والخلاصة أن العقل من أكبر النعم التي ميز الله بها الإنسان وأننا لا نعرف حقيقته ولكن بإمكاننا الاستفادة منه والاهتداء به حينما نعرف حدود قدرته وحينما نربطه بالاستفادة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
هل وُفِقَت العقلانية إلى الحق بالنسبة لموقفهم من العقل؟
وإذا كانت العقلانية فكرة قامت على دعوى احترام العقل والاستفادة منه فهل وفقت فعلا إلى احترامه الاحترام الذي يليق به؟ وهل استفادت منه الفائدة الصحيحة والجواب عن هذا السؤال يتطلب أولاً معرفة مدى قدرة العقل في بيان الأمور وإيضاحها وقد علمت أن العقل مر بمراحل في مفاهيم الناس في أوربا.
ـ فمنهم من غلا في تقديسه.
ـ ومنهم من غلا في احتقاره.
ومنهم من اعتمده لكن بشرط أن يقترن بشهادة التجربة له.
ـ ومنهم من استبعده تماما.
وإنما كلها تخبطات جاهلية وإن الله تعالى وفق المؤمنين إلى الحق في تقديره وفي الاستفادة منه.
أما الذين غلوا في تقديسه فقد ارتكبوا خطأ فاحشا إذ تصوروا أنه لا حدود لمعرفته فذهبوا يبنون عليه كل ما يريدون ويحملونه ما لا يحتمل ومن هؤلاء الغلاة العقلانيون الذين أحلوه محل الإله في القداسة وهو صاحب التشريع عندهم إليه يتحاكمون وإليه يفوضون، وقد عرف عن فرقة المعتزلة تأثرهم بهذا الاتجاه فهو عندهم مقدم على النصوص في حال الخلاف لدلالات مرفوضة لا لزوم لذكرها وتقديسه إلى هذا الحد لا شك أنها مكابرة خاطئة إذ المعلوم أن العقل له حد إذا تجاوزه انقلب إلى الجهل.
ـ وأما الذين غلوا في احتقاره وزعموا أنه لا قيمة له في المعرفة بل يجب اتهامه ولا يعول عليه فقد عرفت أن على رأس هؤلاء طغاة رجال الدين لوقوفهم إلى جانب العقل في معرفة العقلانيين ساموهم سوء تعليلات الكتاب المقدس والسبب غير خاف على القارئ فإن الدين النصراني – بعد أن حرفه بولس – أصبح في غاية التناقض والاضطراب بل إن فهمه استعصى على كبار علمائه فإن العقل لم ولن يدرك أن الثلاثة واحد وأن شرب الخمر وأكل الخبز هو شرب لدم المسيح وأكل للحمه وأن المسيح صلب ليكفر عن خطايا البشر من سبق ولادته ومن جاء بعدها وخرافة صكوك الغفران وغير ذلك من الآراء السخيفة الغامضة التي قام عليها الدين النصراني.
ومن هنا قرر رجال الدين بالقوة أن يضحوا بالعقل لتقوية خزعبلات بولس فكانوا كلما أشكل عليهم فهم قضية في دينهم وأبى العقل قبولها سارعوا إلى مقالتهم المشهورة – اتهم عقلك- وكان لزاما أن يحتقروه في مقابل دينهم وهو ما تم بالفعل ولم ينقذه من هذا الاحتقار إلا قيام صحوة العقلانية في أوربا مرة أخرى حينما ضعف سلطان الكنيسة إلا أن هذه الصحوة كانت هوجاء لا تلوي على شيء فهي رج عنيف لكتب العقل وجاءت كالمارد الجبار حرب لا هوادة فيها على الظلم الذي وقع على العقل وعلى الدين الذي اتهمته أنه كان المشجع القوي على إقصاء دور العقل وهو المزلق الخطير الذي سار فيه الهاربون من الدين " الكنيسي".
ـ وأما الذين اعتمدوا العقل لكن بشرط أن تشهد له التجربة فهي نقلة من النقلة التي مر بها العقل في المفهوم الأوربي وكأن هؤلاء أرادوا أن يتوسطوا بين رفض العقل أو اعتماده فاعترفوا بفائدة العقل لكنهم لم يثقوا به تماما فقرنوه بشهادة التجربة له وظهرت هذه النقلة حين بدأ العلماء التجريبيون في استظهار هذا العلم وتطويره.
ولا يخفى ما في هذا المسلك من الغموض إذ العلم التجريبي لا يمكن أن يقوم أو يؤتي ثماره إلا على أساس العقل فهو المدبر والمستنتج وعليه يقوم التفكير وبدونه لا يمكن لأي تجربة أو عمل أن تتم على الوجه الصحيح فكيف ساغ لهم هذا الوقوف في منتصف الطريق؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
وبالنسبة للعلم التجريبي فقد ثبت بما لا ريب فيه أن المسلمين هم الذين اخترعوه وسبقوا إليه وأفادوا واستفادت أوربا منه الأساس لحضارتها الحالية كلها ثم تنكرت له شأن التلميذ العاق – كما تقدم.
وقد عرفت أن العلم التجريبي كان باعثا للمسلمين على زيادة الإيمان بالله تعالى فما أن يكتشفوا شيئا إلا وطأطأوا رؤوسهم إجلالا لله وشكرا له وزادهم إيمانا وتسليما.
أما الحضارة الأوروبية الهاربة من الدين والإله فقد زادهم العلم التجريبي واكتشافاته بعدا وطغيانا وكفرا واعتقدوا أنهم أصبحوا في غنى عن كل شيء يتصل بالإله والدين وفسروا كل ما مكنهم الله من اكتشافات على أنه يؤيد كفرهم واستغناءهم عن الله تعالى.
ـ وأما الذين هداهم الله إلى الحق فهم طائفة أهل السنة والجماعة الذين تأتي أحكامهم دائما بهدوء وتعقل ومقارنة وهؤلاء لم يغلوا في تقديس العقل ولم يغلوا في احتقاره بل العقل عندهم من أكبر النعم الإلهية وعليه قيام المعرفة ويجب الاستفادة منه كما أمر الله بذلك في كتابه الكريم وفي سنة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم.
