Arabic source text

📘 ফী উলূমিল কুরআন দিরাসাত ওয়া মুহাযারাত (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 في علوم القرآن دراسات ومحاضرات (مجموعة من المؤلفين)

📘 ফী উলূমিল কুরআন দিরাসাত ওয়া মুহাযারাত (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ويوضح لنا بصريح القول أن قصده من تفسير النظم بأنه الاستخدام النحوي لا يعني مجرد قواعد النحو، فهي مما يعرفه كل عربي سليم الفطرة. وإنما يقصد من ذلك دقائق تأليف الكلام، وأسرار الترابط بين مفرداته.
يقول: «ثم إنا نعلم أن المزية المطلوبة في هذا الباب مزية فيما طريقه الفكر والنظر من غير شبهة … ومن هاهنا لم يجز إذن عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب، وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالروية».
فالعرب جميعا يعرفون أن الفاعل مرفوع وأن المفعول منصوب والمضاف إليه مجرور. لكن إدراك الفاعل في مثل قوله تعالى:
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ هو الذي يقتضي الذوق والعلم بالنظم. وهكذا في قوله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وهذا عنده ليس علما بالإعراب، بل بالوصف الموجب للإعراب.
وهكذا إدراك عبارة قرآنية مثل وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وفهم العلاقات بين المفردات فيها هو الذي يعنيه عبد القاهر بالنظم القرآني.
ثم يقف وقفة أخيرة أمام غريب اللغة، وكيف أن الإعراب في اللغة لا يمكن أن يكون ضربا من الإعجاز. فلو تحدى القرآن عالما بمفردات غريبة لما عجز عن مجارتها بمثلها. ولو تحدى جاهلا بهذه المفردات لكان كمن يتحدى العرب أن يتحدثوا بلسان الترك. ثم هو يقول بعد ذلك إن العرب لم يكونوا يعتبرون الإغراب اللغوي فضيلة، ويستشهد على ذلك بقول عمر في زهير: «إنه كان لا يعاظل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

بين القول ولا يتتبع حوشيّ الكلام «فقرن تتبع الحوشيّ وهو الغريب إلى المعاظلة التي هي التعقيد.
نظرية النظم تعني أن القرآن معجز بتأليفه، وبكل ما انطوى عليه هذا التأليف. وهي نظرة شاملة لا تبحث عن الإعجاز في جوانب تفصيلية، كالمفردات اللغوية، أو الأوزان، أو الحركات، أو الاستعارات، وإنما تبحث عنه في التأليف الجامع وما انطوى عليه.
لكن هذه النظرة الشاملة التي تجلت عند عبد القاهر لم تنتشر بعد عصره، بل قامت دراسات تبحث عن أسرار الإعجاز في موضوعات تفصيلية نجد من أمثلتها ما تضمنه كتاب البرهان للزركشي من أبحاث في أساليب القرآن وفنونه البليغة، وأقسام التأكيد، والصفة، والبدل، وعطف البيان، وذكر الخاص بعد العام، وذكر العام بعد الخاص، وعطف أحد المترادفين على الآخر، والإيضاح بعد الإبهام، إلى غير ذلك من أبحاث تفصيلية تعد بالمئات. والجدير بالذكر أن دراسة الإعجاز على هذه الصورة كان لها أعمق الأثر في تطوير الدراسات البلاغية.
9 - ظهر عند بعض المتأخرين ميل إلى أن إعجاز القرآن يرجع الى كل الوجوه التي سبق لنا بيانها. فجميع الآراء التي ذكرناها من فصاحة وبلاغة، وإنباء بالغيب، وإخبار عن الأمم السالفة، وما تضمنه القرآن من الشرائع والأحكام، كل أولئك من أسرار إعجازه.
وممن ذهب إلى ذلك من المعاصرين الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «مصادر الفقه الاسلامي» حيث عزا الإعجاز إلى بلاغة القرآن، وإخباره بأحوال القرون السابقة، وما جاء فيه من إخبار عن أمور مستقبلة وقعت كما أخبر الله سبحانه، ثم ما اشتمل عليه القرآن من حقائق ما كان يمكن أن تكون لأمي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك ما تضمنه كتاب الله من أحكام هي الشريعة القرآنية (1).--------------------------------------------
(1) انظر: مصادر الفقه الإسلامي، ص 16 - 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

