وبَوَّب له الترمذي في «جامعه» فقال في كتاب البر والصلة «باب ما جاء في المزاح» وكذلك أبو داود في «السنن» وقال الترمذي في «الشمائل»: «باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم».
قال شارحه البَيْجُوري: «أي باب بيان الأخبار الواردة في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقال ابن ماجه في «السنن» «باب المزاح» من كتاب الأدب، وكذلك الإمام الدارمي في «سننه» من كتاب الاستئذان.
وقال ابن حبان في صحيحه «باب المزاح والضحك» من كتاب الحظر والإباحة.
ثم قال: «ذكر الإباحة للمرء أن يمزح مع أخيه المسلم بما لا يُحَرِّمُهُ الكتاب والسُّنَّة».
ولو تتبعنا من أفراد للمزاح بابًا من أئمة الحديث وسلف الأمة لطال بنا البحث، وفي ذكر هؤلاء الأعلام غُنْيَةٌ وكفايةٌ إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
فصل
هذا وإن العاقل جدير به أن يتوخَّى بمزاحه إحدى حالتين:
الأولى: إيناس المصاحبين والتودُّد إلى المُخَاطَبين، وهذا يكون بما أُنِسَ من جميل القول وَبُسِطَ من مُسْتَحْسَن الفعل.
ومن هذا النوع قول النبي صلى الله عليه وسلم للصبي الذي مات طائر كان له: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟». رواه البخاري.
فإنه صلى الله عليه وسلم لما رأى على أبي عمير أثر الحزن والكآبة أراد أن يُؤْنِسَه ويداعبه لينفي عنه ما رآه.
الثانية: نفي ما طرأ على النفوس من سَأَم أو همٍّ أو مللٍ.
ومن هذا النوع قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه - وقد رآه في المسجد نائمًا لِخِصَام كان بينه وبين زَوْجِه فاطمة رضي الله عنها -: «قم أبا تراب، قم أبا تراب» وهو يَنْفض التراب عنه. رواه البخاري.
وعلى هاتين الحالتين كان مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعلم هذا مَن تتبَّع ما ورد عنهم في هذا الباب.
وفي هذه الحالة الثانية «الإحماض» الذي كان يفعله أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
العلم في دروسهم ومجالس إملاء التلاميذ.
وهو أن يأتي الشيخ بِمُسْتَظْرَفٍ من القول أو نادِرة كلامٍ أو مُسْتَحْسَنِ حديث أو قصة أو شعر إذا رأى على الطلاب أثر السآمة والمَلل.
والإحماض في اللغة: مأخوذ من الحِمْض وهو نبات فيه ملوحة تَتَفَكَّهُ به وتشرب عليه الإبل إذا أكثرت من أكل النبات الحلو.
فالإحماض هو: أخذ الشيخ شيئًا من مُلَح الكلام والحكايات وما يؤنس من أخبار وأشعار، لِيُريحَ طلابه خشية الملل عليهم.
وفي ذلك كان يقول ابن عباس رضي الله عنهما إذا أفاض مَنْ عِنْدَه في الحديث بعد القرآن والتفسير: «أَحْمِضُوا».
وكان الزهري رحمه الله يقول: «الأذن مجَّاجة والنفس حَمْضَة» أي: الأذن تَمُجُّ ما تسمعه فلا تَعِيهِ إذا وُعِظَت بشيء أو نُهِيَت عنه، ومع ذلك فلها شهوة في السماع.
قال الزهري: «والمعنى أن الأذان لا تعي كل ما تسمعه وهي مع ذلك ذات شهوة لما تَسْتَظْرِفُه من غرائب الحديث ونوادر الكلام». اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ومثاله:
ما فعله العلامة السِّنْبَاوي المالكي المعروف بـ «الأمير الكبير» في كتابه «النخبة البهية».
فإنه لما كان يملي على الطلاب، ورأى السآمة غشيتهم أورد أثرًا عن الصحابي عمر بن سراقة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سرية فجاع، فكان لا يستطيع المشي، فَضَيَّفَه جماعة من العرب فأكل حتى مشى فقال: «كنت أحسب أن الرجلين تحملان البطن، فرأيت البطن تحمل الرجلين».
