الذي أظهر الإسلام ثم تنصر وورثه عن معبد غيلان الدمشقي1 والجعد بن درهم2.
وجاء من بعدهم الجهم بن صفوان3، فنفث في روع أناس من شروره الفكرية، فصبغت تلك الشرور كثيراً من الفرق المنتسبة إلى الإسلام على درجات متفاوته.--------------------------------------------
1 غيلان بن مسلم الدمشقي القدري من أوائل من قال بإنكار القدر، ناظره الأوزاعي فلم يرجع عن بدعته، فأفتى بقتله فقتله هشام بن عبد الملك. انظر: لسان الميزان 4/424 والأعلام 5/124.
2 الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد الأموي، أول من ابتدع في هذه الأمة إنكار أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه كلم موسى تكليماً، وأخذ ذلك عن الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الجهمية، وقد قتل الجعد والي العراق خالد بن عبد الله القسري سنة 124هـ على الزندقة. انظر: سير أعلام النبلاء 5/433، والبداية والنهاية 9/364.
3 أبو محرز الجهم بن صفوان الراسبي. تلميذ الجعد بن درهم الذي قتل على الزندقة، والجهم هو أول من جاهر بالقول بخلق القرآن، وتعطيل الباري تعالى عن صفاته وإليه تنسب الجهمية، قال عنه الذهبي:
"الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، ولكنه زرع شراً عظيماً"، وكان مع بدعته يحمل السلاح ويخرج على السلطان، قتله سلم بن أحوز في آخر زمان بني أمية.
انظر: الفرق بين الفرق تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص211، وميزان الاعتدال للذهبي تحقيق على محمد البجادي 1/426.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
فتكلم بفكرة الجبر، وتعطيل صفات البارئ تبارك وتعالى، وفكرة الإرجاء1 وأن الإيمان هو المعرفة بالله، والكفر هو الجهل به، وقال بخلق القرآن2، وغير ذلك من الأفكار الخبيثة التي أحدثت جدلاً وفرقة، ونتج عنها فتن داخل الأمة الإسلامية.--------------------------------------------
1 الإرجاء: معناه في اللغة التأخير، والمراد به تأخير العمل عن الإيمان، حيث زعموا أن الأعمال الصالحة من الأقوال، والأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وترتب على هذا القولُ بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، والمرجئة فرق كثيرة مختلفة في قولها في الإرجاء. فمنهم الجهمية الذين قالوا: الإيمان هو المعرفة فقط، ومنهم من قال: هو تصديق القلب، كالأشاعرة ومن نحا نحوهم، ومنهم من قال: هو قول اللسان كالكرامية، ومنهم من قال هو: تصديق القلب وقول اللسان.
انظر: الفرق بين الفرق 202، ومجموع الفتاوى لابن تيمية 7/195.
2 القول بخلق القرآن: عقيدة باطلة، قالت بها الجهمية، وتبعها على ذلك المعتزلة، وهي حقيقة قول الأشعرية والماتريدية، وهي ناتجة عن تعطيل صفات الله، وإنكارهم صفة الكلام لله عز وجل.
والذي دل عليه القرآن والسنة، وعليه السلف الصالح أن الله تعالى يتكلم حقيقة، بكلام بدأ منه بحرف وصوت، يسمع منه متى شاء كيف شاء، والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
وقد استقصى علماء السلف الأدلة على ذلك في كتب السنة والإيمان والتوحيد.
انظر: مثلاً: كتاب التوحيد من صحيح البخاري.
وانظر: مجموع الفتاوى 12/118-125، والإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري تحقيق د. فوقيه حسين محمود ص14، 15، 63 وما بعده دار الأنصار، مصر، ط: الأولى 1397هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
ثم ظهرت فرقة المعتزلة على يدي واصل بن عطاء1، وعمرو بن عبيد2 متأثرين بأفكار الجهمية، وراموا الرد على الجهمية بطريقة خالفوا فيها أهل الحق، كما تبنوا بعض أفكار الجهمية، كالقول بخلق القرآن وتعطيل الصفات وغير ذلك، فأخذوا من التجهم بنصيب.--------------------------------------------
1 واصل بن عطاء البصري الغزال، أول من قال بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأحد شيوخ المعتزلة، صنف كتاب المنزلة بين المنزلتين توفي سنة 131هـ.
