وكذا يقال: إن العقل يدل على جوازه، إذ ليس في ذلك إلا أن الذي خلقنا أول مرة، ومكننا أن نتنعم نعيماً محسوساً، ونتأمل ألماً محسوساً قادر على أن يعيدنا بعد أن يغنينا كما بدأنا، فإن الإعادة إنما هي خلق ثان، ومن قدر على الخلق الأول، قدر على الخلق الثاني، وهذا معلوم بنفسه(1).
والنصوص الواردة في الأناجيل تدل على النعيم الحسي في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة، فليس المتعة في الآخرة تكون برؤية الله فقط، بل بكل أنواع النعيم الحسية كذلك، فهذا المسيح يقول لتلاميذه في العشاء الأخير بعد أن أخذ الكأس وشكر، وأعطاهم فشربوا مهنا كلهم، وقال لهم: الحق أني أقول لكم إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة إلى ذلك اليوم، حينما أشربه جديداً في ملكوت الله(2). وقال المسيح: إن في الآخرة منازل كثيرة، وإلا فإني قد قلت لكم: أنا أمضي لأعد لكم مكاناً(3).
وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الدلائل الشرعية والعقلية، أن النعيم يكون في الآخرة روحيا وحسيا، وكذا الشقاء يكون حسيا وروحانيا " قال الإمام الأوزاعي: واعلم أنا بيّنا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية، إلا أنا مع ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة، بحيث يأكلون ويشربون وبالجواري يتمتعون"(4).--------------------------------------------
(1) القرطبي: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص (432).
(2) إنجيل مرقس: 14: 23 - 25
(3) إنجيل يوحنا: 14: 2، انظر لواء أحمد: الإسلام والأديان الأخرى ص (50)
(4) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (16/ 25).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
وبعد أن ذكر شيخ الإسلام بعض الدلالات على نعيم الجنة، من مثل قوله جل وعلا: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة:17]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تعالى: {أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ}(1) … قال الشيخ:" وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم ينكرون أن يكون في ا لجنة، أكل وشرب ولباس وانكاح ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن"(2).
ومن دلالة العقل: أن الله تعالى خلق جواهرنا وطباعنا، تلتذ بالمأكل والمشرب، والروائح، والملابس والأصوات الموافقة لجوهرنا، والوطء وقد علمنا، النفس هي الملتذة بذلك، وأن هذه الحواس الجسدية هي الموصلة لهذه الملاذ إلى النفس، فهذه طبيعة جواهر أنفسنا التي لا سبيل في وجودها دونها، فإذا جمع الله عز وجل يوم القيامة في دار الجزاء بين أجسادنا بعد تصفيتها من كل كدر وبين أنفسنا عادت الطبيعة كما كانت، فجوزيت هنالك ونعمت بملاذها وبما تستدعي طباعها التي لم توجد قط إلا لذلك، إلا أن الطعام غير معان بتار، ولا ذو آفات، ولا مستحيل كما أخبرنا تعالى: {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19)} [الواقعة:19](3).
فظهر بما ذكر أن ما انتحلوه من إنكار النعيم والعذاب المحسوس باطل بشهادة العقول، وبنصوص كلام الأنبياء المنقول(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة ح (3244).
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (13/ 279)، محمود غريب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد، ص (88)
(3) الخرزجي: مقام هامات الصلبان، حققه د. محمد شامة، باسم بين الإسلام والمسيحية، (280)، ابن حزم: الأصول والفروع ص (78).
(4) القرطبي: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص (37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
وهذا الذي أنكره النصارى من النعيم الحسي، هو الذي دعا جماعة من أهل العلم إلى تفسير قوله جل وعلا: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)} [التوبة:29]: إن النصارى واليهود مع أنهم يؤمنون بالمعاد، إلا أنه نفى عنهم الإيمان في هذه الآية؛ لأنهم لما أنكروا ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم -من الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر(1).
وللشيخ الطاهر بن عاشور تفسير آخر للآية، يخالف ما ذُكر، أشار إليه في تفسيره(2).--------------------------------------------
(1) انظر: ابن تيمية: الرد على المنطقيين، ص (458).
(2) الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984 م (10/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
المبحث الخامس: الفلاسفة واليوم الآخر،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الفلاسفة وانحراف طوائفهم في المعاد.
