الثاني: أن الكل يسأل، فالسؤال عام شامل للجميع، وهو اختيار جماعة من الأئمة منهم: القرطبي وابن الجوزي وابن القيم، وهو الصحيح الذي تؤيده النصوص.
واحتجوا بالنصوص الواردة في سؤال الملكين، وفي بعض ألفاظ الأحاديث الواردة كما في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ … «وزاد البخاري: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ «(1).
فالسؤال فتنة وعذاب، والكافر أحرى بذلك من المسلم، فهو من جملة المسئولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر سبحانه أنه يسأل الكافر يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)} [القصص:65] وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)} [الحجر:92] وقال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف:6]، فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يسألون في قبورهم(2).
وترجم له الإمام البيهقي في كتابه (إثبات عذاب القبر) بباب:" إخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم -بأن المؤمن والكافر جميعاً يسألان، ثم يثبت المؤمن ويعذب الكافر"(3).
3 - اختلف الناس في سؤال الملكين للمقبور، هل هو على الروح أم على البدن أم عليهما؟ إلى ثلاثة أقوال:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال ح (1338)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (2870).
(2) ابن القيم: الروح ص (86)، مفلطابي: شرح ابن ماجه (1/ 159)، السيوطي: شروح الصدور ص … (145).
(3) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفلاقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، ص (33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
الأول: أن السؤال واقع على الروح فقط، وهذا القول نصره الإمام ابن حزم وغيره، وقال:" وأما من ظن أن الميت يحيي في قبره فخطأ، لأن الآيات التي ذكرناه تمنع من ذلك، ولو كان ذلك لكان تعالى قد أماتنا ثلاثاً، وأحيانا ثلاثاً، وهذا باطل، وخلاف القرآن، إلا من أحياه الله تعالى آية لنبي من الأنبياء"(1).
وذكر الإمام ابن حزم، أنه لم يصح في خبر قط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، ويحكى عن ابن عقيل وابن الجوزي وابن هبيرة(2).
الثاني: أن السؤال واقع على الجسد فقط، وأنكره جمهور أهل السنة، وهو قول ابن الزاغوني، وحكي عن ابن جرير(3).
الثالث: أن السؤال واقع على الروح والجسد، وهو قول جمهور أهل السنة وذهب إليه المحققون من أهل العلم، كالإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرهما، وهو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة، وتشهد له البراهين الصحيحة.
يقول الإمام ابن تيمية: "مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن "(4)، وبعد أن ذكر الإمام ابن القيم حديث البراء بن عازب الطويل في عذاب القبر، وفيه: (فتعاد روحه في جسده) قال: "وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث من سائر الطوائف "(5)، ثم رد على الإمام ابن حزم في استدلاله على قوله: بأن السؤال واقع على الروح دون البدن.--------------------------------------------
(1) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، مكتبة الخانجي - القاهرة (4/ 56).
(2) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل: (4/ 57)، السيوطي: شرح الصدور: ص (147)
(3) ابن قاسم: المستدرك على مجموع الفتاوى: (1/ 96)، ابن القيم: الروح: ص (50)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية،، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (395).
(4) ابن تيمية: شرح حديث النزول، المكتب الإسلامي - بيروت، ط 5 1397 هـ، ص (88).
(5) ابن القيم: الروح دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (43).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
4 - ما يتعلق بسؤال الملكين للمقبور وإقعاده، حق ثابت في النصوص وإنما يشكل إذا حكمنا المعتاد في الدنيا، وتحكيمه بإطلاق غير صحيح لقصوره وإمكان خرق العوائد، إما بفتح القبر حتى يمكن إقعاده، أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول، فالله جل وعلا جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه(1)، ولذا "أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى"(2).
5 - واختلف الناس في سؤال القبر، كم مرة يكون؟
فقيل: ثلاث مرات، وقيل: المؤمن يسأل سبعة أيام، والكافر أربعين صباحاً وقيل: مرة واحدة، وهو الذي استظهره ابن عبد البر، فقال: "والآثار المرفوعة كلها في هذا المعنى، تدل على أن الفتنة - والله أعلم - مرة واحدة"(3).
6 - واختلف الناس في سؤال الأطفال، هل يُسألون ويمتحنون أم لا؟ على قولين مشهورين:
الأول: أنهم يمتحنون وكذا المجنون، وهو قول أكثر أهل السنة.
