وقد أقيم في هذه العصور المتأخرة في بريطانيا، معرض تحت عنوان: رحلة إلى العالم الآخر، كتاب الموتى عند المصريين القدماء، وجمع المتحف البريطاني مجموعة فريدة من أوراق البردي، التي كتب عليها قدماء المصريين التفاصيل الدقيقة لما بعد الحياة، وقال أمين المتحف جون تايلود: الهدف الرئيسي حقا هو إعطاء الناس فهما أعمق لمعتقدات المصريين القدماء عن الحياة بعد الموت … وإلقاء المزيد من الضوء على آمالهم ومخاوفهم.
وبردية جرينفلد: هي أكبر كتاب للموتى إذ يبلغ طولها سبعة وثلاثون متراً، وتعرض في المتحف البريطاني لأول مرة(1).
وهذا ما دعا المؤرخ اليوناني هيرودوت إلى أن يقول:" إن المصريين هم أول الشعوب التي اعتقدت بخلود النفس، فقد عُثر على نقوش مدونة على الأهرامات: أن النفس خالدة لا تموت"(2).
ولم تكن بعض المعالم والعوالم التي يشاهدها المصريون في حياتهم، بمعزل عن الإيحاء إليهم، بإمكان تجدد الحياة والبعث.
ومن تلك المعالم التي كانوا يشاهدونها عياناً، نهر النيل، فهم يرون فيضانه يتجدد كل عام في موسم لا يخلفه، فيخصب التربة، وينبت البذرة، ويدفع دورة الحياة الزراعية دائماً دفعات جديدة، فبعد طول تأمل وتدبر، قدروا أن من يتعهد طبيعتهم بالحياة بعد وفاتهم، طالما أحبهم وأحبوه، وتقربوا إليه وقدسوه.
وكذا لم يغب عن خيالهم ما يرونه من عوالم الكون ومعالمه، فحين لاحظوا ما للشمس من أثر في دورة الحياة اليومية، وارتباط شروقها ببقية الكائنات بعد النوم، وبالحركة بعد الخمول، والرؤية بعد قلة الرؤية، فقدروا أن من يسيَّر الشمس لنفعهم في الدنيا، قادر على أن يوجهها لنفعهم في الآخرة(3).--------------------------------------------
(1) من خبر منشور في جريدة الاقتصادية الإلكترونية: (www.aleqt.com) بتاريخ: 5/ 1/1432 هـ وعدد رقم (6270)
(2) يسر مبيض: اليوم الآخرفي الأديان السماوية والديانات القديمة ص (29).
(3) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم في بصرة العراق ص (335 بتصرف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
فالمصري منذ أقدم العصور، كان يعنى بموتاه عناية فائقة، ولا يدخر وسعاً في سبيل المحافظة عليهم، كما أن الميت كان يزود في مقبرته بما يلزمه من متاع يحمل على الظن بأن اعتقاد المصري في حياة ثانية، كان اعتقاداً راسخاً وأن … هذه الحياة تشبه حياته الأولى(1).
وكان لهذه الحياة العقيدة التي اعتقدوها أثر في حياتهم، بما أجروه من طقوس تتمثل في التحنيط الذي كان يستهدفون من ورائه الإبقاء على الجسم سليماً واضح الملامح بقدر الإمكان، رعاية لصاحبه وضماناً لبعثه، وتشجيعاً لروحه على أن تأنس إليه وتتلبسه، وكذا ما كان يتمثل في النقوشات والرسومات التي وجدت في معابدهم(2).
المطلب الثاني بعض الديانات الهندية واليوم الآخر
بلاد الهند بلاد واسعة، كثيرة العجائب، ذات تاريخ وحضارة عريقة، إلا أنها غيرت وطمست على إثر غزاة آريون فحملوا معهم ديانة غير الديانة القديمة، وقد تفرقت بأهلها الأهواء، ودخلت عليهم الآراء، وتشتتوا فرقاً ومللاً حتى قال بعضهم:" ملل الهند اثنتان وأربعون ملة، منهم من يثبت الخالق عز وجل، والرسل، ومنهم من ينفي الرسل، ومنهم النافي لكل ذلك"(3)، ومنهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النار، ومنهم من يبيح الزنا(4).
وقد ظهرت جملة من الملل والديانات الوضعية في الهند، نتيجة الصراعات المستمرة، والحروب الطاحنة بين القبائل الهندية، وكان لهذه الحروب أثر على جميع الميادين السياسية والثقافية والحضارية والعقدية.
