ويقول الإمام المتولي: "عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير حق ثابت، والدليل عليه: أن العذاب والفتن في القبر ليس مما يستحيل عقلاً، وورد به السمع، فلا بد من إثباته "(1). وعذاب القبر يمكن في نفسه(2)، ولو كان يستحيل ما تعوذ منه عليه الصلاة والسلام(3)، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع، وجب قبوله(4).
المسألة الرابعة المنكرون لعذاب القبر
المنكرون لعذاب القبر أصناف متفاوتون، فمنهم من ينكره مطلقاً، ومنهم من ينكر وقوعه على البدن، ومنهم من ينكر وقوعه على الروح، ومنهم من قال بوقوعه على الكافرين دون المؤمنين.
1 - المنكرون لعذاب القبر ونعيمه مطلقاً:
ونسب هذا القول إلى ملاحدة الفلاسفة والخوارج والجهمية أتباع الجهم بن صفوان، وبعض المعتزلة وبعض المرجئة.
يقول الإمام القرطبي:" أنكرت الملاحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة: عذاب القبر، وأنه ليس له حقيقة"(5). ويقول الإمام أبو الحسن الأشعري:"واختلفوا في عذاب القبر: فمنهم من نفاه، ومنهم المعتزلة والخوارج"(6).
وقال العلامة الملطي:" وأنكر جهم عذاب القبر ومنكراً ونكيراً، وقال: أليس يقول: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) "(7).--------------------------------------------
(1) المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه، 1986 - القاهرة، ص (56)
(2) الغزالي: قواعد: ص (220)، الآمدي: غاية المرام: (1/ 301)
(3) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث: ص (389)، ابن بطال: شرح صحيح البخاري: (3/ 364)
(4) العراقي: طرح التثريب، مكتبة الباز - مكة، ط 1 1424 هـ (3/ 306).
(5) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (139)
(6) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين: ص (2/ 318)، أبو الحسن الأشعري، الإبانة ص (247)
(7) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ص (124 - 99)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
وقال الإمام ابن حزم:" ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني، أحد شيوخ المعتزلة، إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج"(1).
ويقول الإمام العراقي:" وقد خالف في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة، ونفوا ذلك"، وقال الإمام ابن القيم: "وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأساً، مثل: ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل، وهو قول المريسي"(2).
وقال الإمام ابن الملقن:" وأما الباقون من المعتزلة مثل: ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن أبي كامل وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً. وإلى الإنكار أيضاً ذهبت الخوارج وبعض المرجئة "(3).
إن القول بإنكار عذاب القبر مشهور عن جماعة، منهم من ذكرنا، إلا أنه يشار في هذا المقام إلى أن نسبة الإنكار إلى عموم المعتزلة، فيه نظر، فإن القاضي عبد الجبار المعتزلي قال:" إنما أنكر ذلك أولاً: ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل، ظُن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك … بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك "(4).
وأكد ذلك جماعة من أهل العلم، فقال الإمام ابن حزم:" وذهب أهل السنة وبشر بن المعتمر والجبائي وسائر المعتزلة إلى القول به، وبه نقول؛ لصحة الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(5).--------------------------------------------
(1) ابن حزم: الفِصل: (4/ 56)، الرازي: اعتقاد فرق المسلمين: (69).
(2) العراقي: طرح التثريب: (3/ 30)، ابن القيم: الروح:، ص (58).
(3) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرياض، ط 1 1421 هـ (1/ 516).
(4) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة – الرياض، ط 1 1421 هـ (1/ 516).
(5) ابن حزم: الفِصل، مكتبة الخانجي – القاهرة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (4/ 56).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
وقد وقع إنكار شديد على المعتزلة، بناء على ماسُطر، على أنهم تتابعوا على القول بإنكاره، والحق ما ذكره علمائهم، وأيده علماء أهل السنة، يقول الحافظ ابن حجر بعد حكاية أقوال المنكرين لعذاب القبر:" وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم "(1).
