المبحث الثاني: الحياة البرزخية، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فتنة القبر، وفيه أربع مسائل:
1 - حكاية الإجماع على حصول فتنة القبر.
2 - تواتر الأخبار في إثبات الفتنة في القبر.
3 - معنى فتنة القبر.
4 - بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر.
المطلب الثاني: عذاب القبر ونعيمه، وفيه خمسة مسائل:
1 - حكاية الإجماع على وقوع عذاب القبر.
2 - تواتر النصوص الشرعية في إثبات عذاب القبر.
3 - أدلة إثبات عذاب القبر.
4 - المنكرون لعذاب القبر.
5 - شبهات المنكرين لعذاب القبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
المبحث الثاني الحياة البرزخية:
المطلب الأول: فتنة القبر:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية:" ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت: " فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه، فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: الله ربي والإسلام ديني ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيّي. وأما المرتاب فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق"(1).
ما قرره الإمام ابن تيمية في هذه العقيدة من فتنة القبر، هو الأمر المستقر في الشريعة، الذي انعقد عليه إجماع الأمة، ودلت عليه النصوص الشرعية ولذا فهذه الأسطر من هذه العقيدة انتظمت جملة من المسائل، تحريرها كالآتي:
المسألة الأولى: حكاية الإجماع على حصول الفتنة في القبور:
نقل الإجماع على وقوع فتنة القبر جماعة من أهل العلم:
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيون فيها ويسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته"(2).
وقد ذكر العلامة البغدادي: أن من الأصول التي اتفق عليها أهل السنة، وأجمعوا عليها: إثبات السؤال في القبر. وقال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر"(3).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ت: عبدالرحمن بن قاسم (3/ 145)
(2) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بنلمدينة النبوية، 1413 هـ، ص (159).
(3) أحمد بن حنبل: أصول السنة: ص (30)، ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة: (1/ 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
وقال أحمد بن القاسم للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: نعم، سبحان الله نقر بذلك ونقوله: قلت: هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا، أو تقول ملكين؟ قال: نقول: منكر ونكير، وهما ملكان، وعذاب القبر(1).
وأشار الإمام ابن تيمية إلى أن جماعات أهل الكلام ينصرون ما ظهر من مذاهب أهل السنة، كفتنة القبر وعذابه، فقال:" وهؤلاء وأمثالهم من أهل الكلام ينصرون ما ظهر من دين الإسلام، كما ينصر ذلك المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين، فينصرون إثبات الصانع النبوة والمعاد ونحو ذلك وينصرون مع ذلك ما ظهر من مذاهب أهل السنة والجماعة، كما ينصر ذلك الكلابية والكرامية والأشعرية ونحوهم، ينصرون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة … وأن فتنة القبر حق، وعذاب القبر حق … وأمثال من الأقوال التي شاع أنها من أصول أهل السنة والجماعة "(2).
وقال الإمام ابن عبد البر:" وأهل السنة والجماعة مصدقون بفتنة القبر وعذاب القبر، لتوافر الأخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم "(3).
وقد تواترت كلمة العلماء واستفاضت على إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين:
قال الإمام المزني: " ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون "(4).
وقال الإمام البربهاري في بيان عقائد أهل السنة: "والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، وترسل فيه الروح، حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه"(5).--------------------------------------------
(1) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (1/ 55).
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (7/ 435)
(3) ابن عبد البر: الاستذكار، دار الكتب العلمية - بيروت ن ط 1 1421 هـ (2/ 421).
(4) المزني: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط 1 1415 هـ، ص (80).
(5) البربهاري: شرح السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط 1 1414 هـ، ص (82).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وقال الإمام أبو عبد الله بن أبي زمنيين: "وأهل السنة يؤمنون بأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم كيف شاء الله، ويصدقون بذلك بلا كيف"(1).
وقال الإمام ابن قدامة: "وفتنة القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق "(2).
وقال الإمام الطحاوي: "ونؤمن … وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه"(3).
وقال الإمام أبو حنيفة: "سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر"(4).
وقال الإمام النووي في شرحه لحديث عمرو بن العاص وهو في سياق الموت: فيه فوائد منها:" إثبات فتنة القبر، وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق"(5).
وقال الإمام ابن بطال في شرح حديث أنس: (إذا وضع العبد في قبره):" وفيه: أن فتنة القبر حق، وهو مذهب أهل السنة"(6).