ففي حين كانت معتقدات الآريين وطقوسهم المخترعة، وتقسيمهم البشر إلى فئات مختلفة، وعلى رأسهم (البراهمة) الذين هم أصل الآريين منتشرة ظهر (البوذا) ليحارب جميع هذه المعتقدات والطقوس.--------------------------------------------
(1) محمد أبو المحاسن: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم، ص (84).
(2) عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم، ص (337).
(3) ابن خرداذبة: المسالك والممالك، دار صادر - بيوت، 1889 م، ص (71).
(4) القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد ص (227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
فنشأت في الهند الأديان الكبرى من البراهمة والبوذية والجينية والسيخية والهندوسية، وفي حين أن كل واحد من هذه الأديان لها مؤسس، فالبوذية أسسها البوذا، والجينية أسسها الماهبير سوامي، والسيخية أسسها كرونانك إلا أن الهندوسية لم يسجل لها اسم شخص معين يقال له: إنه مؤسس الديانة الهندوسية؛ لأنها كما يُعبر بعض فلاسفة الهندوس (رادها كرشنا): أن الديانة الهندوسية لا تنتمي إلى شعب من الشعوب، بل هي ثمرات لتجارب الأمم التي أدت دورها في تكوين الفكر الهندوسي(1).
وقد ذكر من رأى من المؤرخين عياناً، أن بعض أهل الهند من أصحاب بعض هذه الديانات من يحرق نفسه بالنار، وذكروا في ذلك أموراً عجيبة ومبني فعلهم هو قولهم بالتناسخ، وتمكنه في قلوبهم، وزوال الشك منه عنهم(2).
وحكى أبو عبد الله ابن بطوطة في رحلته بعض المشاهد في تحريقهم أنفسهم بل وإغراق أنفسهم في نهر الكنك، وهو الذي يحجون إليه، وفيه يرمى برماد المحرقين، وهم يقولون: إنه من الجنة، وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه يقول لمن حضره: لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا، أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كُساي، وكُساي: بضم الكاف والسين المهمل: اسم الله عز وجل بلسانهم، ثم يغرق نفسه، فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في هذا البحر(3).--------------------------------------------
(1) محمد الأعظمي: فصول في أديان الهند، ص (7 - 15 بتصرف)، مانع الجهني: الموسوعة الميسرة (2/ 724 - 758 - 764)، الشهرستاني: الملل والنحل (3/ 95)، محمد الفيومي: تاريخ الفكر الديني الجاهلي: ص (304)، حمود الرحيلي: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام (1/ 317).
(2) السيرافي: رحلة السيرافي، المجمع الثقافي - أبو ظبي، 1999 م، ص (78).
(3) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، أكاديمية المملكة المغربية - الرباط، 1417 هـ، (3/ 101).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
لقد كان الأقدمون " يعتقدون أن هناك عالماً آخر، هو عالم الأموات، وأن الأحياء إذا ماتوا، وآلهتهم عنهم راضية، تمنح أرواحهم معرفة الغيب وقدرة على التأثير في الكون، والمشاركة في تصريفه وتدبيره، بمجرد مغادرتها الأجسام، وقد استمرت هذه الديانة حتى جاءت ديانة الفاتحين، وهي البرهمية، فنسختها وحلت محلها "(1).
والبرهمية الهندوسية ثم من بعدها البوذية، انتحلتا القول بالتناسخ أو جولان الروح، قال الشهرستاني: "التناسخ هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول، والثواب والعقاب في هذه الدار، لا في دار أخرى لا عمل فيها، والأعمال التي نحن فيها، إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية "(2).
ولما قرر الشهرستاني مذاهب القائلين التناسخ قال: "وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم راسخ، وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك، فأما تناسخية الهند فأشد اعتقاداً لذلك"(3).
وممن نُسب إليهم القول بالتناسخ:
فرقة الحرنانية من الصابئة، وكذا بعض اليهود، وفرقة البيانية التي تنسب إلى بيان بن سمعان، والحربية أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي وكذا فريق من السمنية،" أجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان"(4)، وكذا المانوية أتباع ماني، قد ذهبت إلى القول بالتناسخ، ونقل بعضهم عن سقراط وأفلاطون وأتباعهما من الفلاسفة القول بتناسخ الأرواح(5).--------------------------------------------
(1) يسر مبيض: اليوم الآخر، دار الثقافة - قطر، ط 1 1412 هـ، ص (35).
(2) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 113)
(3) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (3/ 100)
(4) البغدادي: الفرق بين الفرق، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط 2 - 1977 م، ص (270).
