إني نَحَلْتُكَ يا كدام نصيحتي … فاسمع لقول أبٍ عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فَدَعْهُما … خُلُقَان لا أَرضاهُما لصديق
إني بَلوتُهما فلم أحْمَدْهُما … لمجاور جارًا ولا لرفيق
والجهل يُزرِي بالفتى في قومه … وعروقُهُ في الناس أيُّ عروق
14. وقال أبو حاتم بن حبان: «إن من المزاح ما يكون سببًا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه … ».
وقال أيضًا: «والمزاح إذا كان فيه إثم فهو يُسَوِّدُ الوجه ويدمي القلب ويحيي الضغينة».
15. وقال الإمام ابن عبد البر: «وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض واستحلاب الضغائن، وإفساد الإخاء؛ وكان يقال: لكل شيء بَدْءٌ، وبَدءُ العداوة المزاح، وكان يقال: لو كان المزاح فحلًا ما أَلقَحَ إلا الشر».
إلى غير ذلك من النُّقُول وفيما ذكرناه غُنيَةً إن شاء الله.
ثم اعلم- رحمك الله وسَدَّدَك- أن هذه الآثار والنقولَ التي سقت لك بعضها وما كان في معناها محمولةٌ على الإكثار من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
المزاح والضحك والمداومة عليه والإفراط فيه؛ لأن الإكثار منه مشغلٌ للعبد عن الذي خُلِقَ له، ومضيِّعٌ للأوقات في اللعب والهزل، كما أنه مسقط للمهابة والوقار. فضلًا عن أن يكون مُقَسٍّ للقلب، بل مُميتًا له، وعلى هذا يُحْمَل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
الباب الثالث
في ذكر أدلة القائلين بتحريمه والرد عليهم
ربما ذهب بعضهم إلى القول بحرمة المزاح والنهي عنه مطلقًا مستدلين على ذلك بأدلة من أظهرها:
أولًا: ما رواه الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تَعِدْهُ موعدًا فَتُخْلِفه».
قالوا: فهذا دليل صحيح صريح في النهي عن المزاح.
فَيُرَدُّ عليهم بأن يُقال:
إن القول بأن الحديث (صحيح صريح) غير صحيح من وجهين هما:
الوجه الأول: أما القول بصحة سنده فاعلم «رحمك الله» أن الحديث (إسناده ضعيف) أولًا.
وأنا أسوق لك إسناده من «جامع الترمذي» قال: «حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا المحاربي، عن الليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن بشير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فذكره.
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
هذا الوجه».
ومن هذا الوجه رواه أبو نعيم عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد قال: حدثنا محمد بن أحمد المؤمل قال: حدثنا زياد بن أيوب به.
وقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يَرْوِه عنه إلا ليث عن عبد الملك».
فالحديث إذن لم يخرجه إلا الترمذي وأبو نعيم، من طريق واحد، وكلاهما جزم بأن الحديث ليس له طريق غير هذا الطريق.
إذا عُلِمَ ذلك فإن هذا الطريق فيه علَّتان:
الأولى: عنعنة المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد فإنه كان يدلس، كما نقله الحافظ العسقلاني في «التقريب» عن الإمام أحمد.
وممن وصفه بالتدليس: العُقَيْلي.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه: (بلغنا أنه كان يدلس) كما نقل ذلك عن السيوطي في «أسماء المدلسين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
العلة الثانية:
(ليث بن أبي سليم).
وهو من الضعفاء المعروفين وأقوال أئمة الجرح فيه كثيرة أسوق لك ما تحصل به المعرفة بحاله إن شاء الله:
فقال عنه الإمام أحمد فيما رواه عن ابنه عبد الله: «مضطرب الحديث».
وقال الإمام أحمد أيضًا: «ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيًا منه في ليث بن أبي سليم وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم».
وقال عثمان بن أبي شيبة: «سألت جريرًا عن ليث ويزيد بن أبي زياد وعطاء بن السائب فقال: «كان ليث أكثر تخليطًا»، وقال أحمد: «أقول كما قال عن ابنه».
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: «كان ضعيف الحديث»، يعني ليث بن أبي سليم.
وقال ابن معين: «ضعيف إلا أنه يكتب حديثه»، وقال مرة: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «ضعيف».