والنقول عن أهل السنة في هذا الباب تطول جداً؛ لأن فتنة القبر من الأصول المتفق عليها بين أهل السنة والجماعة(7).
فيجب الإيمان بها والتصديق بلا كيف، قال الإمام الغزالي:" وأنه لا يتقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، وأوله: سؤال منكر ونكير"(8).--------------------------------------------
(1) ابن أبي زمنيين: أصول السنة، مكتبة الغرباء - السعودية، ط 1 1415 هـ، ص (150).
(2) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد، مزارة الأوقاف السعودية، ط 2 - 1420 هـ، ص (31).
(3) انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية، وزارة الأوقاف السعودية، ط 1 1418 هـ، ص (391).
(4) أبو حنيفة: الفقه الأكبر، مكتبة الفرقان - الإمارات، ط 1 1419 هـ، ص (65).
(5) النووي: شرح مسلم، إحياء التراث العربي - بيروت، ط 2 - 1392 هـ (2/ 139 - 5/ 85).
(6) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط 2 - 1423 هـ (3/ 321).
(7) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (11/ 486)
(8) الغزالي: بداية الهداية، دار المنهاج جدة، ط 1 1425 هـ، ص (283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
المسألة الثانية: تواتر الأخبار والنصوص في إثبات فتنة القبر:
قد تواترت الأحاديث الشريفة المنيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -في فتنة القبر ومسألة منكر ونكير
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم"(1).
ويقول الإمام ابن القيم:" وأحاديث المسألة في القبر كثيرة … وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة"(2).
ويقول الإمام السيوطي:" باب فتنة القبر وسؤال الملكين: قد تواترت الأحاديث بذلك مؤكدة من رواية أنس والبراء وتميم الداري وبشير بن الكمال وثوبان وجابر بن عبد الله وعبد الله بن رواحة وعبادة بن الصامت وحذيفة وضمرة بن حبيب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعثمان بن عفان وأبي رافع وأبي سعيد الخدري وأبي قتادة وأبي هريرة وأبي موسى وأسماء … وعائشة رضي الله عنهم أجمعين - "(3).
وقال الإمام ابن أبي عاصم:" وهي أخبار ثابتة توجب العلم، وتنفي الريب والشك "(4).
فأحاديث فتنة القبر مع كثرتها وصحتها وتلقيها بالقبول واتفاق الفرق على روايتها(5). إلا أن بعض الناس أنكر سؤال منكر ونكير في القبر(6).
ومع وفرة هذه الأحاديث الصحيحة المشهور التي رواها الأئمة إلا أن المخالفين من المعتزلة اتبعوا القياس، وأعرضوا عن الآثار الصحيحة، مع أن المنقول عن القاضي عبد الجبار المعتزلي إثباته، كما حكى هو ذلك عن نفسه وأسلافه، وأورد الأدلة على إثبات عذاب القبر(7).
واحتج المخالفون بجملة من الأدلة التي يظنونها عقلية صحيحة منها:--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:، (4/ 285 - 5/ 526)
(2) ابن القيم: الروح، دار الحديث - القاهرة، 1424 هـ، ص (56 - 57).
(3) السيوطي: شروح الصدور، دار المعرفة - لبنان، ط 1 1417 هـ، ص (121).
(4) ابن أبي عاصم: السنة، المكتب الإسلامي، ط 11400 هـ (2/ 424)
(5) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 2 - 1987 م، ص (379).
(6) ابن البناء: الرد على: ص (183)، محمد علي الطبري: الإيضاح في أصول الدين: ص (374) العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة: (3/ 708).
(7) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: (730)، التفتازاني: شرح المقاصد: (2/ 220)، مغلطاي: شرح ابن ماجه: (1/ 159)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
أ. قالوا: إن المساءلة والخطاب إنما تكون لمن هو حي يسمع ويجيب، فأما إذا مات فقد زالت الحياة، وانتقضت البنية، وذلك يمنع من صحة السؤال والجواب، وإن قلتم: إنه تعاد حياته إليه، وروحه إليه، فذلك بعيد أيضاً من جهة، أنه لا سبيل إلى معرفة هذا.
ب. وقالوا: ما ذكرتموه من أمور هي ثابتة بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تفيد العلم ولا توجبه، وهذه المسألة من مسائل العلم، فلا يقبل فيها خبر الواحد.
