اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وسوف تكون معظم مواد هذا البث –كما هو في قرارات المشرفين عليه- في خدمة الدول التي تسعى إلى السيطرة على العالم، والصهيونية العالمية التي تخطط لإقامة الدولة اليهودية الكبرى، والمنصّرين الذين ملؤوا الدنيا جعجعة وصراخاً مبشرين بالتثليث، وتأليه البشر، والكفر بالله.
وقد عقدت مؤتمرات لدراسة كيفية الاستفادة من البث المباشر في التنصير1، كما سيكون فيها لدعاة الإباحية، ونشر الفاحشة والرذيلة حظاً وافراً.
وخلاصة القول:
أن الغزو الفكري الحديث أحدث انقلاباً جذرياً في حياة المسلمين، في معظم البلاد الإسلامية، وابتعد بكثير منهم عن الطريق المستقيم، وهذا الخطر ما يزال يزحف ويشتد، والمكر يتعاظم ويتنامى.
{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين} [الأنفال:30] .
وكان من أبرز آثاره:"تحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحضارة الأوربية،--------------------------------------------
1 انظر: البث المباشر حقائق وأرقام 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
حتى وصلت في ظل الاحتلال إلى مرحلة الشيوع والظهور، ثم إلى مرتبة الاستقرار والاستحسان، ثم درجة الشرعية1 التي تحميها القوانين الوافدة وتدرّج بالمغلوبين الانحلال، بداية بالسلوك الفردي فالانحراف الجماعي عن نهج الدين، واستهوت مظاهر الحياة الغربية الناس، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور، والقمار والربا، ونحو ذلك، ثم دب دبيب التهاون في الدين، فتناول العبادات والعقائد وغيرها، فتكاسل الناس عن أداء العبادات، وانتشر في الجو ضروب من الفلسفة، والمذاهب الضالة، واستمالت الشباب وغير الشباب، وصارت العلاقات الجنسية والنزعة الإباحية الشغل الشاغل للسينما، وكثير من المجلات والصحف.. فانحرف الشباب وفسدت روابط الأسرة2، إلا من رحم الله.
وقد عمّ السيل وطمّ، بانهيار الفضائل الاجتماعية وغيرها، عندما--------------------------------------------
1 الشرعية: صفة تطلق على الأمر المتفق مع الشرع، والشريعة الحق هي: شريعة الله، إلا أنه غلب إطلاقها على كل أمر أو قرار يتفق مع القوانين السائدة المعتبرة في بلاد ما، فيكون شرعياً إذا وافقها، وغير شرعي إذا خالفها، ثم أطلق اصطلاح "الشرعية الدولية" ويراد به الأمور والقرارات الصادر عن هيئة الأمم المتحدة.
إلا أنه لا يجوز للمسلم وصف قرار بأنه شرعي إلا إذا كان متفقاً مع الشرع الإلهي المطهر، أما ما شرعته القوانين الوضعية، فهو وضعي باطل، ولو سمي شرعياً، فالمسلم لا يرى شرعياً إلا ما شرعه الله وأقره. والله أعلم.
2 حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ص165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
شهد العالم الإسلامي تغيراً اجتماعياً استجابة لدعوات التغريب1 على يد المستعمرين ومؤسساتهم التبشيرية والاستشراقية … ولكنه وِفْق الأسلوب الجديد، أصبح يتم على أيدي المسلمين أنفسهم من تلاميذ المستشرقين والمبتعثين، يساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض الحكام من المسلمين"2.
كما أثمرت جهود المنصرين تنصير كثير من أبناء المسلمين الذي درسوا في مدارسهم، أو ألجأتهم الحاجة أو الإعجاب إلى اتباع دين النصارى؛ كما اعتقد كثير من المنتسبين إلى الإسلام الأفكار الكافرة، كالفكرة الشيوعية، أو القومية البعثية، أو العلمانية، أو غير ذلك من الفلسفات الضالة.
