3 - العولمة الإعلامية
إن العولمة منظومة متكاملة يرتبط فيها الجانب السياسيُّ بالجانب الاِقتصادي، والجانبان معاً يتكاملان مع الجانب الاجتماعي والثقافي، ولا يكاد يستقل جانبٌ بذاته، ولكن آلة ذلك كله التي لا تنفصل البتة عن أي شكل من أشكال العولمة هو الإعلام بوسائله المتعدد، فمهما رأيت صوراً لعولمة ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، فاقطع بأنها جاءت محمولة عبر آلية إعلامية.
فنجاح مروجي ثقافاتهم واقتصادياتهم وسياساتهم بل وحروبهم، كان من أعظم أسبابه نجاحهم في عولمة إعلامهم.
وإذا كان حافظ إبراهيم قال منذ عشرات السنين:
لكل زمان مضى آية وآية هذا الزمان الصحف
فاليوم لم تعد الصحف هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة بل تعددت قنوات ووسائل الاتصال حتى حار الإنسان فيها، واتخذت أشكالاً عدة أبرزها ما يلي:
1 - الإذاعات: وهي أوسع القنوات الإعلامية انتشاراً للأسباب التالية:
(أ) أنه يشترك فيها المتعلم، والعامي، والصغير والكبير، والرجل والمرأة.
(ب) قلة تكلفتها المادية، بخلاف كثير من وسائل الإعلام الأخرى، فما على المرء إلا أن يشتري جهاز راديو حسب إمكاناته المادية، حتى لو لم يملك إلا دريهمات معدودة. فسيجد ما يلائمه منها، مما يحوي عدة موجات.
(جـ) سهولة الاستعمال، فيستطيع الإنسان أن يستمع إلى الراديو في أي مكان كان ما لم يوجد حاجز طبيعي.
(د) طول مدة الإرسال، وكثرة الإذاعات؛ فالإرسال الإذاعي يستمر ساعات طويلة في أغلب الإذاعات، وهناك إذاعات يستمر إرسالها (24) ساعة متصلة.
(هـ) عدم وجود رقابة على الإذاعات، ويستطيع المستمع أن ينتقل من إذاعة إلى أخرى دون حسيب، أو رقيب من البشر.
ولهذا فقد لعبت الإذاعات دوراً مهما في حياة الناس، ولا تزال مع التقدم الهائل في الوسائل الإعلامية الأخرى تحتل مكانة بارزة، وتؤثر تأثيراً واضحاً.
ويكفي أن أشير إلى أن هناك عدداً من الإذاعات العالمية استحوذت على أغلب المستمعين، وعلى رأسها ثلاث إذاعات، وهي:
1 - إذاعة لندن.
2 - صوت أمريكا.
3 - مونت كارلو. وقد كشفت الأحداث المختلفة تأثير تلك الإذاعات، وتسابق الناس للاستماع إليها، ومازالت الدول المصدرة للثقافة تطلق إذاعاتها الموجهة للعالم العربي، وقد أطلقت الولايات المتحدة قبل أشهر محطة إذاعة جديدة باللغة العربية باسم (إذاعة سوا)، تشرف عليها (صوت أمريكا) موجهة للعالم العربي، وذكر مسئولون أمريكيون أنهم بصدد مغازلة الشباب العربي الغاضب والقلق والشباب المسلم بشكل عام، وتبث على مدار 24 الساعة، وقد كانت الحكومة الأمريكية قد بدأت التخطيط للمحطة منذ ستة أشهر، حيث أطلق عليها اسم الشيفرة (مبادرة 911)، وتم رصد 30 مليون دولار كنفقات لمدة ستة أشهر لشبكة إذاعية جديدة تستهدف الشباب العربي .. وفي الوقت نفسه بذلت لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي جهوداً مكثفة لمضاعفة نفقات البث الإذاعي الأمريكي؛ التي تبلغ 479 مليون دولار لتغطية كل العالم الإسلامي من نيجيريا إلى إندونيسيا. وفي هذا الإطار دفعت لجنة المخصصات في مجلس النواب الأمريكي الأموال الطائلة بزيادة قدرها 19 مليون دولار؛ لإحياء محطات إذاعية منفصلة خاصة بأفغانستان (1).
2 - الصحف، والمجلات، والدوريات، والنشرات:
وقد تربعت الصحافة على عرش التأثير زمنا طويلا، حتى أصبحت في فترة من الفترات تسمى السلطة الرابعة.--------------------------------------------
(1) انظر ((البرناسية أو مذهب الفن للفن في الشعر الغربي والعربي)) (169 - 200).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 138)
واليوم تبوأت الصحافة مكانة أسمى، وتأثيرا أقوى، حتى أصبح الملوك، والرؤساء يخطبون ود رؤساء التحرير، ويتقربون منهم، ويغدقون عليهم العطايا، والهبات رجاء وخوفا، بل تعدى الأمر إلى صغار المحررين، والمبتدئين من المراسلين، وأصبح كثير من الناس لا يستطيع أن يستغني عن مطالعة الصحف، والمجلات يومياً، بل الكثير منهم لا يتناول فطوره إلا بعد الاطلاع على صحف اليوم.
3 - التلفزيون والفيديو:
على الرغم مما تقوم به الوسائل الإعلامية الأخرى، فإن تأثيرها -رغم قوته- لا يتعدى 30% من قوة تأثير التلفزيون والفيديو، وقد أثبتت الدراسات، والبحوث العلمية التي أجريت حول مدى تأثير التلفزيون والفيديو أن تأثيرهما لا تقاربه أي وسيلة أخرى، وستتضح هذه الحقيقة من خلال هذا الكتاب، وذلك للأسباب التالية:
(أ) انتشار هذا الجهاز حتى أنه قل أن يخلو منه بيت، أو يسلم من مشاهدته إنسان. (ب) عدد الساعات التي يقضيها المرء عند التلفزيون والفيديو، فقد ذكر الدكتور حمود البدر (1) أن الدراسات، والأبحاث أثبتت أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة (15) ألف ساعة، بينما لا يكون أمضى في حجرات الدراسة أكثر من (10800) ساعة على أقصى تقدير (2) أي في حالة كونه مواظبا على الدراسة محدود الغياب.
ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة (600) ساعة سنويا، بينما متوسط جلوسه عند التلفزيون (1000) ساعة سنويا.
(جـ) طول مدة البث يوميا، واستمراره جميع أيام الأسبوع دون عطلة، أو إجازة.
(د) الحالة النفسية للمتلقي، حيث أن المشاهد للتلفزيون، أو الفيديو يكون في حالة نفسية جيدة راغبا للمشاهدة مستعدا للتلقي، متلذذا بما يرى، بخلاف الطالب في المدرسة، ومهما كانت حالة الطالب من الارتياح لأستاذ من الأساتذة، أو مادة من المواد، فإنها لا تصل إلى حالة مشاهد يرى فيلما غريزيا، أو حلقة من حلقات المصارعة، أو مباراة من مباريات كرة القدم.
(د) إن أسلوب عرض البرامج، والتمثيليات بلغ الذروة في الإخراج، واستخدام التقنية مع التشويق، والإغراء وحسن العرض مما يجعل المشاهد أسيراً لها مع قوة التأثير.
(هـ) إن الراديو يدرك بحاسة السمع، والصحافة تدرك بحاسة البصر، أما التلفزيون فتشترك فيه حاستان هما السمع والبصر، مما يجعل تأثيره أكثر. ولقد تطور التلفزيون تطورا مذهلا، ووصل إلى تقنية عالية الجودة.
ولقد كان المشاهد أسير قناة واحدة، أو قناتين، وعلى كل الأحول لا تتعدى القنوات التي تبث من بلده، أو من الدول المجاورة إن كان بثها قويا خمس قنوات.
ثم جاء الفيديو، وأتاح للمشاهد فرصة الاستمرار في مشاهدة ما يرغب من أفلام دون أن يكون أسير ما يبث في التلفاز ضمن إطار ضيق.
أما الآن فقد بدأ البث التلفزيوني العالمي، مما يفتح الباب على مصراعيه، ويجعل تأثير التلفزيون فيما مضى محدوداً إذا قورن بالمرحلة المقبلة، والانفتاح المذهل.
4 - الإنترنت: " أعلنت وزارة الاتصالات اليابانية أن نسبة انتشار الإنترنت في أوساط الأسر اليابانية لم تكن تتعدى 6% قبل ثلاث سنوات. وأضافت أن عدد اليابانيين المتصلين بالإنترنت عبر الخطوط الثابتة والهواتف المحمولة ارتفع في ديسمبر الماضي إلى 43 مليون شخص مقارنة بـ 26.3 مليون قبل ستة أشهر" (3)، وهذا مؤشر يبين مدى سرعة تزايد الإقبال على الإنترنت في العالم، وفي عالمنا العربي نجد أنه على الرغم من تأخر دخول الإنترنت فإن نسبة مستخدميها في دولة الإمارات العربية بلغت 28% وقد أصبحت بعض الدول العربية تقدم خدمة الإنترنت مجاناً، وكل هذه مؤشرات تدل على أن الإنترنت في السنوات القليلة المقبلة، قد تشهد انتشاراً واسعاً في عالمنا العربي، ربما زاحم التلفاز التقليدي
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص 60--------------------------------------------
(1) ((الحداثة في منظور إيماني)) (ص71). وانظر ((الحداثة)) (227، 228).