واحتجوا بما ورد من الدعاء للطفل: «اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»(4)، قالوا: وهذا يدل على أنه يفتن.
وكذا احتجوا بما ثبت عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية، فقال: «لَوْ كَانَ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ»(5).--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الاعتصام: (843)،ابن رجب: تفسير ابن رجب: (1/ 600)
(2) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1 1356 هـ (1/ 130).
(3) ابن عبد البر: التمهيد: (22/ 251)، انظر: السيوطي: شرح الصدور: ص (144)، النفراوي: الفواكه الدواني: (1/ 98)، ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية الكبرى: (2/ 30)، ابن رجب: تفسير ابن رجب: (1/ 599)
(4) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز: باب ما يقول المصلي على الجنازة ح (776).
(5) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ح (2753)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (3507).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يكمل لهم عقولهم، ليوفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه، قال الإمام القرطبي: "وهذا مما تقتضيه ظواهر الأخبار، فقد جاء أن القبر ينضم عليه كما ينضم على الكبار … عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: إن كان ليصل على النفوس ما أن عمل خطيئة قط، فيقول: اللهم أجره من عذاب القبر"(1)(2).
وقالوا: وقد دلت الأحاديث الكثيرة أنهم يمتحنون في الآخرة، فإذا امتحنوا في الآخرة، لم يمتنع امتحانهم في القبور.
الثاني: أنهم لا يمتحنون ولا يسألون، وأفتى به جماعات من أهل العلم(3) فهم آمنون من ذلك، لأنهم غير مكلفين.
وقالوا: إنما يكون السؤال لمن عقل الرسول والمرسل فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا؟
وأجابوا عما ورد في الأثر، بالدعاء للطفل بأن يقي عذاب القبر: بأنه ليس على ظاهره، فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبته ولا السؤال، بل قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمله، ففي القبر من الآلام والهموم والحسرات، ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم به، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى له أن يقيه ذلك العذاب(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب عليه ح (11587).
(2) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط 1 1425 هـ، ص (143)
(3) السيوطي: الحاوي للفتاوى: (2/ 212)، عز الدين: قواعد الأحكام: (2/ 167)
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (4/ 277 - 280)، ابن القيم: الروح: ص (87)، السيوطي: الحاوي للفتاوى: (2/ 212)، ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية،: (2/ 31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
7 - استدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»(1)، على أن وقت السؤال عقيب الدفن(2)، وفيه رد على أهل البدع كأبي الهذيل والمريسي القائلين: إن السؤال يقع بين النفختين(3).
يقول الشيخ العثيمين في إجابة عن تساؤل:" متى تكون هذه الفتنة؟ هل هي بخروج الروح؟ أو بتسليم الإنسان إلى عالم الآخرة؟ والجواب: الثاني أما مجرد خروج الروح، فلا يحصل به فتنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كان إذا أراد أن يدفن الميت يقول: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا .. »(4). وهذا يدل على أنها لا تصل إلى ذلك الخير، ما دامت في أيديهم، وعلى هذا: فإذا مات ميت ووضع في الثلاجة للتحقق من موته وأسبابه، فإنه لا يفتن ولا يأتيه ملكان حتى يدفن "(5).
8 - أن الفتنة عامة لكل ميت إلا الشهيد، ومن مات مرابطاً في سبيل الله وكذلك الرسل على الصحيح لا يسألون؛ لأنهم هم المسؤول عنهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف ح (3221:.
(2) العيني: شرح أبي داود، مكتبة الرشد - الرياض، ط 1 1420 هـ (6/ 179)
(3) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (57).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة ح (1315).
(5) العثيمين: شرح العقيدة السفارينية، دار الوطن - الرياض، ط 1 1426 هـ، ص (432)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
وتتبع الأئمة رحمهم الله تعالى الأحاديث التي ورد فيها الاستثناء من فتنة القبر وسؤاله، فذكر جملة منها الإمام القرطبي في التذكرة، ثم قال:" اعلم رحمك الله أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصها، وبين من لا يسأل في قبره، ولا يفتن فيه ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد صلى الله عليه وسلم "(1).