والأثر لا مناسبة لِذِكْره في هذا الكتاب «النخبة البهية» ولكنَّ الأمير السنباوي رحمه الله أراد أن يُذْهِب التعب والنَّصَب عن الطلاب بهذه الملحة ليستعيد الطلاب نشاطهم، ويطرحوا عنهم التعب والملل. فكان للأمير ما أراد.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله في نونيَّته: (وتخلل الفترات للعزمات أمرٌ لازم لطبيعة الإنسان)
أي أن طبيعة الإنسان وجِبِلَّتَه لابد أن يلحقها فتور وتعب مهما بلغ به الجد والعزم على إنقاذ ما أراد، لذلك لابد من إجْمَامها والترويح عنها. وقد قيل: «إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
لأقوى به على الحق».
ومنه قول أبي الدرداء: «إني لأحمل نفسي على الباطل لأعينها على الحق».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
الباب الخامس
مزاح النبي صلى الله عليه وسلم ودعاباته وحُسن خُلُقه
اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية التي لم يبلغها بشر سواه في جميل الأخلاق، وحُسن العشرة، فقد امتدحه الله عز وجل في كتابه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
فكان لذلك أحسن الناس أخلاقًا، وأزكاهم نفسًا، وألينهم عَرِيكة، وأكرمهم عشرة، وكان هيِّنًا ليِّنًا سهلًا قريبًا، دائم البِشْر، منبسط الوجه، ضحوك السِّنِّ على أكثر أحواله، كثير التبسُّم لأصحابه، ما حدَّثهم حديثًا إلا وهو يبتسم.
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل الوحي قلت نذير قوم، فإذا سُرِّيَ عنه فأكثر الناس ضحكًا، وأحسنهم خلقًا».
وفي رواية أخرى بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وَعَظ قلت: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا».
ووصفه أحد أصحابه فقال: «ما رأيت أحدًا أكثر مزاحًا منه».
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «كانت فيه صلى الله عليه وسلم دعابة».
وقال عبد الله بن الحارث بن جزء رضي الله عنه: «ما رأيت أحدًا كان أكثر تبسُّمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «ما حَجَبَني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك».
وكانت له صلى الله عليه وسلم مهابة في صدور الناس فكان يباسطهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
بالدعابة، وطلاقة الوجه والبشاشة، فلا يحسب جليسُهُ أن أحدًا أكرم عليه منه؛ يخالط أصحابه ويجالسهم ويمازحهم ويضحك مما يضحكون وربما تبسم صلى الله عليه وسلم.
فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسَّم».
وفي رواية: «فيتبسم معهم إذا ضحكوا».
وعن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: «كنَّا نجالس النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أطول صمتًا منه، وكانوا إذا أكثروا عليه تبسم».
وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: دخل نفر على زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقالوا: حدِّثنا ببعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «وما أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل الوحي أرسل إليَّ فكتبت الوحي، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذَكَرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذَكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذَكَرهُ مَعَنا، فكل هذا أحدثكم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
عنه».
وكان صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ صبيان أصحابه، ويمازحهم، ويداعبهم، وَيُجْلِسُهُم في حِجْرِهِ، فربما بال أحدهم في حجره، فلا يُزْرِمُهُ ولا يتضجر منه.
فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: «كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم … » الحديث.
وبال ابن أم قيس رضي الله عنهما في حِجْره فلم ينهره ولم يَرْمِهِ طُولَه.
وبالجملة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يخُصَّ مزاحه بأحد دون أحد، وما ابتسم في وجه بعض أصحابه وقَطَّبَ في وجه آخرين، بل مازح الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والحر والعبد، والمحسن والمسيء، كما تبسم في وجه الأعرابي الذي جَذَبَهُ بردائه جذبةً شديدةً «وكان رداؤه بردةً نجرانيةً غليظة الحاشيةِ» فأَثَّرَت في صَفْحَة عاتقه صلى الله عليه وسلم ثم قال الأعرابي: «يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك» فلم يَزِد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن التفت إليه وضحك في وجهه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وأمر له بعطاء.
-فبربك - هل علمت أحدًا من العالمين يقابل الإساءة بمثل هذا الإحسان غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فَرَفْعُ الصوتِ، وجَذْبُ الرداءِ، وتَأثيره في عنقه صلى الله عليه وسلم، ومناداتُهُ باسمه المجرَّد، والفَظَاظَةُ في الرِّفادة وطلب المال، كل هذا يكون ردُّه بضحك في وجهه، والتفاتة بوجه طَلق، وخفض في الصوت، بل ويأمر فوق ذلك بأن يعطى من المال ما أراد، فأي خُلُق أحسن من حُسْن الخُلُق هذا.