ج. وبالغ بعضهم في دليل النفي فقالوا: إنا ندفن الميت ثم نأتي بعد أيام فنكشفه فنراه على الهيئة التي دفناه عليها، لا يتغير عما ترك عليه، ووضع بعضهم على صدر ميته شيئاً من الدفن، ثم كشفه بعد أيام فرأى الدفن في الموضع الذي تركه، قالوا: ولو كان يزول على ما هو عليه لزال الدفن عن محله إلى أرض اللحد، وإذا امتحن هذا بالاعتبار فلم يوجد له أصل، لم يثبت ذلك.
وأجاب العلماء عن هذه الشبهات بما يلي:
1 - أما قولهم إن من شرط السؤال والجواب الحياة فصحيح، ولذا ورد في الأخبار الصحيحة، أنه تُعاد إليه روحه، فيخاطب وهو حي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
يدل عليه ما أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ «(1).
قال الإمام أبو الوليد الباجي: "وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته"(2).
وقال العلامة العيني:" وفيه دليل على أن الميت تعود إليه روحه، لأجل السؤال، وأنه يسمع صوت نعال الأحياء، وهو في السؤال "(3).
وقد ذكر الإمام عبد الحق الإشبيلي جملة من الأحاديث الواردة في فتنة القبر وعذابه، وترجم له بقوله:" باب في عذاب القبر والمساءلة بعد الموت"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز ح (1374)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (2870).
(2) الباجي: المنتقى شرح الموطأ، مطبعة السعادة - مصر، ط 1 1332 (2/ 31).
(3) العيني: شرح أبي داود، مكتبة الرشد - الرياض، ط 1 1420 هـ (6/ 188).
(4) الأشبيلي: الأحكام الكبرى، مكتبة الرشد - الرياض، ط 1 1422 هـ، (2/ 562).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
2 - وأما قولهم: إنها أخبار آحاد، فليس بصحيح من جهة أنها أخبار قد ظهرت واشتهرت في الصحاح، وتلقتها الأمة بالقبول، وعمل بها الناس ومثل هذا إذا وجد في الأحاديث وجب العلم.
3 - وأما قولهم: إن الميت امتحن ووضع على صدره شيئاً من الدفن، ثم كشف بعد أيام، ولا يزال الدفن في الموضع الذي ترك فيه، فيقال:
أولاً: هذا ليس بصحيح من جهة أن القادر على إقامته، وإعادة الروح إليه في قبره، قادر على أن يعيده ويعيد ما على صدره على ما كان عليه.
ثانياً: أنا لا نقبل القياس المعقول إذا عارض الأخبار الصحيحة المشهورة(1).
فالذي عليه أئمة السلف إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، على ما ثبت في النصوص، قال الإمام ابن تيمية: "وقد ثبت أن القبور يُسال ويمتحن، وأنه يؤمر بالدعاء له "(2)، وقال: "وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهم رضي الله عنهم "(3).
ولذا صار إنكار فتنة القبر وسؤال الملكين من شعار أهل البدع، قال الإمام ابن عبد البر:" وأما قوله: أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم، فإنه أراد فتنة الملكين، منكر ونكير، حين يسألان العبد: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
والآثار في هذا متواترة، وأهل السنة والجماعة كلهم على الإيمان بذلك، ولا ينكره إلا أهل البدع "(4).
وقال الشيخ عبد الواحد الشيرازي في جزئه في "امتحان السني من البدعي: "يُسأل عن منكر ونكير، وضغطة القبر، فإن آمن به فهو سني ، وإن أنكره فهو معتزلي، حشيشي، كافر بالله "(5).--------------------------------------------
(1) انظر: محمد علي الطبري: الإيضاح في أصول: ص (376)، الإيجي: المواقف: (3/ 521)،ابن البناء: الرد على المبتدعة: (188)
(2) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار الكتب العلمية -بيروت، ط 1 1408 هـ (3/ 24).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية.
(4) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ، (22/ 247).
(5) الشيرازي: جزء في امتحان السني من البدعي:، ص (275)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
وما ذكره الشيخ عبد الواحد من كفر من أنكر منكر ونكير، أو عذاب القبر ونعيمه أمر مختلف فيه بين العلماء، ويشار في هذا المقام إلى جملة من الضوابط الشرعية في هذا الباب:
أ. أن التكذيب أو الرد لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم -كفر صريح ظاهر، لأنه طعن في مقام الرسالة، ولذا قرر الأئمة أن من رد حديثاً صحيحاً أو كذبه كفر.