انظر: وفيات الأعيان 6/7، وسير أعلام النبلاء 5/464.
2 عمرو بن عبيد البصري أبو عثمان كبير المعتزلة وأحد شيوخها الأوائل. تركه عدد من الأئمة لبدعته. صنف كتاب العدل والتوحيد مات سنة 143هـ.
انظر: وفيات الأعيان 3/460، وسير أعلام النبلاء 6/104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
ثم ظهرت الماتريدية1 والأشاعرة2، وزعموا التوسط بين منهج أتباع السلف الصالح، وبين المعتزلة، فوافقوا المعتزلة والجهمية ببعض قولهم، ووافقوا السلف ببعض قولهم، فأخذوا من التجهم بنصيب.
وقد امتطت هذه الفرق -كما فعل المتشيعة والمتصوفة- التأويل لإبطال دلالة نصوص التنزيل، قال ابن القيم رحمه الله: "الفصل الخامس والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربعة الني هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان وهي:
قولهم: أن كلام الله، وكلام رسوله أدلة لفظية، لا تفيد علماً ولا يحصل منها يقين.--------------------------------------------
1 الماتريدية: أتباع أبي منصور محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي الحنفي المتوفي سنة 333هـ. وماتريد محلة من سمرقند، من بدعتهم الإرجاء، ونفي بعض الصفات، وغير ذلك.
انظر: الفرق الإسلامية الكلامية 341، والماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات.
2 الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن بن إسماعيل الأشعري بعد أن ترك الاعتزال، وأخذ بمذهب الكلابية، وهم مرجئة في باب الإيمان، معطلة لبعض الصفات، جبرية في باب القدر، ولهم بدع أخرى.
انظر: الفرق الكلامية الإسلامية 278، ومجموع الفتاوى 12/204، 368 و 13/131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وقولهم: إن آيات الصفات، وأحاديث الصفات مجازات لاحقيقة لها.
وقولهم: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها العدول، وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن.
وقولهم: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي، أخذنا بالعقل، ولم نلتفت إلى الوحي.
فهذه الطواغيت الأربعة التي فعلت بالإسلام ما فعلت، وهي التي محت رسومه، وأزالت معالمه، وهدمت قواعده، وأسقطت حرمة النصوص من القلوب، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله، إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت، واعتصم به واتخذه جُنة يصد به عن سبيل الله، والله تعالى بحوله وقوته، ومَنّه وفضله، قد كسر هذه الطواغيت طاغوتاً طاغوتاً، على ألسنة خلفاء رسله، وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض، ويرجمونهم بشهب الوحي، وأدلة المعقول" 1.--------------------------------------------
1 الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق د. أحمد عطية الغامدي 2/379، 380 الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط: الأولى 1410هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
ومع مرور الأيام انقسمت تلك الفرق على أنفسها، وزاد اختلافها وانحرافها وشقت طريقها بين أفراد المجتمع المسلم وكثر أتباعها، ومما ساعد على ذلك:
1- ضعف الإيمان وغلبة الجهل، وذلك أن الإيمان الراسخ القائم على التوحيد الخالص، والعلم المستمد من الكتاب والسنة، هو الحصن الحصين الذي يحصن الله به عباده من الفكر الهدام وسائر الفتن.
2- إظهار القائلين بهذه الأفكار، الداعين إليها للزهد والورع والحماس، وادعاء الحرص على الإسلام، وتحملهم الكثير من التضحيات والمشاق، مما جعل كثيراً من الناس يغترون وينخدعون بهم.
3- تقبل بعض المعروفين بالعلم لبعض هذه الأفكار، ومدحهم لأساطين الفلاسفة وعلومهم.
4- تسامح بعض الخلفاء والولاة والسلاطين مع أهل الأهواء والبدع، وعدم الحزم في مقاومتهم، ومناصرة بعضهم لهم وفرضهم لأفكارهم.