المطلب الثاني: أقوال الفلاسفة في المعاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
المطلب الأول الفلاسفة وانحراف طرائقهم في المعاد والشرائع:
الفلسفة: لفظ أعجمي مركب، مشتقة من كلمة يونانية، وهي: فيلاسوفيا وتفسيرها: محبة الحكمة، فلما عربت قيل: فيلسوف، ثم اشتقت الفلسفة منه، ومعنى الفلسفة: علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، وقيل: هو معرفة الإنسان نفسه، وقيل: علم الأشياء الأبدية(1).
وأصبح تعريف الفلسفة عند الإطلاق، وفي الاصطلاح العام، يطلق على مجموعة أراء محددة، ونظرات خاصة للكون والوحي، والنبوات والإلهيات ونحو ذلك، ويعرفها بعض أنصارها تعريفاً يعتبر مضاداً للإسلام … ومصادماً للسنة، قالوا: هي النظر العقلي المتحرر من كل قيد وسلطة تفرض عليه من الخارج، وقدرته على مسايرة منطقة إلى أقصى آحاده، وإذاعة آرائه بالغاً ما بلغ وجه التباين بينها وبين أوضاع العرف، وعقائد الدين ومقتضيات التقاليد، من غير أن نتصدى لمقاومتها أو التنكيل بها سلطة ما وهي بهذا المعنى تعتبر من أخطر الطواغيت، وأشدها شراسة في محاربة الإيمان والأديان(2).
والفلاسفة هم الحكماء، واشتد نكير الإمام أبي حيان على الإمام الرازي في نقله كثيراً عن الفلاسفة الذين يسميهم (حكماء الإسلام) فقال أبو حيان:" وكثيراً ما ينقل هذا الرجل عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوباً إليهم، وتارة مستنداً به، ويُعنى بحكماء الفلاسفة: الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأن يسموا سفهاء جهلاء، من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء، والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى "(3).
والفلاسفة كما يقول الإمام الغزالي:" أنهم على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون والطبيعيون، والإلهيون "(4).--------------------------------------------
(1) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة (2/ 1109)، محمد الحمد: مصطلحات في كتب العقائد ص (96)
(2) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (6/ 46).
(3) الغزالي: المنفذ من الضلال (128)، السفاريني: لوامع الأنوار البهية (1/ 279).
(4) محمد أحمد الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص (153)، ابن منظور: لسان العرب (9/ 273)، السيوطي: معجم مقاليد العلوم ص (131)، الشهرستاني: الملل والنحل (2/ 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
وأشار العلامة الشهرستاني إلى جملة فرق الفلاسفة قال:" ضمن الفلاسفة حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلاً، ومنهم: حكماء العرب وهم شرذمة قليلون، ومنهم حكماء الروم، وهم منقسمون إلى القدماء الذين هم أساطير الحكمة، وإلى المتأخرين وهم: المشاءون وأصحاب الرواق وأصحاب أرسطو طاليس وإلى فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم "(1).
ومذهب الفلاسفة من أخبث المذاهب، وهم من أضل الناس وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، واتباع سبيل المؤمنين، وغالب علومهم النظر في العقليات، وأما ما كان عليه الرسل فلا يعرفونه، ولذا كانوا يعارضون ما بلغهم من النقليات بما عندهم من العقليات، بآرائهم الفاسدة وأوهامهم الكاسدة، فليسوا في الحقيقة من أهل الإسلام وعلومهم في شيء(2)، إذ كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفاسد كلام الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة(3).
ولذا فإن الفلاسفة ليسوا أمة واحدة، لها مقالة في العلم والإلهي والطبيعي وغيرهما، بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف - ما لا يحصيه إلا الله تعالى - أعظم مما بين الملة الواحدة، كاليهود والنصارى أضعافاً مضاعفة. فاختلاف الفلاسفة لا يحصره أحد، وليس بين الفلاسفة اتفاق، ومتى قال الرازي في كتبه: (اتفقت الفلاسفة) فيراد بهم: اتباع أرسطوا الأولين وأشهرهم ثلاثة: برقلس، والاسكندر الافرديوس، وثامسطيوس وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون، وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضاً(4).--------------------------------------------
(1) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 118)
(2) سليمان بن سحمان: إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل، ص (52).
(3) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط 1 1403 هـ (1/ 21).