قال الإمام إسحاق بن راهوية: "من بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -خبر يقر بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر"(1).
ويقول العلامة ابن الوزير: "إن التكذيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم أنه حديثه كفر صريح "(2).
ب. أن جحد أمر معلوم من دين الإسلام بالضرورة، بحيث يعرفه الخاصة والعامة، يعتبر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام، بشرط أن يكون هذا الأمر المجمع عليه مشتهراً في الدين.
يقول العلامة القرافي: "ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لابد أن يكون المجمع عليه مشتهراً في الدين حتى صار ضرورياً، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعاً لا يعلمه إلا خواص الفقهاء فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفراً "(3).
ج. أن التأويل المذموم هو التأويل المصادم لما ثبت بقاطع، فمن تأول تأويلاً يخالف قاطعاً من الكتاب والسنة واتفاق الأمة لا شبهة فيه، فإنه زنديق، "فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب، سواء قال: لا أثق بهؤلاء الرواة، أو قال: أثق بهم لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلاً فاسداً، لم يسمع ممن قبله، فهو الزنديق"(4).
وحكم التأويل على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون صادراً عن اجتهاد وحسن نية، بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه، لأن هذا منتهى وسعه.--------------------------------------------
(1) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام: (1/ 99).
(2) ابن الوزير: العواصم والقواصم: (2/ 374)، انظر: البكري: إعانة الطالبين: (4/ 151).
(3) القرافي: الفروق، عالم الكتب - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (4/ 117).
(4) القنوجي: الروضة الندية، دار المعرفة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (2/ 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الثاني: أن يكون صادراً عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية، فهو فسق وليس بكفر، إلا أن يتضمن نقصاً أو عيباً في حق الله، فيكون كفراً.
الثالث: أن يكون صادراً عن هوى وتعصب، وليس له وجه في اللغة العربية فهذا كفر؛ لأن حقيقته التكذيب، حيث لا وجه له(1).
وبناءً على ما تقدم يقال: إذا كان الإنكار لسؤال الملكين وعذاب القبر لمجرد الإنكار والتكذيب والرد للنصوص دون شبهة، فهذا يُعدّ كفراً مخرجاً من الملة؛ لأنه انطوى تحته تكذيب لحكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وخروج عما اتفقت عليه الأمة، وعليه يحمل كلام الأئمة في التكفير في هذا الباب:
يقول الإمام ابن أبي يعلى بعد أن ذكر الإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير من معتقد السلف: " فتلزم القلب أنك ميت، ومضغوط في القبر، ومساءل في قبرك، ومبعوث من بعد الموت فريضة لازمة، من أنكر ذلك فهو كافر " (4)
يقول الإمام ابن الملقن: " فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله في خبرهما "(2).
ويقول العلامة الخادمي: " والذي تقتضيه القاعدة، هو كفر إنكار عذاب القبر، على أنه لا يبعد أن يكون من قبيل الضرورات الدينية، يعرفه العامي والخاص … وقد قيل: ظني الدلالة مع قطعي الدلالة للآحاد يفيد الفرضية وقد قيل: إن جميع أخبار الآحاد الموافقة للكتاب، حجة قطعية، فينتظم بها الاستدلال على الفرضية مطردا "(3).--------------------------------------------
(1) ابن عثيمين: تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد، مكتبة أضواء السلف، ط 3 1415 هـ، ص (34).
(4) ابن أبي يعلى: الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط 1 1423 هـ، ص (32).
(2) ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة - الرياض، ط 1 1421 هـ (1/ 516).
(3) محمد الخادمي: بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية، مطبعة الحلبي، 1348 هـ، (1/ 174 - 229).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وقال العلامة الكشميري: " عذاب القبر ثبت متواترا، تواتر القدر المشترك ومنكر التواتر هذا لا ريب في تبديعه، ومنكر التواتر بالقدر المشترك كافر، إن كان التواتر بديهيا، وفاسق مبتدع إن كان نظريا "(1)
قال الشيخ عليش:" واعلموا أيها الإخوان: أن عذاب القبر ونعيمه حق … كما صحت به الأحاديث الصحيحة، ولكن الله تعالى يأخذ بأبصار الخلائق وأسماعهم من الإنس والجن عن رؤية عذابه ونعيمه لحكمة إلهية، ومن شك في ذلك فهو ملحد "(2).