5- استيلاء بعض الحكام المنتمين إلى بعض الفرق الضالة على الحكم، في بعض البلاد الإسلامية.
فهذه الأمور -وغيرها- كانت ثغرات نفذت منها الأفكار الهدامة إلى المجتمع المسلم، وما إن دخلت حتى وجدت آذاناً تستمع إليها، وقلوباً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
مفتوحة لها، فتغلغلت وسرت كسريان النار في الهشيم، وأُشربت كثير من القلوب الفتنة.
وحفظ الله الحق في طائفة من الناس، استمسكوا به وتجافوا عن البدع والمحدثات، وقاموا بما استطاعوا من النصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلا أن الانحراف استبد وفرض وجوده، واستحكم في المجتمع {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] . {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [المائدة:41] .
واستمر خطر الفكر الهدام والفرق الضالة يزيد مع مرور الزمن، ويقوى سلطان أهله واستحواذهم على المسلمين، حتى إذا جاء العصر الحديث فإذا الجهل والضلال قد استحكم في عقائد كثير من المسلمين وشرائعهم، وأصبحت البدعة سنة، والسنة بدعة، وألفوا ذلك ودافعوا عنه، وعادوا ما سواه، ولو كان الحق الذي ينطق به الكتاب.
من أصدق الشواهد على هذه الحال، ذلك الوقوف المنكر والمجابهة لأهل التوحيد والدعوة إلى تنقية الدين مما خالطه من الفكر الهدام والانحرافات والرجوع إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن آزره في دعوته رحمهم الله فرموهم بالبدعة والضلال وحاربوهم باسم الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وليس غريباً -وهذه حالهم- أن يتسلط عليهم أعداؤهم من النصارى واليهود، والشيوعيين فيشنوا عليهم حملات استعمارية، وقع في إثرها كثير من البلاد الإسلامية، تحت الاستعمار الصليبي الغادر، والشيوعي الملحد الفاجر، حيث شنّ على المسلمين نوعاً جديداً من الغزو الفكري الرهيب بغرض الإجهاز على الإسلام واقتلاعه من جذوره، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]
وقد جاء المجال للكلام على الصراع الفكري في العصر الحديث، ويكون ذلك في المطلب القادم، والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث
إن استخدام لفظ الغزو في التعبير عن كيد أعداء الأمة في العصر الحديث مناسب لطبيعة ذلك الكيد، وذلك أن جهود أعداء الإسلام في العصور الحديثة تختلف عن تخطيط أولئك الحاقدين في القديم.
ففي القديم كان الإسلام قوياً مهيمناً، وفي الحديث نجد أن أهل الإسلام في أدنى مستويات الانحطاط الفكري والعسكري والاجتماعي.
وفي القديم كان الالتزام قوياً، وكان يكثر وجود العلماء العاملين السائرين المستمسكين بالإيمان الصحيح، وكانت لهم مكانتهم عند العامة والخاصة، أما في الوقت الذي بدأت فيه الجولة الجديدة من الحرب الفكرية في العصور المتأخرة، كان المجتمع المسلم قد تنازعته الأهواء والفرق، فعكرت صفوه، وتدنس بعض العلماء بلوثات الأفكار الهدامة، والمذاهب المختلفة، والمناهج الضالة.
وفي القديم كان الحاقدون يتظاهرون بالإسلام، ويفسدون بدعوى الإصلاح والحرص على الإسلام، أما في الحديث فرواد المجابهة الفكرية هم من النصارى واليهود، وهم يعملون لحساب دول ومنظمات قوية غنية.
لذلك غلب على المواجهة القديمة، لفظ الصراع لوجود المقاومة العنيفة التي قام بها المسلمون من العلماء والخلفاء وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
وفي العصر الحديث فالواقع يدل على وقوع الأمة الإسلامية تحت غزو فكري عنيف، سبق الغزو المسلح ومهد له، ورافقه واستمر بعده، وقد كان ميدان هذا الغزو هو المعارف الإسلامية، من العقائد والشرائع، والأخلاق والنظم، والأدب والتاريخ، وجميع المجالات الفكرية.