وكثمرة لتشجيع المستعمرين ازدهرت المظاهر الوثنية، من عبادة القبور والحج إلى المشاهد، والطرق الصوفية الضالة التي استحوذت على كثير ممن لديهم نزعة إلى التدين في كثير من البلاد الإسلامية.--------------------------------------------
1 التغريب: مصدر تفعيل من غَرَّب يغرب تغريباً، وهو مشتق من الغرب، أي: الدول الغربية الأوربية والأمريكية، ومن في حكمها.
ويراد بالتغريب: تغيير قيم الأمة ومُثلها، أي تغيير عقيدتها وثقافتها وأخلاقها، وإبعاد المسلمين عن دينهم باسم المدنية، أو التطور أو التقدم، وإحلال ما يقابل ذلك في الحضارة الغربية.
انظر: المصدر السابق ص165 بتصرف.
2 نفس المصدر والصفحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
أما الاقتصاد في العالم الإسلامي، فقد أسس تأسيساً كاملاً على الربا، وعلى نظريات ونظام الغرب الرأسمالي، أو الشرق الاشتراكي الشيوعي، وأصبح موجهاً ومرتبطاً بالدول الاستعمارية، أو المنظمات الاقتصادية العالمية والتي هي في الحقيقة يد خفية للاستعمار.
أما الناحية السياسية فقد توزع العالم الإسلامي إلى دويلات، ومناطق نفوذ اقتسمتها الدول الاستعمارية الغربية أو الشرقية، واستبعد الحكم بالشريعة الإسلامية من جميع البلاد الإسلامية إلا من رحم الله، وحورب محاربة شديدة، وأصبح الخلاف والخصام سمة مميزة للدول الإسلامية في علاقتها فيما بينها.
وفقد المسلمون الكثير من بلادهم، وحول كثير منها إلى دول نصرانية أو شيوعية، وأعطيت فلسطين قبلة المسلمين الأولى إلى شرار الخلق من اليهود الصهاينة، فهي حال تسر العدو وتدمي قلب المؤمن الغيور.
لكن مع هذا الكيد الخبيث الماكر الشديد الوطأة، ومع هذا النجاح الكبير الذي تحقق لأعداء الله، ومع الضعف والفرقة والانحراف في مجتمعات المسلمين، مع ذلك كله فالإسلام –والحمد لله- باق.
فهو في جانبه العلمي محفوظ بحفظ الله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] وما زالت طائفة من أهل الحق تلتزم به علما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
وعملاً … دعوة وجهاداً، والأمل قبل ذلك منوط بعناية الله ورعايته. فالدين دينه..
والمؤمنون أولياؤه.. والناس خلقه وعبيده.. والأمر بيده.. وأمره نافذ لا يحول دونه شيء.
فليس مكر الماكرين غائباً عن رب العالمين {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم:46] {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] .
ومكر الأعداء وكيدهم الجديد، وما عندهم من القوة والعدة والوسائل عظيم شديد، لا يُقدر عليه بالمقارنة بجهد البشر، وما عند المسلمين من الأسباب المادية، لكنه بإزاء قدرة الله لا يساوي شيئاً.
وقد جعل الله الدنيا ميدان صراع، ولا بد لأهل الحق أن يدخلوا الميدان ويقوموا بنصرة ما أكرمهم الله به من الحق، ويدافعوا عنه، ويعملوا على مقاومة الباطل ويستعينوا بالله، ويتوكلوا عليه ويحسنوا الظن به. وهو معهم سبحانه –إذا قاموا- يوفقهم للأسباب، ويبارك في المتيسر من أسبابهم ولو كان ضعيفاً، ويكمِّل ما نقص منها، ويخذل عدوهم، ويمدهم بنصره، ويهيئ لهم من رحمته ما لا يخطر لهم على بال! فالحق قليله كثير، والباطل كثيره قليل. والحق ظاهر، والباطل زاهق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
وكل ذلك مشروط بمجيء الحق وقيام أهله به، فإذا جاء الحق زهق الباطل بإذن الله وأمره {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81] . {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49] . {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] .