لكنهم لا يختلفون أن العقل له دور في المعرفة والهداية محددا إذا تجاوزه انقلب إلى الحمق والجهل وإذا وقف عند حده كان دلالة على جودته وصفائه والأمثلة على هذا كثيرة جدا ومن أقربها ما وقع بين الفرق الإسلامية من اختلاف في الواجب على المسلم تجاه الإيمان بصفات الله تعالى فمنهم من تجاوز حدود العقل في طلب المعرفة فنفى أسماء الله تعالى وصفاته وعطلها عن معانيها ومدلولاتها وظن أنه وصل إلى علم عزيز وتنزيه لله عظيم ومنهم من أثبتها وأثبت مدلولاتها وأنها لا تختلف عن أسماء وصفات المخلوقين فوقع في حمئة التشبيه البغيض وظن أنه وصل إلى علم عزيز وكأن الجميع على باطل وجهل وحمق بسبب تجازوهم حد معرفة العقل وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى المعتقد الصحيح الذي يوفق بين النصوص فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه دون تعطيل ولا تشبيه وقالوا معرفة الصفات فرع عن معرفة الذات فكما أننا لا نعرف ذاته فكذلك لا نكيف صفاته مع معرفتنا بمعانيها ولكن المجهول عنها هو تلك الكيفيات لسمع الله وبصره ونزوله ورحمته … إلى آخر الصفات الإلهية، وهذا هو الحق الذي يجمع بين النصوص كلها والعقل أيضا يؤيد هذا الموقف ويرتاح إليه.
فلو سأل الله الشخص: لماذا أثبت لي السمع والبصر والكلام … إلخ؟
وأجابه بأن أنت الذي أثبتها لكان جوابا حقا.
ولو قال له لماذا لم تثبتها كصفات المخلوقين؟ وقال له لم أجد نصا يفيد ذلك مع معرفتي بالفرق الهائل بين المخلوق والخالق لكان جوابا موفقا.
وكذلك لو قال الله له: لماذا لم تنف عني مدلولات تلك الصفات؟ فأجابه بنفس الجواب السابق لكان جوابا موفقا.
ومن هنا يتضح أن الإسلام لا يحتقر العقل ولا يرفعه فوق منزلته وهذا هو الحق والصواب بخلاف ما وقفه العقلانيون منه فإنه باطل وقاصر عن الحق وتعد عليه سواء الذين احترموه أو الذين احتقروه لأن هذا الموقف منهم لم يبن على هدى من الله تعالى وإنما بني على الأمزجة والهوى وهما من أكبر مصادر الجهل.
ومن هنا تزول الغرابة حينما تجد ذلك الاختلاف والتباين في الآراء والأهواء عند دعاة العقلانية فإن الله عز وجل لم يجعل الناس كلهم على مستوى واحد في العقل فكانت النتيجة ذلك الاختلاف المرير بينهم سواء أكان فيما يتعلق بالعقل أو العلم أو بالإنسان نفسه واحتار المفكرون وأصحاب الأقلام كلهم في أمر الحقائق المشاهدة في خلق هذا الكون لأن الحيرة لابد وأن تقع لأنه لا يملك التعليل الصحيح لهذا الوجود كله إلا الذي خلقه وما عدا ذلك فهي تخرصات وتخمينات قابلة للتخبط.
وأن يسلم لله تعالى أمره ويسره بحسب ما جاء في كلام رب العالمين ويؤمن به إيمانا جازما دون تردد أو شك ويتحرر من كلام أصحاب الفلسفة والمنطق والكلام وتعليلاتهم السخيفة. ومن جميع الآراء التي قامت على الهوى وتصنع العلم ورد في الحديث القدسي الشريف: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)) (1)
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي--------------------------------------------
(1) ((مجموع الفتاوى)) (35/ 165).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
سادسا: ظهور المدرسة العقلية عند الغرب
لقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الإغريقية – التي تمثل العقلانية قسماً بارزاً منها – تسيطر على الفكر الأوروبي، حتى جاءت المسيحية الكنسية فغيرت مجرى ذلك الفكر في انعطافه حادة تكاد تكون مضادة لمجراه الأول الذي استغرق من تاريخ الفكر الأوروبي عدة قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي – كما تقدمه الكنيسة – وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ومحاولة تقديمه في ثوب (معقول)!. يقول الدكتور محمد البهي في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (1): "كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائداً في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة. وكان يقصد بالدين (المسيحية) وكان يراد من المسيحية الكثلكة) وكانت الكثلكة تعبر عن (البابوية) والبابوية نظام كنسي ركز (السلطة العليا) باسم الله في يد البابا، وقصر حق تفسير (الكتاب المقدس) على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية ".
وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوربية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات التي لم تنشأ – كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة- من إهمال الفلسفة والعلوم الإغريقية والالتجاء إلى الفكر (الديني). فلم يكن (الفكر الديني) من حيث المبدأ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطى في أوروبا، إنما كان الخلل كامناً في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي، بعد تحريفها ما حرفت منه، وإضافتها ما أضافت إليه، ومزج ذلك كله بعضه إلى بعض وتقديمه باسم الوحي.
والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطى كان بسبب إهمالها، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها، لم تكن هي في ذاتها بريئة من الخلل ولا سليمة من العيوب، ولا كانت في صورتها التي قدمها فلاسفة الإغريق القدامى زاداً صالحاً لحياة إنسانية مستقيمة راشدة، على الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها .. وإنما ظل الفكر الأوروبي في الحقيقة ينتقل من جاهلية إلى جاهلية حتى عصره الحاضر. فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلى جاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطى، إلى جاهلية عصر الإحياء، إلى جاهلية عصر (التنوير) إلى جاهلية الفلسفة الوضعية .. إلى الجاهلية المعاصرة.
كانت العقلانية الإغريقية لوناً من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجماً مزيفاً أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجود كله إلى (قضايا) تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته، بحركته الموارة الدائمة، بمقدار ما يختلف (القانون) الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها، وبمقدار ما تختلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه .. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله، ويتمشى معه أو يخالفه!.
وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة (لقضية) الألوهية و (قضية) الكون المادي وما بينهما من علاقة. ويتشعب هذا الانحراف شعباً كثيرة في وقت واحد.
فأول انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلاً عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية.--------------------------------------------
(1) انظر: ((فتح الباري)) (10/ 466، 515)، و ((شرح الطحاوية)) (ص 357)، ((ومجموعة التوحيد)) (1/ 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحتة، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفى ما ينفى بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها وأما الانحراف الثالث الناشئ من التناول العقلاني لقضية الألوهية، وعدم الرجوع فيها إلى المصدر اليقيني الأوحد وهو الوحي الرباني، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم مع ما يقوله الآخر.
ولا عجب في ذلك، فما دام (العقل) هو الحكم في هذه القضية، فعقل من؟! إن العقل المطلق أو العقل المثالي تجريد لا وجود له في عالم الواقع! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر. ولكل منهم طريقته الخاصة في (تعقل) الأمور، ولكل منهم (نوازعه) الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه، ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز على أمور ويغفل غيرها من الأمور
ومن ثم لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل.