وفي سؤال ورد للجنة الإفتاء في السعودية مفاده: "ما حكم من ينكر عذاب القبر بحجة أنها - أي الأحاديث الواردة في عذاب القبر - أحاديث آحاد وحديث الآحاد لا يؤخذ به مطلقاً، وهم لا ينظرون إلى حديث صحيح أو … حسن أو ضعيف، ولكن ينظرون إليه من جهة كونه آحاداً أو مرويا بطرق مختلفة، فإذا وجد حديث آحاد لم يأخذوا به، فما هو الرد عليهم؟
جـ: إذا ثبت حديث الآحاد عن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حجة فيما دل عليه اعتقاداً وعملاً لإجماع أهل السنة، ومن أنكر الاحتجاج بأحاديث الآحاد بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، وارجع في الموضوع إلى كتاب الصواعق لابن القيم أو مختصره للموصلي"(3).
مناط الكفر في هذه الفتوى كما يُلاحظ، هو رد السنة الصحيحة المستلزم التكذيب لها، ومما يؤيد هذا: الفتوى الأخرى الصادرة عن نفس اللجنة، في كيفية التعامل مع من ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الصحيحين لحديث عذاب القبر ونعيمه والمعراج والسحر والشفاعة والخروج من النار وهل يصلى وراءهم؟ أو يتبادل معهم السلام أو يعتزلوا؟ فأجابوا:--------------------------------------------
(1) الكشميري: العرف الشذي، دار التراث العربي - بيروت، ط 1 1425 هـ، (2/ 349).
(2) عليش: فتح العلي المالك: (1/ 13)، ابن نجيم: البحر الرائق: (5/ 132).
(3) الدويش: فتاوى اللجنة الدائمة: (5/ 13)، ابن باز: فتاوى نور على الدرب: (4/ 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
"يبحث معهم أهل العلم بالحديث رواية ودراية، ليعرفوهم بصحتها وبمعانيها، فإن أصروا بعد ذلك على إنكارها، أو تحريف نصوصها عن معناها الصحيح تبعاً لهواهم، وتنزيلاً لها على رأيهم الباطل فهم فسقة … ويجب اعتزالهم وعدم مخالطتهم اتقاءً لشرهم، إلا إذا كان الاتصال بهم من أجل النصح لهم وإرشادهم، أما الصلاة وراءهم فحكمها حكم الصلاة وراء الفاسق، والأحوط: عدم الصلاة خلفهم، لأن بعض أهل العلم كفرهم"(1).
ولذا فمن كانت له شبهة تأويل أو اجتهاد، فرد بعض النصوص أو تأولها فإنه لا يكفر على الصحيح، ونص العلماء على تبديعه وتفسيقه:
يقول الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن المقالات: " إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول، فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها، إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها، ممن لم يعرف أن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم، فتدبره فإنه نافع "(2).
ويقول الإمام الغزالي: " فاعلم أن كل من أنكر عذاب القبر، فهو مبتدع محجوب عن نور الله تعالى، وعن نور القرآن، ونور الإيمان "(3).
ويقول يقول الإمام ابن بطال: " ولا ينكره إلا مبتدع "(4).
ويقول العلامة العيني: " ولا ينكره إلا مبتدع. ومن لا علم له بذلك لا يأثم "(5).--------------------------------------------
(1) الدويش: فتوى اللجنة الدائمة، دار بلنسية - الرياض، ط 3 1421 هـ (2/ 55)
(2) 1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة النبوية (6/ 61)
(3) ((الغزالي: إحياء علوم الدين، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (4/ 174).
(4) ابن بطال: شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد - الرياض، ط 2 - 1423 هـ (3/ 38).