(4) ابن تيمية: الرد على المنطقين ص (332 - 334 - 336).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
وقد زعم الفلاسفة أن عندهم علماً يستغنون به عما جاء به الأنبياء والدهريون كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، ولما سمع سقراط بموسى عليه السلام قيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا.
ويروي أن جالينوس قال لعيسى عليه الصلاة والسلام: بعثت لغيرنا(1) … ولذا قال بعض أهل العلم: إن قوله جل وعلا: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)} [غافر:83] يتناول الفلاسفة، وذلك أنه لما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد، وتطهير النفس من الرذائل، لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به(2).
"إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار الأنبياء، وقفت بهم أفراس أفكارهم في عالم الشهادة، فلما حاولوا الخوض في الإلهيات، انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر 14](3).
ولذا فإن مسلك الفلاسفة في الإلهيات مشوب بالشكوك والشبهات والأوهام، فالحكمة الحقيقية في الكتاب والسنة لا في علوم الفلاسفة، إذ إن " أكثر علوم الفلاسفة التي لو بلغ الإنسان غايتها، لم يكمل بذلك، ولم يزك نفسه "؛ لأن الفلاسفة يأخذون من كل دين -بزعمهم- محاسن ما دلت عليه العقول(4).--------------------------------------------
(1) أبو حيان: البحر المحيط، ص (6/ 425)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب ـ (17/ 93).
(2) ابن تيمية: الصفدية (2/ 247)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب، (17/ 94).
(3) البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (9/ 351)
(4) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (2/ 251)، الفوائد (198)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
وإنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة، من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء(1). ومن هنا نهى العلماء عن قراءة كتبهم، قال الإمام أبو الوليد الباجي في النصيحة الولدية: "وإياكما وقراءة شيء من المنطق وكلام الفلاسفة، فإن ذلك مبني على الكفر والإلحاد، والبعد عن الشريعة والإبعاد"(2).
قال الإمام أبو حيان: "وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نُهِى عن قراءة التوراة، مع كونها كتاباً إلهياً، فلأن يُنهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق. وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عُرِّي عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها ولا تكاد تلقى أحداً منهم يحفظ قرآناً ولا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "(3).
وحين قرأ بعض المسلمين كتب الفلاسفة، اعجبوا بها رغم ما فيها من نظريات تعارض الشرع القويم، حتى حاول البعض المواءمة بين العلوم الفلسفة، وبين ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، حتى أدت بهم إلى اختراع تعاليم جديدة، تبتعد في حقائقها عن الحقائق الشرعية المأثورة.
ولذا كان انبهار بعض الناس، ببراعة الفلاسفة في القضايا الكونية والطبيعية طريقاً لتلبس أفكارهم في الإلهيات(4)، ومن هنا قال الإمام الشافعي:" ما جهل الناس واختلفوا إلا بتركهم مصطلح العرب، وأخذهم بمصطلح أرسطو طاليس "(5).--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط 1 1421 هـ، ص (43).
(2) الباجي: النصيحة الولدية، دار الوطن - الرياض، ط 1 1417 هـ، ص (18).
(3) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (6/ 46).
(4) محمد الذهبي: التفسير والمفسرون (2/ 308)، أحمد عبد اللطيف: شرح الرسالة التدمرية، ص (61)
(5) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط 4 1420 هـ (2/ 1109)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
فإذا كان أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، وهو ممن أشقى حياته بالنظر في كتبهم، قد آل أمره إلى الحيرة والضلال والشك، فكيف بمن يأتي بعده، قال ابن رشد الحفيد في كتابه، تهافت التهافت:" ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟ "(1).
ومن هنا قال الإمام أبو حنيفة لما قيل له: "ما تقول فيما أحدث الناس من كلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة"(2).
والناظر في كتب الفلاسفة ومقالاتهم، يجد أنهم في أصول الإيمان التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أعظم الناس لها إنكارًا، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله، ولا رسله، ولا كتبه، ولا ملائكته، ولا باليوم الآخر(3).
ومن المواضع التي اضطربت فيها أقوال الفلاسفة، وكانت سبباً في تكفيرهم هو: إنكارهم حشر الأجساد، فقد قال الإمام الغزالي:" فأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعاً، إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد، ورد ذلك عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل من تعلق به، وهو مذهب أكثر الفلاسفة،" وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن الإمام الغزالي قد جزم في هذا الموضع بكفر هؤلاء، وكفرهم كذلك قد جزم به سائر علماء المسلمين(4).--------------------------------------------
(1) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (276 - 277).