وفي كل وقت يشتد فيه الهجوم والتآمر على الإسلام، تخرج –والحمد لله- بشارات تدل على عناية الله بهذا الدين. ومن ذلك ما حصل في هذا الزمان، فقد ظهرت عدة مظاهر تبشر بالخير، من ذلك رجوع كثير من الناس رجالاً ونساء كهولاً وشباباً إلى الالتزام بالدين.
ودفع الإحساس بالخطر الكثير من العلماء وطلبة العلم والدعاة الصالحين من الأدباء والشعراء، والغيورين من الموسرين إلى الاهتمام ومضاعفة الجهد، في تعليم الناس وتوعيتهم، وطبع الكتب النافعة، ودعم الأشرطة المفيدة، واستخدام كل سبيل متاح مشروع، في مقاومة أعداء الله ومخططاتهم.
ووجد وعي كبير بضرورة تطهير العقائد، وإزالة البدع، والرجوع إلى الفهم الصحيح للإيمان. وازدادت المطالبة من الشعوب الإسلامية بتحكيم شرع الله، ورفض حكم الطاغوت.
والتزم كثير من النساء بالحجاب، وازداد الإقبال على الجامعات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
والمعاهد الإسلامية إقبالاً شديداً، وزاد الطلب على الكتاب والشريط الإسلامي، بل وتنامى عدد مَن يعتنق الإسلام من غير المسلمين.
وشهد الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري قيام مؤسسات ومنظمات إسلامية عالمية وجامعات متقدمة، وهدف الجميع نشر الإسلام، والدفاع عنه، والتبصير بقضايا المسلمين في أنحاء العالم، والدفاع عنها، وكشف مخططات أعداء الله، والتحذير منها، وتشجيع البحوث التي تخدم هذه المجالات كلها. كما قامت جهود إعلامية، وهي وإن كانت متواضعة جداً بالمقارنة إلى ما عند العدو، إلا أنها مباركة، ظهر أثرها الفعال في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وهي تتنامى مع الأيام، ونرجو أن يتولاها الله بالرشد والسداد.
والمظاهر المباركة كثيرة والحمد لله، وذلك يدل على صلابة الإسلام في وجه الأعاصير ولو كانت شديدة، وما ذاك إلا بحفظ الله له، وأن الدين الخاتم لن يخلو منه زمان حتى يأتي أمر الله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ومن هذا الاستعراض الموجز للحرب الفكرية، القديمة والحديثة الموجهة إلى الإسلام نستخلص عدة نتائج هامة:
الأولى: شدة عداوة اليهود والنصارى والمشركين لهذا الدين، وسعيهم الخبيث ومكرهم المستمر الذي لا يفتر في مقاومته بكل الأساليب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
الثانية: تركيزهم على الحرب الفكرية، لإدراكهم خطورتها، وأنها السبيل الأمثل لحرب الإسلام، وتحطيم قيم الإيمان، وتزداد قناعتهم يوماً بعد يوما بذلك، بفعل النجاحات التي تتحقق لهم في مجال الغزو الفكري، لذلك فهم يحاولون بقدر الإمكان عدم اللجوء إلى الحرب العسكرية إلا عند الضرورة.
الثالثة: أنه يجب على أهل الإسلام مدارسة الكيفية التي يتصدون ويقاومون بها هذه الجهود الخطيرة، ولا شك أن هناك جهوداً مشكورة لكنها لم تتعد إلى الآن مجال التوعية، وبعض الأعمال الخيرية.. ولم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، من إيجاد خطة متكاملة منسقة، يجتمع عليها العلماء والدعاة والقادة، وتتكاتف جهود أهل الإسلام على تنفيذها من منطلق قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36] .
الرابعة: أن أي وسيلة أو طريق يتبناه أهل الإسلام لمقاومة هذه الجهود الفكرية العدوانية لن يؤتيَ ثماره إلا إذا كانوا على حال توجب لهم ولاية الله، فيدخلون الميدان وقد تولاهم الله وأيدهم بنصره، وحيث أن الإيمان والتقوى هو السبيل الوحيد لتحصيل الولاية، فيكون الالتزام بالإيمان الصحيح هو الخطوة والسبب الأهم في مقاومة الفكر الهدام، والتخطيط الخبيث. مع أن للإيمان آثاراً أخرى –بجانب كونه سبباً لولاية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
الله- تحصن الفرد والجماعات المؤمنة ضد الفكر الجاهلي.
