تاسعا: أهداف قيام الشيوعية (1)
مرَّ بنا أن اليهودية العالمية هي التي صنعت الشيوعية الماركسية، وأنها جعلتها وسيلة لتحقيق أهدافها للسيطرة على العالم، وتسخير المواد والمنتجات لخدمة أغراضها الدنيئة، وأهوائها المنحطة.
ثم إن دراسات ماركس ليست وليدة بحث علمي أو تفكير منطقي يهدف إلى إصلاح العالم، بل كان البحث الذي قام به في هذا الصدد بمثابة الدفاع أو التسويغ لتلك النظرية التي اعتنقها من قبل؛ لكي تلبس لبوس العلم والبحث.
وكان من الأهداف التي ترمي إليها الشيوعية ما يلي:
1 - بث الأحقاد والفرقة والعداوة بين المجتمع العالمي عن طريق التآمر والصراع بين الطبقات.
2 - معارضة الدين، والملكية الفردية، وحرية الرأي.
3 - نشر الإلحاد، والفساد والإباحية.
4 - القضاء على الأديان الموجودة عدا اليهودية.
5 - القضاء على الحياة الأسرية، وجعل الولاء مقصوراً على السلطة الحاكمة، مع تخويل السلطة الحاكمة بألَاّ تحكم وفق قوانين ثابتة، وإنما تتغير القوانين حسب مصالح الحاكم الخاصة، وأهوائه الذاتية المتقلبة من وقت لآخر.
6 - وبالجملة فأهداف الشيوعية تتفق كثيراً مع أهداف اليهودية العالمية التي مضى ذكر لبعضها ضمناً عند الحديث عن أسباب قيام الشيوعية وعن معتقداتها، وأخلاقها.
المصدر:رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 400--------------------------------------------
(1) [459]- انظر ((كشف أسرار الباطنية)) للشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي اليمني (ص 55)، و ((الحركات الباطنية)) د. محمد بن أحمد الطيب الخطيب (ص 66).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 198)
عاشرا: الوسائل التي توصل بها الشيوعيون إلى تحقيق أهدافهم لقد دأب الشيوعيون وساروا سيراً حثيثاً في سبيل تحقيق أهدافهم والوصول إلى مآربهم، وقد سلكوا في ذلك السبيل طرقاً شتى، ومن ذلك ما يلي (1):
1 - إقامة المنظمات الشيوعية في مختلف بلدان العالم وفق أرقى التنظيمات الحزبية، معتمدة في ذلك على إرضاء الشهوات، وإثارة الأحقاد، وسلخ جذور الدين والأخلاق من أعماق النفوس.
2 - اعتماد وسيلة الثورات الدموية العنيفة لقلب أنظمة الحكم، واستيلاء الشيوعيين عليه.
3 - بعد الوصول للحكم يتجه الشيوعيون لتصفية كل العناصر المضادة، ثم العناصر ذات الولاء المشوب، ثم العناصر التي يمكن أن تنافس أو تضاد في المستقبل.
4 - محاربة جميع الأديان لاسيما الإسلام - باستثناء اليهودية - فإن لليهود في معظم أنظمة الحكم الشيوعي تمكيناً سرياً، ومعاملة خاصة، وحماية وحصانة، وتركاً لقضاياهم الدينية الخاصة.
5 - القضاء على علماء الدين والدعاة إليه، ولاسيما المسلمين منهم ومحاربتهم بالتشريد، والنفي، وتشويه السمعة؛ حتى يتسنى للشيوعيين تحقيق ما يريدون دون أن ينتبه أحد لخطرهم وخططهم.
6 - فرض الضرائب الباهظة على أفراد الشعب؛ لإذلالهم، وإرهاقهم كي يقبلوا الشيوعية طوعاً، أو كرهاً.
7 - القضاء على الملكية الفردية، وجعل الزراعة تحت إدارة الحكومات الشيوعية.
8 - امتلاك المصانع، وجعلها تحت سيطرة الدولة.
9 - الاستيلاء التام على التجارة.
10 - القضاء المبرم على الأخلاق الفاضلة، وفتح الأبواب للفساد، وإقامة الأخلاق الحزبية التي تخدم مصالح الحزب، وتتوجه أين توجهت ركائبه.
11 - إشاعة الإباحية الجنسية، ودفع المرأة للتحلل التام من ضوابط العفة، ومبادئ الشرف، مع نزع النخوة والغيرة من نفوس الرجال.
12 - تقسيم الشعب إلى طبقتين:
أ - طبقة السادة: وهم الشيوعيون، ومن تابعهم وخضع لهم.
ب - طبقة المنبوذين: وهم الذين لم ينتظموا في الحزب ولم يقبلوا نظام حكمه، أو لم يخضعوا له، ولم يعلنوا له ولاءهم التام.
13 - السيطرة التامة على التعليم؛ فلا يسمح لأي شيء إلا عن طريقهم، ووفق خططهم، ومناهجهم، ويمنع بذلك التعليم الديني تماماً حتى في البيوت والكتاتيب.
14 - إحكام السيطرة على الإعلام - فلا ينشر في وسائل الإعلام إلا ما يمليه الحزب، وما يوافق هواه.
15 - القضاء على المعابد الدينية قضاءاً شبه كلي إلا قليلاً منها يترك للدعاية الخارجية، بل لم يكتفوا بهدم المعابد، وإنما حولوها إلى مباءات فسق، ومنتديات خناً وفجور.
16 - إقامة السياسة الدكتاتورية المستبدة بكل شيء، وبهذه السياسة تصادر جميع الحريات، الفردية والجماعية، باستثناء الحرية الشخصية الضيقة، والتي منها الحرية الجنسية.
17 - إقامة شبكة تجسس واسعة النطاق، وتكليف كل فرد - قانوناً - بأن يبلِّغ عن كل ما يراه مخالفاً لقانون الدولة وسياستها، حتى ولو كان المخالف ابنه أو أمه أو أباه، أو أخاه، أو قريبه، أو صديقه أو زوجه.
وإلا عُدَّ مجرماً بجرم السكوت عن التبليغ، ويستحق بذلك الجزاء والعقاب بالسجن فما فوقه، وقد يكون بمثابة شريك في الجرم.
18 - نشر الشيوعية بمختلف وسائل الترغيب والترهيب بين أفراد الشعب، وفي الشعوب غير الخاضعة للحكم الشيوعي.
19 - العمل على تحويل العالم إلى دولة شيوعية واحدة خاضعة للأيدي القابضة على الأنظمة الشيوعية من وراء الستار.
المصدر:رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 400--------------------------------------------
(1) انظر ((الشيوعية في موازين الإسلام)) (ص 15).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 199)
حادي عشر: أسباب انتشار الشيوعية في العالم الإسلامي
لقد دخلت الشيوعية الماركسية كثيراً من بلاد المسلمين، وما كان ذلك ليتم لها؛ لأن مسوغات انتشارها في أوربا وروسيا كثيرة؛ وأبرزها غياب المنهج الصحيح وهو الإسلام.
أما بلاد المسلمين فإنها تنعم بالدين الحق، فما حاجتها - إذاً - للشيوعية؟!.
وكيف تسمح لمثل هذه المذاهب الباطلة أن تنخر في جسم الأمة وقد أغناها الله عز وجل بوحي السماء عن زبالة أفكار أهل الأرض؟! والجواب عن ذلك أن الشيوعية دخلت بلاد الإسلام لأسباب عديدة منها (1):
1 - انحراف كثير من المسلمين، وجهلهم بعقيدتهم: فما كان للشيوعية أن تنتشر في بلاد المسلمين إلا عندما انحرف كثير من المسلمين عن دينهم، وجهلوا عقيدتهم، ونسوا حظاً مما ذكروا به.
وإلا لما كانت العقيدة سليمة، والإيمان قوياً راسخاً، والتمسك بأمر الله قائماً - لم يجد الأعداء منفذاً ينفذون من خلاله، وإن وجدوا منفذاً فلن يجدوا مكاناً يؤثرون فيه، وإن وجدوا مكاناً ففي أندر الأحوال يقع ذلك، ثم سرعان ما يقاوم ويعالج.
2 - الهزيمة النفسية الداخلية: فلما انحرف المسلمون عن دينهم أصابهم الوهن، وداخلتهم الهزيمة، ففقدوا العزة، وتدثروا الذلة، فسهل دخول المذاهب الهدامة ومنها الشيوعية.
وإلا فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تأخذ، ومقدار ما تعطي، ونوع ما تأخذ، ونوع ما تعطي، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة حتى تحمي رأيها، فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع؛ فالأمة التي تُشْرَب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشؤونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر في أن تقع في يد من يطعن في نحر كرامتها، ولا يستحيي الإنسانية أن تراه مهتضماً لحق من حقوقها.
3 - هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوربية: فما كاد الأوربيون يمتلكون القوة المادية، ويستخدمون الآلة، ويعملون المصانع - حتى اتجهوا إلى دول العالم الثالث؛ بحثاً عن الأسواق؛ لبيع منتجاتهم الصناعية، وجلباً للمواد الخام اللازمة للصناعة.
ولما كانت هذه الدول تطمع في الحصول على ما تريد بأبخس الأثمان، أو بلا ثمن أصلاً - فإنها استخدمت قوتها العسكرية.