وكان ابن عيينة يُضَعِّفُه.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: «ليث لا يُشْتَغَل به هو مضطرب الحديث».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وقال أبو زرعة أيضًا: «ليِّن الحديث، لا تقوم به الحُجَّة عند أهل العلم بالحديث».
وقال ابن حبان: «اختلط في آخر عمره فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، يأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد».
وقال الحاكم: «مجمع على سوء حفظه».
وقال الجوزجاني: «يضعف حديثه».
وقال الدارقطني: «ليس بحافظ»، و «سيِّئ الحفظ»، و «ضعيف»، و «ليس بالقوي».
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه»: «ضعيف مدلس».
وقال الحافظ ابن حجر في «التقريب»: «صدوق اختلط أخيرًا فَتُرِكَ».
أما شيخه الهيثمي في «مجمع الزوائد» فقال: «ثقة ولكنه يدلس» وهذا تساهل ظاهر.
فإن النقول السابقة في جرح ليثٍ كافية لبيان ضَعْفِه.
فضلًا عن أن شيخ الهيثمي نفسه الحافظَ العراقيَّ حكى في «تخريج الإحياء»: «تضعيفه عن الجمهور»، ثم إن قول أبي نعيم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
في «الحلية» بعد أن خَرَّج الحديث: «هذا حديث غريب من حديث عكرمة لم يروه عنه إلا ليث عن عبد الملك» تضعيف منه لهذا الطريق كما هو ظاهر، والله أعلم.
ومن أجل هاتين العلَّتين ضعف الحديث جمع من أهل العلم أذكر لك بعضهم:
1. الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي في «تخريج الإحياء» (2/ 180)، وتبعه المناوي في «فيض القدير» (6/ 421).
2. الحافظ ابن حجر العسقلاني في «بلوغ المرام» (18/ 1412) من «سبل السلام».
3. رمز له تلميذه السيوطي بالضعف في «الجامع الصغير» برقم (9865).
4. استغرب الحديث ابن العربي المالكي في «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» (8/ 161)، وانظر ما قاله المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (6/ 131).
5. وقال الإمام عبد الرحمن بن الدَّيْبَع الشَّيْباني في «تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث» برقم (1615): «في سنده ضعيف، والله تعالى أعلم».
6. وضعفه أيضًا العجلوني في «كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس» برقم (3045).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
7. وممن ضعفه من علماء العصر الإمام العلامة الحافظ شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله.
8. ومنهم محدِّث الدِّيار الشاميَّة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله كما في «ضعيف الجامع» برقم (6274).
9. ومنهم الشيخ الفاضل عبد القادر الأرنؤوط كما في تخريجه لـ «جامع الأصول» لابن الأثير (11/ 735).
وبعد أن سُقْتُ لك سند الحديث «وهو سند فذٌّ» وبيَّنت لك عِلله وعَضَّدتُ القول بتضعيفه بذكر تضعيف أئمة هذا الشأن له، فلا أظنك إلا موقِنًا ببطلان القول بصحَّته، وبقي أن نُبَيِّن بطلان ما ادَّعوه من أن الحديث صريحٌ في حرمة المزاح فأقول:
الوجه الثاني:
اعلم رحمك الله أن الحديث «على فرض ثبوته» غير صريح في تحريم المزاح مطلقًا، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح أصحابه في غير ما حديث، وكانوا يتمازحون بحضرته فلم ينكر عليهم. وبذلك صَحَّت الأحاديث.
وفي هذا يقول القاضي عياض: «ورُويت عن أحاديث مشهورة في ممازحته بلالًا وأبا عمير وخَوَّاتًا وزاهرًا وأنسًا وعائشة، وقال للعجُوز: «إن الجنة لا يدخلها العجوز»، وقال لامرأة سألته عن زوجها: «أهو الذي بعينه بياض؟»، وقال لآخر: «لأحملنَّك على ابن الناقة»، وقال لجابر: «فهلَّا بِكْرًا تُداعبها وتُداعبك»، وروي «تُلاعبها وتُلاعبك» في أخبار معروفة، كلها دالَّة على تواضعه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وانبساطه للناس وتحببه».
وستمر بك- إن شاء الله- أحاديث في هذا الباب.