(2) ((النقد الأدبي الحديث في الخليج العربي)) (109،108،106). وانظر (ص326).
(3) انظر ((النقد الأدبي الحديث في الخليج العربي)) (ص113). وانظر ((الحركة الأدبية والفكرية في الكويت)) (ص657).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 139)
ثالثا: موقف العلمانيين
يبدي العلمانيون ترحيبا ظاهرا بالعولمة، ويرتقبونها بفارغ الصبر، ويبشرون بالخير العميم الذي سيهب علينا من العولمة، ليخرجنا من التخلف إلى الحداثة .. ولا يخفي بعضهم فرحته بأنها هي التي ستزيل من حياتنا بقايا " القرون الوسطى " التي ما تزال عالقة بنا ..
بعبارة أخرى تزيل لهم الإسلام!!
هكذا يفكرون .. وهكذا يحلمون ..
ويعجب الإنسان لهذا المسخ الشائه الذي يقرأ تاريخه بعيون غيره، ويزن نفسه بميزان غيره، ويتلاشى هو حتى يصير كأنه غيره!
لقد كانت القرون الوسطى في أوربا هي قرون الظلام .. وقُرِنَ هذا الظلام - بجهالة - بالدين، من حيث هو دين! فقيل إن أوربا كانت تعيش في الظلام لأنها كانت تعيش في ظل الدين، وحين نبذت الدين تقدمت وارتقت وخرجت من الظلام إلى النور ..
ونحن نعلم جيدا أن عصر التدين في أوربا كان عصر الظلام، وأن أوربا تقدمت حين نبذت دينها. ولكنا جديرون أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة لهذا الأمر، بما نملك من المعايير التي لا تملكها أوربا، وبكوننا ونحن خارج الدائرة - أو خارج الأزمة - أقدر على الرؤية الشاملة التي قد لا يقدر عليها الموجودون في داخلها، المتأثرون بأفعالها وردود أفعالها، الواقعون تحت ضغوطها وانفعالاتها، التي قد تغشي النظرة وتفسد الرؤية.
إن أوربا لم تعرف في تجربتها - قط - دين الله المنزل! إنما عرفت دينا صنعته تصورات بشرية ضالة، أفسدت منه ما أفسدت، ثم أفسدت به ما أفسدت!
وعرفت كيانا كهنوتيا مبتدعا ما أنزل الله به من سلطان، طغى وتجبر حين واتته الفرصة، ففرض على الناس طغيانا روحيا، وطغيانا ماليا، وطغيانا عقليا، وطغيانا سياسيا، وطغيانا علميا، حَوّل الحياة إلى جحيم لا يطاق، ومع ذلك أطاقته أوربا ما يقرب من عشرة قرون، ولم تدرك ما فيه من الزيف، وما فيه من الإجحاف بكيان الإنسان إلا بعد أن احتكت بالإسلام والمسلمين
وعندئذ انقلبت أوربا مائة وثمانين درجة كاملة .. فألّهت الإنسان بدلا من الله، وانكبت على الحياة الدنيا بدلا من التوجه إلى الآخرة، وحكّمت العقل في الأمور كلها بدلا من مقولات الدين، أي المقولات التي كانت تقولها الكنيسة باسم الدين ..
وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!
ولكن الرؤية المستقيمة، غير المتأثرة بانفعالات المعركة .. الرؤية " العقلانية " الصحيحة .. والرؤية "العلمية" المتثبتة، كان ينبغي أن تدرس وتحلل وتنظر في الأسباب والنتائج، فتكشف حقائق الأمر، التي قد يغيبها الانفعال الثائر، أو رغبة الثأر والانتقام من طغيان الكنيسة.
ففي الفترة ذاتها التي عاشتها أوربا في ظلماتها، كان هناك نور ساطع مشرق متألق، منبثق من الدين .. ولكن من الدين الصحيح الذي لم تفسده التصورات الباطلة، والذي ليس له كهنوت ولا رجال دين يفرضون على الناس ما يفرضون، ويحرقونهم أحياء حين يرفضون!
ومن الحق أن نذكر - كما ذكرنا من قبل - أن أوربا كانت قد أوشكت أن تدخل في هذا الدين، لولا عنف الكنيسة في محاربته، ومحاربة تأثيراته في نفوس الأوربيين وأفكارهم.
ولكن الحصيلة النهائية على أي حال كانت نبذ الدين جملة وإقصاءه عن الهيمنة على واقع الحياة، أو - في أحسن الأحوال - تحجيمه حتى يصبح علاقة خاصة بين العبد والرب، مكانها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة السياسي أو الاقتصادي أو العلمي أو الأخلاقي أو الفكري أو الاجتماعي … إلخ.
مرة أخرى نقول إن أوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!
أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فما الذي دهاهم حتى صاروا يتصايحون بما صاحت به أوربا من قبل، ويفرون من الدين، ويدعون إلى الفرار منه كما فرت أوربا من قبل، ودينهم غير ذلك الدين، وظروفهم غير تلك الظروف؟!
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 140)
إنسان يعرج لأن في قدمه شوكة تؤلمه إذا اتكأ عليها، فيأتي إنسان سليم القدمين فيقول: أريد أن أعرج مثل هذا الرجل، لأن عرجته تعجبني!!
ما علينا!
إنما نتحدث هنا عن الفرحة الغامرة التي يتحدث بها العلمانيون عن العولمة، والترحيب الحار الذي يستقبلون به أنباءها، والبُشْرَيات التي يبثونها بالخير الذي سوف يغمرنا من جرائها!
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: 45]
من أشد ما يستبشرون به - كما صرح متحدثون منهم - القضاء على الدين!
ولو قالوا إن الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم واقع سيئ غاية السوء، في جميع المجالات، وإنه لا بد من إصلاحه، لاتفقنا معهم بلا نزاع، فنحن لا نفتأ نردد هذه الحقيقة في كل مناسبة ..
أما موضع الخلاف الجذري بيننا وبينهم فهو نظرتهم إلى السبب في هذه الحال، وبالتالي نظرتهم إلى طريقة العلاج. فهم يقولون إن "الدين" هو السبب في البلاء كله، وإن العلاج هو نبذ الدين أو تحجيمه - كما فعلت أوربا - ونحن نقول إن البعد عن حقيقة الدين هو السبب في البلاء كله، ومن ثم فالعلاج هو العودة الصادقة إلى هذا الدين.
ونحن هنا لا نناقشهم في آرائهم .. إنما نناقش فرحتهم واستبشارهم .. هل هي قائمة على أساس حقيقي؟ أم هم يحلمون؟ أم هم يتمنون ثم يصدقون أمانيهم؟!
المصدر:المسلمون والعولمة لمحمد قطب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 141)
رابعا: هل ستقضي العولمة حقيقة على المد الإسلامي؟!
نرى نحن على العكس، أنها ستكون سببا قويا من أسباب انتشار الصحوة الإسلامية في كل الأرجاء!
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: 9] من زمن بعيد، في أوائل الخمسينيات من هذا القرن، ألقى "توينبي" المؤرخ البريطاني الشهير محاضرة بعنوان "الإسلام والمستقبل" قال فيها: إن الإسلام الآن نائم نومة أهل الكهف. ولكن النائم قد يستيقظ إذا وجدت دواعي اليقظة. وقد أثبت الإسلام وجوده القوي مرتين تاريخيتين من قبل، الأولى حين اكتسح نصف الإمبراطورية الرومانية في سنوات قلائل، والثانية حين تغلب على الصليبيين في القرون الوسطى. واليوم توجد شعوب بروليتارية (يقصد الشعوب المستذلة الخانعة للإذلال، التي لا تثور ضده، ويقصد بها شعوب "العالم الثالث") يستغلها الغرب ويضغط عليها، فإذا اشتد الضغط فسوف تتحرك هذه الشعوب لتسترد كيانها المسلوب، وعندئذ قد يجد الإسلام الفرصة لتزعّم هذه الحركة، وقيادة هذه الشعوب في صراعها مع الغرب .. وفي الأخير قال: ونرجو ألا يحدث ذلك!!
ولكن الذي كان يخشاه توينبي، ويرجو ألا يحدث، قد حدث بالفعل، وقامت الصحوة الإسلامية على الرغم من كل الحرب المصبوبة عليها، أو ربما بسبب هذه الحرب!
واليوم تأتي العولمة لتشعل الموقف!
إن العولمة هي أسوأ صورة من صور الاستعمار عرفتها الأرض حتى اليوم .. صورة عاتية غاشمة لا تريد فقط سلب أقوات الشعوب واستغلالها، إنما تريد محو شخصيتها، وتحويلها إلى أتباع وعبيد.
ورد الفعل المتوقع - ولو بعد فترة من الوقت - هو ثورة هذه الشعوب لكيانها المسلوب، وتحركها لاسترداد ما سلب منها من خامات وأموال، وكرامات وعقول وقلوب ..
وسيكون الإسلام هو قائد حركة التحرير!