ولذا حكى العلامة ابن حجر الهيثمي: أنه وقع لسني أنه صلى على معتزلي فقال في دعائه: اللهم أذقه عذاب القبر، فإن كان لا يؤمن به، ويبالغ في نفسه ويُخطئ مثبته(2).
فهذا وأمثاله مبني على ما سبق الإشارة إليه، من تعميم بأن الإنكار لعذاب القبر هو منهج المعتزلة، ومن هنا قال العلامة مغلطاي بعد أن أشار إلى نسبة القول بالإنكار إلى عموم المعتزلة:" كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا عند كلامهم على هذا الحديث وشبهه، ويشبه أن يكون ذلك وهماً منهم على المعتزلة، لما ذكره القاضي عبد الجبار له عن المعتزلة".
وقال العلامة التفتازاني:" وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه؛ لمخالطة ضرار إياهم، وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق"(3).
2 - المنكرون لوقوع عذاب القبر على البدن:
وهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على النفس فقط، بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب ولا نعيم، وهو المنقول عن ابن ميسرة وابن حزم(4).
ويقول الإمام ابن تيمية:" وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، الذين يقولون: لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور "(5).--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ (3/ 233).
(2) العظيم آبادي: عون المعبود، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1415 هـ (3/ 193).
(3) مغلطاي: شرح سنن ابن ماجه (1/ 159)، التفتازاني: شرح المقاصد (2/ 220).
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (5/ 525)
(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/ 283)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
وهذا القول باطل، فقد ورد في الأحاديث الصحيحة وقوع العذاب على الجسد، "ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد، الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت، حتى تختلف أضلاعه، ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة، لم يختص العذاب بالقبر، ولم ينسب إليه"(1).
3 - المنكرون لوقوع عذاب القبر على الروح:
وهؤلاء ذهبوا إلى أن عذاب القبر يقع على البدن فقط، كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، وهو قول طائفة من المعتزلة والأشعرية(2). وهذا قول باطل "والحق أن الميت المعذب في قبره توضع فيه الحياة بقدر ما يحس بالألم"(3).
وذهب جماعة إلى جواز التعذيب على الموتى من غير إحياء؛ لأنها ليست شرطاً للإدراك، وهو المنقول عن الصالحي من المعتزلة، وابن جرير الطبري وطائفة من الكرامية، وقاله طائفة من أهل الحديث، وذكره ابن الزاغوني، وهذا القول خروج عن المعقول؛ لأن الجماد لا حس له، فكيف يتصور تعذيب.
وذهب ابن الراوندي إلى أن الحياة موجودة في كل ميت، لأن الموت ليس ضدا للحياة، بل هو آفة كليه معجزة عن الأفعال الاختيارية، غير منافية للعلم. وهذا باطل لا يوافق أصول أهل الحق(4).
4 - المنكرون لوقوعه على المؤمنين:
وذهب أصحاب هذا القول إلى وقوع عذاب القبر على الكافرين خاصة دون المؤمنين، وهو المنقول عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم والبلخي(5) وذكر الإمام ابن قتيبة الأخبار الواردة في عذاب القبر، ثم قال: "وهذه الأخبار تدل على أن عذاب القبر للكافر"(6).--------------------------------------------
(1) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط 1 1422 هـ (2/ 104)
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (4/ 262)
(3) الكمال ابن الهمام: فتح القدير، دار الفكر - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (5/ 193).
(4) الإيجي:: (3/ 519)، التفتازاني: شرح المقاصد: (2/ 222)، ابن الملقن: الإعلام: (1/ 518).
(5) العيني: عمدة القارئ: (3/ 118)، ابن حجر: فتح الباري: (3/ 233)، ابن القيم: الروح (58).
(6) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، ط 2 - 1419 هـ، ص (362)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام، كالسكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا ألماً، فإذا عاد إليهم عقلهم وجدوا تلك الآلام(1).