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد أخرج الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا»، وأخرج من حديث ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: «لا تمار أخاك ولا تمازحه .. ). الحديث، والجمع بينهما: (أي مع حديث «إنا حاملوك على ولد الناقة») أن المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة عليه، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكُّر في مهمات الدين ويؤدي إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار، والذي يسلم من ذلك هو المباح فإن صادف مصلحة مثل: تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو المستحب».
وعلى هذا فالحديث إن صح فهو محمول على ما لو كان في ذلك تعدٍّ أو إساءة أدب أو إيذاء من ضرب أو ترويع أو أخذ حاجة.
وعليه، يكون الحديث من جِنْس قوله صلى الله عليه وسلم: لا يَأْخُذَنَّ أحدكم متاع أخيه لَعِبًا ولا جِدًّا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا». والحديثان صحيحان.
وبما تقدَّم يتبين لك بطلان الاحتجاج بالحديث على النهي عن المزاح مطلقًا. والله الموفق.
ثانيًا:
وربما اسْتُدِلَّ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن كثرة الضحك، على كراهية المزاح والنهي عنه. ويُرَدُّ هذا الاستدلال بأن يُقال: ليس في الحديث دليل على حرمة الضحك بل ولا حتى القهقهة. وهي الضحك مقرونًا بصوت.
فإن كتب السُّنَّة مليئة بالأحاديث التي فيها ذكر ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبدو (أنيابه) وفي رواية (نواجذه) وفي رواية (أضراسه)، بل جاء في الحديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضحك حتى استلقى على قفاه من شدة الضحك وذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه ذلك كما في حديث مبايعة هند بنت عتبة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءته متنكرة حتى لا يعرفها لأجل صَنيعها بعمِّه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ومثله حديث المقدام رضي الله عنه كما في (صحيح مسلم) أنه ضحك حتى استلقى.
وحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه لمَّا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه ثم قال: «نعم، والله إني لأعرفك .. » الحديث رواه أحمد.
ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أبعد الناس عن مناهي الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما وقع ذلك منهم على النُّدْرَةِ «أي: الاستلقاء من شدة الضحك» لكنه مشعر بأنهم لا يرون في الضحك بأسًا تأسيًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد من هذا الحديث، تجنُّب كثرة الضحك كما هو ظاهر النص، لما يَعْقُب ذلك من قسوة القلب بل موته إذا تمادى صاحبه فيه، ولما يعقبه من الانشغال عن حياة القلوب والأرواح بما خُلِقَت له من ذكر وعبادة وتَنَسُّكٍ.
وما أحسن ما قاله ابن العربي رحمه الله: «المعنى فيه أن المرء إنما يضحك عند تأَتِّي الآمال، وصلاح الأحوال بما يناله من السرور فإذا ضحك اغْتَرَّ فأثَّر ذلك في قلبه بعدم الخوف، ففتر أو كَعَّ عن الاجتهاد في العمل لغفلة القلب، فإذا أكثر من ذلك وداوم عليه مات قلبه بترك أصل العمل وإعراضه عن الخوف في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
العاقبة».
ومثله قول المباركفوري رحمه الله: «أي تُصَيِّرُهُ (يعني: كثرة الضحك) مغمورًا في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافِعةٍ ولا يدفع عنها مكروهًا، وذا من جوامع الكلم».
ثالثًا: وربما استُدِلَّ بحديث: «المزاح استدراج من الشيطان، واختداع من الهوى».
فيُجاب عنه بأن يقال: «هذا الحديث ليس فيه شيء من كتب السُّنَّة، فهو حديث «لا أصل له»، ولم أجد مَن نَسَبَه إلى النبي صلى الله عليه وسلم سوى الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين»، وعنه الغَزِّي في كتابه «المراح في المزاح».
وهما مع ذلك ذكراه مُصدَّرًا بصيغة التمريض فقالا (روي) إشعارًا بضعفه.
وهذه الصيغة عند أهل الحديث لا تُصَدَّر إلا بما ضعف من الأحاديث.
ومن هذا يعلم خطأهما رحمهما الله في تصديرهما الحديث بهذه الصيغة التي تشعر بأن له أصلًا وإن كان ضعيفًا.