(5) العيني: عمدة القاري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها (7/ 79).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
يقول العلامة ابن عابدين:" واعلم أن الحكم بكفر من ذكرنا من أهل الأهواء ونحوهم مع ما ثبت عن أبي حنيفة والشافعي، من عدم تكفير أهل القبلة من المبتدعة كلهم، محملة: أن ذلك المعتقد نفسه كفر، فالقائل به قائل بما هو كفر، وإن لم يكفر بناء على كون قوله ذلك عن استفراغ وسعة، مجتهداً في طلب الحق … وعلى هذا يجب أن يحمل المنقول على ما عدا غلاة الرافضة ومن ضاهاهم، فإن أمثالهم لم يحصل منهم بل وسع في الاجتهاد … فلا يتأتى من مثل الإمامين العظيمين أن لا يحكما، فأنهم من أكفر الكفرة، وإنما كلامها في مثل من له شبهة فيما ذهب إليه، وإن كان ما ذهب إليه عند التحقيق في حد ذاته كفراً، كمنكر الرؤية، وعذاب القبر، ونحو ذلك، فإن فيه إنكار حكم النصوص المشهورة والإجماع، إلا أن لهم شبهة قياس الغائب على الشاهد، ونحو ذلك مما علم في الكلام "(1).
وقال الشيخ عبد الرحمن أفندي الحنفي:" لكن المعتزلة أنكروا عذاب القبر فلا يصح إكفارهم في صحيح الأقوال "(2).
وقال البكري:" ومثل ما ذكر من سبق اللسان وما بعده، الاجتهاد فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه، كاعتقاد المعتزلة عدم رؤية الباري في الآخرة أو عدم عذاب القبر أو نعيمه، فلا يكفرون بذلك، لأنه اقترن به اجتهاد"(3).
وقال شهاب الدين النفراوي:" من أنكر فتنة القبر وسؤال الملكين مبتدع يؤدب، فإن أصر على إنكاره لا يجوز قتله، ويضرب أدباً، كما فعله عمر رضي الله عنه، ببعض الناس "(4).--------------------------------------------
(1) ابن عابدين: منحة الخالق، مطبوع مع كتاب البحر الرائق لابن نجيم: (5/ 151).
(2) عبد الرحمن أفندي: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/ 694)
(3) البكري: إعانة الطالبين، دار الفكر - بيروت، ط 1 1418 هـ (4/ 151).
(4) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، 1415 هـ، (1/ 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
المسألة الثالثة معنى فتنة القبر.
المراد بفتنة القبر:
يقول الإمام ابن تيمية:" وأما الفتنة في القبور، فهي الامتحان والاختبار للميت حين يسأله الملكان "(1).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في بيان عقيدة أهل السنة:" وأن لله تعالى ملكين يقال لأحدهما منكر، والآخر نكير، يلجان إثر الميت في قبره، فإما يبشرانه وإما يحذرانه "(2).
وهذا المعنى قد أطبق عليه العلماء، قال الإمام السيوطي:" أطبق العلماء على أن المراد بقوله: يفتنون، وبفتنة القبر، سؤال الملكين منكر ونكير والأحاديث صريحة فيه، ولهذا سُمي ملكا السؤال الفتانين "(3).
وقال الإمام ابن حزم:" بل كل ميت، فلا بد من فتنة وسؤال، وبعد ذلك سرور أو نكد إلى يوم القيامة، فيوفون أجورهم، وينقلبون إلى الجنة أو النار "(4).
قال بعض العلماء: إضافة الفتنة إلى القبر أو المقبور لا مفهوم له، فلا يعني ذلك أن غير المقبور لا يسأل، بل كل ميت يسأل قبر أو لم يقبر(5).
وهذا السؤال والجواب في القبر يستلزم عودة الروح إلى الجسد، وهو الصحيح الذي دلت عليه النصوص الشرعية، فقد ثبت في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في عذاب القبر ونعيمه، وفي بيان الميت وحاله، أن روحه تعاد إلى جسده، مع العلم بأنها غير مستمرة فيه، وأن هذه الإعادة ليست مستلزمة لإثبات حياة مزيلة لاسم الموت، بل هي نوع حياة برزخية(6).
والحياة في القبر ثابتة بالسنة المطهرة، والمراد بها: "أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافاً لمن رده، واحتج بقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر:11]، قال: فلو كان يحيا في قبره، للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثاً، وهو خلاف النص!--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (4/ 257)
(2) أحمد بن حنبل: العقيدة رواية أبي بكر الخلال، دار قتيبة - دمشق، ط 1 1408 هـ، ص (122)
(3) السيوطي: الحاوي للفتاوى: (2/ 224)، النفراوي: الفواكه الدواني: (1/ 97).
(4) ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 56).
(5) النفراوي: الفواكه الدواني، دار الفكر - بيروت، 1415 هـ، (1/ 99).