ولا تزال محاولات البحث عن أسرار الإعجاز مستمرة حتى زماننا هذا. وقد سعى البعض إلى نسبة الإعجاز إلى ما في لغة القرآن من موسيقى كما نسب البعض أسرار الإعجاز إلى التصوير البياني. وكلها أبحاث تتصل بمفهومات حديثة للنقد الأدبي، ولا نستطيع أن نقول إنها تفي بالكشف عن سر الإعجاز على وجه مكتمل. والى جانب هذا هناك أبحاث تسعى إلى اثبات الإعجاز بما يكشف عنه البحث الحديث من حقائق علمية، وردت إشارات إليها في القرآن الكريم. وتنشر من حين الى حين كتابات تتناول موقف القرآن الكريم مما يتكشف عنه العلم الحديث من حقائق ونظريات.
وهذا اتجاه يجب تناوله بحذر. فما كل نظرية علمية تقال اليوم تثبت صحتها بصورة قاطعة. ومن هنا كانت محاولات الربط الوثيق بين العلم الحديث وبين القرآن الكريم من الأمور التي ينبغي الخوض فيها بحذر، يقي من الافتتان بكل ما يساق باسم العلم من آراء ونظريات، قد لا يكون العلم قد وصل فيها الى مرحلة اليقين، ومع ذلك يوجد من المسلمين من يسارع إلى إلصاقها بالقرآن الكريم، وحمل بعض آياته على القول بها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

-‌‌ 17 - التفسير والمفسرون
تفسير القرآن هو الكلام في شرح نصوصه بما يبين عن معانيه. لكن هذا التعريف الموجز يحتاج إلى كثير من الشرح والتحليل.
إن شرح أيّ نص أدبي يكون له مستوى معقول من الإبداع أمر يكتنفه كثير من الصعوبات. فهناك الفهم اللغوي للنص، وهناك بعد ذلك ما يعنيه النص، وما يوحي به أو يرمز إليه. ومن أجل هذا نجد شرح النصوص الأدبية، كثيرا ما ينبثق عن ألوان مختلفة من الفهم لتلك النصوص. وأمامنا شراح دواوين كبار الشعراء، ومنهم من كان لديوانه أكثر من شراح، ففي الشروح نرى كيف اختلفت نظرة الشراح إلى النص الواحد، وبخاصة إذا أشارت ألفاظه إلى ألوان مختلفة من المعاني.
إن التعبيرات الأدبية لا تكون واضحة المعنى بمجرد النظرة الأولى إليها. فالأدباء لا يعبرون عن موضوعات الحياة بذات اللغة التي يعبّر بها العلماء. إن اهتمام العلماء يكون بنقل المضمون إلى السامع بأبسط ألوان التعبير اللغوي. فالحقائق وحدها هي الهدف المقصود في التعبير العلمي، أما التعبير الأدبي فجمال العبارة، وروعة الصور البيانية مقصودة بجانب ما ينطوي عليه النص الأدبي من مضمون.
ولسنا هنا نفرق بين اللفظ والمعنى، أو بين العبارة ومضمونها، لكنا ننبه إلى ضروب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

