فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه، لا باستهزاء بإضحاك ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله عز وجل ورسله وكتبه وشرعه، وعلى من فعل هذا أن يتوب إلى الله عز وجل مما صنع؛ لأن هذا من النفاق، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفر ويصلح عَمَلَه ويجعل في قلبه خشية الله عز وجل وتعظيمه وخوفه ومحبته، والله ولي التوفيق». اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله:
«{لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أي: فليس لكم عذر؛ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، وإنما تحترم هذه الأشياء وتعظم ويخشع عندها، إيمانًا بالله ورسوله، وتعظيمًا لآياته، وتصديقًا وتوقيرًا، والخائض واللاعب متنقِّص لها، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم لأجله، وفيه أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها. أو عمل يعمله، قال المصنف: «القول الصريح في الاستهزاء: هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح فمثل مدِّ الشَّفَة، وإخراج اللسان، ورمْز العين، وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة فكيف بالتوحيد؟». وقال: «فيه- وهي العظيمة- أن من هَزَل بهذا أنه كافر، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ورسوله، وبين العفو الذي يحبه الله والغلظة على أعداء الله، وأن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل».
ثانيًا: أن لا يكون في المزاح كذب؛ لأن الكذب مخالفة شريعة وكبيرة من كبائر الذنوب فيتعيَّن انتفاؤها في هذا المقام، ليكون العمل موافقًا لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الكذب محرمًا مطلقًا، لكن تحريمه هنا آكد؛ لكونه مما يتساهل فيه الناس باعتبار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
تقسيمهم إياه إلى كذب أبيض وآخر أسود، ولا شك أن تَسْمِيَة الكذب أبيض، تحقيرٌ للذنب، وقد حذر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم ومُحَقِّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلِكْنَه»، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فَحَضرَ صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادًا فأجَّجوا نارًا وأنْضَجُوا ما قذفوا فيها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
بل إن الكذب في المزاح خاصة جاء فيه خبر صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه: «أنا زعيم بيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب في المزاح .. ».
فجدير بعد ذلك بمن علم هذا الفضل المترتِّب على تجنُّب الكذب في المزاح، أن يأطر نفسه على تركه أطرًا، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: «الذي يمزح ولا يقول إلا حقًّا». خصوصًا إذا علم ما في مخالفة هذا الأمر من التعرض للوعيد الشديد. فعن بهز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القُشَيْري، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للذي يُحدِّث فيكذب، ليضحك به القوم، وَيْلٌ له، وَيْلٌ له».
وفقنا الله وإياك لما يحب من الأعمال والأقوال، وجَنَّبنا مساخِطَه، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ثالثًا: وعلى مَن أراد أن يمازح إخوانه أن لا يلحق بهم ضررًا لورود النهي عن ذلك كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ضَرر ولا ضِرار»، ففي هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين، تدلُّ على أن كل فعل أو ترك يلحق ضررًا بالآخرين فتركه واجب، فهو من جوامع الكَلِم التي أُعطيها صلى الله عليه وسلم، ولذلك نظمه الإمام النووي رحمه الله في «أربعينيَّته»، والضرر أنواع، فمنها:
أالإضرار بالضرب ونحوه، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث طويل: « … ولا تضربوا المسلمين».
ب ومنها الترويع، ولعلَّه أكثر وقوعًا في هذا الباب، وقد وقع مثله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيرة فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى نبلٍ معه فأخذها فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم فقال: «ما يُضْحِكُكُم؟» فقالوا: لا، إلا أنَّا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ لمسلم أن يروع مسلمًا».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ت ومن أنواع الإضرار أيضًا: أخذ متاع الغير (ويستوي في ذلك الجد والمزح)، فعن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يأخذنَّ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًّا، ومَن أخذ عصا أخيه فَلْيَرْدُدْها».
ث ومن أنواعه: التخويف بأن يشير إلى أخيه بسلاح «سكين ونحوها» بقصد الممازحة، وبئست الممازحة، فكم جرَّت من مصائب وَوَيْلات لم تكن بالحسبان، وكم أعقبت حسرة وندمًا لا ينقطعان، ولعل ذلك مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار».
ولو قُدِّر أن من حمل السلاح في وجه أخيه زَعَمَ أنه يعلم من نفسه أن ذلك لن يفضي إلى مفسدة، فحسبه زاجرًا عن حمله في وجه أخيه أن الملائكة تلعنه حتى يضعه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
ج ومن أنواع الإضرار: السخرية والاستهزاء بأحد بعينه أو قبيلة أو طائفة أو أهل بلد، وكل ذلك مما دَرَجَت عليه ألسنة المزَّاحين، وحسبهم قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].