مفهوم الغزو الفكري:
بيّن بعض الباحثين مفهوم الغزو الفكري بقوله: "هو من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما، لكسب معارك الحياة منه، ولتذليل قياده، وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحويل حتى يصبح ذاتياً إذا أمكن. وهذا هو أقصى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للمغلوب، وإن كان في الوقت نفسه هو أقصى درجات نجاح الغزاة.
وسلاح هذا الغزو: الفكرة، والرأي والحيلة، والنظريات والشبهات، وخلابة المنطق، وبراعة العرض … ولدادة الخصومة، وتحريف الكلم عن مواضعه، وغير ذلك.
ويتميز الغزو الفكري: بالشمول والامتداد، فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان بل تمتد إلى شعب الحياة الإنسانية جميعاً، وتسبق حروب السلاح وتواكبها، حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزوم وعزيمته حتى يلين ويستكين، وتنقض تماسكه النفسي حتى يذوب كيانه، فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه، أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
يصبح امتداداً ذليلاً لهم" 1.
والمراد هنا هو ذلك الجهد الفكري المنظم، الذي شنه أعداء الإسلام، وبخاصة اليهود والنصارى والشيوعيون على الأمة الإسلامية في العصر الحديث.
وقد مرت جهود أعداء الأمة في مجال الغزو الفكري في العصر الحديث بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة الإعداد، وهي ما قبل الاستعمار العسكري المباشر، ويشمل ذلك التخطيط للتفريق بين المسلمين، وإسقاط الدولة العثمانية، وإيجاد الفكرة القومية2، لدى شعوب العالم الإسلامي، وإثارة الكراهية--------------------------------------------
1 الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام د. عبد الستار فتح الله سعيد ص7 دار الأنصار، القاهرة، ط: الأولى، ت: بدون.
2 القومية: هي فكرة تقوم على التقاء كل شعب على الروابط المشتركة بين أفراده كالجنس، أو اللغة والتاريخ، أو الأرض والوطن، أو الظروف المعيشية والاقتصادية أو عليها جميعاً، واستثنى من ذلك الدين، وقد اختلفت وجهات النظر بين دعاة القومية في تحديد العنصر الأهم والمقوم الأساسي لهذه الفكرة.
وحقيقة القومية التي دعا إليها الاستعمار، هي دعوة كل جنس من شعوب العالم الإسلامي إلى التلاحم والتآخي على أساس اللغة والدم وغيرها من الروابط، دون اعتبار للدين، كما استبعد التاريخ الإسلامي من الروابط المشتركة.
انظر: الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها د. جمعة الخولي ص115، 116 الناشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: الأولى 1407هـ.
والمخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام لمحمد محمود الصواف ص23-28 دار الإصلاح، الدمام، ط: الأولى 1979م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
بين العرب والترك، وقد نشطت هذه المرحلة في القرن التاسع عشر الميلادي1.
الثانية: مرحلة الاستعمار العسكري، وقعت معظم البلدان الإسلامية تحت حكم المستعمرين النصارى، في أوائل القرن العشرين الميلادي، وبذلك استلم أعداء الأمة مباشرة مراكز التعليم والتربية، والحكم والإعلام وسائر مؤسسات الدولة، فوجهوها وجهة غربية إلحادية، وأقاموها على الأفكار والنظريات الضالة التي توافق وضع المستعمر وتحقق أهدافه.
وأثيرت الأفكار الجاهلية، والشكوك والطعن في الإسلام، والدعوة إلى مسايرة الغرب علناً في مجالات واسعة، كالإذاعات والمسارح، والسينما والمدارس، والصحف وغيرها2.
الثالثة: مرحلة ما بعد الاستعمار: وهي فترة تعتبر في كثير من البلاد--------------------------------------------
1 انظر: فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام د. صالح بن عبد الله العبود ص96-143 دار طيبة الرياض، ط الأولى 1401هـ. والاتجاهات الفكرية المعاصرة، ص122-128.