ولما كان العالم الإسلامي في غاية التخلف عسكرياً، وسياسياً، وصناعياً - لم يصمد أمام تلك الهجمة، وكان للهزيمة العسكرية أثرها في زعزعة العقيدة والشعور بالنقص، وتقليد الغالب، والتشبه بأخلاقه؛ ظناً منهم - لفرط جهلهم - أن أوربا لم تتطور إلا عندما اعتنقت الإلحاد، ورفضت الدين.
4 - الاستعمار وما خلَّفه من دمار: فلقد عانى المسلمون من الاستعمار، وويلاته، حيث امتص المستعمرون دماء المسلمين، وخيراتهم، وأوطانهم، كما فرضوا عليهم أفكارهم ومذاهبهم الباطلة.
5 - حال المسلمين المتردية: فَتَفَرُّق المسلمين، وتخلُّفهم، وتشتت كلمتهم - صار فتنة للكفار والمنافقين، والجهال؛ حيث استدلوا بذلك على بطلان الدين، كما سيأتي في الفقرة الآتية.
6 - جعل واقع المسلمين في العصور المتأخرة هو الصورة التي تمثل الإسلام: فيروج الشيوعيون، وأذنابهم من الزنادقة المنتسبين للإسلام أن دين الإسلام دين تخلف، وانحطاط، وتأخر عن مواكبة الأحداث، ويستدلون على ذلك بواقع المسلمين في العصور المتأخرة، ويوهمون الناس بأنه لو كان ديناً حقاً لما انحدر المسلمون، وصاروا في ذيل الركب.--------------------------------------------
(1) ((الدنيا لعبة إسرائيل)) وليم كار (ص 11)، وانظر ((المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها)) د. عبدالرحمن عميرة (ص 45).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 200)
7 - انتشار الخرافات والبدع: حيث شاعت في بلاد الإسلام بدع، وضلالات، وخرافات تروج لها المذاهب الباطلة والطرق الصوفية التي تقوم على الدجل، وعبادة القبور، والمبالغة في قصص الكرامات.
كل ذلك اغتنمه الشيوعيون، وسددوا من خلاله سهامهم نحو الدين؛ ليروجوا أن الدين خرافة ودجل.
8 - سقوط الخلافة الإسلامية: فلقد كانت تجمع المسلمين وترهب أعداء الله، مع ما كانت عليه في أواخر عهدها من انتشار البدع، ونخرها في جسد الخلافة.
9 - التقصير في الدعوة إلى الله: ذلك أن كثيراً من المنتسبين إلى علوم الشريعة - فرطوا في جانب الغيرة على الحق، بل ربما كان منهم من يواد الملاحدة، ويتملقهم بالإطراء، ويغض الطرف عن إلحادهم، بل ربما شهدوا لهم بالإخلاص للدين.
يفعلون ذلك رجاء متاع الحياة الدنيا، أو خشية أن يوصفوا بالتشدد والانغلاق أو رغبة بأن يوصفوا بالانفتاح وسعة الأفق، وهم يعلمون أنهم إنما يوالون طائفة تفسد على الأمة دينها وأخلاقها.
ومن العلماء من أخلدوا إلى الأرض، فلا ينكرون على الناس شركهم بالله، وطوافهم حول الأضرحة، ولا يبينون الحق، ولا ينصحون للأمة، وربما زينوا للطواغيت باطلهم، وسوغوا لهم أعمالهم الإجرامية.
10 - ترك الجهاد في سبيل الله: حيث ركن أكثر المسلمين إلى ملذات الحياة الدنيا، فدبت إلى الجفون غفوة، فلم تكد الأمة تستفيق منها إلا ويد أجنبية تقبض على زمامها، وتديرها كما تشاء.
11 - تركيز الغرب على إفساد التعليم والإعلام والمرأة: فشوه الإعلام صورة الإسلام وعلمائه، وروج للعري والإباحية والفوضى الجنسية، فغرق كثير من الشباب في هذا المستنقع الآسن، والشيوعية لا تُفَرِّخ إلا بمثل ذلك الجو.
ثم إن الطعنة النجلاء، والخنجر المسموم - هو فساد التعليم، ومناهجه الدراسية، حيث قطعت صلة الطلاب برب الأرباب، وأصبحت مناهج الدين في زاوية ضيقة محدودة، فانفتح المجال على مصراعيه للشيوعية؛ حيث زاحمت علومها علوم الدين، بل أقصتها جانباً، ونَحَّتْها عن مجال التأثير؛ فشاع الجهل بالدين، وسهل دخول الأفكار المضللة إلى العقول.
12 - الابتعاث وما فيه من مفاسد: حيث يبتعث إلى بلاد الكفر مَنْ هو خالي الوفاض - في الغالب - فلا علم لديه، ولا ورع يزمُّه، ولا تقوى تردعه ولا عزة تمنعه، فيعيش في تلك البلاد فترة من الزمان، فيتأثر بما فيها من انحلال، وفساد، وكفر، وربما رجع بشهادة الدكتوراه بعد أن يفقد شهادة أن لا إله إلا الله، فيصبح بذلك معول هدم لأمته، وربما تولى زمام التأثير في المجالات المهمة؛ فيفرغ فيها كُثبة من سمومه، وفساده.
13 - خيانات العملاء والمنافقين: فلهؤلاء دور كبير في نشر الشيوعية، والتمكين لها، ولا أدل على ذلك من خيانة الأحزاب الشيوعية العربية للقضايا العربية والإسلامية؛ فذلك أمر تؤيده الحقائق المشهورة؛ فحيثما وُجِدَتْ مصلحة الاتحاد السوفييتي أو مصلحة إسرائيل فإن تلك الأحزاب تنحاز إلى تلك المصالح ضد المصالح الإسلامية والعربية.
وأوامر الحزب الشيوعي اليهودي أوامر مقدسة عند الأحزاب الشيوعية العربية، حيث تنفذها دونما اعتراض.
وحركات التحرر التي قامت ضد فرنسا، وبريطانيا تعد - في نظر الأحزاب الشيوعية العربية - حركات بورجوازية انتهازية لا تستحق الدعم والتأييد، بل تستحق المعارضة، والكفاح.
وكل وجهة نظر سوفياتية تتعلق بالقضايا العربية أو الإسلامية هي الوجهة التي لا يجوز العدول عنها عند تلك الأحزاب.
14 - سوء التربية: وذلك بأن ينشأ الشخص في بيت خالٍ من آداب الإسلام ومبادئ هدايته، فلا يرى فيمن يقوم على أمر تربيته من نحو أب، أو أم، أو أخ - استقامةً، ولا يتلقى ما يَطْبَعُه على حب الدين، ويجعله على بصيرة من حكمته؛ فأقل شبهة تمس ذهن هذا الناشئ تنحدر به في هاوية الضلال.
15 - مصاحبة الملاحدة: فمن أسباب اعتناق الإلحاد أن يتصل الفتى الضعيف النفس بملحد يكون أقوى منه نفساً، وأبرع لساناً، فيأخذه ببراعته إلى سوء العقيدة، ويفسد عليه أمر دينه.
16 - قراءة الناشئ مؤلفات الملاحدة: فالملاحدة يدسون سموماً من الشبه تحت ألفاظ منمقة، فيصغى إليها فؤاد الناشئ، وتضعف نفسه أمام هذه الألفاظ المنمقة، والشبه المبهرجة، فلا يلبث أن يدخل في زمرة الملاحدة الألدَّاء.
17 - غلبة الشهوات: فقد تغلب الشهوات على نفس الرجل، فتريه أن المصلحة في إباحتها، وأن تحريم الشارع لها خالٍ من كل حكمة، فيخرج من هذا الباب إلى إباحية وجحود.
هذه بعض الأسباب لانتشار الشيوعية في العالم الإسلامي سواء على مستوى أفراده، أو شعوبه، أو دوله.
ثم إن بعض أسباب نشأة الشيوعية الحديثة تشترك مع أسباب دخولها في بلاد الإسلام.
المصدر:رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 423
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 201)
ثاني عشر: أخلاق الشيوعية (1)
لا ريب أن عقيدة الإنسان ترسم له طريقه، وتحدد له معالم سلوكه ومعاملاته فالناس توجههم عقائدهم وأفكارهم، والانحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في الاعتقاد.
ولهذا فلا غرو أن تفسد أخلاق الشيوعيين؛ لأن الأصل لديها منهار، وإذا انهار الأصل تداعت الأركان والفروع.
بل إن عقائدهم أحط العقائد، فلا تسل - إذاً - عن فساد أخلاقهم، وما يتبع ذلك من انحطاط سلوكهم.
فالشيوعيون على أتم الاستعداد لعمل أي شيء مناف للأخلاق، من غش وكذب، وخداع، في سبيل تحقيق مكاسبهم، والوصول إلى غاياتهم؛ فهم يأخذون بالمبدأ الميكافيلي: الغاية تسوغ الوسيلة.
يقول إنجلز: إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب منه ذلك من كذب، وتضليل، وخداع - فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً.
ولهذا فالشيوعيون لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم، وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. يقول لينين في رسالة بعث بها إلى الأديب الروسي مكسيم جوركي: إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء، إنما الشيء المهم هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً (2).