وكل هذه الأقوال فاسدة، تردها الأحاديث الصحيحة الثابتة، والذي عليه جماعات أهل السنة ما يلي:
1 - إثبات عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد، يقول العلامة ابن حجر الهيتمي في جواب عن سؤال مفاده: هل عذاب القبر على الروح والجسد أم على أحدهما؟
فأجاب بقوله:" ذهب أهل السنة إلى أن الله يحيي المكلف في قبره، ويجعل له من العقل مثل ما عاش عليه، ليعقل ما يُسأل عنه، ويجيب عنه، وما يفهم به ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وبهذا نطقت الأخبار والأصح: أن العذاب على الروح والجسد"(2).
والأحاديث على إثبات هذا متضافرة، يقول الإمام ابن تيمية:" وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت من استقصائه، مما يبيّن أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب - إذا شاء الله ذلك - كما يشاء، وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن، ومنعمة أو معذبة "(3).
وهذا القول هو الذي أجمع عليه أهل السنة، يقول الإمام ابن تيمية: "العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً، باتفاق أهل السنة والجماعة"(4).
2 - أن العذاب قد يكون على النفس متفردة أحياناً، يقول الإمام ابن تيمية:" تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن"(5).--------------------------------------------
(1) ابن الملقن:: (1/ 518)، العيني: عمدة القاري: (3/ 118)
(2) ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الفقهية: (2/ 9).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف (4/ 296)
(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (4/ 282)
(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (4/ 282)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
ويقول الإمام ابن رجب: "وقولهم: إن الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب، لا ينافي أن تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب، وقد تستقل الروح أحياناً بالنعيم والعذاب إما عند استحالة الجسد أو قبل ذلك"(1).
3 - أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، بل يقع على عصاة الموحدين كذلك، يقول الإمام عبد الحق الإشبيلي: "واعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين وكل على حاله من عمله، وما ستوجبه بخطيئته وزلَلَه "(2).
ويقول الحافظ ابن حجر:" إثبات عذاب القبر وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من الموحدين "(3).
وقد ذكر الإمام ابن رجب أنواع عذاب القبر، وذكر منها: تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه ثم قال:" وقد ورد ما يدل عل أن التضييق عام للمؤمن والكافر، وصرّح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره "(4).
ومن أنواع عذاب القبر التي أوردها الإمام ابن رجب ودلل عليها غير ما سبق(5):
- الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره.
- تسليط الحيات والعقارب عليه.
- رض رأس الميت بحجر، أو شق شدقه أو نحو ذلك.
4 - أن كل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر.
فلوا أكتله السباع أو أحرق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب … أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور(6).--------------------------------------------
(1) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط 1 1422 هـ (2/ 103)
(2) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط 1 1422 هـ (2/ 370)
(3) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة – بيروت، 1379 هـ (3/ 240)
(4) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة، ط 1 1422 هـ (2/ 370)
(5) ابن رجب: تفسير ابن رجب: (2/ 364 - 374)، ابن رجب: أهوال القبور:، (52 – 56)
(6) ابن القيم: الروح: ص (58 - 71)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (396).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
يقول الإمام النووي:" قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو سبحانه قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء، وإن أكلته السباع والحيتان "(1).
5 - ذكر بعض أهل العلم: أن عذاب القبر نوعان: دائم ومنقطع:
فالدائم: عذاب الكفار، وبعض العصاة، والمنقطع: هو عذاب من خفت جرائمه من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة أو نحو ذلك(2).
وقد يكون عذاب القبر سببا موجبا لرفع العقوبة الأخروية، يقول الإمام ابن تيمية:" قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب: السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفر به الخطايا"(3).
وقال العلامة ابن أبي العز:" فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة: السبب الخامس: عذاب القبر"(4).