2 حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة د. جميل عبد الله المصري 1/133-155 مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: الأولى 1407هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
استمراراً لمرحلة الاستعمار العسكري، حيث إن المستعمربن يسلمون الحكم لمن ربوهم على أفكارهم واتجاهاتهم، أو تستلمه زمرة -بمساعدة المستعمر- من المنحرفين المنتسبين إلى بعض الأفكار الخبيثة كالشيوعية أو القومية البعثية أو غيرها. ففرض على الشعوب الإسلامية ما غرسه الاستعمار، أو وقعت تحت أوضاع أشد خطراً وكفراً وتسلطاً1.
ويرجع كثير من الباحثين بداية التخطيط للحرب الفكرية الحديثة، إلى توجيهات ملك فرنسا لويس التاسع2 الذي كان يقود بعض الحملات الصليبية بنفسه، حيث أسر في أحدها وسجن في المنصورة بمصر، وقتل في حملة أخرى.--------------------------------------------
1 انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مجابهة الإسلام ص187، وأساليب الغزو الفكري د. علي جريشه، ومحمد شريف الزيبق ص48-49 دار الاعتصام القاهرة، ط: الأولى 1978.
2 لويس التاسع ملك فرنسا من سنة 1226-1270م قاد الحملة الصليبية السابعة عام 1249م التي توجهت إلى مصر والتي باءت بالفشل، وأسر فيها لويس وسجن في سجن المنصورة بمصر، وأطلق سراحه بفدية كبيرة، ثم قاد في آخر حكمه حملة أخرى سنة 1270م توجهت إلى تونس حيث فشلت أيضاً، ومات فيها لويس.
انظر: أوربا العصور الوسطى، التاريخ السياسي د. سعيد عبد الفتاح عاشور 1/260-265 مكتبة الأنجلو المصرية مصر ط: السادسة 1975.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وقد أخذ يفكر بعمق – وهو في معتقله بالمنصورة في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين.
وبعد ذلك وضع خيوط المؤامرة الفكرية الجديدة على الإسلام، ولخصها في أربعة أمور:
1- تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات سِلْمية صليبية تستهدف ذلك الغرض، ولا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة.
2- تجنيد المبشرين1 الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام، ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين جنوداً للغرب.
3- العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق--------------------------------------------
1 مفهوم التبشير المزعوم هو الدعوة إلى النصرانية، إلا أنه في الحقيقة يتقنع بالدين والأعمال الخيرية لتحقيق الغرض الحقيقي، وهو زعزعة عقائد غير النصارى عامة، والمسلمين خاصة، ثم تهيئتهم بشتى الوسائل لقبول النفوذ الغربي، والاستكانة للاستعمار وبسط السيطرة الغربية عليها، ثقافياً ودينياً وسياسياً.
انظر: التبشير والاستعمار في البلاد العربية د. مصطفى خالدية، د. عمر فروخ ص5 المكتبة العصرية، بيروت، ط الثانية 1983، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
الإسلامي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، وقد اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين1.
وقد سار الأوربيون بالفعل في طريق تنفيذ وصية لويس، حيث أعدوا جيوشاً من المستشرقين2 والمنصرين، الذين قاموا بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه، كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين3.
والحق أن لويس بقراراته هذه وقع على أمرين هامين:
الأول: أنه أدرك السر في قوة المسلمين، وهي عقيدتهم وتمسكهم بتعاليم دينهم، وأنه لا سبيل للغرب ولا لغيرهم للانتصار على المسلمين--------------------------------------------
1 انظر: أساليب الغزو الفكري د. علي جريشه ومحمد شريف الزيبق ص19، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص33.
2 الاستشراق: هو حركة دراسة العلوم والآداب، والحضارة والثقافة الإسلامية، بهدف معرفة عقلية المسلمين وأفكارهم واتجاههم، وأسباب تفوقهم وقوتهم لضرب هذه القوة من جهة، والاستفادة من علوم المسلمين من جهة ثانية، والتمهيد للاستعمار النصراني لدول الإسلام وإخضاعها لنفوذه وسلطانه من جهة ثالثة.
احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص89.
3 انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص34، وأساليب الغزو الفكري ص19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
مع تمسكهم به1.--------------------------------------------
1 يثبت التاريخ أنه كلما قام رجال بالدعوة للدين الصحيح، وتطهير الاعتقاد، وقمع البدع، فإن الإسلام يقوى ويحيى فيه الجهاد، وتعتز الأمة وتسترد ما سلب من أوطانها، ومن شواهد ذلك ما حصل من استرداد بيت المقدس من الصليبيين، ودحر حملاتهم المتأخرة –ومنها الحملات التي قادها لويس- على أيدي رجال أمثال: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ومن جاء بعدهم واقتفى أثرهم في الصلاح والجهاد، قال ابن كثير –رحمه الله في ترجمة نور الدين زنكي:"كان مجاهداً في الفرنج آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، محباً للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضاً للظلم، صحيح الاعتقاد مؤثراً لأفعال الخير، ولا يجسر أحد أن يظلم أحداً في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمناً لقيام الليل، إلى أن قال: قال ابن الجوزي: استرجع نور الدين محمد بن زنكي –رحمه الله تعالى- من أيدي الكفار نيفاً وخمسين مدينة".
البداية والنهاية للحافظ ابن كثير 12/387، دار الفكر العربي.
ففي مثل هذه الأحوال التي يقام فيها الإيمان الصحيح، وينصر تتجلى آثار الإيمان المباركة –التي هي موضوع هذه الدراسة- ومنها ولاية الله لعباده بحفظهم، والدفاع عنهم وتمكينهم في الأرض، كما يشهد لذلك ما حصل للموحدين في نجد، في القرن الرابع عشر الهجري الذين دعوا إلى ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله من تصحيح الاعتقاد ونبذ البدع واتباع السنة والجهاد في سبيل الله، فحفظهم الله في الجزيرة العربية، في وقت اكتسح فيه الاستعمار الصليبي جميع البلاد الإسلامية تقريباً، فحفظهم الله وحفظ بهم منهج السلف الصالح. وإذا قورنت هذه الأحوال بالأحوال التي ضاعت فيها بلاد المسلمين نجد أن السبب الأهم هو الانحراف عن الإيمان، وكثرة البدع والعصيان، ومن شواهد ذلك ما قاله ابن كثير وهو يبين سبب انتصار الروم على المسلمين وانتزاعهم الكثير من بلادهم:" … وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم، وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشو البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم".
البداية والنهاية المصدر السابق 12/343.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
وما داموا قد حددوا السبب الحقيقي: "فإن العلاج والمقاومة يكون من السهولة بمكان، وقد عرفوا سر قوة المسلمين وهو: عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية.
إذاً -لا بد من توجيه الحرب إلى الإسلام نفسه كدين وعقيدة، ومنهج حياة، وعادات وتقاليد، ولا بد من زعزعة الإسلام في قلب المسلم، وتخريب العقيدة في قلوب المسلمين، أو بمعنى آخر قالوا: لا بد من القضاء على الإسلام كعقيدة وشريعة، ونظام ليسهل القضاء على المسلمين كقوة" 1.
الثاني: أنه وقع على الكيد المؤثر في حرب الإسلام، وهو أسلوب الغزو الفكري، الذي يفوق بعشرات المراحل أسلوب الغزو العسكري، ذلك أنه يمتاز بعدة أمور منها:
1- الخداع: فالعدو من خلال هذا الغزو لا يقف أمامك عياناً بياناً، بل هو مستخف، يأتيك من وراء حجاب ويداهمك بدون شعور--------------------------------------------
1 انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
منك، قد يأتيك في صورة مقال جذاب، أو كتاب بغلاف براق، أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني، أو فيلم أو مسلسل، بل إنه قد يأتيك من خلال واحد من أبناء جلدتك ووطنك، بل ودينك أحياناً.