ولقد طبقوا هذه القاعدة في روسيا أيام الثورة، وكذلك في الصين، حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم للجمهوريات الإسلامية كبخارى وغيرها، واكتساحهم لأفغانستان - ينضوي تحت هذه القاعدة.
ومما تؤمن به الشيوعية من أخلاق - العنف، والسعيُ في إثارة الحقد والضغينة في نفوس العمال.
ومن ذلك القسوة المتناهية؛ فلا يَتَصوَّر الفكر، ولا يتوهم الخيال لوناً من ألوان التعذيب الهمجي، والقمع الإجرامي، والإبادة الجماعية للمجموعات البشرية دون أية عاطفة إنسانية مع التفنن العجيب في وسائل التعذيب - إلا ويمارسه الشيوعيون بأقبح صوره، وأبشع مستوياته.
بل لم يتورع القادة الشيوعيون - عن الاعتراف بتلك الأفاعيل ضد كل من خالفهم ولو كانوا رفقاء العمل الثوري، ومن حملة الفكرة الشيوعية.
بل ربما كان هؤلاء أحق بأن يعاقبوا بأشد أنواع العذاب؛ فكأن الرحمة نزعت تماماً من قلوب هؤلاء القساة العساة العتاة.
ومما تؤمن به الشيوعية وتدعو إليه من أخلاق - أنها تشجع على الفساد، والانحلال الخلقي، من شرب للخمور إلى ممارسة البغاء وسائر الفواحش إلى غير ذلك من طرق الفساد. ولقد صرح الرئيس اليوغسلافي الهالك - تيتو - في إحدى خطبه للشعب قائلاً: لقد تركنا لكم الخمر والنساء فخذوها، واتركوا لنا السياسة. (3).
ولهذا أصبحت المرأة في المجتمع الشيوعي أرخص سلعة في البلاد، فكانت ترمي بنفسها على الرجل ولاسيما الغريب، وقصارى ما تطلبه منه أن يتزوجها ولو مؤقتاً؛ لتفر خارج البلاد من جحيم الشيوعية.
وصفوة المقال أن المجتمع الشيوعي هو أحط المجتمعات البشرية المعاصرة، سواء من الناحية الأخلاقية أو العقيدية، أو من ناحية الطمأنينة النفسية، والسعادة الاجتماعية؛ فهو مجتمع منحل، مذعور يخيم عليه كابوس الشقاء المطبق، إلى حد أن الإنسان في ذلك الوضع لا يكاد يفكر في أمل حقيقي للخلاص.
المصدر:رسائل في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد – ص 397--------------------------------------------
(1) ((المذاهب المعاصرة)) (ص 46).
(2) الجوييم: كلمة عبرية، معناها الأ صلي شعب. أو (قوم) لكن دلالتها عند اليهود أصبحت تعني الشعوب من غير اليهود. انظر ((المغني الوجيز))، و ((موسوعة المصطلحات الأجنبية الشائعة)) لمنذر الأسعد (1/ 130 - 131).
(3) ((الدنيا لعبة إسرائيل)) (ص11) وانظر ((المذاهب المعاصرة)) (ص 46).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 202)
ثالث عشر: القضاء على الأسر يزعم الملاحدة أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فهو قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية لأن الأسرة في النظام الشيوعي حسب تصوراتهم إنما نشأت عن تطورات متلاحقة حسب تفسيرهم المادي للحياة كانت بدايتها على الأقسام الآتية (1):
1 - أسرة الجيل.
2 - أسرة الشركاء.
3 - الأسرة الزوجية.
4 - الأسرة الوحدانية.
1 - أما أسرة الجيل – كما تصوروها – فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة بين أبناء الجيل الواحد بين الإخوة والأخوات ومحرمة فيما دون ذلك أي أن بين جيل الآباء وجيل الأبناء، واستمر في هذه المرحلة تصنيف المجموعات الزوجية تبعا للأجيال؛ الأبناء جيل والآباء جيل والأجداد جيل والأحفاد جيل، كل جيل لا يتزوج إلا من جيله ولا يصح التبادل بين الأجيال.
ثم حدث تطور جديد فحرمت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية أي كان التحريم أولا بين الإخوة والأخوات من الأم الواحدة ثم شمل التحريم بعد ذلك جميع الإخوة والأخوات الأباعد ثم زعموا أن أسرة الجيل هذه قد انقرضت.
2 - أما أسرة الشركاء فقد كانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامة بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبا أكيدا. ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة.
3 - أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي ولكن تعدد الزوجات والخيانة الزوجية ظلتا من امتياز الرجل وأما المرأة فتطالب أن تكون على إخلاص تام للزوج فإذا زنت عوقبت عقابا شديدا وعند اختلاف الزوجين يرجع الأولاد إلى أبيهم كما كان الحال في السابق.
4 - أما الأسرة الوحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل لإنتاج أولاد لا يشك في صحة أبوتهم لكي يحصلوا على إرث مال أبيهم بعد وفاته، وفي هذه الأسرة يكون تسريح الزوجة أو عدمه بيد الرجل فقط وليس برضى الطرفين كما في رباط الزوجية السابق. وكانت الزيجة الوحدانية تقدما تاريخيا عظيما وزعموا أن الأسرة الوحدانية لم تقم على الأحوال الطبيعية التي كانت الأحوال الجنسية مشاعة بين الجميع، بل قامت على الأحوال الاقتصادية وانتصار الملكية الخاصة على الملكية العامة المشاعة.
ولا شك أن القارئ يدرك تماما أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إن هو إلا محض خيال وافتراء ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدم ولا القراءة ولا الكتابة فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم. ومن يصدق مثل هذه الترهات قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].
والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيا تافها بل حشرة من الحشرات ومرة يجعلونه أساس التطور حينما كان يعيش على نظام كل شيء مشاع ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري والباطل لابد وأن يتناقض أهله فيه.
فالأسرة في ظل الشيوعية كما عبر عنها "إنجلز" لا تسعد إلا في حال إلغاء الملكية الخاصة وذوبان الأفراد وكل مصالحهم في المجتمع العام وظهور شيوعية الجميع في الأموال والنساء والأطفال الذين تنتقل العناية بهم من الآباء والأمهات إلى المجتمع كله متمثلا في الدولة – أي إذا سادت الحياة البهيمية -.--------------------------------------------
(1) انظر ((المذاهب المعاصرة)) (ص 51 - 52).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 203)
يقول "إنجلز":"إن العلاقات بين الجنسين ستصبح مسألة خاصة لا تعني إلا الأشخاص المعنيين والمجتمع لن يتدخل فيها وهذا سيكون ممكنا بفضل إلغاء الملكية الخاصة وبفضل تربية الأولاد على نفقة المجتمع ونتيجة ذلك يكون أساسا الزواج الراهنان قد ألغيا فالمرأة لن تعود تابعة لزوجها، ولا الأولاد لأهلهم هذه التبعية التي ما تزال موجودة بفضل الملكية الخاصة". وقال أيضا:"فبانتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة لا تبقى الأسرة الفردية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع وينقلب الاقتصاد البيتي الخاص إلى صناعة اجتماعية وتصبح العناية بالأطفال وتربيتهم من الشؤون العامة فيعني المجتمع عناية متساوية بجميع الأطفال سواء أكانوا شرعيين أم طبيعيين وبذلك يختفي القلق الذي يستحوذ على قلب الفتاة من جراء العواقب التي هي في زماننا أهم حافز اجتماعي – اقتصادي وخلقي – يعوقها عن تقديم نفسها بلا حرج لمن تحب أفلن يكون هذا سببا كافيا لازدياد حرية الوصال الجنسي شيئا فشيئا ومن ثم لنشوء رأي عام أكثر تساهلا فيما يتعلق بشرف العذارى وعار النساء" (1).
فانظر هذا الكلام الساقط كيف أراد أن يضحي بكل شيء في تغيير حياة البشر ويقلبها رأسا على عقب في سبيل أن يمحي من الأذهان شرف العذارى وعار النساء هذا هو الحل الذي اقترحه المجرم "إنجلز" في قضائه على الشرف والحياة والحشمة عند المرأة وهذا هو مبلغه وأشباهه من العلم وكأن الحياة كلها متوقفة على وجود حرية الاتصال الجنسي شيئا فشيئا إلى أن يتحول إلى رأي عام أكثر تساهلا فيه وعندها تتم السعادة ويمحى شيء اسمه العار أو الحياء أو الحشمة؟!
وإذا كان يحصل هذا في المجتمع المتحرر عن الملكية الفردية فلا يرد عليه - في مفاهيم – المجتمع الزراعي وتعاون أهله فيما بينهم للضرورة إلى هذا الترابط الأسري لأن ترابط الأسرة في المجتمع الزراعي أمر بدهي يتطلبه الرغبة في إتقان العمل وزيادة الإنتاج الذي يحتاج بدوره إلى تكاتف الأيدي العاملة فهذا يحرث وذاك يحصد وهذا يقوم بعملية الري وذاك بتحسين المزروعات وآخر بتخزينها وهكذا تفرض عليهم هذه الحالة تكاتفا أسريا قويا ولكن حينما جاء المجتمع الصناعي تفكك أمر الأسرة وذلك لعدم الحاجة إلى ذلك التكاتف الذي نشأ في العهد الزراعي.