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر (سيادة الدين).
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور. ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيها حتى ذلك ((لبريق) الذي تميزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لذلك البريق، وعن كونه بريقاً هادياً أم مضللاً عن الطريق!.
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه اليقين والهدى- في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده- أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصيلة يبدع وينتج، ويمد (الإنسان) بما يحتاج إليه في شؤون (الخلافة) وعمارة الأرض.
ولكن الكنيسة الأوروبية أفسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنزل من السماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطاً من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم عليه السلام واحد من هذه الأقانيم الثلاثة، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريك لله في تدبير شؤون الكون.
وفضلاً عن ذلك – أو ربما بسبب ذلك – حُجِرَ على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر.
فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن (معقولة) ولا مستساغة. فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت. وما يمكن أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى ظل متفرداً بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون ما لا يحصى من الزمان، ثم إذا هو –فجأة- يوجد كائناً آخر ليكون شريكاً له في الألوهية ومعيناً له في تدبير الكون!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن أجل كون هذا العبث (المقدس!) الذي ابتدعته المجامع (المقدسة!) غير معقول ولا مستساغ فقد سخرت الكنيسة (العقل) في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة (فلسفية) مستساغة (أو هم قالوا عنها إنها مستساغة!) وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من أن كل الصناعة (العقلية) وضعت فيها!.
ومن ثم نشأت في الفكر الأوروبي تلك (المسلمات) أو العقائد المفروضة فرضاً التي لا يجوز مناقشتها لا لأنها – في حقيقتها – من الأمور التي ينبغي للعقل أن يسلم بها دون مناقشة، ولكن لأنها مناقضة للعقل، ومفروضة عليه فرضاً من قبل رجال الدين، الذين زعموا لأنفسهم حق صياغة العقائد وفرضها على الناس بالقوة دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين. يجوز فيهم كل شيء حتى إهدار الدم وإزهاق الأرواح.
المصدر:نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
سابعا: العقل عند المعتزلة
أما عند أصحابنا من علماء الكلام (وأعني بهم المعتزلة خاصة) فكيف تطورت أحوالهم حتى ضاهوا الشرع بعقولهم وجعلوه حاكماً على النصوص لا محكوماً لها؟ فأقول: "لما ظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقاً وأحزاباً لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه أنه قال: ((إني خلقت عبادي حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) (1). فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجاً منيراً وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ [البقرة: 257] وقال: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: 1] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: 52] وقال: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام: 122] فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقتهم" (2).--------------------------------------------
(1) انظر تفسير هذه الآية: ((تفسير القرآن العظيم))، و ((فتح القدير)).
(2) رواه البخاري (6103) ومسلم (60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [محمد: 33] وكان أحدهم رضي الله عنهم يغضب إذا عورض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين رضي الله عنه ذكر لأصحابه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) فقال أحدهم وهو بشير بن كعب "أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقاراً ومنه سكينة" فقال عمران "أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك"! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال "ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه" قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به" (1) قال النووي "وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة" (2).إذن فالصحابة لم يعارضوا ولم يرضوا بمعارضة حديث رسول صلى الله عليه وسلم بغيره من المعقولات، وإذا أشكل عليهم شيء من ذلك كانوا يوردون إشكالاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولاً يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد –وهم أكمل الأمم عقولاً – عارض نصاً بعقله يوماً من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار، كما تقدم، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الإنشقاق: 7 - 8]. فقال: بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب)) (3)، فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لابد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: 18] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولابد …--------------------------------------------
(1) نقلا عن ((فتح الباري)) (10/ 466).
(2) ((مجموع الفتاوى)) (23/ 348)، وانظر أيضا: ((مجموع الفتاوى)) (21/ 500).
(3) انظر: ((الفتوى كاملة)): ((مجموع الفتاوى)) (28/ 501 – 543).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (1). ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفاً له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها: أولاً: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعاً بها. ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (2).--------------------------------------------
(1) انظر: ((مجموعة التوحيد)) (1/ 501)) وما بعدها.
(2) الدورة الحادية عشر المنعقدة باليمامة في دولة البحرين من 25 – 30 رجب 1419هـ، 14 – 19 نوفمبر 1998م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – "في حياتهم انقلاباً خطيراً وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون فلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية .. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمساً له. أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجياً عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافاً إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيراً ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثراً بالفلسفة اليونانية (1). فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) (وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلاً عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص) (2). أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال. قال ابن صاعد في (طبقات الأمم) "لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها" (3).
قلت: والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين. ثانياً: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال "إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم" (4).
المصدر:نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي--------------------------------------------
(1) جاءت هذه الفتوى ضد منظمة جديدة في إندونيسيا تسمى " شبكة الإسلام الليبرالي"، وهي منظمة مدعومة من الولايات المتحدة، وقد بدأت الحكومة الأمريكية بتطبيق خطة مركز راند بهذه المنظمة، والمؤسسة العربية للتحديث الفكري.
(2) انظر: الخبر في (الجزيرة نت/تقارير وحوارات/الأحد 2/ 7/1426هـ الموافق 7/ 8/2005م).
(3) مجلة حوار العرب، عدد (18)، إبريل 2006م، ص 5.
(4) وقد سمعت خطابا لأحد رؤساء الدول العربية يقول فيه إن الديمقراطية لفظة عربية وأن نطقها في الأساس "ديموكراسي " وهذا الزعم هو أحد تخريفات ذلك الرئيس " معمر القذافي ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
ثامنا: المدرسة العقلية الحديثة
وفي عصر الزهاوي بدأت تتكامل ملامح مدرسة التجديد الديني التي غرس بذرها جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في مصر. وهي المدرسة الوحيدة التي استطاعت مع بعض الاختلافات الطفيفة أن تشكل تياراً عقلانياً كتيار المعتزلة، فهو القاسم المشترك بين أعضائها وإن اختلفت وجهات كل واحد منهم في الأصول الدينية الأخرى.
والحديث عن هذه المدرسة العقلانية الحديثة –أعني مدرسة الأفغاني ومحمد عبده وتلاميذهما- مما يطول مداه وتكثر كلماته، حيث أن هذه المدرسة بحق قد خرَّجت كثيراً من العقلانيين المعاصرين الذين تتلمذوا على شيوخها مباشرة، أو عن طريق تراثهم، فأصبحوا يشكلون تياراً ضخماً في فترة من الفترات، فكان لهم رجالهم في السياسة وفي المجتمع وفي علوم الشريعة .. وهكذا في خليط عجيب لا يجمعهم سوى الالتقاء على مبادئ هذه العقلانية الجديدة التي زاحمت النصوص الشرعية وردت أو تأولت كثيراً منها بدعوى معارضتها للعقل أو للحضارة المادية المعاصرة.