ولا شك في أن العلمانيين سيضحكون ملء أفواههم، وسيقولون لنا: إنكم تحلمون، ثم تصدقون أحلامكم، فقد جاءتكم الكاسحة الماسحة التي لا تبقي ولا تذر، ولا طاقة أمامها لأحد من البشر! فضلا عن الضعاف المهازيل، الرجعيين المتخلفين، الذين يعيشون بعقلية القرون الوسطى في عصر التنوير!
ونقول نحن إنا واقعيون جدا، بصرف النظر عما تتمناه النفوس، فالنفوس دائما تتمنى ما ترغب، ولكن بعض الناس يتمنون وهم يحلمون، وآخرين يتمنون وهم واقعيون، يعرفون مواقع أقدامهم، ويدركون عقبات الطريق.
ولنأخذ واقعة معينة، ولنستخرج منها دلالتها ..
تلك الواقعة هي رواية "وليمة لأعشاب البحر" ..
لقد كانت أمنية الذين قاموا بإعادة نشرها، أن يصل المجتمع إلى الحالة التي يُسَبّ فيها الله ورسوله، ويُهزأ بدينه، ويُسخر من مفاهيمه ثم لا يتحرك!
ولكنهم - بحماقة - تجاوزوا الخطوط الحمراء!
وعندئذ وقعت الواقعة التي لم تدر بخلد أحد، ولم تخطر على البال، فانفجر المكبوت الديني كله، وتحرك من لم يكن يُتَوقع أن يتحرك، واستنكر حتى من لم يكن يُتوقع أن يستنكر!
تلك الواقعة لها دلالتها ..
فقد أوغل العلمانيون في مهاجمة الدين زمنا، والناس ساكتون. وأغراهم سكوت الناس فزادوا إيغالا، مستندين إلى القوى التي تقدم لهم الحماية وهم يهاجمون الدين ..
ولكنهم كانوا - في أبراجهم العاجية - يعالجون " قضايا " يختلط فيها الحق والباطل، وينفعل بها ولا لها إلا فريق محدود من الناس، وإن كانت في عمومها تثير اشمئزاز الناس واستنكارهم.
أما حين مس الأمر ما هو "معلوم من الدين بالضرورة" من تقديس لله سبحانه وتعالى، وتوقير للرسول صلى الله عليه وسلم، واحترام للدين المنزل من عند الله .. فعندئذ انفجر المخزون كله، رغم كل المخاطر التي كانت تحيط بالانفجار!
والعولمة ترتكب ذات الحماقة ..
تتجاوز الخطوط الحمراء!
وفي المؤتمرات الداعرة التي تدعو إلى الفوضى الحيوانية، وتدعو إلى إعطاء الشرعية للفسق والفجور والشذوذ والانحراف .. يتجاوز "المتآمرون" الخطوط الحمراء، ويمسون ما هو "معلوم من الفطرة بالضرورة" فينفجر المخزون!
وذلك فضلا عن الضغط الاقتصادي والضغط السياسي الذي يصاحب العولمة، ويؤدي في النهاية إلى الانفجار ..
إن العولمة - سواء كانت أمريكية بحتة، أو يهودية بحتة، أو خليطا متجانسا متعاونا من الأمريكية واليهودية - تعمل - بحماقة - ضد مصالحها في نهاية المطاف!
المصدر:المسلمون والعولمة لمحمد قطب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 142)
خامسا: مستقبل العولمة
الغيب لله .. قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: 65]
ولكن هناك سننا ربانية تجري في حياة البشر، وهي سنن لا تتخلف ولا تتبدل، وهناك وعد ووعيد من عند الله، لا يتخلفان كذلك، وهناك واقع مشهود، يمكن رؤيته وتقدير احتمالاته على ضوء تلك السنن، وذلك الوعد والوعيد ..
وكلها تقول إن هذه العولمة، سواء كانت - كما قلنا في نهاية الفصل السابق - أمريكية بحتة، أو يهودية بحتة، أو خليطا متجانسا متعاونا من الأمريكية واليهودية، لن تعيش طويلا كما يتمنى أصحابها!
إنها بادئ ذي بدء مخالفة لقدر مسبق من أقدار الله، ألا يكون الناس أمة واحدة على الإيمان أو على الكفر: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: 118]. .. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ .. [المائدة: 48]
فكل محاولة لصبغ الناس كلهم صبغة واحدة، تفرضها القوة الغاشمة، هي محاولة فاشلة منذ البدء، وإن قدّر لها شيء من النجاح في بعض أرجاء الأرض لفترة محدودة من الزمان.
فاشلة لأنها مخالفة لإرادة ربانية أزلية، والله هو الذي يقدر المقادير، وليس البشر، وإن ظنوا في لحظات غرورهم وتألههم أنهم قادرون!
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت: 16] .. أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [الأنبياء:44]. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41]
وهي فاشلة ثانيا لأنها مخالفة لسنة أخرى من سنن الله، وهي مداولة الأيام بين الناس (بمعنى النصر والهزيمة، والتمكين والزوال).
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140] ثم إنها - في الواقع المشهود الآن - تجد مجابهة ومعارضة في أكثر من مكان! ففرنسا وألمانيا في أوربا تستنكفان أن تصوغ لهما أمريكا طريقة حياتهما، وتقفان بشدة أمام كل محاولة لمحو شخصيتهما، وطبعهما بطابع غير طابعهما الذاتي، سواء في عالم اللغة أو الفكر أو الثقافة أو السلوك اليومي، فضلا عن السياسة والاقتصاد.
وفي آسيا توجد الصين واليابان، وكلتاهما قوة راسخة في الأرض، لا يسهل محوها، ولا إخضاعها، ولا طمس معالمها، ولا إذابة شخصيتها كما تشتهي العولمة.
وذلك فضلا عن الحركة الإسلامية، المكبوتة الآن بكل وسائل الكبت، ولكنها حية تستعصي على كل محاولة لوأدها، أو منعها من الانتشار.
وعلى فرض أن العولمة أمريكية، فأمريكا ذاتها مهددة - من داخلها - بالانهيار! ولسنا نحن الذين نقول ذلك إنما تقوله صحفهم وكتابهم ومفكروهم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 143)
حقا إن القوة المادية لأمريكا من الضخامة بحيث يصعب حتى على القوى العالمية الأخرى مجاراتها أو التصدي لها، ولكن القوة المادية ليست هي في النهاية التي تقرر مصاير الأمم، أو على الأقل ليست وحدها التي تقرر مصايرهم .. وحين يتفشى الترف، ويتفشى الترهل (مما نبه إليه كلنتون ذاته في كلمات وجهها إلى شعبه) وحين تتفشى الفوضى الجنسية والشذوذ والانحراف، ويتعالن الشواذ بشذوذهم ويطلبون من دستورهم وبرلمانهم أن يقر بشرعيتهم وشرعية سلوكهم المنحرف .. وحين تتفشى الخمر والمخدرات والجريمة .. فكل ذلك من عوارض الدمار، مهما كانت القوة المادية ..
ولسنا نقول إن أمريكا ستنهار غدا صباحا! فإن ما لديها من عوامل القوة الإيجابية يمكن أن يمد لها فترة من الزمن بحسب سنة الله. ولكنا نقول - فقط - إن هذا الأمر لا يتوقع كثيرا أن يطول.
وأما إن كانت العولمة يهودية، تعمل من خلال أمريكا، وهو الأرجح في نظرنا، فلليهود في كتاب الله وعد ووعيد: وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا … [الإسراء:6]
ويستوي - كما أشرنا من قبل - أن تكون المرتان المذكورتان تاريخيتين، أو تكون إحداهما تاريخية والثانية هي الواقعة اليوم .. فقوله تعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا فيه الفيصل فيما نحن بصدده. فالآيات تقول إنه كلما علا اليهود في الأرض وأفسدوا - سواء مرة أو مرات - جاء العقاب الرباني فأنزلهم من علوهم وأجرى عليهم وعيده: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [الأعراف: 167]
وهم اليوم في قمة العلو .. ولم يسبق لهم في تاريخهم كله أن علوا وسيطروا بمقدار ما لهم اليوم من العلو والسيطرة في أرجاء الأرض.
والله هو الذي يقدر، وله حكمته في تقديره سواء عرفنا نحن الحكمة أم لم نعرفها.
وله حكمة ولا شك في الإملاء لليهود وتمكينهم في الأرض: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ .. [آل عمران:112]
فهم ممكنون بحبل من الله ابتداء، أي بتقدير من الله وإمداد، ثم بحبل من الناس الذين يعينونهم على تنفيذ مخططاتهم.
أما الحكمة في ذلك فلا نعرفها، لأنها ليست مذكورة في كتاب الله ولا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن ربما كان الله يعاقب البشرية التي كفرت اليوم كفرا لم تكفره من قبل، فأنكرت وجود الله (في جزء غير قليل منها) وشردت عن هديه (في الجزء الأكبر منها) ويعاقب الأمة الإسلامية بالذات على تفريطها وتقاعسها .. يعاقب الجميع بتسليط اليهود عليهم تحقيقا لقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65]
وأيًّا تكن الحكمة فالذي يهمنا هنا أن هذا العلو والإفساد في الأرض محدود بزمن معين يقدره الله، وليس طويل الأمد، لأنه استثناء من القاعدة، وليس هو القاعدة، وإن تكن القاعدة من تقدير الله، والاستثناء كذلك من تقدير الله ..