وعلى هذا يكون هذا البحث مساهمة في تبيين أهم جوانب الخطة الإسلامية، التي ينبغي أن يهتم بها للتصدي للغزو الفكري، وتسليط للضوء على السبب الأول والأهم في هذا المجال، فأرجو من الله التوفيق والتسديد، والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
الباب الأول: الإيمان سبب لتحصيل ولاية الله " الأثر الخارجي "
*
…
غرض هذا الباب بيان أن الله تعالى جعل الإيمان والتقوى السبب الأوحد للحصول على ولايته، فإذا جاء العبد بشرطها -وهو الإيمان والتقوى- فإن الله يتولاه.
وعلى هذا فحصول العبد على ولاية الله، أهم الآثار التي يجنيها من تحقيقه الإيمان، وولاية الله هي أغلى مطلوب، وأهم وأسمى غاية يسعى لها ذوو الألباب، إذ عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة.
والولاية: مدار معناها في اللغة على القرب والمحبة والنصرة1.
وولاية الله لعبده المؤمن: أن يعامله ويدبّر أمره بما يقتضيه قربه منه، ومعيّته الخاصة ولطفه به، فيحوطه بعنايته ورعايته، ويحفظه وينصره ويحميه، فيكون بولاية الله في حصن منيع.
فالله يكفي عبده ما يهمه ويدافع عنه، ويخرجه من الظلمات إلى النور.
ويصرف عنه الشرور -ومنها الأفكار الخبيثة- أو يصرفه عنها بما يهيئ له من الأسباب.
وسوف أتكلم على هذا الأثر العظيم في فصلين:
الفصل الأول: صفات المتحقين للولاية.
الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة.
وقدجاء المجال للكلام على الفصل الأول والله المستعان.--------------------------------------------
1 انظر: المفردات في غريب القرآن ص533، وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
الفصل الأول: صفات المستحقين لولاية الله
*
…
تقدم 1 الكلام على طبيعة الإيمان المؤثر، وأهم الأسس التي يقوم عليها، وهو الإيمان الجالب لولاية الله والآثار الأخرى المباركة التي جعلها الله أسبابا تحتمي بها العبد من الفكر الخبيث، وغيره من الشرور.
ولاشك أن المفهوم الصحيح للإيمان ضروري لمعرفة الطريق إلى تحصيل ولاية الله، وأنه يكون بالالتزام الكامل به.
وحيث إن المسلمين يتفاوت التزامهم بالإيمان، فأرى أنه من المهم أن أذكر مراتب المؤمين لكي يتبين نصيب كل منهم من ولاية الله وحظه من التحصين ضد الشرور الفكرية وغيرها 2.--------------------------------------------
1 تقدم ص 29 وما بعدها.
2 وهذا مبحث هام في هذا الباب، لذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بدأ بهذا الموضوع في بداية كتابه " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " وكتابه " التحفة العرقية في أعمال القلوب ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
المبحث الأول: مراتب أهل الإيمان
إن المجتمع المسلم يضم أفراداً مختلفين من حيث تحقيقهم للإيمان الذي كلفهم الله به، فمنهم من ظلم نفسه بترك شيء مما أوجبه الله عليه، أو بفعل بعض ما حرم عليه، ومنهم من التزم بالإيمان الواجب فاعلاً الواجبات تاركاً المحرمات، مبادراً إلى التوبة عند الخطيئات.
ومنهم من زاد على ذلك بالمسارعة في الخيرات.
وعلى هذا فهم ثلاثة أقسام على وجه الإجمال، كل قسم في مرتبة، وإن كان أهل كل مرتبة يتفاوتون فيما بينهم.
وأساس تقسيم المؤمنين على هذه المراتب، هو قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32] .