فكان منهم: سعد زغلول وقاسم أمين وعبد العزيز جاويش وأحمد أمين ومحمود شلتوت .. إلخ.
ثم تبع آثارهم من بعدهم كالغزالي والقرضاوي ومحمد عمارة وحسين أحمد أمين. ثم من بعدهم كفهمي هويدي. وهكذا في سلسلة يطول الحديث عنها. وفي ظني أن هذه المدرسة لم تحظ إلى الآن بدراسة شاملة عن أفكارها وأفرادها المنتمين إليها .. إنما هي أشتات دراسات (1).
فلعل نابتها يقوم بهذه المهمة المفيدة (لتستبين سبيل) هذه المدرسة الغامضة التي احتفى بها الغرب كثيراً. بعد هذه المدرسة القريبة العهد بنا، أصبحنا نسمع ونرى بين الحين والآخر رجالاً قد طالتهم أيدي هذا التيار فتمذهبوا بمذهبه في الرفع من شأن العقل والعقلانية على تفاوت في جرعات العقل فيما بينهم. فاسمع لأحدهم يقول "أكاد أقطع بأننا لو سرنا في طريق التقليد مئات السنوات وانحرفنا عن نهر العقل فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة في سبيل إرساء دعائم فلسفتنا العربية وكشف ما فيها من مواطن القوة والضعف" (2). ويعني بالتقليد اتباع النصوص الشرعية! لا التقليد المتعارف عليه عند الفقهاء وأهل الأصول. لأنه جاهل لا شك بذلك!.
لا تثريب على فلاسفة اليونان وفلاسفة الغرب أن يقدسوا عقولهم ويرجعوا إليها في كل شاردة وواردة من أمور الغيب ونظم الحياة لأنهم قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. فقد حرموا نعمة الوحي الإلهي الذي يكشف للإنسان عن تلك العوالم المجهولة التي تخفى عليه ولا تطولها حواسه ولا عقله مهما عَظُم أو كبر وتكشف له قبل ذلك عن صفات الإله المعبود وذاته المقدسة وتريحه من عناء البحث المضني في ذلك والذي لن يأتِ بأي نتيجة لهذا الإنسان تكشف له عن أشياء كثيرة غائبة بل وحاضرة ولكن تخفى حكمتها عليه. لا تثريب على فلاسفة اليونان والغرب! الذين ضلوا مع قوة عقولهم وذكائهم، ولكن كما قال الإمام الذهبي "لعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى" (3).
ولكن اللوم والأسى على من أنار الله بصيرته بالإسلام وشرح صدره بالقرآن من فلاسفتنا ومتكلمينا فنبذ كل ذلك وراء ظهره وآثر الضلال بعد الهدى والعمى بعد البصيرة جانحاً إلى فلاسفة اليونان الوثنيين وعقولهم يزاحم بها نصوص الكتاب والسنة. قال الحافظ ابن حجر "قد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" (4).
المصدر:نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي--------------------------------------------
(1) ((العلمانية وثمارها الخبيثة)) (ص8).
(2) وانظره أيضا في مختصره ((الطريق إلى الخلافة)) (ص 107 - 130).
(3) رواه مسلم (1844).
(4) وهذا أمر مختلف جدا عن محاولة الاستفادة من الحرية الموجودة في هذه الأنظمة الديمقراطية - من غير دعوة إليها أو مناداة بها - في نشر الحق والدعوة إليه، فنحن نعمل على نشر دعوتنا لكن من غير أن ندعوا إلى الباطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
تاسعا: عقلانيون يتوبون قبل الموت!
رغم فتنة العقلانية الساحرة التي تُخيل للمرء أنه سيستطيع من خلالها الوقوف على كثير من أسرار الخلق والوجود، وأنه من الممكن بواسطتها الاستغناء عن جميع أو كثير مما جاءت به الأديان من العبادات والسلوكيات.
رغم كل هذا، وأن المتابع لهذا السراب الخادع قلّما يعود إلى فطرته ويراجع دينه ويعلم حدود عقله المخلوق، إلا أن الله بحكمته ورحمته يجتبي بين الحين والآخر بعضاً من هؤلاء العقلانيين ويقذف نور الهداية في قلوبهم من جديد بعد أن يكونوا قد أمضوا شوطاً طويلاً في اللهاث خلف سراب العقلانية الذي يكتشفونه بهداية الله لهم أنه (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً).
وإليك أخي القارئ مواقف لبعض هؤلاء العقلانيين قيدوا فيها خواطرهم عندما أراد الله لهم الهداية من جديد بعد رحلة مضنية خلف معقولاتهم.
هذه المواقف سجلها لنا السلف الصالح لنكون حذرين لا ننزلق فيما انزلق فيه الآخرون الذين ندموا على ما أضاعوه من ساعات عمرهم في تحصيل ما لا حاصل منه ..
فهذا الرازي مع سبقه في باب المعقول، وفرط ذكائه يشكو حيرته وعجزه فيقول:
نهاية إقدام العقول عقال … وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة … فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: الرحمن على العرش استوى [طه:5]. إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10].
وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]. وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: 110] ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" (1).
وقال الشهرستاني: "فقد أشار إليَّ من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهاية النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم: لعمري":
لقد طفت في تلك المعاهد كلها … وسَيَّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر … على ذَقَن أو قارعاً سن نادم (2)
وقال الجويني: "لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي، وها أنذا أموت على عقيدة أمي! "
وقال الخونجي: "اشهدوا عليّ أني أموت وما عرفت شيئاً إلا الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال: والافتقار أمر عدمي، فلم أعرف شيئاً! "وقال آخر: "أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال: ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني، ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني. قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني" (3).
المصدر:نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي - ص 245--------------------------------------------
(1) قد كتب كثير من العلماء كتابات مفصلة للرد على هذه الأباطيل من ذلك ما كتبه الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في كتابه ((حقيقة الإسلام وأصول الحكم)) وما كتبه الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر في كتابه ((نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم)) وكذلك ما كتبه الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه ((الإسلام والخلافة في العصر الحديث)) وغيرهم كثيرون هذا وقد رجع خالد محمد خالد بعد ربع قرن من الزمن عن مقولته السابقة، لكنه مازال داعيا إلى الديمقراطية.