قال الله عز وجل: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159].
وقال عزَّ من قائل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
تنبيه:
نقل بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يضحك إلا تبسمًا حتى لا تُرَى لهواته.
كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
يتبسم».
ومثله حديث حصين بن يزيد الكلبي رضي الله عنه قال: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، ما كان إلا التبسم» حتى قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «ولا يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على التبسم».
يَرِدُ عليه:
ما صح من الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه مَروِيَّاتٍ عن عدد من أصحابه منهم «أبو هريرة، وصهيب، وأنس رضي الله عنهم».
وكضحكه في حديث الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، وحديث جابر رضي الله عنه: «كان أكثر الناس ضَحِكًا».
وحديث جرير رضي الله عنه، المُتَقَدِّمِين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا تجده إلا رجلًا قرشيًّا أو أنصاريًّا» فضحك له النبي صلى الله عليه وسلم. وهو في «صحيح البخاري».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وحديث عمرة بنت عبد الرحمن قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا؟ قالت: «كان أبرَّ الناس، وأكرم الناس، ضحَّاكًا، بسَّامًا».
في أحاديث كثيرة يطول سردها، وقد تقدم بعضها.
والنواجذ» هي الأضراس، ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك، وعليه، فظاهر هذه الأحاديث معارض لظاهر الأحاديث المتقدمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على أن يتبسم.
وحتى يُدْرَأ هذا التعارض فإني أقول:
اعلم- رحمك الله وسدَّدك- أنه لا منافاة بين كونه ضحك حتى بدت أضراسه، وبين حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم؛ لأنه يمكن التوفيق بينهما من ثلاثة أوجه- والحمد لله- وهي:
أولًا: أن الأحاديث التي فيها إخبارٌ بأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه مُثْبِتَة للفعل، وحديث عائشة نافٍ له، والمقرر عند أهل العلم بالحديث والأصول أن المُثْبت مُقَدَّم على النافي.
ثانيًا: أن عائشة رضي الله عنها إنما نفت الاستجماع للضحك وهو التَّأهُّب له، وفرق بين الضحك، والاستجماع للضحك.
قال الحافظ: «مستجمعًا ضحكًا» أي: مبالغًا في الضحك لم يترك منه شيئًا، يُقال: استجمع السَّيْلُ: اجتمع من كل موضع .. ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وقال: «أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحَكُ ضحكًا تامًّا مقبلًا بكُلِّيَّته على الضحك». اهـ.
واللَّهَوات: جمع لهاة: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم، وهي لا تُرَى إلا في أسوأ الضحك، ولذلك جعلتها عائشة رضي الله عنها مقياسًا لضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تُرَى إن ضحك، وترى أضراسه ونواجذه، وفرقٌ بين الأضراس واللهوات.
ثالثًا: أن عدم رؤية الحصين بن يزيد وغيره من الصحابة لضحك النبي صلى الله عليه وسلم، لا يعني عدم رؤية غيرهم من الصحابة لضحكه صلى الله عليه وسلم.
فَهُمْ إنما نفوا رؤية الضحك، ولم يَنْفوا الضحك مطلقًا.
فدلَّ على أن كل واحد من الصحابة حدَّث بما رأى، وكلهم عدول، تُقْبل رواياتهم، ولا يُرَدُّ منها شيء لعدم تعارضها- والحمد لله-.
ومما تقدم يعلم مدى تصويب قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله المتقدم.
وقول بعضهم أن «ضحكه لا يتجاوز التبسم كما هو متواتر، فكثرة ضحكه كناية عن كثرة تبسمه، وهو بالتالي كناية عن كثرة بشاشته».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وعليه: فلعل أقرب الأقوال وأعدلها بعد النظر في مجموع الأحاديث وسَبْر أقوال أهل العلم في فقهها أن يقال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، ولا يعني ذلك عدم الضحك، بل ربما ضحك من غير استجماع له. والله أعلم.
ومع هذا فما كان مزاح النبي صلى الله عليه وسلم إلا نُدْرَة وبحقٍ، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا تكثروا من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».
ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقا».