9 - سؤال الملكين حق، يجب الإيمان به والاستعداد له، فمن أجاب نجا ومن تعثر خسر، يقول الإمام الرازي في حكمة سؤال الملكين: "أن الملائكة لما طعنت في بني آدم، بعث الله إليه ملكين يسألانه عن ربه ودينه، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، فيقول الله: انظروا إليه أخذت روحه وماله وزوجته: فماله لعدوه، وزوجته تحت غيره، ومع ذلك فهو مقر بتوحيدي وتنزيهي، لتعلموا أني أعلم ما لا تعلمون"(2).
المطلب الثاني عذاب القبر ونعيمه:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الواسطية -:" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه، ثم بعد هذه الفتنة: إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى"(3).
وما قرره الإمام ابن تيمية في هذا المقام من وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، هو الموافق والمستقر لما أجمعت عليه الأمة وتواترت على القول به وهو الموافق لظواهر النصوص الشرعية.
وهذه الجملة من كلام الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة تحوي جملة من المسائل، تحريرها في الآتي:--------------------------------------------
(1) القرطبي: التذكرة، مكتبة دار المنهاج - الرياض، ط 1 1425 هـ، ص (171)، السيوطي: شرح الصدور، دار المعرفة - بيروت، ط 1 1417 هـ، ص (148)، السفاريني: لوامع الأنوار، مكتبة الخافقين - دمشق، ط 2 - 1402 هـ (2/ 11)
(2) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1 1356 هـ (4/ 493)
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (3/ 1458).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
المسألة الأولى: حكاية إجماع أهل السنة على وقوع عذاب القبر ونعيمه:
حكى شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع اتفاق أهل السنة والجماعة على الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، فقال: العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها(1).
وقال رحمه الله تعالى:"اعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم والعذاب "(2).
وتتابع العلماء على حكاية إجماع الأمة على القول بعذاب القبر، فقال الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا أن عذاب القبر حق، وقال: وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون"(3).
وقال الإيجي: "وعذاب القبر للكافر والفاسق كلها حق عندنا، واتفق عليه سلف الأمة قبل ظهور الخلاف"(4). وقال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه"(5).
وقال ابن أبي العز:" وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة"(6).
وقال المناوي: "وقد أجمع أهل السنة على وجوب الإيمان بسؤال القبر وعذابه، لآيات وأخبار متواترة المعنى"(7).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (3/ 282).
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (4/ 282).
(3) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ص (159)
(4) الإيجي: المواقف، دار الجيل – بيروت، ط 1 1417 هـ (3/ 516)
(5) التفتازاني: شرح المقاصد، دار الكتب العلمية – بيروت، ط 1 1422 هـ (2/ 210).
(6) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (395)
(7) المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، ط 1 1356 هـ (1/ 130)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
وقال الآمدي: "وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف على إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين"، وقال أبو بكر بن مجاهد:" وأجمع أهل السنة أن عذاب القبر حق، وصرح الزاهدي بالاتفاق على عذاب القبر(1).
وترجم جماعة من الأئمة في مصنفاتهم في هذا الباب:
فترجم الإمام البخاري في صحيحه فقال: "باب ما جاء في عذاب القبر … باب التعوذ من عذاب القبر، باب عذاب القبر من الغيبة والبول"(2).
وترجم الأئمة لصحيح الإمام مسلم: "باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه"(3).
وكذا تتابع الأئمة من أهل التصانيف الحديثية والعقائدية على الترجمة لهذا الباب، وأن الإيمان به واجب، وحتم لازم:
قال الإمام أبو محمد بن أبي زمنين: "باب في الإيمان بعذاب القبر"(4).
وقال الإمام ابن البناء: "باب الإيمان بعذاب القبر"(5).
وقال الإمام اللالكائي: "سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق والإيمان به حق"(6).
وقال الإمام البيهقي: "باب الإيمان بعذاب القبر، نعوذ بالله من عذاب القبر ومن عذاب النار"(7).
وقد تواترت أقوال أئمة السلف ومن بعدهم على ضرورة الإيمان بعذاب القبر، وأنه حق، وردت به النصوص:
قال الإمام أبو حنيفة: "وعذابه حق كائن للكفار كلهم، ولبعض عصاة المؤمنين حق جائز "،--------------------------------------------
(1) الألوسي: الآيات البينات، ط 2 - 1399، (6)،ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (3/ 358)
(2) البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط 1 1422 هـ (2/ 97 - 99).
(3) مسلم: صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ت: محمد فؤاد عبد الباقي (4/ 2199).
(4) ابن أبي زمنين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط 1 1415 هـ، ص (154).