(2) ابن قدامة: ذم التأويل، الدار السلفية - الكويت، ط 1 1406 هـ، ص (33).
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (276 - 277).
(4) ابن تيمية: بغية المرتاد (332)، ابن تيمية: الصفدية (2/ 326).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
ويتبين حقيقة قولهم في المعاد، في المطلب الثاني: ونخلص من هذا المطلب: أن الفلاسفة هم حكماء اليونان، وكل أمه من أهل الكتب المنزلة وغيرهم لهم حكماء بحسب دينهم، كما للهند المشركين حكماء، وكان الفرس المجوس حكماء، وحكماء المسلمين هم: أهل العلم بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم -وأهل العمل به، فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة، صار هذا مطلقاً على كل من سلك سبيل أولئك اليونان واتبعهم في حكمتهم، ومتى ذُكرت هذه الحِكم على وجهها، ظهر فيها من الباطل ما ينفر عنها كل عاقل عرف دين الرسل عليهم الصلاة والسلام(1).
فالمقصود: أن الفلاسفة اسم جنس لمن يجب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس، مختصاً بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المشاؤون خاصة، وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها المتأخرون من المتكلمين(2).
وهنا يُشار إلى أن أساطين الفلاسفة ومتقدميهم، كانوا معظمين للرسل والشرائع، موجبين لاتباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بما جاؤوا به وراء طور العقل، وأن عقول الرسل وحكمتهم فوق عقول العالمين وحكمتهم، وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات، ويسلمون باب الكلام فيها إلى الرسل، ويقولون: علومنا إنما هي: الرياضيات والطبيعيات وتوابعها، وكانوا يقرون بحدوث العالم، وإثبات الصانع، ومباينته للعالم، وأنه فوق العالم، وفوق السموات بذاته، كما حكاه عنهم أعلم الناس في زمانه بمقالاتهم، أبو الوليد بن رشد في كتابه (مناهج الأدلة)(3).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: الصفدية، مكتبة ابن تيمية - مصر، ط 2 - 1406 هـ (2/ 325).
(2) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (2/ 257).
(3) ابن القيم: إغاثة اللهفان، مكتبة المعارف - الرياض، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (2/ 257 - 259 بتصرف)، ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1 1406 هـ (1/ 364).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
المطلب الثاني قول الفلاسفة في المعاد:
مما تقرر في هذا المقام: أن جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة في ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام، أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى(1).
وكذلك اتفقت كلمة المسلمين على القول بالبعث في القيامة، بقول الإمام ابن حزم:" اتفق أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة … وعلى تكفير من أنكر ذلك "(2).
وكذلك القول الذي كان عليه عامة علماء السلف، وجمهور العقلاء: أن البعث يكون بالروح والجسد(3).
والفلاسفة بالنسبة للمعاد إثباتاً ونفياً على أقسام:
1 - الفلاسفة المنكرون للمعاد واليوم الآخر إنكاراً تاماً، وهؤلاء هم الفلاسفة الدهريون الدوريون، المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة، يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذه قد تكررت مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24](4).
قال عنهم الإمام الغزالي: "الدهريون: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، كذلك كان … وكذلك يكون أبداً، وهؤلاء هم الزنادقة"(5).
وحكى صاحب المواقف أقوال الناس في المعاد، ثم قال: "والرابع: عدم ثبوت شيء منهما، أي: المعاد الروحاني والجسماني، وهذا قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين"(6).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة النبوية، ط 1 1403 هـ (1/ 17).
(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 66)، ابن القيم: (2/ 34).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/ 316)، ابن القيم: مفتاح دار السعادة (2/ 34).
(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم (7/ 269)، ابن تيمية: الجواب الصحيح (1/ 422)
(5) الغزالي: المنقذ من الضلال، دار الكتب الحديثة - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (133)
(6) الايجي: المواقف (3/ 479)، ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص (458).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
وهؤلاء لا يعتد بهم في المسألة، ولا في الفلسفة، فهم زعموا أنه هذا الهيكل المحسوس بماله من المزاج والقوى والأعراض، وأن ذلك يفنى بالموت وزوال الحياة، ولا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة، وأنه لا إعادة للمعدوم.