فالحديثان دالان على أن مزح النبي صلى الله عليه وسلم وضحكه ما كانا إلا بحق على قِلَّتِهِمَا، وما أشد هذين الشرطين، ومن أجل ذلك قال الإمام الغزالي رحمه الله:
«إلا أنَّ مثله (أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم)، يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما غيره إذا فُتِحَ باب المزاح، كان غرضه أن يُضْحِكَ الناس كيفما كان».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
لذا فإني ذاكرٌ لك فصولًا فيها أمثلة من مزاحه صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته وأصحابه وصبيانهم، مُلْتَمِسًا ما صَحَّ منها، وفي كلها ما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حقًّا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
فصل
في مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته وعِتْرَتِهِ
كان لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر من حُسن خُلقه، والقدح المعلَّى من جميل عشرته، لكثرة مخالطتهم إياه، ولمداومتهم على لُقْياه، فكان خير الناس لأهليهم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، وفي رواية: «خياركم خياركم لأهله».
وصح عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب».
وفي لفظ: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس فحمد الله وأثنى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
عليه ثم قال: «إن الله يوصيكم بالنساء خيرًا (مرتين)، فإنهن أمهاتكم وبناتكم وخالاتكم .. ».
وقوله: «الأقرب» يعني: «الأدْنَونَ منك».
وأدنى الناس من الرجل أهل بيته «وكَرَّرَ الفعل مع المُؤكِّد حثًّا على الاهتمام بالوصية».
وفي هذا المعنى قال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهله، يداعبهم، ويتحدث معهم عليه الصلاة والسلام، ويأتيهم ويبيت معهم في الفراش ويجامعهم، ما كانت عنده الرهبانية التي تمنعه من قربان أهله والأُنْسِ بهم والتحدث إليهم، وربما تَعَرَّقت عائشة العظم ثم أَخذه فَتَعَرَّقَه، ووضع فمه موضع فمها، وربما شربت الماء ثم أخذ الفَضْلَة فشربها، كل هذا من باب المداعبة والإيناس للأهل، وإظهار الحب، ولما جاء قوم إلى بيته فسألوا عن عمله عليه الصلاة والسلام، فلما أخبروا بعمل النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم تقالُّوه، وقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، إلى آخره. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي، وأنام، وأصوم، وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني».
فالتَّقَشُّف الذي معناه ترك الحلال، وترك إيناس الأهل، وترك الأكل من الطيبات هذا خطأ». اهـ.
ولذلك كثرت النصوص في مزاحه ودعابته وإيناسه لعائشة وزينب بنت أبي سلمة، والحسن، والحسين، وسودة بنت زمعة، وغيرهم من أهل بيته صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهم أجمعين.
وإليك- أخي الكريم- جملة صالحة منها:
أولًا:
روى النسائي في كتاب «عشرة النساء» بسند صحَّحه الحافظ ابن حجر، عن أبي سلمة رضي الله عنه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: «دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا حميراء، تحبين أن تنظري إليهم؟».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وفي البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عيد يلعب السودان بالدُّرَق والحراب، فإمَّا سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وإما قال تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خَدَّي على خَدِّهِ وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدَة»، حتى إذا مللت قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «اذهبي».
وفي لفظ للبخاري: «أن عمر زجرهم فقال صلى الله عليه وسلم: «دعهم، أَمْنًا يا بني أرفدة».
وفي أخرى عنده أيضًا: «أن عمر أَهْوَى إلى الحصى فحصبهم بها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
وفي أخرى: «قالت عائشة: فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو».
فانظر- رحمك الله- إلى جميل دعائه لها بـ «يا حميراء» إيناسًا لخاطرها، وملاطفة لها، وتمليحًا لِخِلْقَتِها، وانظر إلى سهولته صلى الله عليه وسلم، وخفض جَنَاحِهِ لأهله، حتى يأخذوا حاجتهم مما يريدون دون أن يُعَجِّلَهُم وإن أثقلوا عليه.
ففي كتاب «عشرة النساء» للإمام النسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما شبعت؟ أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده».
وفيه أنه كان يقول: «حسبكِ، وهي تقول: لا تَعْجَل».
فلا يعجل من أجل إيناسها، بل في بعض الروايات أن عائشة قالت: «ولقد رأيته يراوح بين قدميه» فأَعْظِم به من عَشِير صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا:
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يَكْتُمن من أخبار أزواجِهِن شيئًا»، وفي آخره « … قالت الحادية عشرة: زوجي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)