(5) ابن البناء: الرد على المبتدعة، دار الأمر الأول - الرياض، ط 2 - 1433 هـ، ص (180).
(6) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، دار طيبة - السعودية، ط 8 1423 هـ (6/ 1199).
(7) البيهقي: الاعتقاد، دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط 1 1401 هـ، ص (177)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
وسأله ابن حماد عن عذاب القبر أحق هو؟ فقال: هو حق، أتت به السنة وجاءت به الآثار "(1).
وقال الإمام أبو بكر الجرجاني في اعتقاد أئمة الحديث: "ويقولون إن عذاب القبر حق، يعذب الله من استحقه إن شاء، وإن شاء عفا عنه "(2).
وقال الإمام عبد الغني المقدسي: "والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم". وقال الإمام القرطبي: والإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب والتصديق به لازم "(3).
"وقال الإمام المروزي: قال أبو عبد الله: عذاب القبر حق، لا ينكره إلا ضالّ مضلّ"(4).
وقال الإمام النووي:" ومذهب أهل الحق: إثبات عذاب القبر للكفار … ولمن شاء من العصاة"(5).
وقال الإمام ابن الجوزي: " واعلم أن الإيمان بعذاب القبر واجب للأحاديث الواردة فيه"(6).
وقال الإمام الشافعي: "وإن عذاب القبر حق "، وقال الإمام ابن حزم: وأن عذاب القبر حق"(7).
فعذاب القبر حق، يجب الإيمان به وإن جهلنا معناه، فإنه لا يُطلع على حقيقة ذلك، ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات للإحساس، لم يبق إلا التسليم.
قال العلامة العيني:" عذاب القبر حق، يجب الإيمان به والتسليم له"(8).--------------------------------------------
(1) أبو حنيفة: الفقه الأكبر: ص (65)، علاء الدين البخاري: كشف الأسرار: (1/ 11).
(2) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث، دار العاصمة - الرياض، ط 1 1412 هـ، ص (69).
(3) عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد:، ص (172)، القرطبي: التذكرة: ص (143) 137
(4) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (57).
(5) النووي: المجموع شرح المهذب، دار إحياء التراث - بيروت، ط 1 (5/ 323).
(6) ابن الجوزي: كشف المشكل: (2/ 84، 3/ 383)
(7) البيهقي: مناقب الشافعي: (1/ 415)، الخميس: اعتقاد الأئمة: (50)، ابن حزم::، (1/ 41)
(8) ابن الجوزي: كشف المشكل: (3/ 383)، العيني: عمدة القاري: (3/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
المسألة الثانية تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر:
تكاثرت النصوص واستفاضت في الحديث عن عذاب القبر ونعيمه، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، ولذا يقول الإمام ابن عبد البر: "والآثار في … عذاب القبر لا يحوط بها كتاب"(1).
وقد روى أحاديث عذاب القبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علي بن أبي طالب، وأبو أيوب، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو بكرة، وأبو رافع، وعثمان بن أبي العاص، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأختها أسماء، وغيرهم"(2)، رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقد نص على تواتر أحاديث عذاب القبر واستفاضتها وشهرتها جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية:" فأما أحاديث عذاب القبر فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم "(3).
ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "(4).
ويقول الإيجي: "والأحاديث الدالة عليه أكثر من أن تحصى، بحيث تواتر القدر المشترك"(5).
وقال حنبل: "قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها. ونقر بها، كلما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، إسناد جيد، أقررنا به "(6).--------------------------------------------
(1) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف – المغرب، 1387 هـ (22/ 251).
(2) عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد: ص (172).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (4/ 285)، ابن تيمية: الجواب الصحيح: ص (6/ 372)
(4) الأشعري: الإبانة، دار الأنصار – القاهرة، ط 1 1397 هـ، ص (247).
(5) الإيجي: المواقف، دار الجيل – بيروت، ط 1 1417 هـ (3/ 517)
(6) ابن القيم: الروح، دار الحديث – القاهرة، 1424 هـ، ص (57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
ويقول العلامة ابن أبي العز: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً "(1)، ويقول الإمام أبو حيان:" والأحاديث الصحيحة قد استفاضت بعذاب القبر، فوجب القول به واعتقاده"(2).
ويقول الإمام ابن القيم: "والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر"(3).
ويقول الإمام ابن الملقن: "وهو مما نقلته الأمة تواتراً "(4).