وليس معنى هذا كله أن العولمة أمر هين ولا خطر منه، ولا يستأهل منا اهتماما ولا حركة ..
إنه عاصفة جائحة هوجاء .. والعاصفة تهدأ بعد حين، ولكنها تكون قد دمرت ما دمرت، وخربت ما خربت، مما قد يحتاج في إصلاحه إلى عشرات السنين .. وإنما نقول للناس في العالم الإسلامي تحصنوا قدر الطاقة من العاصفة الهوجاء. تحصنوا أولا بالتمسك بدينكم وأخلاقكم وثوابتكم، ثم تحصنوا ثانيا ببذل أقصى الجهد في تحصيل العلم والتقنية وزيادة الإنتاج، لعلكم بذلك تقللون آثار الدمار الذي تخلفه العاصفة.
ثم نقول لهم كما قال موسى عليه السلام لقومه وهم في أتون الابتلاء: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128].
المصدر:المسلمون والعولمة لمحمد قطب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
سادسا: الموقف الشرعي من العولمة يرفض قطاع عريض من البشر العولمة كما سلف، ولكن رفضه من قبل المسلمين أشد، وليس ذلك للتصور الذي يحاول أن يرسمه بعض الغربيين، فبعض مثقفيهم نمى إلى علمه أن الله هو الذي يشرع لعباده في نظر المسلمين فقرر متوهماً أنه "لا توجد، بالنسبة إلى المسلم سلطة تشريعية بشرية، اللَّه هو الوحيد مصدر القانون" (1)، وردّد قوله هذا (لوي غارديه) فقال: "اللَّه هو الشارع بامتياز" (2).ولاشك أن المسلمين يؤمنون بأن التشريع من خصائص الربوبية أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:21]، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أم كونية قدرية، من خصائص الربوبية .. كان كل من اتبع تشريعاً غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رباً، وأشركه مع الله" (3).ولكن ما يغفل عنه هؤلاء هو أن المقصود بهذا كل تشريع يتعبد به الناس، ولهذا قال (من الدين)، فكل ما شرعه الله ديناً لا تجوز مخالفته، وكل تشريع في الدين بغير دليل باطل يرد ولا يقبل ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (4)، ولا يعني هذا المنع من وضع قوانين تنظم الأمور الدنيوية والحياتية وتحكم الوسائل وفقاً للشرع فيما سُكت عن النص عليه، فضلاً عن عد ذلك مصادماً لتشريع الله كما قالت الكنيسة! ولكن يجب أن تكون تلك القوانين والنظم تحت إطار تلك التشريعات الربانية والموجهات العامة والخاصة، وهذا ما فهمه من أنزل عليهم الوحي، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا أشد هذه الأمة تمسكاً بما جاء به، ففي تاريخنا نجد أن أول من دون الدواوين، وجعلها على الطريقة الفارسية، لإحصاء الأعطيات وتوزيع المرتبات لأصحابها حسب سابقتهم في الإسلام، وأول من استحدث التأريخ الهجري، وأول من وضع وزارة للمالية (بيتاً للمال)، هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فالشارع الحكيم وضع أحكاماً عامة وخاصة في كثير من الأمور الحياتية الدنيوية، وأوكل مهمة سن الآليات التنفيذية والقضايا التنظيمية إلى البشر، بحسب ما يتوفر لهم من وسائل قادتهم إليها مبتكرات عصرهم، ما لم تخالف الشرع، وفي صحيح مسلم عن عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) (5).
فلم يمنع الإسلام فيما يتعلق بأمور الدنيا وتنظيم المعاش من سن تشريعات ليست من الدين ولكنها تنظم أمر المعاش، شريطة أن تكون خاضعة للتشريعات الإلهية العامة والخاصة لا تناقضها، تقود إلى العمل بها لا تعارضها.--------------------------------------------
(1) انظر ((المذاهب النقدية)) (ص71).
(2) انظر ((المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية)) (104، 105).
(3) ((الحداثة)) (269، 270).
(4) ((الحداثة)) (269، 270). انظر ((الحداثة في منظور إيماني)) (ص79).
(5) انظر ((الحداثة في منظور إيماني)) (81،80).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
وبناء على هذا، فالإسلام يرفض العولمة لكونها غير خاضعة لتشريعاته السمحة، التي جاءت لهداية البشرية وإرشادها للطريق الأقوم، وهذا يعني أن رفض الإسلام للعولمة معللاً لاعتقاد المسلمين أن تشريع الخالق العليم أحكم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وليس هذا الرفض رفضاً مجرداً عن التعليل أو تقديم البديل، ولكنه رفض مع تبين الطريق الأرشد، كما أنه ليس رفضاً مطلقاً لكافة تفاصيل العولمة وآلياتها، ولكن لما خالفت فيه التشريعات الربانية، بحجة تحصيل المصلحة الشخصية أو المحدودة على حساب مصلحة الأمم والمجتمعات.
والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، أن للعولمة قوانينها ونظمها، وهذه القوانين والنظم لابد لها من يحكمها، فمن يكون؟
لسان حال دعاة العولمة يقول: يحكمها الأقوى وفقاً للمصالح التي يراها، فيجيز ما أراد ويمنع ما أراد، ويقترح السبل والوسائل التنظيمية التي أراد.
وهذا ما يرفضه قطاع عريض، وتيارات متباينة من البشر، فليست مصلحة الأقوى أولى، وليست شريعة الغاب، دستوراً يُرضى.
أما المسلمون فيقولون: يحكمها الأصلح للبشرية جمعاء، وهذا له شقين، شق نزل من السماء، وأهل الإسلام يؤمنون بأنه الأصلح، فعلى الأقل ليس لغيرهم أن يلزمهم بسواه، ولهم أن يدعوا الناس لهداه، وشق آخر لا يعارض ما جاء به الأنبياء، فهو محل نظر وتقييم ولكل رأيه الذي من حقه أن يبديه، ولكل نظامه الذي يرتئيه.
الفرق بين رفض العولمة والتعامل معها بسياسة الرفض:
إن رفض العولمة، لا يعني الانزواء في ركن قصي، مع المبالغة في إغماض العينيين، فهذا أمر لا يليق بأمة الرسالة، التي بعثها الله لتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ومن الملحوظ على هذه الأمة في عصورها المتأخرة، مواقف السلب وعدم الإيجابية، فقد رضيت أن تكون في صفوف المتفرجين، وعلى هامش الحياة، فإذا ما وقع حدث ما أو كاد أن يقع، هبت تصرخ وتولول، وتنادي بالويل والثبور وعواقب الأمور.
إن أمر هذه الأمة أمر عجب، فلم يكن هذا دأبها فيما مضى، وليست هذه سِمَتها، ولم يكن كذلك سَمْتها، بل كانت هي الأمة الرائدة، الأمة القائدة، فهل عقمت؟ أم ماذا حل بها؟ وما سر تغير حالها وتبدل شأنها؟
تأملت هذا الواقع فأزعجني ما أرى، وأقض مضجعي ما أشاهد، ثم ازددت يقينا أن سر قوة هذه الأمة، ومكمن عزها، ومنبع مجدها، هو في دينها وعقيدتها، ومدى التزامها بمبادئها. ولا يعود هذا إلى أصلها ونسبها ولغتها، كما تصور الواهمون ونادى المضللون.
لذا فإننا سنظل عالة على الأمم، كالأيتام على موائد اللئام، والخدم في قصور الأسياد، ما لم نعد إلى ديننا، ونعرف حقيقة عزنا ومجدنا وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].
وهناك لن نقف مكتوفي الأيدي أمام مكائد الشرق ومؤامرات الغرب، بل سيهرع الشرق والغرب والشمال والجنوب يخطب ودنا، ويستجدي رضانا، ويتسول ما يفيض به كرمنا، مع أننا سنكون أكرم من أن ننتظر السائل حتى يسأل والمحتاج حتى يطلب، وسنجود بمهجنا وأرواحنا -فضلا عن أموالنا- في سبيل نشر عقيدتنا، وترسيخ مبادئنا، إذا أصر الظالمون إلا على الحيلولة بيننا وبين نشر الخيرية التي منحنا الله إياها.
إن هذه الأمة لم تعقم، ولن تعقم بإذن الله، والطريق أمامنا مفتوح، والسبيل سالك والمنهج واضح، فعلينا أن ننبذ الكسل والخمول:
لا تصحب الكسلان في حالاته … كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة … كالجمر يوضع في الرماد فيخمد
ولكن علينا أن ندرك أنه لا بد من تحمل الصعاب وبذل المهج والأرواح وإلا:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
فمن يتهيب صعود الجبال … يعش أبد الدهر بين الحفر
وإذا كانت النفوس كبارا … تعبت في مرادها الأجسام
وبذلك يكون يصدق فينا قول الله عز وجل:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110].