التعبير في كل من العلم والأدب، وما يشيع في كل منهما من خصائص، تجعل تناولنا لنص أدبي مختلفا كل الاختلاف عن تناولنا لنص علمي.
وإذا جئنا إلى تفسير القرآن الكريم فالأمر هنا أخطر وأشق من تفسير نصوص الأدب.
هنا نقف أمام كتاب منزل ينطوي على ألوان مختلفة من المعارف التي أراد الله لعباده أن يتلقوها على يد رسوله.
1 - في القرآن أحكام شرعية. وكثير من هذه الأحكام وردت مجملة في نص الكتاب الكريم. ولا سبيل إلى استيضاح معناها إلا بالرجوع إلى السنة النبوية، فهنا نجد أن أحكام الشريعة لا بد من الرجوع إلى قول الرسول فيها، حتى يتم استيضاح معانيها والإحاطة بكافة تفصيلاتها، على الوجه الأكمل. فيمكننا هنا أن نقول إن تفسير أحكام الشريعة لا بد لنا فيه من الأخذ عن الرسول، وتحري النقل الصحيح عنه وعن صحابته.
2 - وفي القرآن آيات تنبئ عن مغيبات. من هذه مثلا قيام الساعة، وكيف يتم ذلك، وبعض تفصيلات عن هذا الموقف، وطبيعة الحساب ومواقفه، وغير ذلك، من الأمور
الغيبية التي يتحدث عنها القرآن الكريم، ولم يكن حديثه عن الكثير منها سوى مجرد ذكر لها، أو إشارة مجملة إليها لا تنطوي على تفصيلات وشروح لمن أراد لذلك تفصيلا وشرحا. هذه الأمور لا يستطيع أحد أن يقول فيها برأي. والرسول ذاته قد توقف عن تفسيرها. فموقف المفسر بالنسبة لها يجب أن يكون موقف المصدق لما أخبر به القرآن من غيبيات لا سبيل إلى استيضاحها بتفصيل الإجابة عما عساه ينشأ حولها من تساؤلات.
3 - وفي القرآن آيات متشابهات، تعبر عن موضوعات يمكن الحديث فيها بنوع من التأويل. فهناك الآيات الكثيرة التي ورد بها ذكر يد الله أو وجهه أو استواؤه أو مجيئه. هذه الآيات- كما سبق أن ذكرنا في حديثنا عن المحكم والمتشابه- قد قوبلت بموقفين متعارضين من المسلمين. فبعض الأتقياء من السلف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

الصالح قد رفضوا تفسيرها أو القول فيها برأي من الآراء. أما أتباع النظر العقلي من المعتزلة ومن تبعهم فقد أولوها، وكان موقفهم منها أن القرآن الكريم خاطب العرب بلغتهم، وأن على الإنسان أن يجتهد رأيه في تفسير مثل هذه الآيات، محاولا العلم بمعناها والإحاطة بمضمونها.
4 - وفي القرآن الكريم آيات يفهمها العربي العالم بأصول اللغة العربية وقواعدها، المحيط بأساليبها البيانية، الذي أوتي إلى جانب العلم باللغة والبلاغة ذوقا أدبيا رفيعا، وكان على معرفة بأقوال السلف في تفسير القرآن، وهذه الآيات تكون واضحة الدلالة إلى حد بعيد عند من اتصف بمثل هذه الصفات، وتحلى بهذا اللون من المعارف.
5 - وفي القرآن آيات تتحدث عن الأمم الغابرة ومن بعث إليها من الرسل، وتروي قصص هؤلاء الناس، وكيف كان منهم المكذبون، كما أن القرآن تضمن آيات عن خلق الكون وقصة آدم، وكثير من القصص لم يفصل الأحداث، فكان أن سأل العرب أهل الكتاب عما يعرفونه عن هذه القصص، وأمدهم هؤلاء بتفصيلات وقصص كان بعضها مستقى من العهد القديم أو من التلمود أو غيره من كتبهم، وأخذها بعض المفسرين وجعلوها قسما من تفسيرهم للقرآن. وقد عرفت هذه المادة المستقاة من أهل الكتاب بالإسرائيليات. ومثل هذه الإسرائيليات غريبة على النص القرآني ولا يجوز أن يقبل منها إلا ما كان متفقا تمام الاتفاق مع آيات القرآن الكريم. أما ما زاد على ما في هذه الآيات فلا يجوز قبوله، واعتباره جزءا من تفسير القرآن.
6 - بعد الحديث عن تنوع آيات القرآن من حيث مضمونها، نأتي بعد ذلك إلى الأسلوب القرآني. ففي القرآن آيات تعبر عن المعاني بأسلوب صريح قاطع، ولا تحتمل في تفسيرها أكثر من معنى، ومنه آيات تحتمل الكثير من المعاني، وتقبل تأويلات متعددة.
كما أن من المفسرين من كان لا يقبل من التفسير إلا التفسير المروي عن الرسول أو الصحابة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