فإن العمل في الصناعة يقوم على الفردية واستقلال كل شخص بعمله دون اشتراط وجود آخرين إلى جانبه فعمله خاص به وهو مسؤول عنه وحده ويأخذ أجره على العمل وحده كذلك، وهذا يشمل أيضا المرأة حينما تعمل.--------------------------------------------
(1) الفاشستية ويقال: الفاشية: هي نظام، أو حركة أو فلسفة سياسية تمجد الدولة، والعرق، وتدعو إلى إقامة حكم أوتوقراطي مركزي على رأسه زعيم دكتاتوري، وإلى السيطرة على كل شكل من أشكال النشاط القومي. ومن أبرز زعماء هذه الحركة الزعيم الإيطالي موسوليني.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 204)
وبالتالي فالمجتمع هنا يصبح كل فرد فيه حر ليس له علاقة بغيره إن أراد الرجل بقاء صداقته مع زوجته فله ذلك وإن أراد تركها فله بكل يسر والمرأة كذلك لها أن تقطع علاقتها الزوجية في أي وقت شاءت فعملها ووظيفتها وما تملكه من المال يجعلها لا تكترث بأي علاقة دائمة مع أي شخص سواء أكان الزوج أو الأولاد أو الأقارب أو الأجانب عنها وبالتالي فالعلاقات الجنسية الحرة هي السمة البارزة لهذا المجتمع الصناعي – أي الإباحية والفجور – وهذه هي النتيجة التي يعيشها العالم المادي الملحد حالة من التفكك الأسري والإباحية المطلقة والتمرد على كل شيء، مجتمع نزعت منه الرحمة وصلة ذوي القربى والعاطفة نحو الآخرين والعفة والحياة ولهذا أصبحوا أحط من الأنعام قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44]، لأن الأنعام يعطف بعضها على بعض أقل شيء في مرحلة الصغر فالدابة ترفع حافرها عن ولدها بينما هؤلاء يرمون بأولادهم في المحاضن الحكومية وبعضهم يرمونهم من الأدوار العلوية لبيوتهم أو يحبسونهم في البيوت حتى الموت كما سمعنا وقرأنا في المجلات والنشرات وهي صور لا يطيق العاقل سماعها لبشاعتها وهولها.
والمحسنون منهم يرمون أولادهم في الحضانات الحكومية ولا يفكرون فيهم بعد ذلك وهذا هو ما كان يريده الشيطان الرجيم "كارل ماركس".
تعقيب:
لقد داس هؤلاء الملاحدة كل القيم إذ لا وجود لها عندهم إلا من خلال ما تمر عليه الظروف الاقتصادية التي هي المؤسس الحقيقي بزعمهم لكل القيم والأخلاق والأسرة والدين وسائر العلاقات كما عرفت سابقا، ومن هنا ساغ لهم القول بأن الملكية الجماعية الشيوعية في زمن الشيوعية الأولى البدائية كانت صوابا لأنها كانت هي الوضع الحتمي لذلك الوقت ثم تغيرت بفعل التطور إلى ملكية فردية وكانت كذلك مرحلة مرت ثم نشأ الرق والإقطاع والرأسمالية فكانت كل منها صوابا في وقتها يحصل التناقض الحتمي ومع القول بحتمية وقوع كل مرحلة إلا أنهم يقولون إن كل مرحلة جديدة تجعل السابقة خطأ يجب تركه ومحاربته بعد تجاوزها إلى أن تصل إلى الشيوعية الماركسية فتستقر حينئذ الأوضاع ويدخل الناس في السعادة الشيوعية؟!
وكذلك سائر القيم من العفة وسيطرة الأب والتدين وترابط الأسرة والتعاون الجماعي كل ذلك كان صوابا في وقته، ولكن بعد سرعة التطور والوصول إلى الشيوعية الماركسية يجب أن تعتبر تلك القيم كلها باطلة ويجب محاربتها لأنها لم تعد مناسبة للأحوال الاقتصادية للمجتمع الشيوعي الجديد – أي بعد تلك التطورات الخيالية – التي تصورت في أذهانهم عن نشأة الكون وما فيه وكذا القيم والأخلاق وسائر أنواع السلوك وهكذا وقف الملاحدة ضد الأسرة كما وقفوا ضد الدين إذ الأسرة لا تبعد في الواقع عن التدين ولأن معنى قيام الأسرة منع الفوضوية الجنسية التي ينادي لها الملاحدة وقيام الأسرة يحد من ذلك بطبيعة الحال.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 205)
كما أنها كذلك تثير مشاعر الأثرة في الوالدين وتقوي حب التملك من أجل توريث الأولاد ما يملكه الوالدان. ومعنى هذا العودة إلى نشوء الملكية الفردية وهو ما تحاربه الشيوعية بكل ضراوة وتبعا لبغضهم الملكية الفردية فإنه يجب أن يبغض كل شيء يمت لها بصلة ومن جهة أخرى فإن البديل للأسرة في النظام الشيوعي هو الولاء للدولة والذوبان في النظام والحزب والزعيم والوطن وليس غير ذلك بينما نظام الأسرة يشكل ارتباطا آخر غير هذا الارتباط العام الذي لا تسمح الشيوعية إلا به لأن النظام الشيوعي ومثله النظم المتجبرة – تريد أن يكون الشعب كله في طاعة عمياء للحزب وولاء مطلق لهم وجواسيس على بعضهم بعضا لا يخرج عنهم أحد ونظام الأسرة لا يسمح بتنفيذ هذا كما يريدون فالأسرة لا تسمح بأن يخل بنظامهم الاجتماعي أي أذى وهذا يحد من نشاط الجاسوسية الدقيقة على كل فرد من أفراد المجتمع، كما أنه يحد من استعباد الدولة للشعب والقضاء على الأسرة من الضمانات التي يعتمد عليها النظام الشيوعي في تربية الأولاد منذ نعومة أظفارهم على الولاء الكامل للدولة والحزب والزعيم وليس وراء ذلك أي ولاء لأحد.
ومن العجيب أنهم يسمون الجهل والتخبط القائم على غير دليل صحيح يسمونه نظريات علمية أو أبحاثا علمية، فترى الكثير من الناس يسارع إلى تقبل تلك النظريات دون أن يكلف نفسه السؤال عن مدى صحة تلك الدعايات وهل هي فعلا نتجت عن علم حقيقي أم عن تخطيط مدروس للإجهاز على القيم والأخلاق والتدين باسم العلم والتقدم.
إن كل ما جاء به الملاحدة من مزاعم عن بدء الأسر وتكونها وأنها مرت بفترات أولها الشيوعية الأولى ثم بدأت الأسر تتكون بفعل التطور الاقتصادي كما يزعمون إن هو إلا كذب وجرأة على تشويه تاريخ الأمم لا يستندون فيه إلا على ما تخيلوه في أذهانهم المريضة وما يزعمونه أيضا من وجود تلك الشيوعية في بعض القبائل المتأخرة التي عثر عليها في آسيا وإفريقيا واستراليا في القرنين السابقين، إن صدقوا، ولكن هل انحراف هؤلاء يكفي دليلا لتلطيخ تاريخ البشرية كله بسبب انحراف جماعة هنا أو هناك؟
إن تفسير الملاحدة لقيام الأسرة بأنه عن دافع اقتصادي فقط هو قول باطل وقصور واضح مع العلم أن للأوضاع الاقتصادية جانب مهم في حياة الناس ولكن ليس هي كل شيء في حياتهم بل هي أحد العوامل في حياتهم الواسعة الشاملة التي لا يمكن أن تنحصر في جانب واحد وكذلك فإن قيام الأسرة لم يكن سببه فقط الدوافع الجنسية والاقتصادية بل له أسباب كثيرة تتطلبها فطرة الإنسان وما جبلت عليه من حب الهدوء والألفة وبناء الحياة والأنس بالآخرين وحب التكامل وحب تربية الأطفال التي لا يمكن أن تتكامل تكاملا صحيحا جسديا وعقليا في غياب الأمهات عن أولادهن وترك الأولاد للمحاضن الجماعية التي هي أشبه ما تكون بتربية قطعان الحيوانات دون شعور بالحب والعطب والراحة النفسية التي يجدها الطفل في حضن أمه.