6 - تتبع العلماء واستقرؤوا النصوص الواردة في عذاب القبر، وذكروا الأسباب التي يعذب بها أصحابها وهي كثير ومنها: أ. النميمة والبول وترجم لها الإمام البيهقي في جزء: "إثبات عذاب القبر"(5).--------------------------------------------
(1) النووي: شرح: (17/ 201)، العراقي: طرح التثريب: (3/ 306)، السيوطي: شرح الصدور ص (181).
(2) ابن القيم: الروح: ص (89)، السيوطي: شرح الصدور: ص (181)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (397).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:، (7/ 501)
(4) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (309).
(5) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
وذكر حديث الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -على قبرين فقال: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»(1)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ»(2).
ب. النياحة على الميت، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يخاف من عذاب القبر في النياحة على الميت، قال بعض أهل العلم: إذا كان قد أوصى بها "(3).
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ»(4).
ج. الغلول من الغنيمة، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله: "باب ما يخاف من عذاب القبر في الغلول"(5):--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله ح (216) وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه ح (292).
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول ح (348).
(3) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (91).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت ح (1292).
(5) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة الرجل الذي أخذ الشملة من الغنيمة، قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «شِرَاكٌ - أَوْ شِرَاكَانِ - مِنْ نَارٍ»(1).
فهذه الأسباب وغيرها كثير، هي من الأسباب المفصلة التي يعذب هاب أصحابها في القبور.
وأما الأسباب المجملة التي تكون سبباً في العذاب هو: الجهل بالله جل وعلا، وإضاعة أمره، وارتكاب معاصيه، إذ إن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله تعالى وسخطه على عبده، فمن أغضب الله جل وعلا وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله تعالى وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر ومصدق ومكذب(2).
قال الإمام القرطبي:" قال علماؤنا: لا أبين في أحوال المعذبين في قبورهم من حديث البخاري، وإن كان مناماً، فمنامات الأنبياء عليهم السلام وحي "(3).
7 - وكذا تتبع العلماء واستقصوا الأسباب التي تنجي من عذاب القبر وهي أسباب كثيرة وردت في السنة المطهرة ومنها:
أ- الشهادة في سبيل الله، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" ما يرجى في … الشهادة في سبيل الله من الأمن من عذاب الله في القبر "(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ح (4234)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم الغلول ح (115.
(2) ابن القيم:: ص (77)، ابن رجب: أهوال القبور: ص (48)، القرطبي: التذكرة:، ص (154).
(3) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (157).
(4) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (97).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ»(1).
ب - الرباط في سبيل الله تعالى، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يُرجى في الرباط من الأمان من فتنة القبر"(2). عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ»(3).
3 - قراءة سورة الملك، وترجم لها الإمام البيهقي بقوله:" باب ما يرجى في قراءة سورة الملك من المنع من عذاب القبر "(4).
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ»(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في جامعه أبواب فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد ح (1663).
(2) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (96).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل ح (1913) ي.
(4) البيهقي: إثبات عذاب القبر، دار الفرقان - الأردن، ط 2 - 1405 هـ، (99).
(5) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح (2891)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن (5/ 164) مكتبة البابي - مصر، ط 2 - 1395 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال الرجل: بلي، قال: اقرأ: تبارك الذي بيده الملك، احفظها وعلمها أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها عن عذاب القبر(1)، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تبارك الذي بيده الملك منجية(2).
قال الإمام القرطبي: "اعلم رحمك الله، أن هذا الباب لا يعارض ما تقدم من الأبواب، بل يخصصها ويبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه، ممن يجري عليه السؤال، ويقاسي تلك الأهوال، وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس، ولا مجال للنظر فيه، وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المرسل إلى العباد صلى الله عليه وسلم"(3).