وحتى يتحقق هذا الأمل الموعود لابد من العمل على محاور ثلاثة:
المحور الأول: تطوير النظم الإسلامية وآليات تفعيلها، ثم تطبيقها في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم إخراجها للناس، ودعوتهم إليها.
المحور الثاني: بيان ما في العولمة الوافدة من مثالب، وبيان الحلول الشرعية، والبرامج الإسلامية التي يمكن أن تحل محلها، مع توضيح الوجه الذي جعلها تفضل غيرها.
المحور الثالث: تحصين المجتمع المسلم من مثالب العولمة، وما فيها من أخطاء.
وجماع هذا كله، بناء المجتمع المسلم، المؤهل في كافة المجالات، وعلى أكتاف هذا المجتمع تقوم الدول التي إن قالت سمع لها. وقد شاركت في ندوة بجامعة أم القرى حول البث المباشر (1) وبعد انتهاء الندوة قام الأستاذ أحمد محمد جمال (2) فعلق على الندوة بكلام جيد، وكان مما قال:
"إن الحل أو المواجهة ليست بأيدي الشعوب المستضعفة، كما لا يمكن ولا يجوز الانتظار حتى نصلح شأننا، ونقوم إعوجاجنا، ولكن الحل أو المواجهة بأيدي ولاة أمور المسلمين -على مد أقطارهم- فهم أصحاب السلطة المادية والسياسية والتنفيذية، وهم القادرون على التجمع والاتفاق على خطة للمواجهة الجماعية. ولاة أمور المسلمين هم القادرون على المواجهة بالأسلوب الذي يتفقون عليه، سواء أكان .... ، أم بمقاطعة دبلوماسية واقتصادية وسياسية للدول صاحبة هذه الأقمار المعادية، أو انسحاب جماعي من المنظمات الدولية، أم بأية وسيلة حاسمة يتفقون عليها، ويبادرون بتنفيذه دون إبطاء ولا استثناء" (3).
المصدر: رسالة المسلم في حقبة العولمة لناصر بن سليمان العمر ص87--------------------------------------------
(1) انظر ((معجم الأدب المعاصر)) (30،76)
(2) ((المذاهب الأدبية من الكلاسيكية إلى العبثية)) (ص188) وانظر ((الحداثة في منظور إيماني)) (ص84).
(3) ((النار والجوهر)) (ص89).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
تمهيد
قامت الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي في البداية بسبب النزاع المرير بين العمال وأصحاب العمل في طلب العمال زيادة أجورهم وامتناع أصحاب العمل في الوقت الذي كان أصحاب العمل يستغلون العمال أسوأ استغلال دون رحمة بهم ثم ظهرت الآلات الصناعية الحديثة فإذا بأصحاب العمل يفضلونها على الأيدي العاملة لوفرة إنتاجها وقلة ما تحتاج إليه من العمال لتشغيلها فاستغنى أصحاب العمل عن كثير من العمال فنشأت البطالة ومشاكلها العديدة ومن هنا نشأت فكرة التوجه بالمطالبة بإصلاح هذه الأحوال الاقتصادية المضطربة والحد من التنافس بين الناس في الاستئثار بالمال وجمعه الذي يسبب الصراع بينهم وكان هذا في الوقت الذي أفلس فيه الدين النصراني عن حل أي مشكلة من هذا النوع بل كان عاملا قويا في ظهور اللادينية والمذاهب المنحرفة المختلفة التي قامت من أول يوم على محاربة كل الأوضاع السيئة التي كانت قائمة واستبدالها بأنظمة جديدة تكفل للناس حقوقهم وحرية معيشتهم وكان من بين تلك الأفكار ظاهرة القول بالاشتراكية ومحاربة الملكية الفردية وما جاء بعدها من أهوال الشيوعية.
والواقع أن الاشتراكية أقبح مذهب عرفته البشرية وأشدها شرا على الإطلاق فقد ذهب ضحية تطبيقها مئات الملايين قتلا وجوعا وتشريدا في أوروبا البعيدة عن أراضي المسلمين وعن عقائدهم وتاريخ حضارتهم أيدتها اليهودية العالمية وبذلت كل ما استطاعته لتأييدها وتقوية نفوذ أتباعها لما عرفوه من عواقبها الوخيمة على الجوييم وتم لهم ذلك وانتشر هذا الفكر الذي يجعل الخراب والدمار وظل سنوات عديدة في أوج قوته إلى أن أذن الله في إذلاله وإذلال أتباعه فخرج عنه الكثير ممن أنعم الله عليهم بالعقل والتفكير السليم وداسوه بأقدامهم وتنفسوا الصعداء وهالهم ما كانوا فيه من الغبن الفاحش أيام جثومه على صدورهم وتيقنوا أنه مذهب جهنمي صاغه شياطين الإنس والجن بمباركة إبليس اللعين لهم على يد انجز وكارل ماركس ومن جاء بعدهما مثل لينين وستالين إلى أن بدأ عهد جورباتشوف برئاسة ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي ومن الغريب والعجيب والهول الشديد أن بعض البشر ممن هم أشباه القردة والخنازير لا يزالون ينادون به ويتبجحون بأنهم فرسان الاشتراكية لعنها الله ولعنهم وأركسهم في جهنم جميعا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].
وإذا كان لأهل أوروبا ظروفهم التي أنتجت الدعوة إلى الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده فما بال الدول والشعوب التي تدعي الإسلام وأنه دستورهم، ما بالهم دخلوا تحت هذا اللواء الأحمر الذي يشير دائما إلى سفك الدماء وما هي الظروف التي ألجأتهم إلى المناداة بالاشتراكية الماركسية ألم يجدوا في الإسلام ما يسعدهم؟ بلى ولكنهم ما طبقوه إن لم نقل ما عرفوه أساسا. ويطول عتاب هؤلاء وخصامهم ولكن لا يمكن إغفال فريتهم الكبيرة التي تدل على مدى خبثهم وجهلهم، تلك الفرية التي ظهرت تنادي بأن الاشتراكية أساسها إسلامي وأنها تسير جنبا إلى جنب مع التعاليم الإسلامية بل وإن واضع أساسها في الإسلام – ليس هو كارل ماركس اليهودي الحاقد – بل إنه أبو ذر الغفاري وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي سميت عندهم " أم الاشتراكية" (1).بل وفي خطاب ألقاه جمال عبد الناصر زعم فيه بكل وقاحة أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو إمام الاشتراكيين (2). سبحان الله ما أعظم حلمه فأين الرسول صلى الله عليه وسلم وأين أم المؤمنين خديجة وأين أبو ذر الغفاري وأين الاشتراكية؟ إنها كذبة تكاد تهد الجبال وخدعة مكشوفة قبيحة أراد أصحابها تحبيب الوجه الكالح للاشتراكية إلى قلوب المسلمين لأنهم أرادوا وقد وقعوا فيها واصطلوا بنارها أن يجروا غيرهم إليها.
وما أشبه حالهم بحال الثعلب الذي قطع ذيله فجاء إلى بقية الثعالب يحبب إليهم أن يقطعوا ذيولهم لينعموا بالخفة والرشاقة!!
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1022--------------------------------------------
(1) انظر كتاب ((الفكر السياسي)) (ص 173).
(2) ((النظام الاقتصادي في الإسلام)) ـ (ص 42).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
أولا: معنى الاشتراكية
اختلف دعاة الاشتراكية فيما بينهم وافترقوا إلى أحزاب في مفهومهم للاشتراكية وفي المقصود بها، إلى حد أنه بلغت معانيها المائتين في بريطانيا وحدها (1). وهذا يذكرنا بقول الأعرابي حينما سمع أسماء القط الكثيرة فقال: "قبحه الله ما أقل نفعه وما أكثر أسمائه" وأقول لك قبل أن أذكر أهم التعريفات لها لا يهولنك كثرة تلك الاختلافات فإن مصبها في النهاية واحد هو الإلحاد والتشريع للبشر من دون الله تعالى " تعددت الأسباب والموت واحد "، وإذا رجعنا بمعنى الاشتراكية إلى ما قبل " كارل ماركس " فإننا نجدها قد ظهرت في أماكن مختلفة في دعوات إلى إلغاء الملكية الفردية وإلى نبذ التقاليد والأعراف وشيوعية الأموال والنساء بين الجميع ويطلق على هذه الاشتراكية اسم الاشتراكية القديمة قبل مرحلة ظهور النظام الرأسمالي الذي يناقض الاشتراكية تماما في تقديس الملكية الفردية والأنانيات الأخرى التي تميز بها، بل وقبل ظهور الإسلام بمئات السنين على عهد "أفلاطون" … فإطلاق الاشتراكية على الإسلام أوعلى العرب حين يقال الاشتراكية الإسلامية أو الاشتراكية العربية كذب محض، لأن الإسلام لم يقر الاشتراكية مع أنها كانت موجودة في صور شتى قبل الإسلام ومع ذلك لم يختر الله أن تكون ضمن تعاليم الإسلام لأنها تعاليم جاهلية والإسلام بريء من الجاهلية وأفكارها سواء ظهرت قبله أم بعده. وكذلك قولهم الاشتراكية العربية إن هو إلا كذب محض على العربية وعلى العرب الذين ما كانوا يعرفونها أو يتحدثون عنها لا في شعرهم ولا في نثرهم ومفاهيمها كلها غير مفاهيم الاشتراكية ونشأتها ليست في بلادهم فبأي حق تنسب إليهم؟ لولا إرادة الخداع والتضليل. وكذلك نسبتها إلى العلم هي نسبة زور وافتراء فقد قامت على التخمينات الماركسية وعلى التنبؤ بأمور كثيرة ظهر أنها كذب ولم تتحقق فنسبتها إلى العلم ظلم للعلم وأي ظلم؟ والإسلام والعرب والعلم والعقول السليمة كلها لا تعارض البيع والشراء والربح والملكية الفردية التي تحاربها الاشتراكية على أساس أن الربح ينتج عن الملكية الفردية وهي ممنوعة في الاشتراكية فمتى نادى الإسلام أو العرب أو العلم بذلك؟! وقد أحل الله البيع وحرم الربا.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1025--------------------------------------------
(1) انظر ((الموسوعة الميسرة)) (2/ 925).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
ثانيا: أقسام الاشتراكية
الاشتراكية كلمة بغيضة مهما قسمها زعماؤها ومهما تفننوا في خداع الناس في مفاهيمها المختلفة فهي على كل حال مذهب غريب على الناس وعلى أديانهم نشأ في أوروبا إثر أوضاع مختلفة وقد قسم بعض الباحثين الاشتراكية إلى قسمين:
- الاشتراكية الماركسية.