ومما تقدم فإنما هو إشارة إلى أن تكوين الأسرة لم يكن ناتجا عن الفطرة الاقتصادية فقط كما زعم الملاحدة بل لأسباب نفسية كثيرة أرادها الله عز وجل وفطر النفوس عليها ومن شذ عن هذا السلوك فهو شاذ ولهذا لا يشعر الإنسان بتلك السكينة والطمأنينة التي يجدها في بيته وبين أطفاله مهما وجد من المتع الجنسية عن طريق الحرام ومهما ملك من الأموال كما أنه لن يجد حلاوة ذلك التنظيم الإلهي لتكوين الأسرة وتكافلها فيما بينها وقيام الرجل بواجباته خارج البيت وقيام المرأة بواجباتها داخل البيت وتصريف الأولاد في الأمور التي يطيقونها وما ينشأ عن ذلك من الهدوء والسكينة والتعاون الذي حرم منه أولئك المعاندون للفطرة وللعقل ولأحكام الله عز وجل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 206)
لقد نسي أولئك الملاحدة أو تناسوا عمدا أن الذين أقبلوا على الفوضى الجنسية وقطع العلاقات الأسرية نسوا أن هؤلاء يعيشون عيشة ملؤها القلق والاضطراب والأمراض العصبية مع توفر كل ما يطلبونه من المتع الجنسية ومن المال أيضا وإلا لماذا يبادر أولئك إلى الانتحار المتتابع – وما أكثره في أوروبا – بين الرجال والنساء والأحداث وما أكثر ما يتأوه عقلاؤهم من أوضاعهم التي تزداد سوءا كلما ازداد تفكك الأسر وفشت الجرائم تحت تسمياتهم الخادعة (حرية، مساواة، ديمقراطية .. الخ) ما خدعوا به الناس وأخرجوهم عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الشقاء وتأنيب الضمير.
ومثل ذلك التفسير السخيف بقيام الأسر تجده تماما في تفسيرهم للحفاظ على الأمور الجنسية والقيم والعادات المتعلقة بذلك من العفة وغض النظر وحفظ الفرج بأنها عقبات وأن السبب في كل هذه العقبات أمام شيوعية الجنس إنما يعود إلى المجتمع الزراعي حيث أن الرجل يغار على زوجته وابنته بدافع سيطرته وامتلاكه لأمور البيت الاقتصادية فهو المكتسب وهو الذي يتعامل مع الحياة كلها في خارج البيت بينما تكون المرأة حبيسة البيت ليس بيدها أي مصدر إلا عن طريق الرجل وهنا فرض الرجل على المرأة العفة قبل الزواج وبعده وأن تكون له وحده حين يتزوج بها ومن هنا أصبحت العفة فضيلة خلقية واجتماعية مهمة في مثل هذه المجتمعات، ولكن حينما ظهر المجتمع الصناعي لم يعد الرجل يفرض على المرأة تلك العادات والأخلاق الجنسية بسبب انقلاب الأمور الاقتصادية حيث دخلت المرأة ميدان التكسب والعمل والوظيفة وصارت تملك المال الذي حررها من قبضة الرجل فلم يعد يملك مطالبتها بالعفة لا قبل الزواج ولا بعده ولا أن يطالبها بأن تكون له وحده فهي زميلة في العمل وقد تملك من المال أكثر مما يملك ولها حق التصرف بحرية تامة في مالها وفي نفسها دون أي اكتراث بالعفة أوالفضيلة فقد تحررت في المجتمع الصناعي لتغير الأحوال الاقتصادية فلم تعد كما كانت في المجتمع الزراعي عالة على الرجل في كل شيء وبهذا التفسير الإلحادي الشيوعي لا يبقى مجال للقول بأن العفة والأخلاق نشأت عن أمر إلهي أو ديني بل عن أمر اقتصادي والقارئ يدرك تماما أن هذه الافتراضات إنما هي أكاذيب وخيالات، فإن أمر الحفاظ على العفة وسائر القيم أمر فطري في الإنسان وفي سائر الحيوانات التي لا تهتم بالأمور الاقتصادية فترى ذكر الحيوان يغار على أنثاه ويدافع عنها وترى الأنثى تحترم الذكر وتعطف على أولادها سواء أكانت تملك قوتها أو لا تملكه، وقد أخبر الله عز وجل عن وجود هذه الأمور في نفوس الناس منذ أن أوجدهم ولهذا لا يمكن أن تجد امرأة مستغنية عن الرجل مهما كان مالها ولا الرجل كذلك يستطيع أن يستغني عن المرأة مهما كان ماله، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالسعادة ليست فقط في وجود المال بل قد يكون المال مصدر شقاء لصاحبه ولك أن تسأل ماذا حصل للرجل والمرأة حينما دخلا معترك الحياة وصار كل يحتطب لنفسه من المال ما يستطيع الحصول عليه، ومباح لكل منهما أن يعاشر من يريد عن طريق الإباحية الجنسية، أليس كل واحد منهما أحس بأن الحياة في هذا السلوك رخيصة لا تساوي شيئا فرجعا إلى رباط الزوجية ليجدا فيه الأنس والراحة النفسية التي فقداها عن طريق الإباحية أو المال؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 207)
وكأن أولئك القساة القلوب لم يسمعوا بشكاوى من غرتهم المدنية وجمع المال ولا أنين تلك المرأة التي منعت نفسها من الزواج وجمعت من المال والشهادات ما أحبت فلما أحست بتجاوزها مرحلة الإنجاب بدأت تبكي وتقول للناس خذوا هذه الشهادة وخذوا أموالي وأعطوني طفلا يقول لي يا أمي أشعر بالأنس إلى جانبه، أزيلوا عني آلامي وما أحس به من وحشة هذا المجتمع الذي لا يرحم ولا يحترم إلا الأقوياء فقط ولكن أنى لأصحاب الأهواء آذان صاغية تسمع أو قلوب تعقل.
محاربة الدين
يزعم الماديون أن الدين إنما هو انعكاس وهمي في أذهان البشر نحو قوة خارجية تسير الكون لا أنه حقيقة منزلة من الله كما هو إيمان جميع المؤمنين بالله تعالى، ثم زعموا أن هذا التوهم نشأ في أزمنة موغلة في القدم عند البدائيين حيث كانت البداية هي توهم أن الإنسان له روح تسكن في جسده وتفارقه لحظة الموت ومن هنا اضطروا إلى اصطناع أفكار تتوافق في العلاقة مع هذه الأرواح التي تطور أمرها بعد ذلك إلى توليد الآلهة الأولى وفي غير الأرض ثم نشأ بفعل التولد في عقول الناس أن يتطور أمر هذه الآلهة إلى إله واحد كما في الديانات التي تعبد إلها واحدا وعلى هذا فإن الدين إنما تولد عن نظريات الإنسان المحدودة التي نجمت عن عجزه المطلق أمام الطبيعة العاتية التي كان يخافها ولا يفهمها فتصور أن ذلك إنما نتج عن إرادة سامية عليا فسرت بعد ذلك بإسنادها إلى الآلهة وقوتها وجبروتها المطلق والتي أصبحت هذه الآلهة في شكل إله واحد قوي جبار عند الكثير، ثم زعموا أن هذه المعتقدات في الإله إنما تعود عند الإنسان في الأساس إلى ما قبل التاريخ. وحينما جاء العهد التاريخي وجدها هكذا فالتقطها بغباء دون فهم وقد أرجعوا السبب في ذلك إلى الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها الإنسان في عهد ما قبل التاريخ وهو اقتصاد ضعيف وفي صورة بدائية تعتمد على الاشتراك في الصيد والماء والمراعي وتعاون الجميع. هذا في عهد ما قبل التاريخ وأما حينما نشأ التطور الاقتصادي على نحو أقوى بداية بعهد الرق والإقطاع والكنيسة فقد استغل هؤلاء الوجهاء هذا الجانب الإلهي لتخديرالكادحين حتى لا يشعروا بالظلم الواقع عليهم وأن عليهم الرضوخ إذا أرادوا نعيم الجنة في مقابل عذاب الدنيا بطاعة أولئك ولهذا باركت الكنيسة الرق وأوصت الكنيسة الأرقاء بطاعة أسيادهم وهددتهم بالنار الأبدية إن لم يمتثلوا، وكان لهذه التعليمات أثر جيد في إنقاذ الحياة الزراعية الضرورية لحياة المجتمع وفي حفظ المجتمع من الفقر ومن اندلاع نار الثورات وفي الوقت الذي اشتد فيه كابوس الإقطاع في أوروبا قويت في المقابل السلطة الدينية للكنيسة، وليس فقط السلطة الدينية، بل والفلسفة والأدب والفنون على نفس النهج الذي يريده الإقطاعيون، ولم تكن الكنيسة وحدها في هذه القوة بل ساندتها قوة السلطة التي كانت هي الأخرى سيدة الإقطاع وحاميته والمستفيد الحقيقي من تخدير الشعوب بالدين، ولهذا وقف الحكام ورجال الكنيسة ضد كل من تسول له نفسه الخروج عن قبضتهم بوصفه بالاسم الذي يبيحون به دمه وهو إطلاق "الهرطقة" عليه.
وما اشتعال الحروب التي خاضها البشر باسم الدين إلا صراعا طبقيا في حقيقته نجم عن الحالات الاقتصادية فحسب، وحينما ظهرت الرأسمالية ضعف أمر الدين لتطور الاقتصاد وانتعاشه ولكن البرجوازية أحست بأن نبذها للدين خطر عليها فعادت إلى احتضانه وتسخيره لمصالحها وهذا هو السبب في تعلق البرجوازية بالدين لكي تظل على قوتها الرأسمالية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 208)
هكذا علل الملاحدة لنشأة التدين عند الإنسان، وحينما جاءت الشيوعية في روسيا أعلنت الحرب الضروس على الدين وأهله باعتبار أنه أفيون الشعوب وأن الدين إنما كان في روسيا وغيرها بسبب الضعف الاقتصادي وعدم وجود حول ولا قوة للطبقة الفقيرة إلا بالاستناد إلى الدين كعزاء بديل لذلك الشقاء والفقر. ولكن بعد مجيء الشيوعية التي هيأت موارد للإنتاج لم يعد الفلاح في حاجة إلى الالتجاء إلى القوة الإلهية ليتسلى بها عن شقائه وعليه حينئذ أن يتخلى عن الاعتقاد بوجود الإله وعن الدين كذلك ليسعد في ظل النظام الشيوعي؟!