ثم إن نكارة الأثر ظاهرة لكل ذي بصيرة ولله الحمد، فكيف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
يكون المزاح استدراجًا من الشيطان وهو سُنَّة مستحبَّة إذا توفَّرت فيه الشروط التي ذكرها العلماء في كتب الأدب والزهد والرقاق.
وكيف يكون استدراجًا وقد كانت تُؤلَّف به قلوب حتى تدخل الإسلام، كما في قصة خوَّات بن جبير رضي الله عنه. وستأتي.
بقي أن تعرف- رعاك الله- أن هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا في «كتاب الصمت وآداب اللسان» عن الحسن بن حُيَيِّ رحمه الله بسند (ضعيف أيضًا)، فلا تقوم به حجة، وإنما يذكر وغيره في كتب الزهد والرقائق من باب الاستئناس فقط.
وعلى هذا فإن معنى الأثر هو: أن بعض المزاح يُجْرِيه الشيطان على لسان المرء ليكون مبدأ خصومة وجدال وتنافر ووحشة ومسببًا للشحناء .. والله أعلم. فبطل بذلك الاستدلال بهذا الأثر على كراهة المزاح مطلقًا والحمد لله.
رابعًا:
وربما استُدِلَّ بأثر عمر رضي الله عنه أنه قال: «إنما سمي المزاح مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق».
ويُرَدُّ على هذا الاستدلال من أوجه قَدَّمْتُ لك خمسة منها، فأُعْرِض عن إعادتها خشية الإطالة، لكن ثَمَّة وجه سادس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
يحسن أن أُنبِّه عليه وهو:
الوجه السادس:
أن هذا الأثر مخالف لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أقول إلا حقًّا»، لمَّا سأله أصحابه عن مداعبته لهم ومزاحه، كأنهم استنكروا ذلك منه، تعظيمًا لقدره، فأقرَّهم صلى الله عليه وسلم على تسمية تلك الأفعال والأقوال التي رأوها منه «مداعبة ومزاحًا»، وزاد بأن بيَّن أن ذلك المزاح حق ليس فيه باطل، فظهر من ذلك أن المزاح قد يكون حقًّا.
فبطل بذلك الاحتجاج بهذا الأثر، والله أعلم.
خامسًا:
وقد يستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يملك نفسه فلا يقول إلا حقًّا، خلافًا لغيره، فإنه لا يملك لسانه، وعلى هذا يفتح باب المزاح على مصراعيه فَيَلِجه من ليس أهلًا لأنْ يراقب منطقه، فيقول ما شاء دون أن يَزِنَ كلامه، فربما وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، بل ربما ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وهو لا يشعر كما في حديث الذين قالوا: «لم نَرَ مثل قُرَّائنا هؤلاء، أرغب بطونًا وأكذب أَلْسُنًا وأجبن عند اللقاء». فأنزل الله فيهم: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66].
وللرد على هذا الاستدلال يُقال:
إنه لَحَرِيٌّ بمَن خافَ أن يكبّه لسانه على وجهه في نار جهنم أن يراقِب نفسه في القول والعمل، وليس ذلك بمستصعب على مَن جعل قدوته النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القول بأن إباحة المزاح فتح للباب على مصراعيه فليس بصحيح؛ لأن من أراد الاتِّباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم سَاسَ نفسه بما ثبت عن نبيه صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا، أمرًا ونهيًا، فعلًا وتركًا، وعلى هذا المنهج كان الصحابة والتابعون، ومَن تَتَبَّع ما روي عنهم في هذا الباب وجد أنهم لم يخرجوا عن الحق في مزاحهم، ولم يَلجُوا باب الباطل من كذب وسخرية.
ولو قُدِّر أن أحدهم وقع في ذلك فعلًا فإنما هم بشرٌ يصيبون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
ويخطئون، وإن وقع الخطأ بادروا بالتوبة منه وإصلاح ما أفسدوا.
أما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه مُنَزَّهٌ عن الباطل مُبْعَدٌ عنه.
ولهذا قال المباركفوري: «(لا أقول إلا حقًّا) أي عدلًا وصدقًا، لِعِصْمَتي عن ذلك في القول والعمل، ولا كل أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم».
سادسًا:
وربما استدل بما روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان لا يضحك. ويُرَدُّ على هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الأثر مرسل، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف.