- الاشتراكية الفابية.
والذي نحن بصدد دراسته هو مذهب الاشتراكية الماركسية التي تنتسب إلى "كارل ماركس" والتي هي المقدمة الأولى للشيوعية الحمراء، أما الفرق بين الاشتراكيتين فيظهر من خلال ما يلي:
- الاشتراكية الماركسية نسبة إلى "كارل ماركس" بينما الاشتراكية الفابية نسبة إلى أحد قواد الرومان واسمه "فابيوس".
- الاشتراكية الماركسية تميل إلى العنف والثورة، بينما الاشتراكية الفابية تميل إلى الإصلاح وإلى سعادة الناس كما يزعمون وإلى التدرج في التطور ولو أدى ذلك إلى تأخر تطبيق الاشتراكية زمنا طويلا.
- إن الاشتراكية الماركسية تبطل الملكية الفردية وتحاربها، بينما الاشتراكية الفابية تعترف بالملكية العامة ولا تجيز تأميم الأرض دون مقابل وأن الملكية الخاصة يمكن تحويلها إلى ملكية الدولة بالطرق المشروعة. - خالف الفابيون آراء ماركس في نظرته إلى المجتمعات من أنها قائمة على الصراع الطبقي وقالوا بأن الصراع الطبقي ليس حتميا ولا ضرورة إليه لقيام حكومة العمال كما هو مذهب ماركس بل إن الدولة عند الفابيين ليس المقصود بها تسلط فئة على أخرى – كما يرى ماركس – وإنما الدولة عندهم هي قوة في صالح الجميع وأن التغيير الثوري العنيف الذي يراه ماركس فاشل في تحقيق السعادة للشعوب (1).--------------------------------------------
(1) ((الموسوعة الميسرة)) (2/ 1450) ..
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
ثالثا: متى ظهرت الاشتراكية؟ ذهب بعض الباحثين إلى أن التوجه نحو فكرة الاشتراكية مر بأطوار وفلسفات كثيرة قبل ظهور الدكتور "مردخاي كارل هزيك ماركس" وأنه لا يعرف على وجه التحديد أول من استعمل لفظ الاشتراكية إلا أنها ظهرت مطبوعة في سنة 1803م في إيطاليا ولكن مدلولها يخالف مدلولها الحالي إذ كان يراد بها في ذلك التاريخ الأفكار التي كانت تدور حول المشاكل الاجتماعية ثم ظهرت التسمية في عام 1832م في مجلة تسمى مجلة التعاون (1).ثم جاء بعد ذلك " ماركس " وعمق فكرة الاشتراكية وجادل من أجلها وأظهرها قوية فلم يكن هو المؤسس الحقيقي للفكر المادي وإنما كان لهذا الفكر مقدمات سبقت ظهور ماركس بقرون عديدة (2).
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1029--------------------------------------------
(1) ((النظام الاقتصادي في الإسلام)) ـ (ص 132).
(2) ((النظام الاقتصادي في الإسلام)) ـ (ص 132).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
رابعا: هل الاشتراكية هي الشيوعية؟
اختلفت وجهات نظر الباحثين - فيما يظهر من كتاباتهم – حول العلاقة بين الاشتراكية والشيوعية وفيما يلي أذكر بين يدي القارئ حاصل ما قيل حول هذه العلاقة. 1 - لا فرق بين الاشتراكية والشيوعية بل هما اسمان لمسمى واحد وعن تعليل التسمية بالاشتراكية بدلا عن التسمية بالشيوعية يقال: إن الشيوعية من بعد ماركس اشتهرت بأنها شيوعية "مزدك" (1)، فنفر منها الناس، ومن هنا صارت كلمة الاشتراكية أقل استنكارا لهذا جعلت البذرة الأولى لشجرة الشيوعية الخالصة وإلا فالشيوعية والاشتراكية اسمان لمسمى واحد" (2).2 - إن الاشتراكية ترمي في النهاية إلى الشيوع وأن الفرق بينهما يكمن في الناحية العلمية، فالشيوعية ترى أن جميع الثروات الاجتماعية مجموع يستهلك الفرد منه بقدر ما يسد جميع حاجاته وليس فقط بقدر ما يناسب خدماته، على أن هذا الحق في الاستهلاك يتوقف عند الشيوعيين على واجب الإنتاج والعمل فمن لا يعمل لا يأكل على حد قولهم، وهي ما يعبر عنها بقولهم "من كل طبقا لكفايته ولكل طبقا لحاجته" أما الاشتراكية فتتفق مع الشيوعية في وجوب إنشاء المجموع العام من الثروات ولكنها تخالفها في طريقة التوزيع فتسمح لكل فرد من الثمرات العامة بما يناسب عمله وجهوده لا بما يناسب حاجته " ولهذا يذهب بعض الباحثين إلى أنه لا فرق بين الشيوعية والاشتراكية، "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته" (3).
3 - إن بين الاشتراكية والشيوعية من جهة وبين الفاشستية من جهة أخرى شبها قويا من حيث أن الاشتراكية والشيوعية ترميان كلتاهما إلى تقوية قبضة الدولة في توجيه الإنتاج والقضاء على حرية الفرد وكذا النظام الفاشستي وكلها صور من صور الديكتاتورية. 4 - اعتبر " لينين " الاشتراكية هي المرحلة التي تسبق الشيوعية مباشرة فهي مقدمة أو تمهيد لها معتبرا أن الاشتراكية مرحلة أولى بينما الشيوعية هي المرحلة الأخيرة العليا (4).5 - إن الاشتراكية تختلف عن الشيوعية (5)، ولكن ما معنى هذا التفريق إذا عرفنا أن "ماركس" هو الذي أنشأها وسماها أيضا الاشتراكية العلمية حتى تتميز عن الاشتراكية الخيالية التي أنشاها " سان سيمون "، و "لويس" ورفاقهما والتي لم يرتضيها "ماركس" حيث اعتبر اشتراكيته مرحلة حتمية لا تقبل الرفض لأنها نتيجة مضادة للرأسمالية التي تنبأ بأنها ستنتهي وتحل اشتراكيته محلها وأن الدول الكثيرة مثل بريطانيا وغيرها ستعود حتما إلى الأخذ باشتراكيته وستموت الأنظمة الرأسمالية فيها فكانت النتيجة على حد قول الشاعر:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
فقد احتضرت الاشتراكية في الشرق في الوقت الذي انتعشت فيه الرأسمالية في الغرب، وكذلك ظن "ماركس" ورفاقه الأغبياء.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1030--------------------------------------------
(1) بتصرف عن ((النظام الاقتصادي في الإسلام)) (ص 44).
(2) في أكثر من بروتوكول
(3) سمعت هذا الكلام من إذاعة الرياض في مقابلة مع د. غازي القصيبي.
(4) ((النظام الاقتصادي في الإسلام)) (ص ـ 46) نقلا عن ((الإسلام والاقتصاد)) لعبد الهادي النجار (ص 647).
(5) انظر: ((كواشف زيوف)) (ص 647).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
خامسا: مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم
للاشتراكيين على اختلاف مفاهيمهم للاشتراكية قاسم مشترك يتفقون عليه في مغالطاتهم وخدعهم للناس وتحبيب الاشتراكية إليهم وقد تبدو الأمور التي يدعون إليها أنها فرصة ثمينة لإسعاد البشرية ولكنها سحابة صيف أو فقاقيع منفوخة بالهواء لقد انكشف زيفها واضمحل بريقها بعد التجارب المريرة التي مرت بالبشرية منذ تأسيسها إذ نقلتهم من سيء إلى أسوأ ومن طبقات متآلفة إلى طبقات متصارعة ومن فقر وغنى إلى فقر مدقع، وخلاصة تلك المزاعم تتمثل فيما يلي:
1 - المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد بلا تمييز بينهم في القومية أو الجنس أو السن.