(5) الشهرستاني: الملل والنحل (2/ 113)، غالب عواجي، الحياة الآخرة (1/ 128 - 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
وذهب بعض الباحثين إلى أن مسألة التناسخ لم تكن موضع اتفاق لدى فلاسفة الهندوس في بداية الأمر، وكذا بعض المحدثين من علمائهم، أنكروا هذه العقيدة واستخرجوا بعض النصوص من الفيدات، للدلالة على البعث والنشور، لا على عقيدة التناسخ(1).
وكما نقل الإمام ابن حزم عن جماعة القول بالتناسخ فقال:" افترق القائلون بتناسخ الأرواح إلى فرقتين، فذهبت الفرقة الأولى إلى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجساد أخر، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت وهذا قول أحمد بن حابط، وأحمد بن ناتوس تلميذه، وأبي مسلم الخراساني ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب صرح بذلك في كتابه الموسوم بالعلم الإلهي وهو قول القرامطة"(2).
فالقول بتناسخ الأرواح عند العقائد البرهمية والبوذية، هو طابع امتازت به النحلة الهندية، حتى قال البيروني في ذلك: " كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصارى، والإسبات علامة اليهود كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يك منها ولم يعد في جملتها"(3).--------------------------------------------
(1) محمد الأعظمي: فصول في أديان الهند، دار البخاري -المدينة النبوية، ط 1 1417 هـ، ص (121)
(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/ 77)، أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين ص (1/ 31)، الملطي: التنبيه والرد على الأهواء ص (22).
(3) البيروني: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، ص (39).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
" وعن هذه الديانات الوضعية أخذت بعض فرق الباطنية، كالإسماعيلية، والنصيرية، والدروز معتقد تناسخ الأرواح، واستغلته لنسخ مبدأ المعاد، وإنكار الجنة والنار، والطعن بالفرائض وإباحة المحرمات"(1). وممن ذهب إلى القول التناسخ القاديانية والبهائية(2)، وأما البابيون فإنهم ينكرون جميع أمور الآخرة، ولا يعتقدون بالقيامة المعهودة المعروفة عند أهل الأديان السماوية، بل القيامة عندهم، هي قيام القائم، أي النبي والرسول أو المظهر حسب مصطلحهم(3).
ونُقل عن بعض الأعيان أنهم كانوا يقولون بمذهب التناسخ مثل أحمد بن حمد القحطي الذي كان في زمان الجبائي، فإنه جمع بين القول بالاعتزال والتناسخ، وكذا عبد الكريم بن أبي العوجاء كان في السر على دين المانوية وكان يقول بالتناسخ، وكان في الظاهر ينتسب إلى القدرية والرافضة(4).
ونسب الشهرستاني القول بالتناسخ إلى غلاة الرافضة، فقال:" وبدع الغلاة محصورة في أربع: التشبيه والبداء والرجعة والتناسخ"(5).
والرافضة ينازعون في نسبة التناسخ لمذهبهم، ويحكون إنكاره، ولا يقبلون بالتلازم بين الرجعة والتناسخ، ويذهبون إلى أن الرجعة تختلف عن التناسخ وتفارقه ذاتاً وجوهراً، وأن القول بالتناسخ هو قول الغلاة منهم، فيتبرؤون منهم، لأن القول بالتناسخ يؤدي إلى إنكار الجنة والنار(6).
وقد فرّق الإمام أبو الحسن الأشعري في مسألة الرجعة عند الرافضة بين فرقتين:--------------------------------------------
(1) عبد القادر صوفي: أثر الملل والنحل القديمة في بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، مقال ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 125، ص (72).
(2) مانع الجهني: الموسوعة الميسرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط 4 1420 هـ (1/ 419).
(3) إحسان إلهي ظهير: البابية، إدارة ترجمان السنة - باكستان، ط 6 1984 م، ص (205 - 207).
(4) الاسفراييني: التبصير في الدين، عالم الكتب - بيروت، ط 1 1403 هـ، (137).
(5) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 173)
(6) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (8/ 154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
الأولى: يزعمون أن الأموات يرجعون إلى الدنيا قبل قيام يوم الحساب وهذا الأكثر منهم.
والثانية: وهم أهل الغلو: ينكرون القيامة والآخرة، ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة، وإنما هي أرواح تتناسخ في الصور، فمن كان محسناً جوزي، بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم، ومن كان مسيئاً جوزي: بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس شيء غير ذلك، وأن الدنيا لا تزال أبداً هكذا(1).
إذن: "لا نجد في الديانات الهندوكية: ولا في الديانة البوذية، وهي عقيدة طائفة من الهنود، وعقيدة أهل سيلان، ومعظم اليابانيين، وكثير من الصينيين، لا نجد في هذه الديانات عالماً آخر للحساب والجزاء، إنما نجد مكانه النيرفانا، وهي الفناء في الروح الأعظم، وإن اختلفت وسائل الوصول إلى هذه المرتبة بين الديانتين"(2).