الثاني: ما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحك حتى بدت «أنيابه» وفي رواية «أضراسُه» وفي رواية «نواجذه» في مواطن كثيرة جمع بعضها أحمد المغاري في رسالة سَمَّاها «شوارق الأنوار المُنيفة بظهور النواجذ الشريفة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وثَمَّة وجه ثالث وهو: مخالفة الحسن البصري رحمه الله لغيره من علماء التابعين كابن سيرين، فإنه يحتج عليه في ذلك بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43].
هذا ملخَّص بعض ما اسْتُدِلَّ به في هذا الباب والرَّد عليه والحمد لله أولًا وآخرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الباب الرابع
الرخصة في بعض المزاح بشروطه
رخَّص أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في المزاح، لكنهم جعلوا له قيودًا وشروطًا تضبطه حتى لا ينفتح بابه على مصراعيه فيفضي إلى محرم أو منهي عنه، كإثارة العداوة وإلهاب الضغينة، وما يوصل إلى التقاطع والتدابر وهجر الإخوان، وقطع الرحم، وكذلك القول الباطل، من كذب وسخرية واستهزاء وتنقص من الآخرين في الخُلُق والسلوك وغيره وأعظم من ذلك التنقص منهم في الخَلق والصورة، وبالجملة فما أفضى إلى محرم فهو محرم سدًّا لباب الذريعة وحسمًا لمادة الحظر، وعملًا بما هو أحوط.
نبَّهَ على هذا المعنى الإمام النووي رحمه الله فقال:
«اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب وشغْلًا عن ذكر الله والفِكْر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما إن سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله على النُّدْرَةِ لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سُنَّة مستحبَّة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه» اهـ.
وعليه فإن المزاح ضربان كما قال ابن حبان رحمه الله:
«والمزاح على ضربين، فمزاح محمود ومزاح مذموم.
فأما المزاح المحمود فهو الذي لا يشوبه ما كره الله عز وجل، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحِم، وأمَّا المزاح المذموم فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدَنيَّ عليه ويحقد الشريف به».
وقال أيضًا: «وإذا كان «أي المزاح» من غير معصية فإنه يُسَلِّي الهمَّ ويرفع الخُلَّة ويحيي النفوس ويذهب الحشمة، فالواجب على العاقل أن يستعمل من المزاح ما يُنْسَب بفعله إلى الحلاة، ولا ينوي به أذى أحد ولا سرور أحد بمساءة أحد».
ثم ساق بسنده قول إبراهيم النخعي: «لا يمازحك إلا مَن يحبك».
وقال: «على أني أكره استعمال المزاح بحضرة الطعام، كما أكره تركه عند حضور الأشكال» أي: الأقران، ومقصوده مؤانستهم بحُكْمِ كَوْنِهِم في منزلة واحدة يجترئ بعضهم على بعض مع التزام الهدي النبوي في ذلك.
وعلى هذا فإن سلم المزاح والدعابة من هذه الأمور فإنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
يُرَخَّص فيه حينئذٍ؛ لأنه وافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسمته وخلقه ومعاملته لأصحابه رضي الله عنهم، بل إنه والحالة هذه يكون سُنَّةً مستحبَّةً وهديًا متَّبَعًا.
ولهذا نقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتمازحون، وعرف بعضهم بذلك واشتهر به مثل «النعيمان» و «سُوَيْبِط» و «حمار الذي جلد في الخمر» ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اشتهروا به بل كان يَسْتَمْلح مزاحهم، وربما ضحك لهم، بل إنه صلى الله عليه وسلم شهد لبعضهم بأنه يحب الله ورسوله، كما في قصة «عبد الله الذي كان يدعى حمارًا».
كما عرف ذلك عمن بعدهم من التابعين، كالشعبي وشعبة بن الحجاج والأعمش وابن أبي عتيق. وغيرهم.
وعلى هذا جرى عمل الأئمة في مصنفاتهم من صحاح ومسانيد وغيرها. فإنهم بَوَّبوا له في كتبهم للدلالة على تجويزهم له.
فقال البخاري في كتاب الأدب من «صحيحه»: «باب مَن ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها أو مازحها». وقال: «باب التَّبَسُّم والضحك».
قال الإمام بدر الدين العيني: «أي: هذا باب في بيان إباحة التبسم والضحك».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)