(2) رجح الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه ((الإسلام والخلافة في العصر الحديث)) أن ما كتبه علي عبد الرازق لم يكن سوى الترجمة العربية لما كتبه المستشرق مرجليوث الحاقد على الإسلام وأهله.
(3) ([269]) ((العرب والشرق الأوسط)) تعريف د. نبيل صبحي (ص179) ((عن فكرة القومية)) صالح العبود (ص 365).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
الخلاصة
أن العقلانية مذهب فكري فلسفي يزعم أن الاستدلال العقلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود، بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية، وأنه لا مجال للإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات، كما أن العقائد الدينية يمكن، بل ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي، وهنا تكمن علله التي تجعله مناوئاً ليس فقط للفكر الإسلامي، بل أيضاً لكل دين سماوي صحيح.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
مراجع للتوسع:
- مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، دار الشروق – بيروت ط1407هـ.
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، بإشراف د. زكي نجيب محمود دار القلم، بيروت.
- قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين، زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والنشر القاهرة 1978م.
- تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، دار المعارف – القاهرة.
- درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بتحقيق د. محمد رشاد سالم.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
أولا: التعريف
النزعة الإنسانية هي اتجاه فكري عام تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفية والأدبية والأخلاقية والعلمية، ظهرت النزعة الإنسانية في عصر النهضة.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
ثانيا: بيان المقصود بالإنسانية أو العالمية أو الأممية
الإنسانية مذهب إباحي هدام، ودعوة خادعة من قبل دهاة أعداء الدين، وهو مذهب جديد براق من المذاهب الكثيرة التي أنتجتها العقلية الأوربية في الأساس في خضم الصراع مع الكنيسة، وفي خضم انتشار المذاهب الباطلة في ذلك الوقت، وقيل لها إنسانية نسبة إلى الإنسان، وقيل لها عالمية أو أممية لدخول كثير من المفكرين من مختلف البلدان الأوربية وغيرها فيها، قوي أمرها في نصف القرن الثامن عشر، عصر التحرر في أوربا، ظهرت في إيطاليا، ثم انتشرت إلى البلدان الأخرى، ونادى أهلها بأن يتفق ويتآلف جميع الناس تحت اسم الإنسانية بسبب اشتراك جميع الناس في أصل الخلق مع إغفال كل الفوارق بينهم مهما كانت تلك الفوارق دينية أو غير دينية، قومية أو وطنية، أو غير ذلك من الروابط، فلابد أن يكون التجمع على الإنسانية وحدها بدلا عن الكنيسة وتعاليمها، وأن الدين أمر شخصي بين الله والإنسان كما كانوا يزعمون في بدء أمرهم، فالوطن للجميع، ولا قيمة حقيقية لتجزئة الأرض أو فصل بعضها عن بعض بحجة اختلاف الناس في دينهم وسلوكهم، فإن هذه الأمور تحث على التعالي وتثير جذوة الخلافات والأحقاد بخلاف ما لو اتفقوا على أن تكون الأرض وطنا للجميع وتجمعهم الإنسانية، وعلى أن يوجد دين موحد للكل تحت راية واحدة بعد أن تسقط جميع الأديان وجميع القوميات والوطنيات في يوم ما، حسب تقديراتهم، فتأتي حينئذ الحياة السعيدة القائمة على المحبة الإنسانية وتتوحد العواطف والأفكار ويعيش الناس كلهم على قلب واحد تعمهم الألفة والمحبة والترفع عن كل شيء يعرقل ظهور الحب بين جميع أفراد البشر حسب خداع الماسونية، والإنسانيون ينتظرون اليوم الذي يجتمع فيه الناس كلهم على مبادئ الإنسانية ويعيشون في ألفة ومودة؟!! بعيدين عن أي مؤثر آخر من الوطنية أو القومية أو الدين حين تسمو أفكار المجتمعات البشرية ويتوحدون على أساس هذه الأخوة الإنسانية، وهي آراء جذابة، ولكنها دعوة خداعة وأنى لها أن تتحقق، والواقع يكذبها ليلا ونهارا بهذه الحروب الأهلية والدولية والنزاعات المستمرة مما يشكل صفعة في وجوه دعاة الإنسانية والقومية والوطنية وسائر الدعوات الجاهلية، وأنها خدع وهمية وخيالات فارغة كما سنذكره في الرد عليهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
ثالثا: سبب انتشار دعوى الإنسانية
لقد تبين أن أكثر ما يجذب الناس إلى قبول الإنسانية جهلهم بدينهم، ثم جهلهم بما تهدف إليه دعوة الإنسانية، ثم انخداعهم بذلك الشعار الأجوف الذي ينادي به دعاة الإنسانية، وهو الاجتماع على الإنسانية بغض النظر عن أي اعتبار من دين أو لون أو وطن، فالكل تتسع لهم مظلة الحرية والإخاء والمساواة التي يوفرها لهم مذهب الإنسانية. وإن الذين يعتنقونها سيعيشون عيشة راضية، فانخدع الكثير بمثل هذه الدعايات البراقة، وقد عرفت أنها من دعايات الماسونية الماكرة التي تتربص للقضاء على كل الأديان تحت شعارهم " اخلع عقيدتك على الباب كما تخلع نعليك " (1)، فمن المعلوم أن خلع العقيدة ووضعها على الباب إلى جانب النعال إنما يراد بها عقيدة من يسمونهم بـ"الجوييم" أو "الأمميين"، أما عقيدتهم هم فهي التي يقوم عليها مذهب الإنسانية وهي التي يجب أن تبقى بعد أن ينسلخ الداخلون في الإنسانية عن عقائدهم ويتنازلون عنها لكي يتم دخولهم في مذهب الإنسانية.
ومنها أن دعاة الإنسانية يزعمون أنه يجب أن يكون الهدف الذي يصل إليه الإنسان ويضحي بفرديته من أجله هو خدمة الآخرين وإخضاع نزعاته الفردية كلها لخدمة النوع الإنساني أجمع تحت شعار "الحياة لأجل الغير". وقد صاغه "كونيت" وسماه الموجود الأعظم، وأحله محل الإله في التقديس، وجعل لمذهبه كهنة وطقوسا تقدم للرجال الذين أسهموا في خدمة الإنسانية في أعياد، وتخصص لهم تلك الأعياد ليشعرهم بأنهم على شيء.
ويجب التنبيه إلى أن بعض الكتاب يفسرون الإنسانية على أنها هي العطف والرحمة ومساعدة المحتاجين، والتمسك بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن، ويذكرون على كل ذلك أدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المطهرة.