المسألة الخامسة شبهات المنكرين لعذاب القبر
تعلق المنكرون لعذاب القبر بشبهات واهية متهافتة، لا قيام لها عند قدم التحقيق، لأنهم لم يسلموا لأخبار الله تعالى وأخبار رسوله عليه الصلاة والسلام، إذ الواجب على المكلف أن يذعن ويسلم لأخبار ونصوص الوحيين، ولا يعارضها بشبهات عقلية فاسدة، لأن عذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي يجب التصديق والإيمان بها، دون أي معارض عقلي.
يقول الإمام ابن رجب:" فإن عذاب القبر ليس من جنس عذاب الدنيا … وإنما هو نوع آخر، يصل إلى الميت بمشيئة الله وقدرته"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في جامعه، أبواب فضائل القراء، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح (2890)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه (5/ 164) مكتبة البابي - مصر، ط 2 - 1395 هـ.
(2) المروزي: قيام الليل، حديث أكادمي، فيصل اباد - باكستان، الطبعة: الأولى، 1408 هـ، ص (163)
(3) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (17).
(4) ابن رجب: تفسير ابن رجب، دار العاصمة - الرياض، ط 1 1422 هـ (2/ 103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
ويقول الإمام القرطبي:" فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم، فليس تنقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا مما لا خلاف فيه، ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئاً مما هنالك "(1).
وشبه القوم تتلخص في الآتي:
أ. شبه نقلية:
1 - زعموا أن القرآن الكريم لم يدل على عذاب القبر:
الرد: هذا القول غلط، لأن هذا شأن من لم يتدبر القرآن، ولم يتأمل في معانيه، وإلا فإن القرآن الكريم مليء بذكر عذاب القبر تصريحاً وتلميحاً، كما سبق ذكره في الأدلة، يقول الإمام ابن تيمية عن هذا القول: "وهو غلط، بل القرآن قد بيَّن في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن، وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ "(2).
2 - زعموا أن القرآن الكريم يدل على نفي عذاب القبر، واحتجوا على نفي عذاب القبر بما يلي: قال الله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة:28]، قال المنكرون: دلت هذه الآية على بطلان عذاب القبر، وذلك: أنه تعالى بيّن أنه يحييهم مرة في الدنيا،
وأخرى في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، قالوا: ويؤكده قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} [َالمؤمنون:15 - 16]. ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحياتين.--------------------------------------------
(1) القرطبي: التذكرة، دار المنهاج - الرياض، ط 1 1415 هـ، ص (140).
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: (4/ 263).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
الرد: أولا: اختلف المفسرون في تفسر الحياتين والموتتين، والذي عليه السلف وعلى رأسهم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وجماعة التابعين، وجمهور أهل التفسير كقتادة ومقاتل والفراء وثعلب والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري، ورجحه ابن الجوزي وابن كثير وغيرهم، أن معنى الآية: أن الموتة الأولى: كونهم نطفاً وعلقاً ومضغاً، فأحياهم في الأرحام، ثم يميتهم بعد خروجهم إلى الدنيا، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة(1).
ثانيا: لا يلزم من عدم ذكر حياة القبر في هذه الآية ألاّ تكون حاصلة، فقد وردت في آيات أخرى تدل عليها.
ثالثا: يمكن قلب الدليل عليكم فيقال: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية، لأن قوله في (يحييكم) ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لِمَ صح أن يقول: (ثم إليه ترجعون) لأن كلمة (ثم) تقتضي التراخي والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً(2).
ب. قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} [المؤمنون:15 - 16]. قال المنكرون: هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر، لأنه قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}، ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة.
الرد: أولاً: أن معنى الآية الكريمة: أنه بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} يعني النشأة الآخرة فتحيون للجزاء(3).--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: زاد المسير: (1/ 49)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: (1/ 213)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (1/ 249)،ابن عطية: المحرر الوجيز: (1/ 114).
(2) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (2/ 377).