وهذا معلوم الفساد، وفيه تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة، وتكذيب للشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة(1).
يقول جل وعلا في بيان حقيقة المكذبين بالبعث والمعاد: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)} [الجاثية:24] وهذه الآية تشمل طائفتين من الفلاسفة المنكرة للمعاد:
الأولى: الفلاسفة الدهرية والطبائعية.
الثانية: الفلاسفة الدهرية الدورية.
وللسلف في معنى الآية الكريمة تفسيران:
الأول: معنى قولهم: (نموت ونحيا): أي: يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا أبداً، وهو قول الطائفة الأولى.
والثاني: أنهم عنوا كونهم يموتون ويحيون هم أنفسهم، ويتكرر ذلك منهم أبداً، ولا حساب ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم ولا محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية(2).
2 - الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهو قول الفلاسفة الإلهيين … فقالوا: إن الأجساد لا تحشر وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية(3).--------------------------------------------
(1) التفتازاني: شرح المقاصد في علم الكلام، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 1422 هـ (2/ 210)
(2) حافظ الحكمي: معارج القبول (2/ 776)، الغزالي: المنفذ من الضلال: (135)
(3) الغزالي: المنقذ من الضلال: (164)، الإيجي:: (3/ 479)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
قال الإمام ابن الجوزي: "وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنة ونار جسمانيين، وزعموا أن تلك أمثلة ضربت لعوام الناس، ليفهموا الثواب والعقاب الروحانيين، وزعموا أن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمدياً أبداً، إما في لذة لا توصف وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النفوس المثلوثة"(1).
فهؤلاء المتفلسفة يقولون: إن ما أخبرت به الرسل من أمر المعاد، إنما هي أمثال مضروبة، لتفهيم المعاد العقلي، واللذة والألم العقليين، فيجعلون النصوص الشرعية الواردة في البعث والمعاد من قبيل التخييل والتمثيل الخالية عن الحقائق، وإنما جاء بها الأنبياء والرسل من ربهم جل وعلا لأمور:
1 - لتفهيم المعاد الروحاني، وما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم.
2 - أن فيه مصلحة العامة، حتى يرتدعوا، ولذا صرحوا بأن الرسل تكذب للمصلحة.
3 - وفيه تفيهم لمعنى الرب والملائكة وغير ذلك(2).
وقولهم هذا: أن الحقائق في مقام الأمثال، هو تحكم بلا دليل(3)، مخالف لاعتقاد المسلمين كافة، قال الإمام الغزالي: "ولقد صدقوا في إثبات الروحانية، فإنها كائنة أيضاً، ولكن كذبوا في إنكار الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به"(4).--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط 1 1421 هـ، ص (45)
(2) ابن تيمية: بغية المرتاد (279)، ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل (6/ 242)، (ذكر شيخ الإسلام: أن عمدة شبهة الملاحدة المنكرون للمعاد كلها تعود إلى ما ينفي على الرب أو قدرته أو مشسيئته أو حكمته، ونفي العي يثبت هذه الصفات فتنتفي أصول شبهتهم)، انظر: ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية، ط 2 - 1411 هـ (7/ 384)
(3) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الفكر - بيروت، ط 1 1421 هـ، ص (45)
(4) الغزالي: المنقذ من الضلال، (147)، الغزالي: تهافت الفلاسفة ص (282)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
وقد تتبع الإمام الغزالي حجج الفلاسفة في إنكارهم حشر الأجساد، وإنكارهم اللذات الجسمانية في الجنة، والآلام الجسمانية في النار، وإنكار وجود جنة أو نار، ورد عليها وفندها، والسبب الذي حملهم على إنكار هذه الأمور هو استحالتها بالدليل العقلي، فطالبهم بإظهارها، ثم رد عليها في كتابه "تهافت الفلاسفة"(1).
واحتجوا في إنكارهم لحشر الأجساد، ببعض الشبه العقلية منها:
1 - استحالة إعادة المعدوم.
2 - استحالة عدم تناهي الأبعاد.
أما دليلهم الأول: وهو استحالة إعادة المعدوم، فيجاب عنه بأوجه:
الأول: أنه لا دليل على امتناع إعادة المعدوم، بل الدليل دل على إمكانه.