"فالقائلون بالتناسخ ينكرون أن تكون هناك حياة آخرة، يلقى فيها الإنسان جزاء، ولكن لابد من جزاء حتى يعتدل ميزان العدل، ويطمئن المحسنون إلى إحسانهم، ويخشى المسيئون جرائر سيئاتهم، وإذن فيكن هذا الجزاء على تلك الصورة التي صورها القائلون بالتناسخ فجعلوا الجزاء واقعاً في هذه الدنيا، فكان القول بالتناسخ هو مما ترضّ به عقولهم، أولئك الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء، فهو ضرب من ضروع الخداع للنفس، لا أثر له في محيط الواقع، ولا دليل عليه بين أيدي الناس، وهذا أوضح من أن يحتاج إلى بيان"(3).فمذهب التناسخ مما فرضه العقل الإنساني فرضاً، واعتسفه اعتسافاً وليس له حقيقة، وإنما هو من الأساطير الخرافية، التي ولدتها الخيالات الشعرية(4).--------------------------------------------
(1) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط 1 1426 هـ، ص (1/ 54).
(2) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن،، دار الشروق، ط 14 2002 م، ص (26).
(3) عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن: (6/ 954 - 956)
(4) محمد 3) الأشعري: مقالات الإسلاميين، المكتبة العصرية، ط 1 1426 هـ، ص (1/ 54).
(4) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن،، دار الشروق، ط 14 2002 م، ص (26).
(5) عبد الكريم الخطيب: التفسير القرآني للقرآن: (6/ 954 - 956)
(1) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990 م، (7/ 335).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
ونشير هنا إلى أن هناك بعض الديانات الشرقية لا تؤمن أصلاً بالبعث، ولا بالجنة والنار، إذ أن همهم منصب على إصلاح الحياة الدنيا، وهي الكونفوشيوسية الديانة القديمة للصينيين(1)، وكذا الديانة الطاوية الصينية القديمة، والتي لا تزال حية إلى اليوم، إذ ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، فليس لديهم بعث ولا حساب، وإنما يُكافأ المحسن بالصحة وطول العمر، بينما يجازي المسيء بالمرض والموت المبكر(2).
وقريبة من هذه العقائد، كانت عقائد العراقيين القدماء، فإن فكرة القيامة والبعث لم تكن لها ذكر في نصوصهم، ورجح الباحثون انتفاء الحساب من عالم الأموات، وبالتالي انتفاء الثواب والعقاب، وعليه: فإن عالم الأحياء في نظرهم هو دار الثواب والعقاب(3).--------------------------------------------
(1) يسر ميض: اليوم الآخر: ص (40)، مانع الجهني: الموسوعة الميسرة: (2/ 753).
(2) مانع الجهني: الموسوعة المسيرة، دار الندوة العالمية للطباعة، ط 4 1420 هـ (2/ 738).
(3) يسر ميض: اليوم الآخر، دار الثقافة - قطر، ط 1 1412 هـ، ص (46).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
الباب الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر على ضوء العقيدة الواسطية،
وفيه فصلان:
الفصل الأول: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من الموت إلى ما قبل البعث
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه. .
المبحث الثاني: الحياة البرزخية.
الفصل الثاني: المسائل المتعلقة باليوم الآخر من البعث إلى دخول الجنة أو النار، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قيام الساعة، وإعادة الأرواح للأجساد.
المبحث الثاني: أحداث القيامة الكبرى.
المبحث الثالث: تفاصيل أخبار اليوم الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
المبحث الأول الموت، حقيقته، والآثار الواردة فيه،
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحا،
وفيه مسألتان:
1 - تعريف الموت في اللغة.
2 - تعريف الموت في الاصطلاح.
المطلب الثاني: الموت في القرآن الكريم، وفيه ثلاث مسائل:
1 - أوجه اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.
2 - أسباب اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.
3 - نتائج اهتمام القرآن الكريم بذكر الموت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
المطلب الأول: تعريف الموت لغة واصطلاحاً،
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف الموت لغة:
أ. موت: قيل: ميّت في الأصل مَويِت، مثل سيّد وسَويِد، فأدغمت الواو في الياء ونقلت الياء، ويخفف ويقال مَيت(1).
وقال بعضهم: ميت كان تصحيحه مَيْوِت على فَيْعِل، ثم أدغموا الواو في الياء.