(3) النسفي: مدارك التنزيل، دار الكلم الطيب - بيروت، ط 1 1419 هـ (2/ 462).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
ثانياً: أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة، فقد ورد ذكرها والإشارة إليها في مواضع أخر، على أن قوله جل وعلى في الآية (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون): فيه دلالة على حياة القبر، وذلك أن البعث هو الإطلاق، فكأنهم حبسوا مدة ثم أطلقوا(1).
وثالثاً: أن الغرض هو ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء، والإماتة، والإعادة، والذي تُرك ذكره فهو من جنس الإعادة(2).
ج. قال الله تعالى {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)}: [المؤمنون:112 - 113]. قال المنكرون: قوله: {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ}: يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة، فما كانوا يقولون: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}.
الرد: أولاً: معنى هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل قال لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية، {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ} من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء، وطول مكثهم في القبور في العذاب، لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة، حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلا يوماً أو بعض يوم(3).
ثانيا: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر.--------------------------------------------
(1) السمعاني: تفسير القرآن، دار الوطن - الرياض، ط 1 1418 هـ (3/ 468).
(2) الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (23/ 267).
(3) مكي بن أبي طالب: الهداية إلى بلوغ النهاية (7/ 5010)، الماوردي: النكت والعيون (4/ 69) البغوي: معالم التنزيل، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 1 1420 هـ، (3/ 377)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
ثالثاً: يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على بعض، فيصح أن يكون جوابهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}: عند أنفسنا.
د. قال الله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} الصافات 58 - 59
قال المنكرون: قوله في هذه الآية، يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.
الرد: أن قوله تعالى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى): المراد منه: كل ما وقع في الدنيا وهذا الاستثناء في الآية، استثناء منقطع، والمعنى: أي لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا، وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} الدخان 56(1).
ب. شبهة عقلية:
1 - ردهم النصوص الواردة في السنة المطهرة المثبتة لعذاب القبر بناء على أنها أحاديث آحاد، وهي لا تفيد إلا الظن دون القطع الواجب في باب العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها(2).
الرد: تتابع العلماء في الرد على هذه الشبهة، ويكفي في ردها النظر في تراجم الأئمة في مصنفاتهم في بيان وجوب قبول خبر الواحد العدل … والعمل به.
يقول الإمام البخاري في صحيحه:" كتاب أخبار الآحاد"، وذكر تحته عدة أبواب مضمنة لمجموعة من الآيات، كلها تدل على وجوب قبول خبر الواحد، فقال:
- "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام
- "باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم، الزبير طليعة وحده".
- "باب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب: 53]. فإذا أذن له واحد جاز".
- "باب ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد"--------------------------------------------
(1) الرازي: مفاتيح الغيب: (26/ 335)، البغوي: معالم التنزيل: (4/ 32)، ابن عادل: اللباب في علوم الكتاب: (16/ 312).
(2) محمد الخولي: الأدب النبوي، دار المعرفة - بيروت، ط 4 1423 هـ، ص (220).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
- "باب وصاة النبي صلى الله عليه وسلم وفود العرب أن يبلغوا من رواءهم".
- "باب خبر المرأة الواحدة"(1).
ويقول الإمام الدارقطني في سننه: "خبر الواحد يوجب العمل "(2)،ويقول الإمام البيهقي في السنن: "الحجة في تثبيت خبر الواحد"(3)، ويقول الإمام الخطيب البغدادي في الكفاية: "باب ذكر بعض الدلائل على صحة العمل بخبر الواحد ووجوبه"(4).
وقد حُكِي الإجماع في بيان وجوب العمل بخبر الواحد:
يقول الإمام السمعاني:" ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد"(5).
ويقول الإمام أبو القاسم الأصبهاني: "إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة "(6).
ويقول الإمام القرطبي في بيان قبول خبر الواحد: "وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم -في توجيهه ولاته ورسله آحاداً للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم -من الأوامر والنواهي"(7).