وكان منهم من رأى الاجتهاد في فهم نصوص القرآن بعد التسلح بأدوات الاجتهاد، وكان منهم من رأى أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وجاء لكل آية بتفسير لا يرتبط بلفظ الآية إلا عن طريق التأويل، وسنفصل القول في هذه الأمور على أساس ما وصلنا من آراء علماء التفسير القدامى والمحدثين.
يقسم الطبري آيات القرآن من حيث قابليتها للتأويل إلى ثلاثة أنواع:
1 - ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره- واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض (أي ما يكون من علاقات تجب مراعاتها بين الناس)، وما أشبه ذلك من أحكام آياته التي لم يدرك علمها إلا ببيان الرسول لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان الرسول لتأويله، بنص منه عليه أو بدلالة قد نصبها، دالة أمته على تأويله.
2 - ما لا يعلم تأويله إلا الله، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك، فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. من ذلك قوله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً.
(الأعراف: 187) وكان النبي إذا ذكر شيئا من ذلك، لم يدل عليه إلا باشراطه دون تحديده بوقته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

3 - ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (البقرة: 11، 12).
لم يجهل أن معنى الإفساد ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح ما ينبغي فعله مما هو فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا. فالذي يعلمه ذو اللسان- الذي بلسانه نزل القرآن- من تأويل القرآن هو ما وصفت: من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة. (1)
يلاحظ أن الطبري هنا يستخدم كلمة «التأويل» بمعنى التفسير.
وشبيه بما قاله الطبري هذا ما روي عن ابن عباس من قوله:
«التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله». (2)
فالتفسير الذي لا يعذر أحد بجهالته هو معرفة الأحكام من واجبات ومحرمات.
وأما التفسير الذي يعلمه العلماء فهو تفسير الآيات المتشابهات، في حين أن التفسير الذي لا يعلمه إلا الله فهو ما كان مرتبطا بأمور مضمرة في الغيب، لا سبيل إلى معرفتها.--------------------------------------------
(1) الطبرى، تفسير، ج 1، ص 74، 75.
(2) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

وقد روي عن الصحابة تعلم التفسير منذ عهد الرسول. فهناك أقوال تنسب إلى عدد منهم. نذكر منها ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن». (1)
كما روي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا وأعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله متى تناله المطايا لأتيته». (2).
ولقد روي الكثير من تفسير القرآن عن عدد من الصحابة منهم عبد الله بن عباس الذي برع في تفسير القرآن، كذلك روي التفسير عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب وغير هؤلاء.
كذلك روي التفسير عن عدد كبير من التابعين، وقد قسم هؤلاء بحسب الموطن إلى طبقات منهم طبقة أهل مكة وطبقة أهل المدينة وطبقة أهل العراق.
فمن أهل مكة مجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير. وكان أهل مكة أعلم الناس بالتفسير لتعلمهم من ابن عباس.

‌‌التفسير المأثور:
لقد نشأ التفسير على أساس ما كان يروى من مأثورات عن الصحابة والتابعين.
كان التفسير يروى كما تروى الأحاديث النبوية. وكان يشغل في كتب الحديث أبوابا، ويخضع لما تخضع له نصوص الأحاديث من تمحيص الرواية وتحقيق السند.
ولقد بقي كذلك زمنا طويلا، وتجمعت رواياته في تفسير الطبري أوسع التفسيرات رواية للمأثورات. ويحدثنا ابن خلدون عن نشأة التفسير وتطوره من تفسير أثري إلى تفسير بالدراية فيقول:
«فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا يفهمونه،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 80.
(2) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع. ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان الرسول يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ ويعرفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها … ونقل ذلك عن الصحابة وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي، والثعالبي، وأمثال هؤلاء من المفسرين …
ثم صارت علوم اللسان صناعية: من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب، والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم … (1)»
فالتفسير في الأصل تفسير أثري يستند إلى الرواية عن الصحابة والتابعين.
لكن التفسير تطور فيما بعد- حين دونت علوم اللغة والبلاغة- ووجد إلى جانب التفسير الأثري تفسير قام على الدراية. ومع ذلك، فمثل هذا التفسير لم يخلص من أثر التفسير الأثري، بل بقيت للروايات الصحيحة آثارها في توجيه الفهم، وإيضاح النص.
لكن التفسير الأثري حوى كثيرا من الروايات التي يتطرق إليها الشك، وجمع عن أهل الكتاب روايات لا ترتبط بنص القرآن الكريم، وتعرف هذه بالإسرائيليات. يقول ابن خلدون عن كتب التفسير الأثري إنها «تشتمل على الغث والثمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب--------------------------------------------
(1) مقدمة ابن خلدون، ص 366، طبعة بولاق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك الا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، … وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام (1)».