2- الخطورة: الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري، لأنه عميق التأثير في الشعوب المغزوّة، إذ يمتد تأثيره عشرات بل مئات السنين أحياناً، والشعب الذي يُحارَب بالغزو الفكري ينصرف بمحض اقتناعه هو كما يريد الغازي …
3- البساطة: فالغزو الفكري سهل وبسيط، وأقل تكلفة من الغزو العسكري، الذي يكلف كثيراً من الدماء والطاقات1.
ومما يزيد في ضراوة المعركة أن معظم الطبقة التي تملك زمام البلاد الإسلامية من المفكرين والسياسيين مع القيم الغربية قلباً وقالباً2.
وزاد من خطر هذه الهجمة الفكرية، التقاء المصالح والجهود النصرانية واليهودية في التخطيط للسيطرة على العالم وتدمير الإسلام، والتقاء هؤلاء مع الشيوعيين على عداوة الإسلام، واعتباره الخطر الأول عليهم، وعملهم جميعاً على محاربته بكل الوسائل الفكرية والمادية.
وقد استخدموا لهذا الغرض جيوشاًَ من المبشرين والمستشرقين، الذين--------------------------------------------
1 المصدر نفسه ص35.
2 المصدر نفسه ص35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
كان دورهم هو نشر الفكر الهدام في صفوف المسلمين، وصرفهم عن المفاهيم الصحيحة التي جاء بها الإسلام في كل المجالات.
وقد أدرك المستشرقون ومَنْ وراءهم من قادة الاستعمار أن عقيدة كثير من المسلمين قد شابها ما شابها من الانحراف، وعملت فيها جهود الحاقدين القديمة، ولولا ذلك ما نجحت مخططاتهم الحديثة بسهولة، ولذلك اتجهت أهدافهم إلى ترسيخ الانحراف، والعمل على منع عودة المسلمين إلى الفهم الصحيح للإيمان المستمد من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، وقد عملوا لتحقيق ذلك في عدة مجالات:
منها: إحياء تلك الجهود القديمة وإذكاء نارها.
قال أنور الجندي: "إن من أخطر التحديات التي تواجه الإسلام في العصر الحديث ابتعاث الفكر الوثني … القديم … هذا الفكر الذي يجمع بين الوثنية والإلحاد والتعددية، والإشراق والمادية، والذي عرفه العرب والمسلمون بعد ترجمة الفلسفة اليونانية، والفارسية والهندية، وظهر أثره في الفلسفة وعلم الكلام، والتصوف والدعوات الباطنية المتجددة عن المجوسية وغيرها"1.
ومنها: العمل على استحداث المزيد من الأفكار الضالة، والفرق--------------------------------------------
1 المؤامرة على الإسلام، أنور الجندي ص5، دار الاعتصام، القاهرة ط: الأولى 1977م.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
الهدامة، فلقد شجع الاستعمار قيام عدد من الفرق، والمذاهب والجماعات المنحرفة، والتي تتبنى آراء تهدم مبادئ الإسلام من أساسه، وكان الهدف من إنشاء هذه الجماعات هو:
1- ضرب الإسلام كعقيدة وشريعة، وتشكيك المسلمين في دينهم بعد أن حاولوا إبعاده عن مجال التطبيق.
2- أن تساعد هذه الفرق على إسقاط شريعة الجهاد، التي أقضّت مضاجع المستعمرين، وذلك لاستمرار سيطرتهم على بلدان العالم الإسلامي.
3- أن تساعد على إشاعة الفرقة الفكرية بين المسلمين وشغلهم بالرد على بعضهم، واستنفاد قوتهم في الجدل والمناقشات.
4- أن تساعدهم على نشر عقائدهم الباطلة، فقد تبنت هذه الجماعات كثيراً من عقائد النصارى واليهود والماركسيين، وبذلك تستخدم هذه الجماعات كمدارس تبشيرية جديدة داخل العالم الإسلامي1.
ومنها: التحريض على ضرب الحركات الإسلامية، وإجهاض الدعوات التي تهدف إلى عودة المسلمين إلى دينهم، وتبصرهم بكيد أعدائهم؛ ومن هذا الباب تشويه سمعة الدعاة، ووصفهم بالتطرف--------------------------------------------
1 انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مجابهة الإسلام ص283.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)