2 - محو استغلال الفرد أو الجماعة أو الدولة للفرد.
3 - إلغاء الملكية الفردية للأرض بما عليها وما فيها من كنوز وثروات وجعلها بيد الدولة فقط يسمح بتحقيق العدالة في التوزيع بين الجميع.
4 - منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية أو فنية. 5 - قيام الدولة الاشتراكية ذاتها لتتحول إدارة الجهود والإنتاج الفردية إلى إدارة موحدة وتصبح الدولة هي المالكة الوحيدة لجميع الثروات ووسائل الإنتاج وجميع المرافق الاقتصادية الأخرى وتتولى استثمارها (1)، وبالتالي تحصل السعادة المنشودة.
تلك هي أهم الأمور التي تدور حول مفاهيم الاشتراكية وتحبيبها إلى الناس.
أما المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد فقد حققها الاشتراكيون ولكن على الجانب الآخر فقد استطاعوا أن يساووا بين الناس في الفقر ولكنهم لم يستطيعوا أن يساووا بينهم في الغنى لأن الهدم دائما أسهل من البناء وحال الشعوب السوفياتية بعد انجلاء غمة الاشتراكية عنهم أقوى شاهد على ذلك.
أما محو استغلال الفرد من قبل الأفراد الآخرين أو الجماعة أو الدولة فهي كذبة واضحة حيث أن الدولة استغلت الأفراد من اللحم إلى العظم حتى أصبح الفرد مثله مثل أي قطعة استهلاكية وأي استغلال أقوى من أن الفرد لا يأكل أي وجبة إلا ببطاقة ولا يملك سكنا ولا غيره إلا مع الجماعة بل وقد يقتل بكل بساطة أمام زملائه إذا اتضح قصوره في العمل.
وكذا إلغاء الملكية الفردية للأرض نعم حققتها الاشتراكية حتى أصبح الناس كلهم لا يملكون شيئا وأصبحت الأرض ومن عليها من شجر وبشر ملكا للدولة وهو ما كان عليه الحال زمن الإقطاع تماما.
وأما منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الانتاج علمية أو فنية فنعم ولكن عمله ليس له إنما هو يعمل كما تعمل الآلة بلا كلل ولا ملل لحساب الدولة التي أممت كل شيء وسدت كل باب للملكية الفردية، وما دام المصب واحد فلا يضر اختلاف المجاري أو على حد ما قاله الخليفة العباسي للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك".
6 - ومن أكبر مزاعمهم قولهم أن الاشتراكية إنما قامت في رد فعل ضد الرأسمالية إثر ظهور الثورة الصناعية التي أسهمت في شقاء العمال والكادحين حيث أدت إلى زيادة ساعات العمل وانخفاض الأجور مما تسبب في إلحاق كوارث بالعمال وخيمة وأنه لم يكن لهم مخرج من تلك الأوضاع ولا منقذ غير الانضواء تحت راية الاشتراكية الماركسية ونبذ النظام الرأسمالي الذي لا يرحم الفقراء ولا يعترف بحقوقهم ولكن وضع دعاة الاشتراكية هذا يصدق عليهم المثل القائل " إذا كان بيتك من زجاج لا تراجم الناس " إذ بإمكان أي رأسمالي أن يقول للاشتراكيين ألم تروا حال العمال والكادحين لديكم ومدى البؤس والشقاء الذي حل بهم؟ إضافة إلى أنكم حولتم العامل من إنسانيته إلى أن جعلتموه قطعة من أدوات الإنتاج لا قيمة له إلا من خلال سلوكه وعمله مع المجموعة.
فظهر أن النظامين معا جائرين ظالمين لا خير فيهما ولا رحمة حقيقية فيهما على الفقراء.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1033--------------------------------------------
(1) انظر ((حركات ومذاهب في ميزان الإسلام)) (ص 42).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
سادسا: قوانين الاشتراكية
قامت الاشتراكية على مبادئ جاهلية من تصورات الحقد اليهودي لتجعل من قادتها آلهة من دون الله تعالى ومن البشر عبيدا لهم ينفذون أحكامهم ويتبعون تشريعاتهم ومن خالف فالحديد والنار على رأسه لا رحمة لديهم ولا إنسانية ومن أهم تلك المبادئ الجاهلية:
1 - إظهار الإلحاد وإنكار وجود الخالق سبحانه وتعالى.
2 - إنكار الأديان وكل ما جاءت به من تشريع.
3 - إشعال الثورات والصراع الطبقي المرير بين جميع الفئات من البشر.
4 - إلغاء الملكية الفردية تماما وإحلال ملكية الدولة محلها.
5 - محاربة الأسرة وإحلال الإباحية محلها لتفتيت أوصال المجتمعات.
6 - محاربة الحريات الفردية.
7 - الالتزام بنظام التأميم.
8 - قيمة السلعة من قيمة العمل.
9 - فائض القيمة.
10 - قانون تكدس رأس المال.
ومن الملاحظ أن الاشتراكيين قد تراجعوا بالنسبة للملكية الفردية نوعا ما فقد أخذت بالحافز الفردي بعد انهيار الإنتاج المؤمم، إما بملكية جزء من إنتاج الفرد لنفسه أو مكافآت خصوصا في المجالات الزراعية التي يصعب على الدولة مراقبتها بدقة لأن منع الملكية الفردية أمر يتنافى مع فطرة الإنسان وطموحه فقتلها مستحيل.
والمقصود "بقيمة السلعة من قيمة العمل" أن العمل لا يبذل إلا في شيء له نفع اجتماعي يحدد قيمة تلك السلعة بمعنى أن قيمة العمل والجهد الذي يأخذه هو الذي يحدد قيمة السلعة هبوطا وارتفاعا.
ولكن فاتهم أن العمل ليس هو العنصر الوحيد لقيمة السلع إذ أن ندرة الشيء تجعله غاليا كالذهب والماس وكذا الماء حين تشتد الحاجة إليه وغير ذلك من الضروريات التي قد يتضاءل العلم في قيمتها كما أنه قد يبذل العمل القليل في صناعة شيء يفوق في القيمة أضعاف ما يبذل في العمل الكبير.
وأما فائض القيمة فيراد به "الفصل بين الأجر المستحق عن العمل المبذول وبين ما يحصل عليه العامل من الأجر أو هو الزيادة التي يبتزها صاحب العمل من العامل نتيجة إعطائه أجرا لا يساوي جهده المبذول فإن معدل ما يقدمه العامل من جهد هو أكبر مما يناله من الأجر"، أو المقصود بها الشيء الزائد عن قيمة السلعة الحقيقة التي هي حق للعامل بينما يأخذها الرأسمالي كجزء من القيمة وفائضها يذهب له لا للعامل ولكن نظرة ماركس هنا قاصرة وينقصها ما وقع بعد عصره من تشغيل الآلات التي لا يساوي عمل الفرد شيئا إلى جانبها، وهل عمل المهندس الفني الذي يدير مجموعة آلات يتساوى مع عامل فلاح بحيث يتساويان في الأجرة أو في قيمة الناتج؟!! ففائض القيمة اليوم هو حق الآلة التي تعمل ذاتيا أو أتوماتيكيا وليس حق العامل " وإذا كانت الماركسية تدافع عن فائض القيمة التي يبتزها الرأسمالي صاحب العمل فإن هذا الفائض في المذهب الاشتراكي يذهب تماما إلى الدولة التي أممت كل شيء فلم يحصل العامل على حقه الفائض لا في الرأسمالية ولا في الاشتراكية غير أن الاشتراكية تخدعه وتنميه بالكذب فالعامل فيها يكدح ويعمل طويلا في مقابل ما تعطيه الدولة من المأكل والمشرب والملبس والسكن المتواضع جدا وهو أقل مما يبذله من العمل.
وأما قانون تكدس رأس المال فإنه يريد به حماية العامل في حال إقامة المصانع والمشاريع الكبيرة وسيطرة أصحابه على السوق بحيث تبقى المصانع الصغيرة أو المشاريع الصغيرة غير قادرة على منافسة الكبيرة وبالتالي يخسرها أصحابها فتتكدس الأموال بين فئة الأغنياء من جراء ملكيتهم لهذه المصانع وملكيتهم لفائض القيمة ويرد على هذه الفكرة أن المشاريع الصغيرة قد تصل إلى الأماكن النائية التي لا تستطيع المشاريع الكبيرة الوصول إليها ومنافستها فيها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
كما أن الأعمال الصغيرة قد تأخذ شهرة أكثر من الكبيرة من حيث الإتقان والجمال، ولهذا تجد العمل اليدوي في مجالات كثيرة لا يزال ذا قيمة أكبر في المجتمعات وفي أثمان السلع. كما أن المشروعات الكبيرة - في أغلبيتها – تأخذ شكل شركات مساهمة قد يسهم فيها مئات بل آلاف ومن ثم يتوزع رأس المال ولا يتكدس (1). وفوق ذلك كله يقال لهم إن الله تعالى – وإن لم يؤمنوا به – هو الذي قسم الأرزاق أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32]، ولهذا تجد أن الفقير والغني كلاهما يأكلان من فضل الله وصدق المتنبي حيث قال:
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى … هلكن إذا من جهلهن البهائم
هل كان ماركس يهدف إلى الرحمة بالفقراء؟ كلا. إنما يهدف إلى تطبيق مبدئه الجهنمي في إثارة الأحقاد والصراع الطبقي والانتقام المتبادل بين فئات الناس والفتك ببعضهم بعضا.