‌‌مصادر التفسير المأثور:
‌‌1 - ما ينقل من ذلك عن الرسول
، وكثير من هذا موضوع ضعيف السند، ولهذا يجب أن يؤخذ بحذر. وكان ابن حنبل ممن شك في التفسير المروي بوجه عام فقال: «ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير». (2)

‌‌2 - ما يروى عن صحابي.
وقد عرف عن بعض الصحابة تفسير القرآن.
ومن أهم من روي عنهم عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص. ويجب التحقق من صحة السند في النقل عن هؤلاء.
وكثير مما نقل عنهم مدسوس عليهم.

‌‌3 - ما يروى عن التابعين
، وكتب التفسير حافلة بالرواية عن هؤلاء.
لكن ليس كل ما ينقل عنهم مما يجب قبوله، فهناك روايات كثيرة عن التابعين لا نستطيع أن نقبلها لأنها بعيدة عن تفسير النص، أو تقحم عليه مادة غريبة لا تكاد تتصل به، كما هو الشأن بالنسبة للإسرائيليات التي تقص تفصيلات لا صلة لها بنص القرآن.

‌‌ابن عباس والتفسير المأثور:
يقول السيوطي في الإتقان: «ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 368.
(2) الزركشي: البرهان، ج 2، ص 156.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

كثرة بروايات وطرق مختلفة، فمن جيّدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه» وهناك رواة آخرون يتفاوتون في جودة الرواية عن ابن عباس، ومقدار الثقة التي يمكن أن ينظر بها إلى رواياتهم.
ومهما يكن الأمر فإننا- برغم هذه الروايات الكثيرة- لا نكاد نضع ثقتنا الكاملة إلا في قليل منها. ولقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال: «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث».

‌‌كتب التفسير التي جمعت مأثور الروايات:
بعد عصر التابعين دونت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين يذكر الزركشي كثيرا منها (1). وكثير من هذه التفاسير التي تذكر تعد الآن مفقودة، لكننا لا نزال نملك عددا صالحا من كتب التفسير التي جمعت كل ما ينسب إلى الصحابة والتابعين. يجيء في مقدمتها:

‌‌تفسير الطبري:
صاحب هذا التفسير هو العالم المؤرخ الكبير محمد بن جرير الطبري.
(المولود عام 224، والمتوفى عام 310). لقد خلف لنا هذا العالم الجليل أكبر موسوعة في تاريخ العرب والإسلام إبان القرون الثلاثة الأولى من هذا التاريخ.
وكانت طريقة الطبري في كتابة التاريخ معتمدة على الأسانيد. فهو يروي الوقائع التاريخية بأسانيدها.
وكذلك اعتمد في تفسيره الكبير الذي يشغل ثلاثين جزءا على الروايات المسندة، وقد أجتهد الطبري في تحرير الأسانيد التي ذكرها، وأبان قويّها من ضعيفها ويكاد يكون تفسيره أوسع التفاسير، لكنه مع ذلك لا يخلو من روايات ضعيفة، كما أنه يشتمل على مادة لسنا بحاجة اليها اليوم في فهم القرآن الكريم.--------------------------------------------
(1) البرهان، ج 2، ص 15.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

أذكر من أمثلة ذلك ما رواه من تفسيرات لظواهر الطبيعة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وكثرتها تفسيرات خرافية، لا يحتاج إليها في فهم النصوص القرآنية.
وسأذكر لكم هنا بعض ما جاء به من روايات في تفسير الرعد والبرق في قوله تعالى:
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.