ويقول الإمام الشوكاني: "وقد جاءت الأحاديث المتواترة بإثباته ".
ويقول الإمام أبو المظفر الإسفراييني:" وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم تبلغ حد التواتر في اللفظ"(5).
وهذه النقول كلها تدل على أحقية مذهب أهل السنة في إثبات عذاب القبر الذي تظاهرت عليه وتظافرت فيه نصوص ودلائل الكتاب والسنة، ولم يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمتنع عقلاً، وورد به الشرع، وجب قبوله والتسليم به(6).
يقول العلامة الدماميني: "وقد كثرت الأحاديث فيه، حتى قال غير واحد: إنها متواترة لا يصح عليها التواطؤ وإن لم يصح مثلها، لم يصح شيء من أمر الدين "(7).--------------------------------------------
(1) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (395).
(2) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر – بيروت، 1420 هـ (1/ 211).
(3) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط 1 1410 هـ ص (376).
(4) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرايض، ط 1 1421 هـ (1/ 516).
(5) الشوكاني: نيل الأوطار: (1/ 121)، الإسفراييني: التبصير في الدين: ص (67)
(6) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز – مكة، ط 1 1424 هـ (3/ 306).
(7) ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (3/ 363)، المناوي: فيض القدير: (2/ 397)، ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: ص (548).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
والأحاديث الواردة في عذاب القبر صحيحة لا مطعن فيها، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: " وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر على الجملة، ولا مطعن فيها، ولا معارض لها"(1).
"فالأحاديث الصحاح هنا بالغة إلى حد التواتر المعنوي "(2).
المسألة الثالثة أدلة إثبات عذاب القبر
اجتمعت كل الدلائل السمعية على إثبات عذاب القبر، فدلت نصوص الكتاب والسنة على إثباته، وقد أورد بعض الأئمة تساؤلاً، وأجابوا عنه مفاده: ما الحكمة في عدم التصريح بذكر عذاب القبر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به، ليحذر وليتقى؟
والجواب: أن القرآن مليء بالأدلة المثبتة لعذاب القبر، بعضها صريح والآخر ضمني، وإذا نظرت في الأحاديث الواردة في عذاب القبر ونعيمه … وجدتها تفصيلاً وتفسيراً لما دل عليه القرآن.
يقول القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره:" قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر".
"وقال قتادة: عذاب القبر في القرآن"(3)، ويقول الإمام ابن رجب: "وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع آخر "(4)، ويقول الإمام السيوطي عن عذاب القبر: "وقع ذكره في القرآن في عدة أماكن كما بينته في الإكليل في استنباط التنزيل"(5).
ومن الأدلة القرآنية التي استدل بها أهل السنة في إثبات عذاب القبر:
1 - قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} [غافر:46].--------------------------------------------
(1) عبد الحق الإشبيلي: العاقبة في ذكر الموت، مكتبة دار الأقصى - الكويت، ط 1 1406 هـ، ص (245).
(2) محمد الخادمي: بريقة محمودية، مطبعة الحلبي، 1348 هـ (1/ 174).
(3) انظر: ابن القيم:: ص (57)، ابن الملقن: التوضيح لشرح الجامع الصحيح: (10/ 154)، السمرقندي: بحر العلوم: (3/ 356)
(4) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (2/ 355)، ابن رجب: أهوال القبور: ص (45)
(5) السيوطي: شرح الصدور، دار المعرفة - بيروت، ط 1 1417 هـ، ص (161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
أكثر المفسرين على أن هذا في القبر، لأن العرض إنما يكون في القبر(1)، وإذا ثبت في حق هؤلاء، ثبت في حق غيرهم، لأنه لا قائل بالفرق(2).
وثبت هذا التفسير عن جماعة من السلف منهم: مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب، كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا(3) … قال أبو البركات النسفي:" وهذا الآية دليل على عذاب القبر "(4).
وقال الإمام ابن كثير:" وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور"(5).
وقال العلامة البقاعي: "وهذه الآية نص في عذاب القبر، كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب"(6).
وقال العلامة الكرماني في هذه الآية أنها:"أدل دليل على عذاب القبر، لأن المعطوف غير المعطوف عليه "(7).
وقال الإمام ابن القيم عن الآية:" فذكر عذاب الدارين، ذكراً صريحاً لا يحتمل غيره"(8).--------------------------------------------
(1) السمعاني: تفسير القرآن: (5/ 32)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (15/ 318)، ابن البناء: الرد على المبتدعة: ص (184)
(2) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (27/ 521).