الثاني: أن المعاد ممكن التحقق لتحققه في المبتدأ، والله جل وعلا يقول: … { … كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)} [الأعرف:29].
الثالث: أن إعادة المعدوم يراد منه: إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك.
الرابع: أن هذا مبني على قاعدتين وهميتين، وهما: إنكار القدرة، وإنكار العلم بالجزئيات، وعليهما بنى منكر وحشر الأجساد من الفلاسفة، ولذا فالقرآن قرر المعاد بهذه الأصول وهي كمال القدرة، وكمال العلم، وكمال الحكمة الإلهية(2).
وأما دليلهم الثاني: وهو استحالة عدم تناهي الأبعاد، والقائلون به على جهتين:
- منهم من قال: الإنسان قديم بالنوع، والنفوس الناطقة غير متناهية كالأبدان، فلو قيل بالحشر الجسماني يلزم اجتماع تلك الأبدان غير المتناهية في الوجود، إذ لا بد لكل نفس من بدن مستقل، فيلزم بعد غير متناه، لتجتمع فيه تلك الأبدان غير المتناهية.
- ومنهم من قال: إن الإنسان أفراده غير متناهية، والعناصر متناهية فأجزاؤها لا تفي بتلك الأبدان فكيف يحشر؟(3).--------------------------------------------
(1) الغزالي: تهافت الفلاسفة ص (294)، عبد الرحمن بدوي: الفلسفة والفلاسفة ص (139).
(2) التفتازاني: شرح المقاصد (2/ 213)، ابن المنير: الاتصاف فيما تضمنه الكشاف، مطبوع مع كتاب الكشاف (3/ 32)، أبو جعفر الغرناطي: ملاك التأويل (2/ 397)
(3) الألوسي: روح المعاني، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط 1 1415 هـ (12/ 60)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
وهذه مع كونها شبهة متهافتة، إلا أن هذا الزعم الذي تفوه به الفلاسفة زعم باطل، لأنهم يقولون بقدم العالم، وهذا يعني: وجود أبعاد زمانية لا تتناهى في القدم، ويقولون بأن المادة لا تفنى، وهذا يعني أيضاً: وجود أجسام لا تتناهى، فهذا يرد على دعواهم الباطلة، مع كون القول بقدم العالم عقيدة فاسدة، إلا أن مسلّمات الخصم، وهي لازم قولهم تبطل دعواهم(1).
وثانياً: أن الازدحام والتصادم والتضايق، هو من خصائص الأجسام الدنيوية، وليس في الأجسام الأخروية ازدحام وتضايق، فأحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، وصفة الأرض المحشورة تختلف عن صفة الأرض الدنيوية، والقرآن نص على أنهم مجموعون، مما يدل على اتساعها للجميع قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)} (قُلْ إن الأوّلين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) الواقعة: 50(2).
3 - بعض أعيان الفلاسفة لهم آراء خاصة فيما يتعلق بالمعاد الروحاني:
أ - نقل شيخ الإسلام عن الفارابي، أن له ثلاثة أقوال متناقضة في معاد النفوس والأرواح:
فتارة يقول: إنما تُعاد النفوس العالمة دون الجاهلة، وهذا أيضاً قول يقوله بعض أعيانهم، وتارة يقول: بمعاد الأنفس مطلقاً، وتارة يقول: بإنكار معاد الأنفس مع معاد الأبدان(3).
ب - ونُقل عن جالينوس: التوقف في هذه المسألة، فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس، هل هي المزاج فينعدم عن الموت فيستحيل إعادتها، أو هي جوهر باق بعد فساد البنية، فيمكن المعاد حينئذ(4).--------------------------------------------
(1) محمود غريب: سورة الواقعة ومنهجها في العقائد ص (99)
(2) شاكر الساعدي: المعاد الجسماني ص (242)، الألوسي: روح المعاني (12/ 60)
(3) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص (458)، أحمد بن عيس: توضحي المقاصد (2/ 274)، ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص (169)، ابن تيمية: الجواب الصحيح ص (6/ 11)، ابن كثير: البداية والنهاية (11/ 253).
(4) الإيجي: المواقف (3/ 479)، التفتازاني: شرح المقاصد (2/ 211)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
ج - ونقل عن ابن سينا: أنه كان يقول بإنكار المعاد الجسماني، ولذا حَصَر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً كفره في ثلاثة منها، وهي قوله: بقدم العالم، وعدم المعاد الجسماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعة في البواقي.