‌‌الروايات التي جاء بها في تفسير الرعد:
1 - الرعد ملك يزجر السحاب بصوته.
2 - الرعد ملك من الملائكة يسبح.
3 - الرعد ملك موكل بالسحاب يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، يسبح، كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه، فهي الصواعق التي رأيتم.
4 - الرعد ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته.
5 - الرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير.
6 - الرعد اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره السحاب، اضطرب السحاب واحتك، فتخرج الصواعق من بينه.
7 - الرعد ملك في السحاب، يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل.
8 - الرعد ريح.

‌‌الروايات التي جاءت في تفسير البرق:
1 - البرق مخاريق (1) الملائكة.--------------------------------------------
(1) المخاريق جمع مخراق وهو منديل أو نحوه يلوى فيضرب به، ويلف فيفزع به، وهو من لعب الصبيان.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)

2 - البرق مخاريق بأيدي الملائكة يزجرون بها السحاب.
3 - الرعد الملك، والبرق ضربه السحاب بمخراق من حديد.
4 - هو سوط من نور يزجي به الملك السحاب.
5 - هو ماء.
6 - البرق ملك له أربعة أوجه، وجه إنسان ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع (1) بأجنحته فذلك البرق.
وهناك روايات أخرى إلى جانب ذلك (2). فمثل هذه التفسيرات لمعنى الرعد والبرق ليس لها أساس علمي، وهي لا تفيدنا شيئا في تفسير النص القرآني، الذي يبقى له جماله وإعجازه برغم هذه التفسيرات التي تلصق به.
وكما نستطيع استبعاد مثل هذه التأويلات المتصلة بالظواهر الكونية، نستطيع أيضا استبعاد القصص والخرافات والأساطير التي قبسها بعض المفسرين عن أهل الكتاب وغيرهم وملئوا بها كتب التفسير، من غير أن تكون هناك حاجة إليها لفهم النص القرآني.
لكننا نبادر فنقول إننا- برغم ما نلقاه من مثل هذه الأمور في تفسير الطبري وغيره من التفسيرات التي تجمع الروايات المأثورة- نجد في تفسير الطبري ألوفا من اللفتات القيمة والتوجيهات الذكية في بيان معاني الآيات.
وإلى جانب تفسير الطبري الذي يعتبر أجمع التفسيرات لمأثور الروايات يمكننا أن نذكر التفسيرات الآتية:

‌‌تفسير ابن كثير:
مؤلفه عماد الدين اسماعيل بن الخطيب المعروف بابن كثير. من علماء دمشق، ولد عام 705 هـ وتوفي في عام 774. وهو من أوثق--------------------------------------------
(1) المصع الضرب بالسيف أو السوط أو غيرهما.
(2) انظر تفسير الطبري، ج 1، 338 - 345.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

التفسيرات التي تجمع الروايات المأثورة وتحقق أسانيدها، وتمحص ما انطوت عليها نصوصها إلى حد بعيد. طبع بالقاهرة في تسعة أجزاء.

‌‌الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
ومؤلفه جلال الدين السيوطي صاحب الإتقان في علوم القرآن، المتوفي عام 911 هـ.
ونستطيع أن نطلع على نماذج من التفسير المأثور المسند إلى الرسول في خاتمة كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي. ونلحظ أن هناك طعنا في أسانيد كثير من الأحاديث المروية في التفسير.