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (15/ 318)
(4) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط 1 1419 هـ (3/ 241).
(5) ابن كثير: تفسر القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، ت: سامي سلامة (7/ 146).
(6) البقاعي: نظم الدرر، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (17/ 82).
(7) السيوطي: الإكليل، دار الكتب العلمية - بيروت، 1401 هـ، ص (226).
(8) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
2 - وقوله تعالى: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)} [الطور:47]، قال ابن عباس: رضي الله عنهما: إن عذاب القبر في القرآن، ثم تلا: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47)}، وهو مروي عن البراء بن عازب وعلي أيضاً رضي الله عنه(1).
3 - وقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)} [طه:124]، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، في قوله تعالى: {مَعِيشَةً ضَنْكًا}: عذاب القبر، وهو المروي أيضاً عن أبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما، وهو قول جماعة من أهل التفسير كأبي صالح والسدي(2)، ورجحه الإمام الطبري فقال:" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هو عذاب القبر"(3)، وصحح هذا القول الإمام القرطبي، وقال مجاهد في تفسيره:" {مَعِيشَةً ضَنْكًا}: ضيّقه يضيّق عليه قبره "(4).
وجاء في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فسر فيه المعيشة الضنك، بعذاب القبر، وجوّد إسناده الإمام ابن كثير في تفسيره(5).
ولذا قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}: "فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة على عذاب القبر "(6).--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر، ص (22/ 487)، عبد الرزاق: تفسير عبد (3/ 247)
(2) الطبري: جامع البيان: ص (18/ 393)، السمعاني: تفسير السمعاني (3/ 361).
(3) الطبري: جامع البيان: ص (18/ 394)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (11/ 259).
(4) مجاهد: تفسير مجاهد "، ت: د. محمد أبو النيل، ص (467).
(5) ابن كثير: تفسير القرآن: (5/ 324)، البيهقي: إثبات عذاب القبر:،ص (59).
(6) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط 1 1410 هـ ص (375).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
4 - وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)} [الأنعام:93].
فقول الملائكة: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت(1). ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا، لما صح أن يقال لهم {اليوم تجزون}(2).
5 - وقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)} [التوبة:101].
قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} أي: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة(3)، وروي عن مجاهد(4)، وروي عن الحسن وابن زيد(5). وقال الإمام الطبري: "والأغلب في إحدى المرتين، أنها في القبر"(6).--------------------------------------------
(1) ابن القيم: التفسير القيم، دار ومكتبة الهلال – بيروت، ط 1 1410 هـ ص (376).
(2) ابن القيم: الروح، دار الحديث – القاهرة، 1424 هـ، ص (75).
(3) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم، مكتبة الباز –مكة المكرمة، ط 3 1419 هـ (6/ 1870)
(4) البغوي: معالم التنزيل: (2/ 383)، ابن الجوزي: زاد المسير ت: عبدالرزاق المهدي، ص (2/ 293)
(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:8/ 421)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (4/ 205).
(6) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (14/ 445)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
6 - وقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)} [السجدة:21].
استدل بعض السلف بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، وممن استدل بها على ذلك: ابن عباس والبراء بن عازب، وأبو عبيدة – رضي الله عنهم – وروي عن مجاهد، قالوا: العذاب الأدنى هو عذاب القبر(1).
7 - وقوله تعالى: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء:75]
استدل بعض العلماء بهذه الآية كذلك على إثبات عذاب القبر، وهو المروي عن عطاء والحسن بن أبي الحسن، قال العلامة النسفي في معنى الآية:" لأذقناك عذاب الآخرة، وعذاب القبر مضاعفين"(2).
قال العلامة الزمخشري: "فإن قلت: كيف حقيقة الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار "(3).
والعذاب المضاعف في الآية: إما أن يراد به: العذاب المضاعف في القبر، أو العذاب المضاعف في الآخرة بعد البعث، وهي أقوال لأهل التفسير، والآية تشمل الجميع، كما قاله العلامة الأمين الشنقيطي(4).
8 - وقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)} [غافر:11].--------------------------------------------
(1) ابن القيم:: ص (75)، الطبري: جامع: ت: أحمد محمد شاكر، ص (20/ 191)
(2) النسفي: مدارك التنزيل: (2/ 271)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم: (5/ 188)، البيهقي: إثبات عذاب القبر: ص (80 - 81).