أما المجتمع الزراعي فكان تمسكهم بالدين أمر واضح لوجود المقتضيات الكثيرة لازدهاره في أوساطهم كما تذكر الشيوعية الماركسية في تعليلاتها الخرافية كقولهم: إن الإنسانية في هذا المجتمع يضع البذور في الأرض ويغذيها ويحوطها بعنايته ولا يملك أكثر من هذا فهو لا يستطيع أن ينبتها كما يريد ولا أن يجعلها تثمر أو لا تثمر وهنا اضطر إلى التعلق بوجود قوة خارجية غيبية – الإله – وإلى استرضائه والتعلق به لإنجاح زراعته وتحبب إليه بأنواع الطقوس - العبادات – وهذا بخلاف المجتمع الصناعي فإنه لم يعد الإنسان في حاجة إلى التعلق بتلك القوة الغيبية لأن أمر الصناعة ظاهر يسيطر عليه الشخص ويصرفه كما يريد فهو صنع يده وطوع أمره بخلاف الجانب الزراعي وهذا هو تعليلهم ومبلغ علمهم لقوة التدين في العهد الزراعي وضعفه في العهد الصناعي – كما يزعمون – وهو تعليل يدل على سخافتهم وضحالة أفهامهم، كما أن هذا التفريق بين المجتمع الزراعي والمجتمع الصناعي إن هو إلا محض افتراء سخيف وهضم للإنسان، بل وإنكار لحق الله على عباده، ولا يملكون على ذلك أي دليل صحيح، ثم أليس الإنسان يواجه مشكلات وتعقيدات وأخطارا في المجتمع الصناعي كما هو في المجتمع الزراعي، وأن قدرة الإنسان هي نفس القدرة في المجتمعين، فكيف احتاج إلى الله والتدين في المجتمع الزراعي واستغني عنه في المجتمع الصناعي، وماذا فعلت الشيوعية في المجتمع الزراعي والصناعي أليس أتباعها الآن يتكففون الغرب الزراعي الصناعي وهم مقرون بالخالق عز وجل مما يدل على خسارة الشيوعية دينهم ودنياهم.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1119
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 209)
رابع عشر: من الذي غذى اشتداد العداوة للدين؟
لقد واجه الدين عدوين لدودين: هما المخطط اليهودي، والمخطط المادي الشيوعي الناتج في البداية عن المخطط اليهودي والمتمم له.
أما المخطط اليهودي فلا شك أن اليهود وهم يريدون استحمار الجوييم يعرفون تماما أنه لا سبيل لهم إلى استعباد البشر إلا بمحو دينهم وسلخهم من عقائدهم وأخلاقهم لأن اليهود عرفوا أنه لا سبيل لهم إلى تحقيق مآربهم ما دام للبشر دين وأخلاق وتراث يرجعون إليها واليهود أعدى أعداء البشرية على امتداد تاريخهم وحروبهم معهم لا تنقطع ومؤامراتهم ضدهم لا حد لها فهم سراق العقائد والأخلاق والأموال.
وأما العداء الشيوعي فهو امتداد طبيعي لعداء اليهود مضافا إليه الحقد على الدين وأهله وعلى سائر البشر الذين لم يستسلموا لطغيانهم وحينما وقفت الكنيسة في صف الإقطاعيين والرأسماليين ضد النفوذ الشيوعي جاعلين الدين شعارا لهم في حرب الشيوعية تضاعف حقد الملاحدة على الدين وعلى كل من يمثله واستفاد الملاحدة فوائد كثيرة من وقفة الكنيسة إلى جانب الاستبداديين حيث أغروا الناس بعداوة الدين وأهله.
واشتد حقدهم على نسبة أي حق أو عدل أو خير إلى الله عز وجل فقد سخروا من كل من يعتقد ذلك ورموه بأنواع السباب إذ ليس هناك – في ميزانهم – حق وعدل وخير وتوجيه من الله تعالى. إذ أن كل ما يصدر عن الناس من تصرفات إنما هي نتيجة للأحوال الاقتصادية وتغيراتها المتلاحقة دون أن يكون هناك توجيه غيبي يسير الكون أو تظهر الأخلاق عن طريقه. وهم يرتاحون لنسبة الحق والعدل إلى الشيوعية ولكنهما محرمان نسبتهما إلى الله تعالى ولكن الله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون وقد أذلهم الله تعالى أيما ذل.
ومن الجدير بالذكر أن الملاحدة قد يتظاهرون أحيانا بذكر كلمات الدين والتدين فيظن من لا يعرف أهدافهم أنهم يريدون ذكر الدين والرضى به بينما هم في الواقع في غاية البعد عن هذا الفهم السليم ولهذا يقول المفكر المسلم وحيد الدين خان: "إنه على الرغم من أن كلمة "الدين" موجودة في التفسير الجديد للدين ولكن الدين هنا في صورته الحقيقية والعملية لا يختلف عن الإلحاد الكامل في شيء". " في ضوضاء هذه الدراسة الاجتماعية والتاريخية المزعومة يضيع أصل الدين في هذا التفسير المستحدث فيصبح الدين مجرد ظاهرة اجتماعية ويفقد قيمته الحقيقية في توجيه الحياة والمجتمع وهداية الإنسان لما فيه خيره في الدنيا والآخرة" (1).
وتارة يرجع أولئك الملاحدة تفسير الدين حسب خرافاتهم إلى قابلية الشخص واستعداده الذهني لإدراك شتى الصور التي يتخيلها بعد ذلك دينا، كالشاعر الذي يتصور أشياء في خياله اللاشعوري وهذه تسمى نبوة عند بعض كبارهم.--------------------------------------------
(1) الصهيونية: هي منظمة يهودية سياسية أسسها اليهودي تيودورهرتزل، وتهدف إلى تجميع اليهود في فلسطين وإلى تنفيذ المخططات المرسومة لإعادة مجد بني إسرائيل وبناء هيكل سليمان، ثم إقامة مملكة إسرائيل ثم السيطرة على العالم من خلالها تحت ملك اليهود المنتظر المزعوم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 210)
ويرى محرر دائرة معارف العلوم الاجتماعية أنه يمكن تشبيه الدين بالفن من حيث أن الفنان يتمتع بذوق غير عادي في الأمور الفنية فكذلك رجل الدين يتمتع بنظرة قوية وأذن صاغية فيصل بتجاربه إلى معرفة الدين. مع أنهم قد أقروا بأن الدين لا تدخل معرفته تحت التجارب – كما تقدم – وهم يهدفون من وراء هذا السخف إلى إنكار النبوات الإلهية ويقرر "ت. ر. مايلز": أن الدين إذا قصد به ما بعد الطبيعة، أي القول بأنه وحي من الله تعالى فإنه حينئذ يفقد معناه الحقيقي أما إذا أريد بالدين معنى مجازيا بمعنى قوة الذكاء والإلهام فإنه حينئذ يكون معناه مقبولا لدى الأشخاص الذين يتصفون بقابليتهم للتدين. ويرى "اليكسيس كاريل" أن التدين إنما يصل إليه الإنسان بجهوده الشخصية وتطلعه إلى ذلك مثله مثل الشخص الذي يريد أن يصبح مصارعا فيستعد لتقوية بدنه بالرياضة وترويض أعضائه فكذلك المتدين يصل بصقل روحه وتهذيبها إلى التدين الذي يقتنع به (1).