‌‌التفسير بالرأي:
وردت أحاديث تنهى عن تفسير القرآن بالرأي. فمن ذلك ما روي عن ابن عباس من أن النبي قال: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ معقدة من النار (1)». وقد روي هذا الحديث بصور مختلفة لكن مصدرها واحد.
كذلك روي عن أبي بكر أنه قال: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم (2)».
وهذه النصوص لا تمنع الاجتهاد في التفسير إنما تمنع التصدي للتفسير بغير علم. فهناك أمور كثيرة تجب الإحاطة بها قبل محاولة تفسير القرآن، ومن هذه الأمور معرفة ما أثر عن الرسول من بيان لمعنى الآيات، وبخاصة آيات الأحكام التي لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الأكمل بدون الإحاطة بكل ما ارتبط بها من بيانات الرسول. يضاف إلى ذلك أن من الآيات ما لا يجوز الإفتاء برأي في معناه، وإنما يجب الاكتفاء بما ورد عنه من أخبار في نص القرآن، إذ قد يكون بعض ذلك مما استأثر الله بعلمه كموعد
قيام الساعة، أو مما لم يرد له ذكر من أمور لا أهمية لها كلون كلب أصحاب الكهف أو نوع الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح وما الى ذلك.--------------------------------------------
(1) الطبري، تفسير، ج 1 ص 77.
(2) المصدر السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

إن تفسير القرآن وإيضاح معانيه واجب على علماء الأمة الإسلامية، فالقرآن نزل بلسان عربي، وخاطب أمة تفهم هذا اللسان. ولو نزل بلغة غير مفهومة لما كان هناك وجه لنزوله. يضاف إلى ذلك أن الله دعا الناس إلى تفهم آياته وتدبر معانيها.
قال تعالى:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
(النحل: 44) وقال:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.
(ص: 29) وقال:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر: 17، 22، 32).
وقال:
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الزمر: 27، 28)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

وقال:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (محمد: 24) فكل هذه الآيات تدعو الناس إلى تدبر آيات القرآن وتفهمها، وتحثهم على الاهتداء بما جاء فيها. ولا يتسنى القيام بهذا لو كان القرآن لا يقبل التفسير، أو يمنع اجتهاد المجتهدين في تفهم آياته، وإيضاح معانيها. من هنا كانت الأحاديث والروايات التي تمنع الإفتاء بالرأي- إن صحت- لا تعني منع الاجتهاد في تفسير القرآن، وإنما تعني منع الخوض في تفسير كتاب الله بغير علم ولا أهلية لمثل ذلك العمل.

‌‌الفكر الاسلامي وتطور التفسير بالرأي:
إن حياة المجتمع الإسلامي بعد الصدر الأول أخذت تتعقد من نواح متعددة.
بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها فكري. وكان من الطبيعي أن المجتمع الذي تطور على هذه الصورة تتغير مناهجه في دراسة العلوم، وتتباين سبلها. وكان للتفسير القرآني حظه من تطور الأسلوب، وتعدد المناهج.
لقد انقسم المسلمون إلى أحزاب سياسية في أعقاب الحرب الأهلية التي جرت بين علي ومعاوية. وتمخضت هذه الحرب عن أحزاب أربعة رئيسية هي الشيعة والخوارج والمرجئة والموالون للحكم الأموي.
وكان كل حزب من هذه الأحزاب يلتمس في القرآن تأييدا لرأيه، فكان أن فسر القرآن تفسيرات حزبية في بعض الأحيان. ولعل بعض هذه التفسيرات قد وضع بنية حسنة، يعتقد أصحابها بإخلاص أن حزبهم هو الحزب المهتدي إلى نهج الصواب. ولعل بعضها قد وضع بنية سيئة، تغلّب المصلحة الحزبية على الإخلاص الكامل للعقيدة.
ويمكننا أن نلمس ألوانا من هذه التفسيرات الحزبية فيما ذهب إليه الخوارج في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