(6) ابن جاسر: مفيد الأنام، مكتبة النهضة - مصر، ط 2 - 1389 هـ (2/ 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
والجواب: بأن يراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا، التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة، لفائدة الامتحان، فهي إعادة عارضة"(1).
واحتج المنكر أيضاً بقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56]، قال: ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين.
والجواب: أن ذلك وصف لأهل الجنة، والضمير فيها للجنة، والمعنى: لا يذوق أهل الجنة في الجنة الموت، فلا ينقطع نعيمهم، فلا دلالة في الآية على انتفاء موته أخرى بعد المسألة، وقبل دخول الجنة.
وقوله: {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}: فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعلق بالمحال، كأنه قيل: لو أمكن ذوقهم الموتة الأولى، لذاقوا في الجنة الموت، لكنه لا يمكن بلا شبهة، فلا يتصور موتهم فيها.
وقد يقال: {إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى}: للجنس لا للوحدة، وإن كانت الصيغة صيغة الواحد، وليس فيها نفي تعدد الموت، لأن الجنس يتناول المتعدد أيضاً.(2)
قال الإمام القرطبي:" إلا الموتة الأولى، على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الموتة الأولى ذاقوها في الدنيا.
وقيل: إن (إلا) بمعنى: بعد. وقيل: (إلا) بمعنى سوى، أي: سوى الموتة التي ماتوها في الدنيا "(3).
وقد ورد في السنة المطهرة التنصيص على فتنة القبر:--------------------------------------------
(1) ابن حجر: فتح الباري، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ (3/ 241).
(2) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط 1 1417 هـ (3/ 521)، الرازي: مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3 1420 هـ (27/ 666).
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط 2 - 1384 هـ، (16/ 155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم -خطيباً فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة(1) … وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: «استعاذ بالله جل وعلا من فتنة القبر «(2).
وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى على جنازة ودعا وقال ضمن دعائه: «وقه فتنة القبر، وعذاب القبر «(3).
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «استعاذ بالله عز وجل من فتنة المحيا والممات «(4). وذكر شراح الحديث أن هذه الاستعاذة تحتمل أمرين:
أحدهما: حالة الموت، فإن الشيطان يفتن الآدمي حينئذ، تارة بتشكيكه في خالقه وفي معاده، وتارة بالتسخط على الأقدار، وتارة بإعراضه عن التهيؤ للقدوم إلى ربه بتوبة من زلة، واستدراك لهفوة.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر ح (1373).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الدعوات، باب التعوذ من المأثم والمغرم ح (6368).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة ح (963).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر ح (1377) ـ، وأخره مسلم في صحيحه كتاب المساجد باب ما يستعاذ منه في الصلاة ح (588) ي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
والثاني: أنها فتنة القبر بعد الموت. وعليه يجوز أن يكون المراد: الفتنة عند الموت، وأضيفت إليه؛ لقربها منه، ويجوز أن يراد بها: فتنة القبر. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ «(1).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة الله والرأس ح (86)، ابن الجوزي: كشف المشكل، دار الوطن - الرياض، (3/ 389).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
قال الإمام الغزالي عن سؤال الملكين في القبر: "وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به؛ لأنه ممكن، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب، وذلك ممكن في نفسه، ولا يدفع ذلك: ما يشاهد من سكون أجزاء الميت، وعدم سماعنا للسؤال له، فإن النائم ساكن بظاهره، ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبيه "(1)، وقال العلامة الشهرستاني:" وما ورد به السمع من الأخبار من الأمور الغائبة، فيجب إجراؤها على ظاهرها، والإيمان بها كما جاءت، إذ لا استحالة في إثباتها، وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل: سؤال القبر والثواب والعقاب فيه حق يجب الاعتراف بها، وإجراؤها على ظاهرها، إذ لا استحالة في وجودها "(2). وهذا هو مذهب أهل الحق من الإسلاميين، كما نص عليه العلماء(3).
المسألة الرابعة بعض المسائل المتعلقة بفتنة القبر
ذكر العلماء في هذا الباب جملة من المسائل، بعضها يفتقر إلى شاهد يعضده وأثر يوضحه، وبعضها جرى فيها نزاع بين أهل القبلة.
ولما كانت فتنة القبر من الأمور الغيبية التي خفيت عن جملة البشر، كان لا بد حين الكلام في أخبارها وأحداثها من أدلة صحيحة، يمكن الاعتماد عليها في إثبات بعض أحكام الآخرة.