هذا ما تيسَّر جمعه من ضوابط، ولم أقصد الاستقصاء، وما فاتني منها فاعرضه على قلبك فإن أفتاك وقد تجرَّد من هواه، فالزم فتواه، فعن وابصة بن مَعْبَد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمع فذهبت أتخطَّى الناس فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إليك يا وابصة قلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه فإنه من أحب الناس إليَّ أن أدنو منه، فقال لي: «ادن يا وابصة، ادن يا وابصة»، فدنوت منه حتى مَسَّت ركبتي ركبته. فقال: «يا وابصة، أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؟» فقلت: يا رسول الله، فأخبرني. قال: «جئت تسألني عن البر والإثم»، قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث فجعل يَنْكُتُ بها في صدري ويقول: «يا وابصة، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس».
ولعلَّ من المناسب أن أختم هذا الفصل بقول وهب بن منبه رحمه الله: «إذا أردت أن تعمل بطاعة الله- عز وجل - فاجتهد في نصحك وعلمك لله، فإن العمل لا يقبل ممن ليس بناصح، وإن النصح لله عز وجل لا يَكْمُل إلا بطاعة الله، كمثل الثمرة الطيبة ريحها طيب، وطعمها طيب، كذلك مثل طاعة الله، النصح ريحها، والعمل طعمها، ثم زيِّن طاعة الله بالعلم والحلم والفقه، ثم أكرم نفسك عن أخلاق السفهاء، وعَبِّدها على أخلاق العلماء، وعَوِّدها على فعل الحلماء، وامنعها عمل الأشقياء، وألزمها سيرة الفقهاء، اعزلها عن سبل الخبثاء» .. وقال: «ثم لا يستعين على شيء من قوله بالكذب، فإن الكذب في الحديث مثل الآكلة في الخشبة يُرَى ظاهرها صحيحًا، وجوفها نَخِرًا، لا يزال من يغتر بها يظن أنها حاملة ما عليها حتى تنكسر على ما فيها ويهلك من اغتر بها، وكذلك الكذب في الحديث لا يزال صاحبه يغتر به ويظن أنه معينه على حاجته وزائد له في رغبته حتى يُعرف ذلك منه، ويتبين لذوي العقول غروره .. ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
الخاتمة
رزقنا الله حسنها
ينقل عن أبي حيان التوحيدي أنه قال: «ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي:
اختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مُجْمل، أو تهذيب مطوَّل، أو ترتيب مخلَّط، أو تعيين مُبْهَم، أو تبيين خطأ».
ثم أيها القارئ الكريم، بعد عرض مباحث الكتاب والتفصيلات المتعلقة بها يحسن أن نبيِّن خلاصة هذه المباحث في نقاط:
1 - تقديم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، في جميع نواحي الحياة، والتحذير من مخالفته إذ كل شيء خالف أمره أو نهيه فهو مردود في الدنيا، مسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}.
2 - معنى المزاح والدعابة واشتقاقهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
3 - إنَّ كلمة «مزاح» ليست مشتقة من «زاح» أي مال، وبيان بطلان التدليل على ذلك من ستة أوجه.
4 - بطلان القول بتحريم المزاح مطلقًا؛ بل الحق إباحته، والإذن فيه. وعليه: فإن ما روي عن السلف في التحذير منه محمول على الاستكثار منه، والمداومة عليه.
5 - لم يأت حديث صحيح صريح في النهي عن الدعابة والمزاح، بل الأدلة على خلاف ذلك.
6 - أن المزاح غالبًا ما يكون إما لإيناس الحاضرين، أو لنفي الفتور والتعب والملل عنهم.
7 - كريم أخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، وجميل دعابته وممازحته للكبير والصغير.
8 - أن خير من تابع النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الباب- وغيره- أصحابه رضي الله عنهم ثم تابعوهم، وذكر صور من دعاباتهم.
9 - المزاح لا يجوز بشيء مما جاء عن الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جانب الشرع محترم، يصان عن الضحك والاستهزاء والسخرية.
10 - أن الكذب -باسم المزاح- لا يجوز؛ إذ كيف يكون المزاح مبيحًا للكذب؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًّا مع كون الأحاديث متواترة في تحريم الكذب.
11 - أن إلحاق الضرر بالمسلم لا يجوز، وإن كان ذلك ممازحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
تلك أبرز مباحث الكتاب، وإني لأرجو الله أن أكون قد وفيت الباب حقه ولا أُبَرِّئُ نفسي من النقص والخطأ، إذ البضاعة مزجاة، والجهد قليل والموطن ناءٍ.
والظَّنُّ بالقارئ الكريم إقالة العثرة، واتخاذ العذر، وإصلاح الخطأ، ورحم الله القائل:
إن تجد عيبًا فَسُدَّ الخللَ … جلَّ من لا عيب فيه وَعَلا
والله أسأل أن يتقبل هذا الجهد بقبول حسن، وأن يُنَمِّيَهُ عنده، وأن يكتب لي به أوفر الحظ والنصيب {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب: فهد بن مقعد النفيعي العتيبي
20/ 9 /1417 هـ
في مدينة عفيف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)