وقد نقل القاضي شهاب الدين المعروف بابن أبي الدم: اتفاق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم، ونفى المعاد الجسماني، وأنه أثبت المعاد النفساني، ونقل عنه أنه قال: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي وإنما يعلمها بعلم كلي، وقطع علماء زمانه، ومن بعده الأئمة المعتبرة أقوالهم أصولاً وفروعًا من الحق بكفره، ويكفر أي نصر الفارابي بهذه المسائل الثلاث واعتقاده بها بما يخالف اعتقاد المسلمين(1).
ويقول الإمام ابن تيمية:" ثم المتفلسفة الدهرية كالفارابي، وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع "(2).
ونقل ابن خلدون عن ابن سينا في كتابه (المبدأ والمعاد) قوله:" إن المعاد الروحاني وأحواله هو مما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس، لأنه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة، فلنا في البراهين عليه سعة، وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان، لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية، فلينظر فيها، وليرجع في أحواله إليها "(3).--------------------------------------------
(1) ابن كثير: البداية والنهاية (12/ 54)، صلاح الدين الصفوي: الوافي بالوفيات (12/ 250).
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود - السعودية (5/ 10 - 250)
(3) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الفكر - بيروت، ط 2 - 1408 هـ، ص (713).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
أخذا البعض من هذا النص عن ابن سينا أنه رجع عن قوله بإنكار المعاد الجسماني، واختلفت الأنظار في توجيه قوله السابق، والنظر بالنسبة لمصداقية ابن سينا في هذه المقالة، فذهب البعض إلى أن الباعث له على هذا الأمر هو الرجوع للحق وقبوله إياه، في حين ذهب آخرون إلى الباعث له هو التقية من متكلمي المسلمين في ذلك الزمان، لأنهم يعتبرون أن مسألة المعاد الجسماني من ضروريات الدين الإسلامي، ومن أنكرها كفر(1).
وهذا الاضطراب الذي جرى في كلام ابن سينا في البعث الجسماني، جعل البعض يناقش الإمام الغزالي في تكفيره لابن سينا، ولم يسلّم له بذلك، ولذا قال أبو الوليد ابن رشد مجيباً له تكفير الغزالي للفلاسفة كابن سينا والفارابي:" الظاهر من قوله في ذلك، أنه ليس تكفيره إياها في ذلك قطعاً، إذ قد صرح في كتاب التفرقة، أن التكفير بخرف الإجماع فيه احتمال"(2).
والذي عليه أئمة الإسلام في هذه المسألة، في حيال هذه الأقوال الشاذة الخارجة عن الإسلام، مما يتفوه به الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، من أن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا تعذب، أن هؤلاء كفار بإجماع المسلمين(3).
وقد ذكر المؤرخون ما يتعلق بتوبة ابن سينا عموماً، ورجوعه للشرائع واعتقادها، فنقل جماعة منهم خبر توبته وإنابته، في حين تردد فيها جماعة آخرون.
فقال تقي الدين الغزي:" والناس في اعتقاده فرقتان له وعليه، والظاهر أنه تاب قبل موته، والله أعلم بحاله"(4)،في حين ألمح الإمام ابن كثير إلى ضعف خبر توبته فقال:" ويقال إنه تاب عند الموت، فالله أعلم"(5).--------------------------------------------
(1) شاكر الساعدي: المعاد الجسماني ص (186) غالب عواجي: الحياة الآخرة (1/ 115).
(2) عبد الرحمن بدوي: الفلسفة، ص (129)، ابن رشد: فصل المقال، دار المعارف، ط 2 - ، ص (37).
(3) ابن القيم: الروح ص (51)، الكفوي: الكليات (146)
(4) تقي الدين الغزي: الطبقات السنية في تراجم الحنفية (1/ 253).
(5) ابن كثير: البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ط 1 1408 هـ، ت: علي شيري، (12/ 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
ونقل ابن الأهدل عن اليافعي قال:" طالعت كتاب الشفا، وما أجدره بقلب الفاء قافاٌ، لاشتماله على فلسفة لا يشرح لها قلب متدين، والله أعلم بخاتمته وصحة توبته، وقد كفره الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال"(1)
د - أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد):
يُثبت المعاد، ويذكر اتفاق الشرائع عليه فيقول: والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع، وقامت عليه البراهين عند العلماء، ثم ذكر ابن رشد الأدلة العقلية والنقلية على المعاد.