معارضتهم للإمام علي. فهم قد اعتبروا المحاربين من جيش معاوية مشركين، لخروجهم على الخليفة الشرعي، وتمزيق شمل الجماعة الإسلامية. وتطرقوا من ذلك إلى أن عدّوا مهادنة على لمعاوية أيام اتفاق التحكيم مهادنة المشركين، وخروجا من عهد الإمامة. لقد استشهدوا بسورة براءة التي حرمت معاهدة المشركين، ورفضوا فكرة التحكيم لأنها توقف القتال، في حين أن هذه السورة توجب قتال المشركين حتى يثوبوا إلى أمر الله. وكانت نسبة الشرك إلى معاوية وأنصاره مقدمة أدت إلى مثل هذا التفكير. وكذلك كان القول بأن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار مدعاة إلى تفسير القرآن بما يؤيد هذا الرأي.
والتمس الشيعة في القرآن ما يؤيد أهل البيت. وفسروا قوله تعالى:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: 33) على أنه يعني عصمة الأئمة من آل البيت.
وظهرت آراء المعتزلة، وكانت مبادئهم الخمسة المشهورة ومنها التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين. وفكرة التوحيد عند المعتزلة اقتضت نفي الصفات، سواء منها صفات الذات أو صفات الفعل. والتمسوا لآرائهم تلك تأييدا في آيات القرآن. كما أدى قولهم هذا إلى نفي قدرة البشر على رؤية الله بالأبصار. وتكلموا في ذلك.
فكان قوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ (الأنعام: 103) عندهم دليلا على أن البشر لا سبيل لهم إلى مشاهدة الخالق، فالعين الحسية محدودة، والله لا يحده مكان. وتأولوا قوله
تعالى:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة: 22)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

فقالوا إن المقصود أن هذه الوجوه ناظرة إلى ثواب ربها. ويتصدى لهم أهل السنة، خصومهم في العقائد، فيقولون إن خير ما يطمح إليه المؤمنون من ثواب يوم القيامة هو رؤية الله. فالرؤية في الآخرة متحققة. وعيون الناس لن تكون محدودة القدرة كعيون الحس في هذه الدنيا. أما قوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فيقولون إن هذا مقصور على الدنيا، فالرؤية ممتنعة في الدنيا لا في الآخرة.
ونظرية العدل الإلهي عند المعتزلة أدت إلى قولهم بخلق الإنسان لأعماله.
والتمسوا تأييدا لرأيهم في مثل قوله تعالى:
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.
(الكهف: 29) وكان رأيهم أن التكليف يقتضي حرية الإرادة، وأن الحساب يستلزم حرية الفعل عند الإنسان. أما أهل السنة فارتئوا أن الله خالق كل شيء، وهو خالق الإنسان وما يعمل. ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى:
اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فكل أعمال العباد مخلوقة لله. وحين يجيبهم المعتزلة بأن هذا يتنافى مع العدل، ويصبح تكليف الله من قبيل التكليف بما لا يطاق، يكون ردّ أهل السنة أن الله قد يكلف بما لا يطاق. ولولا ذلك لما كان قوله تعالى:
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وهكذا أدى دخول الفلسفة ميدان دراسة العقائد إلى دخول هذه الأبحاث في تفسير القرآن. وكان أن ظهرت التفاسير التي تؤيد عقائد أهل السنة وتلك التي تؤيد عقائد المعتزلة، والشيعة. واصطبغت بعض التفاسير بالاتجاه الفلسفي، ومناقشة كل موضوع بأسلوب منطقي. فمثل قوله تعالى:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لا يقبل على ظاهره. بل يتوقف الفخر الرازي عند هذه الآية ويؤول معنى قوله تعالى:
يُخادِعُونَ اللَّهَ حيث أن الله لا يمكن مخادعته. يقول: «لا بد من التأويل وهو من وجهين:
(الأول) أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله على عادته في تفخيم أمره وتعظيم شأنه. قال:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ وقال في عكسه:
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه. فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى.
(الثاني) إن يقال: صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع المخادع وكذلك، صورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم».
ولقد ظهر التصوف الإسلامي، فكان له في تفسير القرآن شأن آخر، إن الصوفية لا يقفون من نصوص القرآن عند معانيها الظاهرة، بل يغوصون وراء الظاهر بحثا عن معان باطنة. وربما جاءوا في ذلك بلفتات قيمة في تفسير القرآن. لكن هذا الأسلوب كثيرا ما قادهم إلى الإتيان ببعض التأويلات البعيدة عن النص.
ومن الصوفية من كانوا قريبين من أهل السنة، واكتفوا من التصوف بمجرد السلوك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)