ومن المسائل التي ذكرها العلماء في هذا الشأن:
1 - هل فتنة القبر خاصة بهذه الأمة؟
اختلف العلماء على قولين مشهورين:--------------------------------------------
(1) الغزالي: قواعد العقائد: ص (221)، المتولي: الغنية في أصول الدين، المعهد الفرنسى للآثار الشرقيه 1986 - القاهرة: ص (56)
(2) الشهرستاني: الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، (1/ 102)
(3) الإيجي: المواقف، دار الجيل - بيروت، ط 1 1417 هـ (3/ 516)، الآمدي: غاية المرام: (1/ 292) التفتازاني: شرح المقاصد: (2/ 220)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
الأول: أن سؤال الملكين خاص بهذه الأمة، ذكره الإمام ابن عبد البر دون جزم، فقال:" وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي أنه قال: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا»، ومنهم من يرويه «تُسأل في قبورها»، وهذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصت بذلك، وهو أمر لا يقطع عليه"(1).
وجزم بهذا القول الحكيم الترمذي وقال:" كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمداً رحمة للعالمين، أمسك عنهم العذاب وقَبِل الإسلام ممن أظهره، سواء أسر الكفر أو لا، فلما ماتوا قيّض الله لهم فتاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين "(2).
واحتجوا بحديث زيد السابق: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا «(3) وبحديث عائشة عند أحمد بلفظ: «أَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ: فَبِي تُفْتَنُونَ، وَعَنِّي تُسْأَلُونَ «(4).
الثاني: أن السؤال لهذه الأمة ولغيرها، اختاره جماعة من أهل العلم منهم: الإمام عبد الحق الإشبيلي والإمام القرطبي والإمام ابن القيم.
واحتجوا بعموم الأحاديث الدالة على سؤال منكر ونكير لكل مقبور.
وتعقب الإمام ابن القيم ما استدل به الأولون فقال:" قوله «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ «: إما أن يراد به: أمة الناس، كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38]، وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة.--------------------------------------------
(1) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (22/ 253).
(2) ابن حجر: فتح الباري،: (3/ 240)، الشوكاني: نيل الأوطار: (4/ 110).
(3) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه ح (2867.
(4) أخرجه أحمد في مسنده، في مسند عائشة رضي الله عنها ح (25089)، مؤسسة الرسالة، ط 1 1421 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
وإما أن يراد به: أمته الذي بعث فيهم، فإن كان هذا هو المراد، لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم، بل قد يكون ذكرهم، إخباراً بأنهم مسئولون في قبورهم، وأن ذلك لا يختص بمن قبلهم، لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم".
ثم قال: "والظاهر والله أعلم: أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة "(1).
وقال بعضهم: إن الأدلة محتملة في ذلك وليست قاطعة في الاختصاص ولذا يتوقف في هذه المسألة، وهو قول جماعة، منهم الإمام ابن عبد البر(2).
2 - هل السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين؟ أم يشمل الكفار أيضاً؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
الأول: أن السؤال خاص بالمسلمين والمنافقين دون الكافرين. وذهب إلى هذا القول الإمام ابن عبد البر، وقال في التمهيد:" الآثار الثابتة في هذا الباب إنما تدل أن الفتنة في القبر، لا تكون إلا لمؤمن أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوباً إلى أهل القبلة ودين الإسلام ممن حقن دمه بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يُسأل عن هذا أهل الإسلام "(3).
وتأول الإمام ابن عبد البر، النصوص الواردة في عذاب القبر بأن هذا عذاب واصب للكفار إلى أن تقوم الساعة، وهذا غير الفتنة والابتلاء الذي يعرض للمؤمن، ومن الجائز أن يكون عذاب القبر غير فتنة القبر، انتصر له الإمام السيوطي(4).--------------------------------------------
(1) ابن القيم: الروح (87) فتح الباري (3/ 245) عمدة القاري (8/ 205) نيل الأوطار: (4/ 110)
(2) صالح الفوزان: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص (271)، ابن عبد البر: التمهيد: 22/ 253)، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (397)، السفاريني: البحور الزاخرة: (1/ 180).
(3) ابن عبد البر: التمهيد، وزارة عموم الأوقاف - المغرب، 1387 هـ (22/ 252)
(4) ابن عبد البر: التمهيد (22/ 252)، السيوطي: شرح الصدور ص (145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)