفاظ المفردة- التي هي أوضاع اللغة- قد حدث في حذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن، وتكون قد اختصت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن، لا يجدون لها تلك الهيئات والصفات خارج القرآن. ولا يجوز أن تكون في معاني الكلم المفردة التي هي لها بوضع اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى الحمد والرب ومعنى العالمين والملك واليوم والدين وهكذا وصف لم يكن قبل نزول القرآن (2)».
كذلك ينبغي أن لا يبحث عن الإعجاز في تركيب الحركات والسكنات، تلك التي يستعان بها في تمييز بحور الشعر بعضها عن بعض.
وينفي عبد القاهر كذلك أن تكون المقاطع والفواصل سر الإعجاز «لأنه أيضا ليس بأكثر من التعويل على مراعاة وزن، وانما الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي لم يعوزهم ذلك ولم يتعذر عليهم (3)».--------------------------------------------
(1) أسرار البلاغة، ص 2.
(2) دلائل الاعجاز، ص 295.
(3) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

ويسخر من القائلين بأن مرد الإعجاز إلى الصرفة، أي إلى أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن، على نحو ما قال النظام. فمثل هذا ما كان ليدل على إعجاز القرآن بنفسه، وإنما بأمر خارجي، مما يجعل عجز العرب عن مجاراته مصدر العجب وليس القرآن ذاته. يقول: «أرأيت لو أن نبيا قال لقومه: إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رءوسكم، وكان الأمر كما قال، مم يكون تعجب القوم؟ أمن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رءوسهم». يتحدث بعد ذلك عن النظم فيقول: «ونعود إلى النسق فنقول: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي عجزهم من القرآن في شيء مما عددناه لم يبق إلا أن يكون الاستعارة. ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز، وأن يقصد إليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة، في مواضع من السور الطوال مخصوصة. وإذا امتنع ذلك فلم يبق إلا أن يكون في النظم والتأليف، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه إلا النظم. وإذا ثبت أنه في النظم والتأليف، وكنا قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها وجامعا يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها طلبنا ما كل محال دونه …
فان قيل: «قولك إلا النظم» يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز، وذلك ما لا مساغ له، قيل: ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز، وذلك لأن هذه المعاني- التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها- من مقتضيات النظم، وعنها يحدث، وبها يكون، لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو، فلا يتصور أن يكون هاهنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد ألف مع غيره (1)».--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)