قوله تعالى: {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا} أي الأقسام الثلاثة الواردة في الآية اصطفاهم الله واختارهم للإيمان والتوحيد، فهم مؤمنو هذه الأمة الذين اشتركوا في أصل الإيمان، ولم يشركوا بالله شيئاً، لكن اختلفوا وتفاوتوا في تكميل الإيمان.
وقد أورد ابن جرير أقوال من قال بذلك من السلف، ورجح هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
القول1، كما رجحه ابن كثير وغيرهما من المفسرين2.
قال الشيخ عبد الرحمن3 السعدي: "اشترك هؤلاء الثلاثة في أصل الإيمان، وفي اختيار الله لهم من بين الخليقة، وفي أنه منّ عليهم بالكتاب، وفي دخول الجنة.
وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان، وفي مقدار الاصطفاء من الله، وميراث الكتاب، وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم" 4.
وقبل أن أتكلم على مراتب أهل الإيمان، أتطرق باختصار إلى بيان ضابط أصل الإيمان الذي من جاء به دخل في زمرة المصطفين.--------------------------------------------
1 جامع البيان 22/133، 134، 136.
2 تفسير القرآن العظيم 6/533.
3 الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي التميمي، ألف تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة التائية، وتوضيح الكافية الشافية، وغيرها توفي سنة 1376هـ.
انظر: الأعلام 3/340 وعلماء نجد للبسام 2/422.
4 فوائد قرآنية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص60، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت، ط: الأولى 1389هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
المطلب الأول: بيان أصل الإيمان
أصل الإيمان، به يدخل العبد في الإسلام، وبه يكون اعتبار سائر الأعمال، وبصلاح ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادها، قال صلى الله عليه وسلم:" … ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب " 1.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد" 2.
فالتصديق: هو قول القلب، وهو المعرفة والإثبات لما دلت عليه الشهادتان.
والحب: عمل القلب نحو المشهود لهما، وهو الله تبارك وتعالى في شهادة أن لا إله إلا الله، ومحمد بن عبد الله في شهادة أن محمداً رسول الله، فيحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه.
والانقياد: عمل القلب أيضاً، وهو القبول وعقد العزم على الامتثال لما دلت عليه الشهادتان.--------------------------------------------
1 رواه البخاري، كتاب الإيمان، ح (52) الصحيح مع الفتح 1/126.
2 مجموع الفتاوى 14/119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
ولا بد مع هذا الذي يقوم بالقلب، من النطق بالشهادتين؛ وجمع بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به " 1.
قال النووي2 رحمه الله معقباً على هذا الحديث: "وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم " 3.
قوله: الإقرار بالشهادتين: التلفظ بهما.
مع اعتقادهما: هو قول القلب وعمله كما تقدم.
واعتقاد ما جاء به الرسول … اعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر به، وليس المراد أن من شرط الإيمان أن يعرف كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ويعتقده.--------------------------------------------
1 رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى … ص (34) 1/52.
2 الإمام العلامة أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحوراني النووي الشافعي، ولد سنة 631هـ، له من التصانيف: شرح صحيح مسلم، والأذكار، ورياض الصالحين، والأربعون النووية، وحلية الأبرار، وغيرها كثير، توفي سنة 676هـ ببلده نوا.
انظر: البداية والنهاية 13/294، وشذرات الذهب 5/354.
3 شرح النووي على صحيح مسلم 1/212.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا يكون مسلماً إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام … فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب … لكن لا بد من الإقرار بأنه رسول الله، وأنه صادق في كل ما أخبر عن الله" 1.
وبناء على ما تقدم يتبين أن أصل الإيمان ينعقد بثلاثة أمور:
الأول: النطق بالشهادتين.
الثاني: قول القلب وهو العلم والتصديق بمعناهما، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر به عن الله.
الثالث: عمل القلب، وهو قبول التوحيد والبراءة من ضده، والمحبة لله ولرسوله ولدينه، والعزم على الانقياد لهما.