وهذا التفسير للدين خرافة وسذاجة وذلك لأنه يعتبر مصدر الدين قوة تخيل البشر وسمو ذكائهم لا أنه من الله تعالى أو عن وحيه إذ لا وجود لذلك في قاموس إلحادهم فكيف يكون الدين من خيال البشر وله هذه المكانة في النفوس منذ أن وجدت البشرية إلى أن تنتهي؟ ألم تظهر روايات وقصص وكتابات خيالية لا حدود لها؟ ثم تنتهي في مدة وجيزة ولم يعد أحد يتأثر بها مع أنها أحيانا نابعة من أعماق كبار الشعراء الذين يسميهم الملحدون أنبياء ومن أعماق كبار أصحاب الفكر والأدب ثم كيف تجمع البشرية على احترام التدين إلى هذا الحد لو كان ما يقوله الملحدون صحيحا من أن التدين خيالات وفن؟ ولماذا نجح الأنبياء على طول الأزمنة وبقي ما خلفوه حيا في قلوب الناس بينما تموت أفكار البشر وتنسى، بل وتمل على مر الزمان رغم تفنن أصحابها في الفصاحة كذلك يقال لهم لو كان التدين يرجع إلى الذكاء لكان لكل شخص دين يخصه يتوافق مع ذكائه وذوقه لاختلاف الناس في الذكاء وفي الرغبات ولما أمكن التفريق بين من يعمل الخير ومن يعمل الشر لأن الخير والشر يصبحان لا ضابط لهما لاختلاف العقول والأديان من فرد إلى فرد. وهل الواقع يدل على هذا؟ أم أنه يدل على أن الناس يشتركون في دين حتى ينسخه الله بغيره كما هو الحال في الأديان المنزلة على امتداد تاريخ البشر؟
كما أن هذا التفسير الإلحادي للدين يجعل كلمة النبوة أو ختم النبوة أمر لا معنى له لأن النبوة إنما هي مجموعة صور خيالية جميلة لا أن هناك إلها هو الذي يختار لها الشخص الذي يريده وهو مفهوم شاذ بالنسبة لما أطبق عليه عامة الناس وهل يصح أن يلتفت إلى كلام ملحد في آخر الأزمان ويغفل إطباق تلك الملايين التي لا يعلم عددها إلا الله وحده فاتضح أن كل تفسيرات الملاحدة للدين أو استعمالهم لكلمة دين إنما يراد بذلك إما المغالطة أو النفاق، وأما أن نسميها سذاجة لبعدهم عن معرفة الدين وجهلهم بكل حقائقه فهم لا يفرقون بين الاتجاه الخاص بالدين وبين الاتجاهات الجاهلية التي أفرزتها عقول جاهلة ادعت معرفة كل شيء ومن أعجب الأمور أن يسموا الدين الذي أطبقت البشرية على تقبله خيالات ويسمون إلحادهم وخيالاتهم التي يردها العقل والواقع يسمونها علمية وأين الثرى من الثريا؟--------------------------------------------
(1) انظر ((الدنيا لعبة إسرائيل)) (ص26)، و ((المذاهب المعاصرة)) (ص53 - 54).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 211)
إن تفسير الملاحدة للتدين عن الإنسان كله كذب وافتراض وهمي خيالي فقد تصوروا في خيالهم أن نشأة الإنسانية وظهور التدين عنده ونشأة القيم والأخلاق إنما قامت على المادة وحدها ومن المعلوم بداهة أنه مرت قرون عديدة والبشرية كلهم على التدين وعلى التعلق بإله قادر مهما اختلفت عباداتهم وعقائدهم وعبارتهم فهل يلغي كل ذلك الاتفاق في تلك القرون السحيقة التي لا يعلمها إلا الله ويؤخذ فيها برأي الملاحدة الشاذين، هذا ليس بمنطق صحيح أبدا وهل ما تصوروه من تطور الإنسان بسبب المادة يعضده دليل عقلي – إذ لا يوجد لهم دليل شرعي – إنه مجرد تحكم أن يقسموا البشر إلى مجتمعات بدائية ومجتمعات زراعية ومجتمعات صناعية وأن التدين في كل مرحلة كانت له أسبابه المادية، إنه تحكم كاذب فمن أين لهم صحته، وهل شهدوا خلق السموات أو الأرض أو خلق أنفسهم؟!!
لقد جازف هؤلاء الملاحدة وافترضوا ما لم يحيطوا بعلمه وطرقوا ما لا مجال لهم فيه وكذبوا البشر قاطبة. وكذبوا الواقع الذي يشهد بتفاهة تفسيرهم للتدين ولكل القيم الإنسانية الثابتة بما فيها التدين الصحيح ومن يصدقهم في أن الصفات الثابتة في الإنسان سببها الجوانب الاقتصادية ومن يصدقهم أن الرغبات الجنسية وحب الانتقام والثأر والإحساس بالرحمة والحزن والفرح والبخل والكرم إنما يعود إلى الناحية المادية فقط دون أن تكون تلك الصفات وغيرها صفات أساسية في فطرة الإنسان. تلك الفطرة التي حاربتها الشيوعية اليهودية لكي يسهل عليهم استعباد البشر وإخراجهم الجوييم عن شريعة الله تعالى إلى شريعتهم الحاقدة على جميع البشر.
نعم إن الإنسان حينما يقف عاجزا عن معرفة سر هذا الكون ويتفكر في خلق الله والأرض والنجوم وسائر الأفلاك وتتابع الليل والنهار والحياة والموت وسائر ما أوجده الله في هذا الكون إذا فعل الإنسان ذلك يجد نفسه عاجزا عن إدراك كل هذا، وحينئذ يعرف بفطرته أن هناك موجد عظيم لهذا الكون هو أقوى منه يستحق أن يخضع له وأن يعبده ويرجو ثوابه ويخاف عقابه، لا أن يعتقد أن المادة خلقته فإن التفكر في كل ذلك يهدي إلى الاعتراف بخالق عظيم قدير حكيم لا شأن للمادة معه بل هي مخلوقة له حدثت بعد أن لم تكن، وهذا هو ما اعترف به الملاحدة في أنفسهم وجحدوه ظاهرا تعصبا لنظرياتهم الفاسدة وقد ذكر الله عز وجل كثيرا من عجائب هذا الكون ورغب الناس في التفكر فيه واستخلاص العبر فذكر سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 212)
ويقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:10 - 18]
ويقول تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَأَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَاّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:58 - 74]
ويقول تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لَاّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:35 - 37]
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 213)
وهذه الآيات وغيرها تجعل الإنسان يقف على حقيقة وجوده ووجود من حوله ووجود هذا الكون كله وما فيه توقفه على مصدر التدين ومستحق العبودية وتشبع فطرته عن كل تساؤلاته حول هذه الحياة وما بعدها في العالم الآخر وتثير في فطرته ما كان كامنا في التوجه إلى خالق هذه الحياة وإلى الرغبة الكامنة في الالتجاء إليه والخضوع والعبادة له، وهذه الفطرة هي التي يشعر الإنسان بواسطتها عظمة الله والرغبة في الخضوع له والدليل على ذلك أنه لم يخل جيل من الأجيال على امتداد التاريخ من التدين والتوجه إلى الله وهذا ما أخبر الله عز وجل عنه: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خلا فِيهَا نَذِير [فاطر:24]
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:15]
وهذا هو الحق ولا اعتبار لكلام الشاذين الساقطين الملاحدة الممسوخين الذين: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14]، الذين حاربوا الدين النصراني ظانين أنه الدين الصحيح ثم غمرتهم النشوة بانتصارهم عليه وما علموا أنهم إنما حاربوا دينا مزيفا كاذبا من وضع الطغاة المشركين عباد الصليب وأحبار الشيطان ولهم أن يحاربوا كل الجاهليات ومن ضمنها هذا الدين ولكنهم انحرفوا عن مكان المعركة الحقيقية فحاربوا النور وغيروا الحقائق لينفسوا عن غيظهم وحقدهم الشديد على طغاة الكنيسة الذين أذاقوهم ألوان الذل وشر الاستعباد وليحققوا أيضا ما تطمح إليه اليهودية العالمية ويجب أن يعلم أولئك الأشرار أنه ما من فترة مرت من فترات حياة البشر إلا وكان توحيد الله نورا وضاء لم يخل منه مجتمع في يوم من أيام حياة البشر لم يكن للفن ولا للفنانين فيه أي شيء يذكر ولا للفكر أو التجربة أي دخل كما يدعون.
وأما ما يذكره الملاحدة من أن الإقطاعيين والرأسماليين كانوا يستخدمون الدين كمخدر للجماهير ليرضوا بالذل والظلم عليهم في مقابل أن يعيشوا في جنة الله في الآخرة فهذا أمر قد يكون وقع كذلك. ولكن ما هي العلاقة بين الدين الحق وبين فجور طغاة الكنيسة وجشع الرأسماليين المرابين، بل كان الأولى أن يوجه اللوم إلى أولئك الذين رضوا بهذا الحال ولم يبحثوا عن مخرج لهم أو عن صحة تلك الوعود من أولئك المنتفعين أو أن يخاصموا أولئك الأشرار الجشعين ويصلحوا الأمور لا أن يحاربوا الله ورسله وهل يجب أن يلغى الدين لمجرد استغلال أولئك الأشرار له، وما هو ذنب الدين إن لم يحكم ولم يستشر بل وضع في قفص الاتهام دون رحمة أو لين ولماذا يحمل تبعة أخطاء الآخرين بل أخطاء أعدائه، وما هو السر في أن الملاحدة لم يرجعوا إلى الدين حتى بعد أن تبين لهم أن طغاة الكنيسة والرأسماليين والإقطاعيين سلبوا الناس عقولهم وتفكيرهم باسمه وهو منهم بريء.
إن الجواب واضح وهو أن الملاحدة قد بيتوا النية لمحاربة الدين ليستغلوا الناس هم أيضا باسم الإلحاد الذي سموه تقدما ورفاهية وغير ذلك من الأسماء الكاذبة وقدسوه ليحل محل الكنيسة والكل ظالمون ومخادعون.
المصدر:المذاهب الفكرية المعاصرة لغالب عواجي 2/ 1133
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 214)
خامس عشر: الأفكار والمعتقدات
إنكار وجود الله تعالى وكل الغيبيات والقول بأن المادة هي أساس كل شيء وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الله، الدين، الملكية الخاصة، عليهم من الله ما يستحقون.
فسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية والبروليتاريا (الرأسماليين والفقراء) وينتهي هذا الصراع حسب زعمهم بدكتاتورية البروليتاريا.