وقال الزجاج: الميت أصله الميت بالتشديد، إلا أنه يخفف فيقال:
مَيْت وميّت، والمعنى واحد.
وفرق بعضهم بينهما فقال: يقال لما لم يمت: ميّت بالتشديد، والميْت ما قد مات، وتعقب: بأنه ميّت بالتشديد يصلح لما قد مات، ولما سيموت، قال جل وعلا: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} [الزمر:30]. وقال الشاعر في تصديق أن الميْت والميّت واحد:
ليس من مات فاستراح بميّت إنما الميت ميت الأحياء
فجعل الميْت كالميّت(2).
ب. أصل الموت في اللغة يدور حول عدة معاني منها:
- ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: "الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف الحياة، وإنما قلنا: أصله ذهاب القوة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا فإن كنتم لابد آكليها فأميتوها طبخاً «(3)(4).
- ويطلق الموت على السكون، قال ابن منظور: وقيل: الموت في كلام العرب يُطلق على السكون، يقال: ماتت الريح، أي سكنت(5).--------------------------------------------
(1) الفراهيدي: العين، دار ومكتبة هلال، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (8/ 140).
(2) الأزهري: تهذيب اللغة (14/ 244)، الجوهري: الصحاح (1/ 267)، ابن منظور: لسان العرب (2/ 91)، الفيروز أبادي: القاموس المحيط (1/ 160)
(3) الحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه في كتاب الصلاة باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها … (ذكر إخراج المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى البقيع منه رائحة البصل والثوم ح (2091) (5/ 445)، وصححه الألباني في الإرواء، المكتب الإسلامي - بيروت، ط 2 - 1405 هـ (8/ 156).
(4) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، 1399 هـ (5/ 283).
(5) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر - بيروت، ط 3 1414 هـ (2/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
- ويطلق أيضاً على النوم والبل، قال الفيروز أبادي: ومات: سكن، ونام وبلى(1).
- ويطلق على الخضوع والاسترخاء، قال الصاحب بن عباد: وقيل: هو الخاضع الذليل، واستمات الشيء، استرخى(2).
فمدار لفظ (الموت) في لغة العرب يدور على هذه المعاني، وإن كان المعنى المشترك المستعمل في لفظ الموت في أكثر الموارد يراد به المعنى الأول، وهو ذهاب القوة عن الشيء، وإن كان لكل مورد لوازم تخصه، وتميزه عن الآخر.
ج. وذكر الأئمة أن الموت يتنوع بتنوع الحياة(3):
- فموت يكون بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى: {يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [ق:11].
- وموت يكون بزوال القوة الحاسة نحو قوله تعالى: {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} [مريم:23].
- وموت يكون بزوال القوة العاقلة وهي الجهالة، نحو قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122].
- وموت يكون بإزاء الحزن المكدر للحياة، نحو قوله تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم:17]
د. وذكر بعض المفسرين أن الموت يرد في القرآن على أوجه عديدة منها(4):
- الموت نفسه، ومنه قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185].
- والنطفة، ومنه قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} البقرة 28.
- والجدب، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} [آل عمران:143].
- والجماد، ومنه قوله تعالى: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} [النحل:21].--------------------------------------------
(1) الفيروز أبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 8 1426 هـ (1/ 160).
(2) الصاحب بن عباد: المحيط في اللغة، مطبعة المعارف - بغداد، ط 1 1395 هـ (2/ 384).
(3) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، دار القلم - دمشق، ط 1 1412 هـ، ص (479).
(4) ابن الجوزي: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر (571).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
- والكفر: ومنه قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران:27].
وقد ذكر العلامة أبو محمد البطليوسي في كتابه: الإنصاف(1):" أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ثلاثة عشر وجهاً:
أحدها: الوجود والعدم، والثاني: مقارنة النفس الحيوانية الأجسام ومفارقتها إياها، والثالث: العز والذل، والرابع: الغنى والفقر، والخامس: الهدى والضلال، والسادس: الجهل والعلم، والسابع: الحركة والسكون … والثامن: الخصب والجدب، والتاسع: اليقظة والنوم، والعاشر: اشتغال النار وخمودها، والحادي عشر: المحبة والبغضاء، والثاني عشر: الرطوبة واليبس، والثالث عشر: الرجاء والخوف"، ثم ذكر الشواهد التي تدل على هذه المعاني المشتركة.
هـ. ويرادف لفظ الموت: الحتف، والمنون، والسأم، والحين، والحِمام والردى، والثكل، والوفاة والهلاك(2). ولما كان كلاً من الموت والقتل إزالة للروح عن الجسد، فرق بينهما: بأن ما اعتبر فيه فعل المتولي لذلك قيل له: قتل، وما اعتبر فيه فوت الحياة قيل له: موت(3).