وقال العلامة التفتازاني:" أن خبر الواحد في أحكام الآخرة من عذاب القبر، وتفاصيل الحشر والصراط والحساب والعقاب وغير ذلك، مقبول بالإجماع، مع أنه لا يفيد إلا الاعتقاد، إذ لا يثبت به عمل من الفروع"(8).--------------------------------------------
(1) البخاري: صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ط 1 1422 هـ (9/ 86 - 89 - 90).
(2) الدارقطني: سنن الدارقطني، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1 1424 هـ (5/ 273).
(3) البيهقي: معرفة السنن والآثار، دار الوعي - دمشق، ط 1 1412 هـ (1/ 109).
(4) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية: ص (26).
(5) السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط 1 1417 هـ، ص (36).
(6) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 228).
(7) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: (2/ 152 - 6/ 112).
(8) التفتازاني: شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح - مصر، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (2/ 7)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
وقال الإمام ابن عبد البر:" أجمع العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت"(1).
وقد أفرد جماعات من أهل العلم، مصنفات خاصة في بيان حجية أخبار الآحاد، كالإمام ابن عبد البر والإمام الخطيب البغدادي وغيرهما(2).
وعقد الأئمة رحمهم الله في مصنفاتهم أبواباً؛ لبيان الأدلة المستفيضة على حجية خبر الآحاد كالإمام الشافعي في كتابه الرسالة(3).
واحتج الأئمة يرحمهم الله تعالى بحديث الآحاد بشموله سواء فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد أو مسائل الأحكام فلم يفرقوا في التعامل به بنهما، كما جرت عليه بعض الطوائف، حيث أعملت خبر الآحاد فيما يتعلق بمسائل الأحكام، والغت حجيته في مسائل الاعتقاد، وهذا من قصورهم في التعامل مع السنة، وإلا فإن الأئمة احتجوا به في مسائل الأحكام ومسائل الاعتقاد.
يقول الإمام السمعاني:" أجمع أهل الإسلام، متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله عز وجل، وفي مسائل القدر والرؤية، وأصل الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار، وفي الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم -ومناقب أصحابه، وأخبار الأنبياء المتقدمين عليه، وكذلك أخبار الرقائق والعظات، وما أشبه ذلك، مما يكثر عده وذكره، وهذه الأشياء كلها علمية لا عملية، وإنما تروى لوقوع علم السامع بها "(4).--------------------------------------------
(1) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (1/ 2).
(2) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (1/ 62 - 131).
(3) الشافعي: الرسالة، مكتبة الحلبي - مصر، ط 1 1385 هـ (1/ 369).
(4) السمعاني: الانتصار لأصحاب الحديث، مكتبة أضواء المنار - السعودية، ط 1 1417 هـ، ص (36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
ولذا فالتفريق بين أخبار والمتواترة والآحاد في العمل، والقول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، وأنه"لا بد من نقله بالتواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه بعض الفقهاء، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول"(1).
والعجيب أن الفرق التي تفرق بين أخبار التواتر والآحاد في العمل، تجدها مع اختلاف طرائقها وعقائدها، تستدل كل فرقة منهم على صحة ما تذهب إليه بأخبار الآحاد.
ولذا إذا قلنا: "إن خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل الأخبار على الخطأ، وجعلناهم لاغين مشتغلين بما لا يفيد أحداً شيئاً ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور ما لا يجوز الرجوع إليه، والاعتماد عليه، وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد، فالواحد من أصحابه ليؤدوه إلى الأمة، فإذا لم يقبل قول الراوي، لأنه واحد، رجع هذا العيب إلى المؤدِّي - نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والاعتقاد القبيح - "(2).
وقد ذكر الإمام أبو عمرو الداني في رسالته الوافية في اعتقاد أهل السنة:" قولهم: إن من تمام السنة وكمالها، قبول خبر الواحد والاستمساك به والعمل بموجبه من الصحابة من الرجال والنساء، إذا حدَّث به الثقة المعروف عن مثله إلى أن يتصل الإسناد بالصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك إذا لم يعارضه خبر مثله، ولا نسخه أثر، ولا اتفق الجميع على ترك استعماله"(3).