خداع الاشتراكيين في زعمهم أن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلاميتظاهر كثير من المخادعين الاشتراكيين بأنهم إنما يؤيدون الاشتراكية لأنها تحمل الرحمة للفقراء وكبت الأغنياء ولأنها فوق كل اعتبار لا تتعارض مع الإسلام ولا مع الأديان ولذلك فهي تلتقي مع الإسلام في مبادئ كثيرة "مثل اشتراك الناس في الماء العام وفي الهواء وفي الكلأ النابت في الأراضي العامة ويسمى الكلأ المباح عند الفقهاء ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية لصالح الفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]، ومثل تدخل الدولة لحماية العمال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه ونحو ذلك " (2).
ونقول بأنه وبغض النظر عن صحة هذه الدعاوى أو كذبها فإن مجرد التوافق في التسمية لا يكون توافقا في الحقيقة وإلا لكانت كل الاختلافات لا قيمة لها لأنه ما من مختلفين في قضية من القضايا إلا وتجد بينهم توافقا ما. فإقرار الإسلام لتلك الأمور هو غير إقرار الاشتراكية لها وترتيبه لها غير ترتيب الاشتراكية لها ومفهومه غير مفهوم الاشتراكية واشتراك الناس في تلك الأمور في الإسلام هو اشتراك مودة ورحمة وإخاء وتسامح بينما هو في الاشتراكية حق واحد للسبع الكبير – الدولة – تأخذ منها شبعها ثم تسمح بالباقي للآخرين في مقابل " من لم يحترف لم يعتلف " وفوق كل ما تقدم نقول لمخادعي الاشتراكية من أين جاء مصدر الإسلام ومن أين جاء مصدر الاشتراكية وهل يلتقي التشريع الإلهي والتشريع البشري على حد سواء.
إن الإسلام لا يعترف بأي نظام جاهلي وضعي فكيف يقال إنه يعضده ويوافقه سواء أكان اشتراكيا أو رأسماليا أو شيوعيا إنه من الكذب والافتراء الفاحش القول بتوافق الإسلام مع هذه الأنظمة الجاهلية وغيرها.--------------------------------------------
(1) ((حركات ومذاهب في تاريخ الإسلام)) (ص 43).
(2) انظر ((الاتجاهات الفكرية المعاصرة)) (ص 142).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
وإذا سلمنا جدلا بتوافق الإسلام مع تلك الأنظمة فما هو السبب في قتل الاشتراكيين الشيوعيين للمسلمين في الاتحاد السوفيتي قتلا لا يتصور العقل أهواله ودمارا لا حد له لقد حاربوا الإسلام حربا شعواء وهدموا المساجد وحاربوا وجود أي كتاب إسلامي على امتداد البلاد السوفيتية وأصبحت تهمة الشخص بأنه مسلم كافية لإباحة دمه وتدمير منزله حتى تناقص أعداد المسلمين وعدد مدارسهم وعدد مساجدهم تناقصا مذهلا فما هو جواب هؤلاء البهائم – بل هم أضل – ما هو جواب الاشتراكيين عن هذا السلوك ألم تنكشف خدعهم للعالم أجمع وتظهر الحقيقة لكل ذي رأي وعين أن العداوة بين الحق والباطل دائما على أشدها؟ ومن الأدلة الواضحة على بعد الاشتراكية عن الإسلام ما نراه من الفشل الذريع الذي منيت به في ديار المسلمين رغم ما يبذله أقطابها من مغريات جمة لإنعاشها بين المسلمين ذلك أن الإسلام والمسلمين ينفرون منها ويرفضونها جملة وتفصيلا، وثانيا أنها لم تنجح إلا في أوساط المتخلفين اقتصاديا وثقافيا ودينيا، أو متسلط متزلف إلى أقطاب الاشتراكية، أو كافر حاقد، أو إباحي مجرم، أو جاهل بحقيقة الاشتراكية (1).
وما نسمعه من نجاحها في بعض البلدان العربية فإنما هي دعايات وزوبعات مؤقتة وراءها الحديد والنار ثم انجلت الغمة عن تلك البلدان فإذا بالاشتراكية وأقطابها في المزابل ولنا في دخولها البلدان ونهايتها فيها وفي دخول الإسلام البلدان المفتوحة وبقائه فيها خير شاهد على مدى الفرق الهائل بينهما.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1036--------------------------------------------
(1) ([399]) ((العولمة والعالم الإسلامي)) ((حقائق وأرقام))، لعبد سعيد إسماعيل، وقد عرض لتعاريف مختلفة للعولمة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
سابعا: كيف غزت الاشتراكية بلدان المسلمين؟
من المعروف أن الأفكار تنتقل وتتسرب من شخص لآخر ومن أمة لأمة دون أن تحدها حدود. فهي تتغلغل وتنتقل في الوقت الذي يتهيأ لها وكما يقال "لكل صائح صدى" مهما كان قبح صوت ذلك الصائح فقد وجدت الاشتراكية القبيحة طريقا إلى أذان بعض من تقبلها تحت أسباب متعددة وذرائع مختلفة وإغراءات براقة، والذين تقبلوها إما طلاب دنيا لهم أغراض في الوصول إلى الزعامة أو الثراء، أو أصحاب حقد شديد على الأغنياء يريدون النيل منهم، أو جهال ينعقون بما لا يفقهون ويصفقون لما لا يدركون حقيقته، أو إباحيون لا يريدون أن يحدهم دين أو شرع عن الوصول إلى شهواتهم. وهؤلاء العملاء قد يكونون تحت مسمى الإسلام ومن العرب أو من غيرهم ولكنهم أشد أعداء الإسلام والمسلمين باعوا دينهم وضمائرهم لأقطاب الاشتراكية الماركسية وكونوا من أنفسهم طابورا سريا وفي الصف الأول في الهجوم على الدين ومن يمثله من أبناء جلدتهم وبالإضافة إلى أن هؤلاء جواسيس على أمتهم ودينهم فهم كذلك دعاة ترغيب وتحسين لوجه الاشتراكية الكالح يرددون الشعارات تلو الشعارات والمدائح تلو المدائح إما تصريحا وإما تلميحا تحت دعاوى كثيرة باطلة. إما دعوى إنصاف الفقراء والمظلومين، وإما دعوى التحرر، وإما دعوى التقدم ونبذ الرجعية والجمود والتخلف ولحوق ركب الحضارة الغربية أو الشرقية وما غير ذلك من الشعارات البراقة والخطب الرنانة الفارغة بكل ما لديهم من قوة صاحب السلطة بسلطته وصاحب القلم والرأي بقلمه ورأيه وصاحب نشر الفحشاء والسوء بأسلوبه فكم ألصقوا من التهم الشنيعة بشرفاء هم أنظف من الزجاجة وشوهوا سمعتهم بما اختلقوه من التهم والألقاب المنفرة ضدهم، وكم قرب الاشتراكيون من صعاليك سفهاء وكم أبعدوا من أولي الحجى حتى صارت كلمة السفهاء وأصحاب الخنى هي المسموعة في وسائل إعلامهم المختلفة من مرئية ومسموعة ومكتوبة وأبعدت الكلمة الصالحة وجعلوا دون نشرها حجبا كثيرة وأبوابا مغلقة لئلا تفتح القلوب وتزيل غشاوة أبصار من افتتنوا بها.
أما بالنسبة لغزو الاشتراكية البلاد العربية فقد بدأ ظهورها في مصر وسوريا ولبنان في صورة ليست قوية إلى أن تبناها رئيس مصر جمال عبد الناصر الذي طغى وبغى في وقته وتبنى الاشتراكية الماركسية ونشرها بأساليب شيطانية وأحيط بها له من التغطية حيث كاد أن يدعي ما ليس له بحق لولا أن الله عاجله بالعقوبة بهزيمته على يد اليهود أولا وموتة الفجاءة ثانيا بعد أن علا اسمه وصار يلقب بأبي الأحرار ورائد الأمة وما إلى ذلك من الأسماء المكذوبة وكان بعضهم يصرح بقوله لن نهزم وناصر بيننا فهزمهم الله في حرب سنة 1967م شر هزيمة عرفت في التاريخ الحديث.
انتعشت الاشتراكية العلمية التي اختارها جمال عبد الناصر طريقا وقام الكتاب المتزلفون وأطروها مدحا وجاؤوا بخدع لا نظير لها لتحبيبها إلى قلوب المسلمين ومن الملفت للنظر أن دعاة الاشتراكية العربية تناقضوا مع أنفسهم تناقضا فاحشا فبينما هم ينادون بالاشتراكية العلمية إذا بهم يقولون إنها ليست الاشتراكية الماركسية وهل هناك اشتراكية غير اشتراكية ماركس التي سماها – كذبا وزورا – علمية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)