يحاربون الأديان ويعتبرونها وسيلة لتخدير الشعوب وخادماً للرأسمالية والإمبريالية والاستغلال مستثنين من ذلك اليهودية لأن اليهود شعب مظلوم يحتاج إلى دينه ليستعيد حقوقه المغتصبة!!
يحاربون الملكية الفردية ويقولون بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة.
تتركز اهتماماتهم بكل ما يتعلق بالمادة وأساليب الإنتاج.
إن كل تغيير في العالم في نظرهم إنما هو نتيجة حتمية لتغيّر وسائل الإنتاج وإن الفكر والحضارة والثقافة هي وليدة التطور الاقتصادي.
يقولون بأن الأخلاق نسبية وهي انعكاس لآله الإنتاج.
يحكمون الشعوب بالحديد والنار ولا مجال لإعمال الفِكر، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.
يعتقدون بأنه لا آخرة ولا عقاب ولا ثواب في غير هذه الحياة الدنيا.
يؤمنون بأزلية المادة وأن العوامل الاقتصادية هي المحرك الأول للأفراد والجماعات.
يقولون بدكتاتورية الطبقة العاملة ويبشرون بالحكومة العالمية.
تؤمن الشيوعية بالصراع والعنف وتسعى لإثارة الحقد والضغينة بين العمال وأصحاب الأعمال.
الدولة هي الحزب والحزب هو الدولة.
تكون المكتب السياسي الأول للثورة البلشفية من سبعة أشخاص كلهم يهود إلا واحداً وهذا يعكس مدى الارتباط بين الشيوعية واليهودية.
تنكر الماركسية الروابط الأسرية وترى فيها دعامة للمجتمع البرجوازي وبالتالي لا بد من أن تحل محلها الفوضى الجنسية.
لا يحجمون عن أي عمل مهما كانت بشاعته في سبيل غايتهم وهي أن يصبح العالم شيوعياً تحت سيطرتهم. قال لينين: "إن هلاك ثلاثة أرباع العالم ليس بشيء إنما الشيء الهام هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًّا". وهذه القاعدة طبقوها في روسيا أيام الثورة وبعدها وكذلك في الصين وغيرها حيث أبيدت ملايين من البشر، كما أن اكتساحهم لأفغانستان بعد أن اكتسحوا الجمهوريات الإسلامية الأخرى كبُخاري وسمرقند وبلاد الشيشان والشركس، إنما ينضوي تحت تلك القاعدة االإجرامية.
يهدمون المساجد ويحولونها إلى دور ترفيه ومراكز للحزب، ويمنعون المسلم إظهار شعائر دينية، أما اقتناء المصحف فهو جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة كاملة.
لقد كان توسعهم على حساب المسلمين فكان أن احتلوا بلادهم وأفنوا شعوبهم وسرقوا ثرواتهم واعتدوا على حرمة دينهم ومقدساتهم.
يعتمدون على الغدر والخيانة والاغتيالات لإزاحة الخصوم ولو كانوا من أعضاء الحزب.
الجذور الفكرية والعقائدية:
لم تستطع الشيوعية إخفاء تواطئها مع اليهود وعملها لتحقيق أهدافهم فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار ذو شقين بحق اليهود:
- يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
- الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين.
يصرح ماركس بأنه اتصل بفيلسوف الصهيونية وواضع أساسها النظري هو موشيه هيس أستاذ هرتزل الزعيم الصهيوني الشهير.
- جدُّ ماركس هو الحاخام اليهودي المشهور في الأوساط اليهودية مردخاي ماركس.
تأثرت الماركسية إضافة إلى الفكر اليهودي بجملة من الأفكار والنظرات الإلحادية منها:
- مدرسة هيجل العقلية المثالية.
- مدرس كونت الحسية الوضعية.
- مدرسة فيورباخ في الفلسفة الإنسانية الطبيعية.
- مدرسة باكونين صاحب المذهب الفوضوي المتخبط.
المصدر:الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة - الندوة العالمية للشباب الإسلامي
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 215)
سادس عشر: إنكار وجود الله تعالى وتقدس
لولا حلم الله عز وجل لما استطاع أحد أن يبحث قضية وجود الله تعالى أو عدمها وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فوجوده سبحانه وتعالى يتمثل بوضوح في كل هذ الوجود من أصغر مخلوق إلى أكبره بل الإنسان نفسه من أكبر الأدلة على وجود الله الحكيم الخبير وإلا فأي موجود يستطيع أن يزعم أنه هو الذي أوجد نفسه وعلى الصورة التي أرادها أو قدر لنفسه رزقها وأجلها ومصيرها بعد ذلك.
لقد أقدمت فئة شاذة استهواهم الشيطان وماتت قلوبهم وإن كانوا أحياء يرزقون فذهبوا يعترضون على وجود الله تعالى وهم الملاحدة وقد مهد لهم الطريق علماء الكلام الذين وصفوا ربهم بأنه ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا داخل العالم ولا خارجه ولا يحس ولايشم ولا يشار إليه .. الخ، ولقد كثرت الردود على الملاحدة وعلى علماء الكلام الباطل في هذه القضية الخطيرة بما لا يكاد يحتاج إلى زيادة.
إنني أتضايق كثيرا من سرد الأدلة على وجود الله تعالى وهو ما أعتقد حصوله في قلب كل إنسان مؤمن بالله سليم الفطرة لم تنحرف به شياطين الإنس والجن، إن الله عز وجل أجل وأعظم من أن يحتاج وجوده إلى شخص من الناس يثبته أو يجادل خصومه لإثبات وجوده.
وفي اعتقادي أن الذي يبحث في إثبات وجود الله تعالى دون حاجة ملحة أنه يجب أن يؤدب تأديبا بليغا ومن ابتلي بالخوض في ذلك فعليه أن يستشعر عظمة الله تعالى وأن لا يخوض في هذه القضية الهائلة إلا بقدر الحاجة، والله المستعان ونعوذ بالله من وساوس الشيطان.
وما دمنا في دراستنا للشيوعية وتكذيب مزاعمها فإنني أحب أن يقف القارئ على الحقائق التالية واللبيب تكفيه الإشارة.
هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى؟
تقدم أنه لا يمكن أن نجد إنسانا سليم العقل والفطرة يعتقد أن الله سبحانه وتعالى يخفى على عباده فالعقل والكون كله وجميع المخلوقات من نام وجماد، وساكن ومتحرك، كلها تدل على وجود الله سبحانه وتعالى وتشهد بقدرته وحكمته ولطفه وعظمته جميع ذرات هذا الكون ولهذا فلسنا في حاجة إلى الإتيان بحشود الأدلة على وجوده فهو أمر فطري، وفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يشفي ويكفي لمن عنده أدنى شك في وجود المولى عز وجل، ومن العجيب أن يستدل الملاحدة على إنكار وجود الله تعالى بأدلة هي أقوى الأدلة على وجوده وخلقه لهذا الكون وتدبيره له، ولعل الذين جرؤوا فنفوا وجود الله عز وجل إنما حملهم على هذا ما وجدوه من أوصاف الإله سبحانه في التوراة والأناجيل من أنه شاخ وكبر وينسى ويأكل ويشرب ويمشي ويجلس ويحزن ويندم ويهم بالشيء ثم لا يفعله.
نعم إن مثل هذا الإله من السهل جدا إنكاره خصوصا إذا أضفنا إليه الصفات التي وردت له في التلمود من تعلقه ببني إسرائيل وتدليله لهم وغضبه أحيانا عليهم ثم يضرب وجهه ويندم ويبكي ويلعب مع الحوت الكبير ويعقص شعر حواء .. إلى آخر تلك الصفات التي تدل على سقوط المتصف بها فضلا عن اعتقاد احترامه.
ولكننا لا نبحث عن هذا الإله ولا عن الإله الذي اعتقدت الشيوعية فيه أنه يحابي الظلمة أو أنه لا وجود له إلا في أذهان الرجعيين لأنه غير منظور وغير موجود متجاهلين أنه ليس كل موجود حتما يرى، كوجود الهواء الذي نحس به ولا نراه، ووجود العقل في الإنسان، إذ نفرق بين المجنون وبين العاقل، ووجود الروح إذ نفرق بين الحي والميت وأمثلة لا تحصى، إننا نؤمن بإله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور إله يعلم السر وأخفى إله خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، إننا نؤمن بهذا الإله الحق ونكفر ونلعن من يشك في وجوده.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 216)
ولقد تيقن كل إنسان أنه لم يخلق نفسه، وأن فاقد الشيء لا يعطيه فلا المادة ولا الطبيعة خلقت أحدا إذ هي مخلوقة مقهورة، كما أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول أنه يخلق شيئا ما أو أنه خلق نفسه أو غيره وقد استيقن بهذا حتى أكابر الملاحدة وما جحد من جحد منهم وجود الله إلا عنادا واستكبارا وبغضا للكنيسة ورجالها ولقد صاح المفكرون في أوروبا وشهدوا على النصرانية والإلحاد بالضلال وهذه الشهادة الصادرة على ضلال هذه الطوائف من أهلها لهي أكبر دليل على أن الإلحاد لا استقرار له ولا مكان له وإنما هو زوبعة عارضة ستنتهي إن شاء الله تعالى كما انتهت سائر الأفكار الباطلة ومن الذين شهدوا على ذلك:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 217)