د. وقد اصطلح بعض أرباب التصوف على وصف الموت ببعض الألوان وبناء حكم عليه، ومنه قولهم: الموت الأحمر: مخالفة النفس، والموت الأبيض: الجوع، لأنه ينور الباطن، ويبيض وجه القلب، والموت الأخضر: لبس الرقع من الخرق التي لا قيمة لها، والموت الأسود: احتمال أذى الخلق(4).
في حين وصف الموت في اللغة العربية ببعض الألوان، وهي تحمل في طياتها معان مختلفة عما ذكرها أرباب التصوف ومنها(5):--------------------------------------------
(1) البطليوسي: الإنصاف في التنبيه على الأساليب أوجبت الخلاف بين المسلمين ص (122).
(2) ابن مالك الجياني: الألفاظ ص (232)، ابن قتيبة: الجراثيم (1/ 442).
(3) هنريكوس لامنس: فرائد اللغة في الفروق، مكتبة الثقافة الدينية - مصر،1999 م، ص (389).
(4) المناوي: التوقيف على مهام التعاريف، عالم الكتب - القاهرة، ط 1 1410 هـ، ص (318)
(5) أحمد مختار: البحث اللغوي عند العرب، عالم الكتب، ط 8 2003 م، ص (306).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول، فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء، والموت الأغبر: وهو الموت جوعاً؛ لأنه يغبر في عينيه كل شيء، والموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء، والموت الأبيض: وهو موت العافية، أو موت الفجأة؛ لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه.
المسألة الثانية تعريف الموت في الاصطلاح
الموت معروف وهو - مجرد عما بعده - أمر مشهور لم ينازع فيه أحد وحقيقته كما قال العلماء:
مفارقة الروح للبدن(1). فالموت بفتح الميم: انسحاب الروح من البدن … عندما يصبح البدن غير أهل لبقاء الروح فيه(2)، وقال الحافظ ابن حجر:" فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهراً وباطناً "(3).
وعليه فلا يلزم من قبض الأرواح: الموت؛ لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ»(4)؛"لأن المعنى من قبض الروح هنا: قطع تعلقه عن ظاهر البدن فقط والموت قطع تعلقه بالبدن ظاهراً وباطناً، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ»: مثل قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42](5)، فالموت والحياة متناقضان تناقض النور والظلام ولذلك يعرفان في معاجم اللغة العربية، كل واحد منهما نقيض الآخر(6).--------------------------------------------
(1) النووي: المجموع شرح المهذب (5/ 105)،ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/ 266).
(2) محمد رواس، حامد صادق: معجم لغة الفقهاء، دار النفائس، ط 2 - 1408 هـ، ص (648).
(3) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ (2/ 67).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب الآذان بعد ذهاب الوقت ح (595).
(5) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (5/ 88).
(6) يسر مبيض: اليوم الآخر في الأديان السماوية، دار الثقافة - الدوحة، ط 1 1412 هـ، ص (99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
والله تعالى سمى النوم موتاً، فهو موت أصغر بالنسبة للموت الحقيقي … الذي يزول معه العقل والحركة، ولذا قال الزجاج:" والنفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس. وسُمي النوم موتاً؛ لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً"(1). فالموت " ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك"(2).
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم:" وليس الموت بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وفناء للجسد دون الروح، إلا ما استثني من عجب الذنب"(3).
وقد عرف المتكلمون الموت بأنه: عدم الحياة عما من شأنه الحياة … واستظهره الرازي(4)، وقيل: عدم الحياة عمن اتصف بها(5).
وجعلوا هذا من باب تقابل العدم والملكة، فقالوا: الموت عبارة عن عدم صفة الحياة عن محل يقبلها، يعني: أن الموت والحياة من باب العدم والملكة فإن الحياة هي الإحساس والحركة الإرادية والاضطرارية كالتنفس، والموت عدم ذلك عما من شأنه أن يكون له(6).
وهذا التعريف منتقد:--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري (11/ 114)، مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات في فتح الباري بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، 1431 هـ، (189).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، (7/ 337 - 18 - 206).
(3) عبد الرحمن قاسم: حاشية الروض المربع، ط 1 1397 هـ، (3/ 4)
(4) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (5/ 199).
(5) البهوتي: كشاف القناع، دار الكتب العلمية - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 54).