(3) الزمخشري: الكشاف، دار ابن خزيمة – الرياض، ط 1 1414 هـ (2/ 684)
(4) الأمين الشنقيطي: أضواء البيان، دار الفكر – بيروت، 1415 هـ (3/ 179)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
يقول الإمام الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر وتقرير الدليل: أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين، حيث قالوا: ربنا آمتنا اثنتين فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا، فلا بدّ من إثبات حياة أخرى في القبر، حتى يصير الموت الذي يحصل عقبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر"(1).
9 - وقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)} [المجادلة:15]. والمراد منه عند بعض المحققين: عذاب القبر(2)، وقال بعضهم: أعد لهم عذاباً شديداً في جهنم، وهو الدرك الأسفل(3)، قال ابن الخطيب:" لأنا إذا حملنا هذا على عذاب القبر، وحملنا قوله جل ذكره: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)} [المجادلة:16] على عذاب الآخرة، لا يلزم منه تكرار"(4).
10 - وقوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} [التكاثر: 1 - 2]. قال الإمام الطبري في معنى هذه الآية: "يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور، وعيداً منه لهم وتهديداً"(5).--------------------------------------------
(1) الرازي: مفاتيح الغيب،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (27/ 494).
(2) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (29/ 497).
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (17/ 304).
(4) أبو حيان: البحر المحيط، دار الفكر - بيروت، 1420 هـ، ت: صدقي جميل، ص (10/ 553)
(5) الطبري: جامع البيان، مؤسسة الرسالة، ط 1 1420 هـ، ت: أحمد محمد شاكر، ص (24/ 580)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1)}(1)، قال الإمام الطحاوي عن هذا الأثر: "فكان هذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر"(2).
هذه جملة من الأدلة القرآنية التي تثبت عذاب القبر، وغيرها كثير في القرآن الكريم كلها تصب في معين واحد، وتدل على أمرين:
الأول: أن القرآن الكريم حافل بالكثير من الأدلة الصريحة أو الضمنية على إثبات عذاب القبر.
الثاني: أن عذاب القبر حق لا ريب فيه ولا شك، ومتى ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً، لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى(3).
أما الأدلة الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر، فهي كثيرة مستفيضة ومنها:
- ما أخرج الإمام البخاري: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ» قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ»(4).--------------------------------------------
(1) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي – بيروت، ط 1 1400 هـ، (2/ 424)
(2) الطحاوي: شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة – ط 1 1415 هـ (13/ 176)
(3) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط 3 1420 هـ (4/ 126).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح (1372).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
- وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»(1).
قال الإمام الخطابي: "وفيه إثبات عذاب القبر"(2).
وقال الإمام تاج الدين الفاكهاني: "فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه - كما هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك"(3).
وقال الإمام ابن بطال:" أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له وهو مذهب أهل السنة"(4).
- وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: … «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء: ح (216)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح (292).
(2) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط 1 1351 هـ، (1/ 19)
(3) الفاكهاني: رياض الأفهام، دار النوادر -دمشق، ط 1 1431 هـ (1/ 232)
(4) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط 2 - 1423 هـ (1/ 324)
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز: ح (1379)،وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (2866).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
قال الإمام العراقي عن هذا الحديث:" فيه إثبات عذاب القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه، نوع عظيم من العذاب، وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولا يمتنع في العقل "(1).
- وفي الصحيحين: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ، وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: «صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا» فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ(2).
ولما ذكر الإمام ابن القيم، حديث البراء بن عازب الطويل، والذي فيه وصف لحال المقبور في قبره، قال: "هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلاً من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه"(3).
وكما ثبت عذاب القبر بنصوص الكتاب والسنة، فهو كذلك جائز بالعقل يقول الإمام ابن قتيبة: "إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أن الله تعالى يبعث من في القبور، بعد أن تكون الأجساد قد بليت والعظام قد رمت، جاز أيضاً في المعقول، وصح في النظر، وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ"(4).--------------------------------------------
(1) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط 1 1424 هـ (3/ 306).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر ح (6366)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد باب التعوذ بالله من عذاب القبر ح (586).
(3) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (48).
(4) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، ط 2 - 1419 هـ، ص (227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)