ودراستنا هنا لا تتعلق بهذا المفهوم للإنسانية، فهو حق مؤكد، ولكننا بصدد بحث الإنسانية التي تخفي وراءها مخططات خطيرة لتدمير تراث الإنسانية، وبالأخص تراث المسلمين.
شعارات خادعة طالما نادى بها اليهود وخدعوا بها الناس سرا وجهرا مثل الحرية والإخاء والمساواة بين الأفراد والشعوب ووحدة الأسرة البشرية ومجتمع الإنسان المتعاون وحق الجميع في الحياة الكريمة إلى آخر تلك الألفاظ البراقة الخادعة التي هي للاستهلاك ولسد فراغ أذهان الفارغين، وقد قال أحد دعاتها وهو الفرلي: "حينما يصبح الجميع أحرارا في تفكيرهم لهم من الشجاعة ما يجعلهم يتقبلون ما هو خير وعدل وجميل عندئذ يكون من المحتمل أن يسود العالم دين واحد وإني سأكون سعيدا باتباع دين عالمي موحد تتبع مصادره من حقائق التاريخ وتشمل مبادئه العدالة الاجتماعية وتقوم بفضله مظاهر الحب والإخاء على أنقاض الكراهية والخصومة" (2).
ومما سبق يتبين بوضوح أن الدعوة إلى الإنسانية هي شرارة انشطرت عن جمرة الماسونية الحاقدة ودعاياتها الخادعة التي تجيد حبكها المؤامرات اليهودية وأن ما يبدو للبعض من الفارق بين كلتا الدعوتين فإنما هو فارق لفظي أو من باب التفنن في التقديم فالماسونية ظاهرة قوية في الدعوة إلى الانسلاخ من كل دين أو طاعة إلا دين اليهود وطاعتهم بينما الإنسانية ظاهرها فيه الرحمة والترفع عن التجبر والبغض وأن الدين لا يجب أن يكون حائلا بين محبة البشر بعضهم البعض وخدمة بعضهم بعضا لأن الدين أمر شخصي وحسب مزاج الشخص وتوجهه، إضافة إلى أنه يضيق الدائرة على أتباعه ويمايز بين الناس حينما يلتزمونه وبالتالي فالبديل الأنسب هو الإنسانية التي تعم الجميع دون تمييز أو تفريق بين الجميع.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 829--------------------------------------------
(1) ([270]) وما أصدق ما ذكره الندوي وما أشد انطباقه على كثير من السوقة الذين تبوؤا الحكم في البلدان الإسلامية وما حوادث العراق الدامية إلا نموذج للتدليل على مصير أولئك الذين تركوا هدى الله وطلبوه في غيره ولم يقبلوا على الله وركنوا إلى الذين ظلموا وأسلموا شعوبهم للذل والهوان وخذلوهم في أحلك المواقف.
(2) ([271]) تقديم الدكتور المنجد لكتاب ((أركان عبادي)) ((محنة القومية العربية)) (ص 5) انظر ((فكرة القومية العربية)) (ص290) والمنجد متأثر بدعوى القومية العربية مع معرفته بها ولكنه حجب كغيره ممن حجب عن التمعن في معرفة الفوارق الهائلة بين الإسلام والقومية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
رابعا: التأسيس وأبرز الشخصيات
ظهر المذهب الإنساني في إيطاليا في بداية عصر النهضة الأوروبية.
وأبجديات النزعة إنما تترجم الانتفاضة التي عبّرت عنها النهضة الأوروبية باعتبارها تغيراً في الفكر نجم عنه تغير في جميع شؤون الحياة. فالإنسان الأول كان مكبلاً بقيود الكنيسة طوال فترة الإظلام الفكري المسماة بالعصور الوسطى والتي استطالت إلى أكثر من عشرة قرون، إذ كان خلالها مطالباً بالطاعة العمياء لرجال الدين وكان يُساق كما يساق القطيع، ويكفي أنه من طبيعة فاسدة بسبب الخطيئة الأصلية!! أما المرأة، فهي لا ينبغي أن تُحب لأنها سبب الخطيئة، لذا عزف رجال الدين عن الزواج بها. وإذا سمحوا لغيرهم بالارتباط بها بالزواج فذلك فقط باعتبارها وسيلة للإنجاب واستمرار البشرية. أما الرجال فهم وسيلة أيضاً لتحقيق أهداف الكنيسة، وكل من خرج على هذه الأهداف يواجه الموت حرقاً.
ومن أسماء الرواد الأوائل للمذهب الإنساني بوجيو وبروني، والمحامي البارز مونتبلشيانو وكلهم عاشوا خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
أراسمس ولد في روتردام سنة 1466م ويعد من أكبر ممثلي المذهب الإنساني من ناحية معرفته بالأدب اليوناني واللاتيني.
في فرنسا مثل المذهب ستيفانوس وسكاليجر ودوليه.
ويعد رينيه ديكارت 1956 – 1650م الفيلسوف الفرنسي من أنصار المذهب الإنساني ولكنه يؤمن بوجود الله تعالى.
وكذلك سبينوزا 1632 – 1677م الفيلسوف الهولندي وهو يشبه ديكارت في الاعتقاد.
وكتابات جان جاك روسو 1712 – 1778م تحمل الطابع الإنساني.
وجون لوك 1632 – 1704م الفيلسوف الإنجليزي كان إنساني المذهب.
والفيلسوف الألماني كانت 1724 – 1804م في مذهبه الانتقادي كان إنساني المذهب.
والفيلسوف شيلر المتوفى سنة 1937م الإنجليزي الألماني الأصل.
والكاتب الفرنسي فرانسيس بوتر، ألف كتاباً بعنوان المذهب الإنساني بوصفه ديانة جديدة.
والأديب الإنجليزي ت. س. إليوت 1888 – 1965م يعتبر نفسه من أتباع المذهب الإنساني، وهو من أبرز ممثلي الشعر الحر.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
خامسا: الأفكار والمعتقدات
تأكيد الفردية الإنسانية:
في مجال الدين: الاستجابة لحكم الفرد الخاص ضد سلطة الكنيسة وتأييد فكرة ظهور الدول القومية.
في مجال الفلسفة: تأكيد ديكارت للوعي الفردي عند المفكر وشدة الاعتماد على الفعل وتغليب وجهة النظر المادية الدنيوية.
قصر الاهتمام الإنساني على المظاهر المادية للإنسان في الزمان والمكان.
المذهب الإنساني أوحى بالأفكار التحررية لقادة الفكر في عصر النهضة الأوروبية ووصل إلى ذروته إبان الثورة الفرنسية.
الثقة بطبيعة الإنسان وقابليته للكمال، وإمكان حدوث التقدم المستمر.