والإشكال عند أبي الوليد، أنه لا يعد الخلاف في الشيء المعاد، أهو الروح أم الجسد؟ شيئاً مهما، بل لكل إنسان أن يعتقد ما أدى إليه نظره واجتهاده بيد أن المقام هنا مقام نص لا نظر واجتهاد، فنصوص الوحيين متضافرة على إثبات المعاد الجسماني، والتأكيد عليه، فبعث الناس يوم القيامة غرا محجلين وبعثهم حفاة عراة غرلاً بهما، فيها دلالة واضحة، وبرهان ساطع على البعث والمعاد الجسماني، لأنها أوصاف للجسد، والروح تبع(2).
يقول شيخ الإسلام مبيناً منهجه: "كان ابن رشد في مسألة حدوث العالم ومعاد الأبدان، مظهراً للوقف، ومسوّغاً للقولين "(3).
وقد دخل على بعض القائلين بمعاد الأرواح فقط، القول بالتناسخ، فمنهم من يقول: بأن الأرواح تتناسخ إما في أبدان الآدميين، أو أبدان الحيوان مطلقاً، أو في موضع الأجسام النامية، ومنهم من يقول بالتناسخ للأنفس الشقية فقط، على أن الكثير من محققيهم ينكر التناسخ(4).--------------------------------------------
(1) ابن العماد: شذرات الذهب، دار ابن كثير - دمشق، ط 1 1416 هـ (5/ 137).
(2) محمد أمان: العقل والنقل عند ابن رشد، مقال ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، العدد الأول، تأريخ: 1398 هـ، ص (94 - 97)، عبد الرحمن بدوي: الفلسفة والفلاسفة، المؤسسة العربية للدراسات، ط 1 1987 م، ص (141).
(3) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1 1406 هـ (1/ 356).
(4) ابن تيمية: الجواب الصحيح، دار العاصمة، السعودية، ط 2 - 1419 هـ (6/ 11)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
المبحث السادس: عقيدة اليوم الآخر عند بعض الأديان الوضعية،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: المصريون القدماء واليوم الآخر.
المطلب الثاني: بعض الديانات الهندية واليوم الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
المطلب الأول قدماء المصريين واليوم الآخر
يحكى التاريخ قصة الحضارة عند قدماء المصريين، وأن هذه الحضارة ومعالمها التي سطرها يراع المؤرخين، تقف بجانبها الشواهد التاريخية على مدى أزمان متطاولة تصدق هذا المسطور، وتؤكد ما فيه من منشور.
إن القدماء المصريين كغيرهم من الشعوب سيطرت على أفكارهم بعض العقائد المتعلقة بالخلود، ولهذا اعتقد المصريون أيام الأسرة الخامسة منذ عام (2600 ق م) بحياة أخرى(1)، وأنها باقية بعد هذه الحياة الفانية.
وأكد الباحث الأثري عبد الرحيم ريان: أن المصري القديم اهتم بمصيره بعد الموت، وما يمكن أن يلاقيه من أهوال، حتى يصل إما للنعيم أو الجحيم وذلك في نقوش على جدران المعابد، وفي كتب قدماء المصريين(2).
فمصادر التاريخ المصري، تحكي لنا قصة هذه العقيدة، التي تؤكد أن فكرة الخلود والحياة بعد الموت، تحتل مكان الصدارة فيها، وأوسع ا لمصادر الدينية حظاً فيما تضمنته من عقائد مكان الصدارة فيها، وأوسع المصادر الدينية حظاً فيما تضمنته من عقائد ما بعد الموت هي: متون الأهرام، ومتون التوابيت، وكتب الموتى التي كانت تكتب على أدراج متفاوتة الأطوال من البردي، وتحفظ مع المتوفى في تابوته، أو توضع بين أكفانه(3).--------------------------------------------
(1) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن، دار الشروق، ط 14 2002 م، ص (12).
(2) من مقال منشور في موقع رصد (-) على الشبكة العنكبوتيه، بتاريخ: 11/ 2/2013، بعنوان: أهوال يوم القيامة على جدران مقابر المصريين: لولاء وحين.
(3) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق، ص (338).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)