وهذا الذي ذكره الإمام أبو عمرو الداني في قبول أخبار الآحاد، هو الذي اتفق عليه الأئمة، إلا أنه أشار إلى موجبات رد خبر الثقة، وقد أشار إليها الإمام الخطيب البغدادي، فقال:" إذا روى الثقة المأمون خبراً متصل الإسناد رد بأمور:--------------------------------------------
(1) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 228)
(2) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة، دار الراية - الرياض، ط 2 - 1419 هـ (2/ 230)
(3) أبو عمرو الداني: الرسالة الوافية، دار الإمام أحمد - الكويت ن ط 1 1421 هـ، ص (234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
أحدها: ن يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه؛ لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا.
والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة، فيعلم أنه لا أصل له، أو منسوخ.
والثالث: أن يخالف الإجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ، وتجمع الأمة على خلافه.
والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه، فيدل على أنه لا أصل له، لأنه لا يجوز أن يكون له أصل، وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم.
والخامس: أن ينفرد الواحد برواية ما جرت به العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل، لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية"(1).
ومن الشواهد التي تدل على احتجاج الأئمة بخبر الواحد، ذكرهم قبول خبر الواحد في فوائد الأحاديث والآثار التي يتولون شرحها والتعليق عليها وهذا كثير لا يمكن حصره، ومنه:
- استدل الإمام الشافعي بقبول خبر الواحد، ببعض الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: "وكان عمر بن الخطاب يقضي أن الدية للعاقلة، ولا يورث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع إليه عمر، وقال: وسأل عمر بن الخطاب من عنده علم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين فأخبره حمل بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة، فقال عمر بن الخطاب: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا، أو قال: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، في كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد إذا كان صادقاً عند من أخبر"(2).--------------------------------------------
(1) الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه، دار ابن الجوزي - السعودية، ط 2 - 1421 هـ (1/ 354).
(2) الشافعي: اختلاف الحديث: 8/ 591 (مطبوع مع كتاب الأم للشافعي: 1410 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
وقال الإمام الخطابي في شرحه لحديث: "أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ "(1):" وفي الحديث دليل على قبول خبر الواحد"(2).
- وقال الإمام ابن بطال في شرحه لحديث ضمام في صحيح الإمام البخاري: " وفي حديث ضمام: قبول خبر الواحد؛ لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر"(3).
- وقال الإمام ابن عبد البر في شرحه لحديث عروة عن عائشة قالت:" كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ "(4).
وفي رواية معمر لهذا الحديث عن ابن شهاب قال عمر لعروة: انظر ما تقول يا عروة، أو أن جبريل هو سن وقت الصلاة، فقال له عروة، كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .. وفيه دليل: على قبول خبر الواحد، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، لأن عمر قبل خبر عروة وحده، فيما جهل من أمر دينه وهذا منا على التنبيه "(5).
وقال الإمام ابن الجوزي:" وفي الحديث السادس والأربعين بعد المائة: استدارة أهل قباء إلى القبلة بقول واحد، وهو أصل في قبول خبر الواحد إذا كان ثقة"(6) (3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح … (2695)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (1697)
(2) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية - حلب، ط 1 1451 هـ (3/ 325)
(3) ابن بطال: شرح البخاري: (1/ 144 - 169 - 213، 2/ 68، 5/ 333).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب كتاب الصلاة، باب وقت العصرح (546)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب اكتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس ح (611).
(5) ابن عبد البر: الاستذكار: (1/ 33 - 2/ 451)، التمهيد،: (6/ 188 - 217، 8/ 99 - 155 - 177 - 370 - ، 9/ 92 - 140، 17/ 45).
(6) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين: (2/ 559، 3/ 201)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)