تأكيد أن الشرور والنقائض التي اعترضت طريق الإنسان لم يكن سببها الخطيئة كما تقرر النصرانية، وإنما كان سببها النظام الاجتماعي السيئ.
الدفاع عن حرية الفرد.
إمكان مجيء العصر السعيد والفردوس الأرضي، ويكون ذلك بالرخاء الاقتصادي، وتحقيق ذلك يكون بتبديد الخرافات والأوهام ونشر التربية العملية.
وقد نقد الفلاسفة والمفكرون الإنسانية ومن أهم ما جاء في نقدهم:
إن تقدم العلم الحديث لم يصحبه تقدم في قدرة الإنسان على حسن استعمال العلم.
وإن البشر وجهوا اهتماماتهم جميعاً إلى المسائل الدنيوية، ونسوا كل ما يسمو على ذلك وتركزت مطامعهم في الأشياء الزائلة التي يسرها لهم العلم، وحدث من جراء ذلك صدع بين تقدم الإنسان في المعرفة وتقدمه الأخلاقي.
إن الإنسانية تؤكد على زيادة خطر الإسراف في الاعتماد على الآلة، فهذا الإسراف قد يقضي على الأصالة والابتكار.
كما أن الأسس الأخلاقية لا تصلح إلا إذا استندت إلى الاعتقاد بوجود نظام أسمى من النظام الدنيوي والإيمان بالمبادئ الخالدة المطلقة، أما إذا اقتصرت الآداب على أن تكون خاضعة للمواءمة بين الإنسان وبيئته، كلما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال، فإنها بذلك تفقد قيمتها العامة.
وطريق الخلاص هو رفع الأخلاق، ولا يحدث هذا إلا بإيحاء من الإيمان الديني، أما الآداب العلمانية فلا تمنحنا الخلاص.
إن المذهب الإنساني قدم للإنسانية وعوداً لم يحققها، كما أنه أفقد الناس الشعور بالحقائق الروحية، وجعل الناس عبيداً للقوى المادية العمياء.
إن وجود الشر ينقض أداء المذهب الإنساني لصلاح الإنسان وقابليته للتقدم.
وقد عزى الناقدون إخفاق عصبة الأمم في تسوية المشكلات في العالم وانتشار الفاشية والنازية إلى ظهور المذهب الإنساني.
إن عيوب المدنية الغربية ترجع في الغالب الأعم منها إلى المذهب الإنساني في تياره الإلحادي.
ومن أهم الأفكار التي تبنتها النزعة الإنسانية ما يلي:
يجب على الإنسان أن يبحث دائماً عن معنى وجوده وحياته.
الحياة في حد ذاتها شيء رائع ويستحق أن يعيشها الإنسان مهما احتوت على صراعات وتناقضات وآلام.
على الإنسان أن يواجه الألم ويتسلح بالأمل في نفس الوقت.
على الإنسان أن يهتم بالمادة قبل الروح لأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع إدراكه والسيطرة عليه.
إن الطريقة الوحيدة كي يحقق الإنسان إنسانيته هي في التمتع بكل الملذات الجسدية والحسية لأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع الإنسان لمسه وإدراكه.
الإنسانية ترحب بالقومية والوطنية والمحلية، ولكنها تأبى العنصرية لأنها امتهان صارخ لبقية العوامل المشكلة للنسيج الإنساني الشامل، والأدب العنصري ليس سوى جسماً غريباً في نسيج الأدب الإنساني سرعان ما يلفظه ويأباه.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
سادسا: الجذور الفكرية والعقائدية
إن الحركة الفكرية التي نشأت في عصر النهضة الأوروبية هي الأساس في ظهور الإنسانية. وكان الوقود الذي أشعل هذه الحركة يحتوي على الفكر اليوناني الوثني المعارض للفكر الديني، والآداب اليونانية واللاتينية ومن هنا كان شعار الإنسانية كلمة الفيلسوف اليوناني القديم "إن الإنسان مقياس للأشياء جميعها" فضلاً عن انغماس الإنسان بالمادة في بدايته، وحب اكتناز المال والثروات، والاستمتاع بالحياة الزائلة.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
سابعا: أماكن انتشارها
شاعت ديانة الإنسانية هذه في الغرب وصار لها في كل بلد كاهن أكبر وجعلوا لها معابد وطقوسا وسدنة وقد برزت عند الأمريكان بوضوح حيث جعلوا الإنسانية دينا وقد صيغ المذهب الإنساني في أمريكا في 1333م في بيان الإنسانيين الذي تضمن إنكار وجود الله تعالى وخلقه لهذا الكون وإنكار النبوة والرسالة والتعليل لنشأة الإنسان وثقافته الدينية وما يتعلق بحياة الإنسانية كلها مستندين إلى تعليلات الشيوعية الماركسية.
وفيما يلي بيان الإنسانيين المشهور مع تعليق خفيف يوضح الغرض من كل فقرة منه:
1 - " الكون موجود بذاته وليس مخلوقا" والإلحاد والكفر بالله تعالى ظاهر في هذا وهذا المعتقد كاف في كفر من تمسك به.
2 - "الإنسان جزء من الطبيعة وهو نتيجة عمليات مستمرة فيها"، وهذا إنكار لوجود الله أيضا وإنكار لحقيقة وجود الإنسان وإسناد خلقه إلى الطبيعة حسب تعليلهم السخيف ولو سئلوا عن تلك العمليات المستمرة لانقطعوا وأجابوا بما يدل على جهلهم وحمقهم.
3 - "ثقافة الإنسان الدينية ليست إلا نتاج التطور التدريجي الناشئ من التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية والوراثة الاجتماعية"، وهذا كفر بالأنبياء والمرسلين وزعم باطل وهضم لنعمة التفكير التي خص الله بها الإنسان ورجم بالغيب.
4 - "لقد ولى الزمن الذي كان يعتقد الناس فيه بالدين وبالله"، ونقول لهم بل لا يزال جديدا على مر الدهور رغم أنوفهم وسيبقى إلى يوم القيامة.
5 - "يتركب الدين من الأفعال والتجارب والأهداف التي لها دلالات في نظر الإنسان ومن هنا زال التمييز بين المقدس والمادي"، ويقال لهم إذا كان الدين يتركب من تجارب فكيف لم يدعوا النبوة كلهم وكيف قام على أشخاص معدودين تحوطهم عناية الله وتأييده، وهل يعرف الدين بالتجارب؟
6 - "إن التحقيق التام للشخصية الإنسانية هدف الإنسان "، نقول نعم ولكنه لا يصل إليه إلا بالتبين الصحيح وبتيسير الله وتوفيقه له.