فإذا جاء العبد بأصل الإيمان فهو مأمور مكلف بتكميل إيمانه، ليس له أمن في الحياة الدنيا ولا في الآخرة إلا بذلك، فإذا امتثل العبد الطاعات، واجتنب المحرمات، فقد استكمل عرى الإيمان الواجب، وأصبح في مرتبة المقتصد.--------------------------------------------
1 كتاب الإيمان لابن تيمية، المصدر السابق ص231، 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
روى البخاري تعليقاً أن عمر بن عبد العزيز1 كتب إلي عدي بن عدي2: "أن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان … " 3.--------------------------------------------
1 الإمام الراشد والخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، أحد خلفاء بني أمية كان ثقة مأموناً، له فقه وعلم وورع، وكان إماماً عادلاً وقد عد من الخلفاء الراشدين توفي سنة 101هـ.
انظر: البداية والنهاية 9/200، وسير أعلام النبلاء 5/114.
2 عدي بن عدي بن عميرة الكندي الجزري، ثقة فقيه، عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل، كما ولي الجزيرة وغيرها لسليمان بن عبد الملك توفي سنة 120هـ.
انظر: تقريب التهذيب 388، وتهذيب التهذيب 7/168.
3 صحيح البخاري مع الفتح 1/45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه
إذا جاء العبد بأصل الإيمان والصلاة وبعض الطاعات، لكن عصى الله بالإخلال ببعض الطاعات، أو فعل بعض المحرمات، كان إيمانه ناقصاً بقدر مخالفته، ولا يستحق اسم الإيمان المطلق، بل هو في مرتبة الظالم لنفسه الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
قال ابن كثير رحمه الله: " فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرِّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات" 1.
فالظالم لنفسه: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحاً، وأدى الصلاة، ولكن ظلم نفسه بأن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ومات وهو مصرّ على بعض الكبائر، ولم تبلغ كبيرته الكفر.
وتُسمى مرتبة الظالم لنفسه، ويُسمى من كان من أهلها: مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، أو المسلم الظالم لنفسه.
وأهل هذه المرتبة عندهم من الإيمان المجمل ما كانوا به مسلمين، وإن ماتوا عليه دخلوا الجنة، لكن لم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، وليس عندهم من المعرفة بالله ورسوله وبدينه ما يوجب لهم رسوخ الإيمان وقوة اليقين الذي يحصنهم ضد الشبهات المضللة، ويخمد الشهوات المحرمة، إلا أن يشاء الله لهم ذلك ويهيئ لهم أسبابه، قال ابن تيمية رحمه الله:--------------------------------------------
1 تفسير القرآن العظيم 6/532.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان في قلوبهم إنما يحصل لهم شيئاً فشيئاً إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكّكوا لشكّوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفاراً ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب1، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع النفاق … فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق، ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقاً الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقاً الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان، ينقص إيمانهم كثيراً، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يُظهر الردة، إذا كان العدو غالباً، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطناً وظاهراً، لكن--------------------------------------------
1 الريب: يكون في علم القلب ويكون في عمل القلب، بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم. انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص241.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
إيماناً لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر من هؤلاء ترك الفرائض، وانتهاك المحرمات" 1.
وهؤلاء في عداد المسلمين، تجري عليهم أحكامهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكنهم على خطر -إذا لم يتوبوا من ظلمهم ويكملوا إيمانهم- من أمرين:
الأول: أن تتسلط عليهم شياطين الإنس والجن -بسبب ظلمهم- فتستجرهم بالشهوات والشبهات إلى الكفر أو النفاق.
الثاني: تعرضهم للعقوبات في الدنيا والآخرة.
وقد صدر التحذير من المولى القدير، بهذين الأمرين لمن عصاه وتعدى حدوده، فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .
قال ابن كثير رحمه الله: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الدنيا بقتل أو حد وحبس، أو نحو ذلك" 2.--------------------------------------------
1 كتاب الإيمان لابن تيمية ص 240، 241، 242.
2 تفسير القرآن العظيم 6/97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)