(6) الزمخشري: (4/ 575)، الخلوتي: روح البيان (10/ 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
فقال بعضهم: تعريف الموت بأنه: زوال الحياة عما من شأنه الحياة، فيه تساهل؛ إذ يلزم منه أن يكون الجنين قبل حلول الحياة فيه ميتاً. وانفُصِل عن هذا الإلزام: بأنه لا يلزم ذلك عند استعداده للحياة، فلا يكون موتاً(1).
وقال بعضهم: هذا القيد في التعريف يلزم منه، عدم إطلاق هذا اللفظ على الجمادات، وهذا منقوض بورود وصف الجمادات بالموت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المتكلمين:" الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقبل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلاً من وجهين:
أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حية ولا ميتة ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت، وقد جاء القرآن بذلك قال تعالى: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)} [النحل:21] فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت "(2).
وعليه فيكون التقابل بين الحياة والموت من قبيل تقابل السلب والإيجاب وهما النقيضان. ومعلوم أن الحياة والموت ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما، كالحمرة بين السواد والبياض، فعلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى تعين الآخر.(3)
واختلف الناس في الموت على جهتين:
الأولى: - هل الموت صفة وجودية أم عدمية؟
الثانية: - هل الموت عرض أم جسم؟
أولاً: اختلف الناس في الموت هل هو صفة وجودية أم عدمية، على قولين:
الأول: أن الموت صفة وجودية، وهذا القول هو قول المذهب السني في مقابل الفلاسفة والمعتزلة.--------------------------------------------
(1) الشربيني: السراج المنير، (1/ 29)، التفتازاني: شرح المقاصد (1/ 224).
(2) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ص (160).
(3) ابن تيمية: الرسالة التدمرية ت: د. محمد السعوي، ص (159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
وهذا المذهب مستقى من إفادة القرآن، وتنصيصه على كون الموت مخلوقاً أي: كونه شيئاً وجودياً، ولذا التقت تعاريف هذا الفريق على هذا المعطى فقيل عن الموت: أنه صفة وجودية خلقت ضد الحياة، ونحو هذه العبارات(1). قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ} … [الملك:2]:" واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق"(2)، وقال العلامة ابن أبي العز:" الموت صفة وجودية خلافاً للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] والعدم لا يوصف بكونه مخلوقاً "(3)، وقال الإمام الرازي: "وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، واحتجوا على قولهم: بأنه تعالى قال: … {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، والعدم لا يكون مخلوقاً، هذا هو التحقيق"، وقال:" فالإماتة والإحياء أمر وجودي، وهما من خواص الحيوان "(4).
الثاني: أن الموت صفة عدمية، وهذا مذهب الفلاسفة ومن وافقهم من المتكلمين، كما ذهب إليه الزمخشري والاسفراييني(5)،" فالموت على هذا حالة عدم ينشئها انسحاب الحياة من الجسد "(6).
وأجابوا عن الآية التي استدل بها الأولون: بأن المراد بالخلق في الآية التقدير وهو يتعلق بالوجودي والعدمي جميعاً، ولو سُلّم، فالمراد بخلق الموت: إحداث أسبابه.--------------------------------------------
(1) المناوي: التوقيف على مهمات ص (683)، الأصفهاني: مفردات القرآن: ص (479)
(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ت: سامي سلامة (8/ 176)
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (79).
(4) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (29/ 280 - 30/ 579).
(5) التفتيازاني: شرح المقاصد (1/ 224)، الزمخشري: الكشاف 1407 هـ (4/ 575).
(6) مقال: أ. د / مصطفى بن حمزة بعنوان (فلسفة الموت) في مجلة حراء، العدد 2 يناير - مارس 2006 م
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
قال الطاهر بن عاشور:" وأما معنى خلق الموت: فإيجاد أسبابه، وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضاً للمخلوق عبّر عن حصوله بالخلق تبعاً "(1).
والصحيح المعتبر: ما نص عليه أهل السنة من أن الموت صفة وجودية، دل عليه قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، وأما تأويله بمعنى قَدَّر فبعيد بدلالة سياق الآية وسباقها، فإن المراد به الموت الطارئ، وبالحياة ما قبله وما بعده، والتعليل بقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} دليل على الوجود(2).
والموت والحياة نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فمتى ثبتت الحياة انتفى الموت، ومتى وجد الموت انتفت الحياة، لأن الشيء لا يخلو من الحياة أو الموت(3)." فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسرّ دقيق للغاية، يناسب دقة الصانع"(4).--------------------------------------------
(1) الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984 م، (29/ 13).
(2) أبو السعود: إرشاد العقل السليم، (9/ 2)، صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (1/ 57)
(3) ابن تيمية: التدمرية، ت: د. محمد السعوي، ص (154 - 159).