7 - "يعبر عن الانفعالات الدينية بالإحساسات الشخصية والجهود الجماعية التي تحقق الرفاهية الاجتماعية "، وهذا الكلام محض دعوى لا دليل عليه، مع أنهم ينفون أي دليل صحيح للتدين. 8 – "لا توجد انفعالات دينية ومواقف للناس تربطهم بوجود خارق للطبيعة"، ونقول لهم إن الفطرة في الإنسان والواقع كليهما شاهدان بهذا الرباط (1).
وقد أمضى هذا البيان جون ديوي وآخرون من كبار دعاة الإنسانية.
وعلى حسب ما تقدم فإن الإنسانية في جوهرها العام هي دعوة للإنسان إلى أن يعيش حياته ابن يومه مهما صادفته من الأمور التي يرضاها والتي لا يرضاها قوي الأمل صامدا في مواجهة الأخطار جاعلا نصب عينيه أن يعيش حياته المادية بكل ما يجده ضاربا بالقوانين التي تحد من ارتكاب الشهوات جانبا وأن لا ينظر إلى الأمور الروحية الغيبية ولا يتأثر بما يقال له من أنه سيحاسب على كل أعماله الدنيوية أمام الله تعالى فليس لك إلا ما تمتعت به قبل موتك فلا بعث ولا حساب ولا جزاء في مفاهيم دعاة الإنسانية وهم حينما يقررون هذا الكلام نقول لهم بكل تأكيد أنهم يغالطون أنفسهم وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم في فراغ وأن الأمر جد ولا يمكن أن تكون الحياة كذلك قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14].
وهم متأكدون أن حياتهم هذه لا تختلف عن حياة سائر البهائم ولولا الظلم وحب العلو لرجعوا إلى الحق ولنظروا إلى ما هم فيه بأنه عبث وفوضى لا تقرها العقول ولا الفطرة السليمة ولكنه العناد والاستهتار والبغي.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي--------------------------------------------
(1) ([272]) انظر كتاب ((مذاهب فكرية معاصرة)) (ص559) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
ثامنا: هل تقبل الدعوى إلى الإنسانية التعايش مع الإسلام والمسلمين؟
يجب على كل مسلم أن يتذكر في البداية قول الله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة:120]، ثم ينظر مصداقها في الواقع في حال التعايش بين النصارى واليهود من جانب وبين المسلمين من جانب آخر وكيف أن دعاة الإنسانية شمس العداوة لكل مسلم حتى يلين ويرجع إلى أقوالهم ويسايرهم في سلوكهم ثم كيف بعدها يكيلون له المدائح المختلفة ويحكمون عليه الشبكة بأنواع المساعدات المادية والمعنوية ليبقى أسيرا لهم.
لقد أظهر أدعياء الإنسانية بغضهم للدين والمقصود به الدين الإسلامي في المقام الأول وهم دائما يشكون من انتشاره في مجتمعاتهم ويتخوفون من عودة المسلمين إلى سابق مجدهم أيام الفتوحات الإسلامية ولهذا فقد رموه بكل سهم من سهامهم المختلفة ومن ضمنها رميه بسهم الإنسانية كي تكثر السهام العلمانية واحد منها يصيب مقتلا للرمية. أما أن يرمي المسلمون أعداءهم ولو بخرقة الحرير فإنه يعتبر ارهابا وهمجية وعودة إلى فكرة الجهاد التي أقلقهم اسمها وأرق نومهم ذكرها حتى أصبح الكثير من المسلمين مع الأسف الشديد يستحي من ذكر كلمة الجهاد ويعتذر للإسلام عن ورودها فيه حتى يجعله كالمجرم في قفص الاتهام وهي الشبكة التي يريد أعداء الإسلام أن يوقعوا فيها مثل هؤلاء الأغبياء الذين يدعون أنهم يدافعون عن الإسلام ويردون كيد أعدائه عنه فإذا بدفاعهم يجعل الإسلام ظالما همجيا ومائعا في نفس الوقت ولا شك أنه لا خير في مثل هؤلاء المدافعين ولا خير في مثل جدالهم الذي يفتقد إلى وجود العزة الإسلامية في النفس أولا فمتى يستفيق المسلمون لخدع دعاة الإنسانية وأساليبهم الماكرة ومتى يعرفون أنه لا يمكن أن يتوافق دين رضيه الرحمن وطغيان يدعو إليه الشيطان وأنه لا يمكن أن يسير الحق والباطل في طريق واحد.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 842
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
تاسعا: الإنسانية والقومية والوطنية
من أساليب دعاة الإنسانية أنهم يقولون في تقديمهم لها أنه يجب محو فكرة اختلاف الأوطان لأن الجميع يعيشون في أرض واحدة وأن الإنسان هو الذي اختلق تجزئتها وجعل لها حدودا سياسية مصطنعة في حين أن الذين يعيشون فوقها هم أيضا جنس واحد ومن أصل واحد فلماذا لا نعود إلى الأصل الصحيح وهو أن الأرض وطن الجميع ومن عليها أخوة كلهم في الإنسانية ونضرب صفحا عن كل الاعتبارات الأخرى من الجنس واللون والدين والعادات، والقوميات والوطنيات التي طرأت على الإنسان في شكلها البدائي ثم أخذت تتوسع ويتوسع الانتماء إلى القومية والوطنية قليلا قليلا إلى أن أصبح في وضع أكبر مما كان في البداية ولهذا فإنهم يحبون توسيع الدعوة القومية إلى أن يصل الأمر بالجميع إلى قومية واحدة وإلى وطن واحد ثم يعيش الجميع تحت ظل الإنسانية التي ستظلل الجميع وتنمحي كل الفوارق الأخرى بعد ذلك ومن هنا فإن دعاة الإنسانية قد يتفاءلون بانتشار القومية حين تكون قومية عالمية تسودها الإنسانية حينما يلبي الجميع واجب الدعوة إلى الإنسانية وحدها فلماذا لا نطوي المسافة ونأخذ مبادئ الإنسانية اليوم قبل غد لتحل السعادة وتنتشر الرحمة ويعم الخير .. إلى آخره إنها أحلام سعيدة ودعوة خلابة براقة حينما يسمعها الشخص لأول وهلة ولكن وكما تقدم هل يمكن تحقيق هذه الأحلام وهل يمكن أن يتنازل الناس بأجمعهم عن قومياتهم وأديانهم وأوطانهم ليدخلوا تحت لواء الإنسانية الذي أقل ما سيواجهه معضلة من سيتولى قيادة هذا النهج الجديد ولمن تكون القيادة والأمر والنهي؟ وما هو الوطن المفضل؟
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 846
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)