(4) الشعراوي: تفسير الشعراوي - الخواطر-، مطابع أخبار اليوم، 1997 م (4/ 2434).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
والآيات القرآنية الكريم شواهد على وجودية الموت، فإضافة المجيء والحضور إلى الموت دليل على وجوديته، كما قال جل وعلا: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)} [المؤمنون:99]، وقوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} [البقرة:133]. وثبت في السنة أن الموت يؤتى بصورة كبش أملح فيذبح(1)، وهذا صريح في كونه أمراً وجودياً. وذكر ابن عادل في تفسيره عن ابن الخطيب في الموت: أنه وجودي، ويوافقه ما نقله الصفوي عن صاحب الودّ: أن عدمية الموت كانت منسوبة إلى القدرية ففشت، ولذا قال ابن المنير تعقيباً على الزمخشري:"أخطأ في تفسير الموت .. أن الموت عدم، وهو خطأ صراح"(2).
ويُشار في هذا المقام: أن الإمام ابن تيمية ذكر في الأمور الوجودية التي تعلم بالحس كالحركة وغيرها كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، أنها أمور وجودية، فلا يلزم في مثل هذه الأمور الوجودية أن يكون ما يقابلها هو ضد ما ينافيها، أو عدمها من محلها؛ لأنه قد يكون عدم الشيء مستلزماً لأمر وجودي مثل الحياة مثلاً، فإن عدم الحياة مثلا، مستلزماً لأعراض وجودية ثم ذكر أن تنازع الناس في الموت: هل هو عدمي أو وجودي؟ نزاع لفظي ووجهه: أن من يقول بأن الموت وجودي، يحتج بقوله تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، فأخبر أنه خلق الموت كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ يكون النزاع لفظيا(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها ح (2849).
(2) ابن عادل: اللباب (19/ 224)،ابن المنير: الانتصاف، مطبوع ضمن كتاب الكشاف، (4/ 575).
(3) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ـ (2/ 383 - 8/ 334 بتصرف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وعليه يمكن أن يفسر الموت على هذا: بأن أخذ القوى والطاقات أمر وجودي؛ لأنه فعل وحركة، وإن كانت نتيجته عروض حالة عدمية على الإنسان، وأن الموت بما أنه انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن حياة دانية إلى حياة عالية، فهو بهذا المعنى وجودياً ليس عدمياً(1).
ومما يوضح مسألة وجودية الموت، ويجعلها صورة ظاهر في الذهن، ذلك حين ينظر الإنسان إلى "موت أبسط الأحياء وهو النبات، فإنه يظهر لنا نظاماً دقيقاً وإبداعاً للخلق ما هو أعظم من الحياة نفسها أنظم منها، فموت الثمار والبذور والحبوب الذي يبدو ظاهراً تفسخاً وتحللاً في الحقيقة هو عبارة عن عجن لتفاعلات كيماوية متسلسلة في غاية الانتظام، وامتزاج لمقادير العناصر في غاية الدقة والميزان، وتركيب وتشكيل للذرات بعضها ببعض في غاية الحكمة والبصيرة، بحيث إن هذا الموت الذي لا يرى، وفيه هذا النظام الحكيم والدقة الرائعة، هو الذي يظهر بشكل حياة نامية للسنبل والنبات الجديدة، أزهاراً وأثماراً، بل هو بمثابة عين حياته الجديدة، فهذا الموت إذن مخلوق منتظم كالحياة، وكذلك فإن ما يحدث في معدة الإنسان من موت لثمرات حية، أو غذاء حيواني هو في حقيقة بداية ومنشأ لصعود ذلك الغذاء في أجزء الحياة الإنسانية الراقية، فذلك الموت إذن مخلوق أكثر انتظاماً من حياة تلك الأغذية.
فلئن كان موت النبات - وهو في أدنى طبقات الحياة - مخلوقاً منتظماً بحكمة، فكيف بالموت الذي يصيب الإنسان وهو في أرقى طبقات الحياة فلا شك أن موته هذا سيثمر حياة دائمة في عالم البرزخ تماماً كالبذرة الموضوعة تحت التراب، والتي تصبح موتها نباتًا رائعاً في الجمال والحكمة في عالم الهواء "(2).
ثانياً: اختلف الناس في الموت هل هو عرض أم جسم؟--------------------------------------------
(1) السبحاني: مفاهيم القرآن، مؤسسة الإمام الصادق، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (8/ 159).
(2) انظر: مقال أ. د. مصطفى بنحمزة، بعنوان (فلسفة الموت عند بديع الزمان النوري) في مجلة حرا ء العدد 2 يناير - مارس 2006 م
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)