فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك
…
فصل
قال الملحد: "وفي الشفا للقاضي عياض قال: ناظر 1 أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوما فقال {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات-2] الآية ومدح قوما فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} الآية [الحجرات-3] ، وذم قوما فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية، [الحجرات-4] وحرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وادعو، أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيام؟ بل استقبله، واستشفع به، فيشفعك الله وفي نسخة فيشفعه الله قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [النساء – 64] ، انتهى.--------------------------------------------
1 في الأصل وطبعة الرياض "ناضر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
والجواب أن يقال هذه الحكاية لا حجة فيها لمبطل لما سنذكره إن شاء الله تعالى، قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" قلت المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء، وهذه الحكاية التي 1 ذكرها القاضي عياض، ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه.
وقد ذكر المعترض 2 في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد، وهو مخطىء في هذا القول خطأ فاحشا، بل إسنادها إسناد ليس بجيد، بل هو إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئا، ولم يلقه، بل رواية عنه منقطعة غير متصلة.
وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقاة المخرج لهم في صحيح مسلم، قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك، وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشا، ووهم وهما قبيحا. إلى أن قال:
وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن--------------------------------------------
1 في النسختين "الذي" وما أثبته من "الصارم" ص 218.
2 المقصود به صاحب "شفاء السقام".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
المعمري كأبي خيثمة 1،وابن نمير، وعمرو الناقد، وغيرهم إلى أن قال:
وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير واحد من الأئمة، ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة. وقال فضلك الرازي عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف، وقال أبو العباس أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن حميد، وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان كل 2 ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس3، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال--------------------------------------------
1 في النسختين "أبي حنيفة" وما أثبته من "الصارم" ص 218 ط المصرية. وص 346 ط دار الافتاء بالرياض- تحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري.
2 في النسختين"على" وما أثبته من " الصارم" ومن تهذيب التهذيب 9/129.
3 لفظة "أبي" سقطت من النسختين. ومن نسخة "الصارم" المصرية. وأثبتها من "التهذيب" ونسخة "الصارم" تحقيق الشيخ إسماعيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحدا أجرأ 1 على الله منه كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضهم على بعض، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ حديثه كله، وكان حديثه كل يوم يزيد- ثم أطال الحافظ الكلام فيه 2 إلى أن قال-:
فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن فكيف يقال في حكاية رواها 3 منقطعة: إسنادها جيد، مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف، إلى أن قال: فانظر هذه الحكاية وضعفها، وانقطاعها، ونكارتها، وجهالة بعض رواتها، ونسبة بعضهم إلى الكذب، ومخالفتها لما ثبت عن مالك، وغيره من العلماء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم": ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي، أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة--------------------------------------------
1 في النسختين "أجرى".
2 وقد لخص الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى- القول فيه، فقال في "التقريب":-"محمد بن حميد بن حيان، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه.." اهـ.
3 في النسختين.والنسخة المصرية من "الصارم" "رواتها". وما أثبته من نسخة الشيخ إسماعيل الأنصاري المطبوعة بدار الإفتاء. وقد علق عليها بقوله:- "قوله "رواها" بصيغة الماضي، من المخطوطتين، وهو الصواب".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى صاحبيه، واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره، ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصا عنه.
وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك: فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في" المبسوط" والقاضي عياض، وغيرهما 1:- لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضا في "المبسوط": لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له، ولأبي بكر وعمر، قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة، أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا--------------------------------------------
1 في النسختين" وغيرهم " وما أثبته من نسختي"الصارم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء 1، ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه، ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة إما مستدير القبر، وإما منحرفا عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو، ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة، ليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء 2 أن يستقبل قبر النبي ويدعو عنده.
وهذا الذي ذكرناه عن مالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه، وهي الحكاية التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر 3 أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم، قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات-2] وذكر باقي الحكاية، ثم قال: فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة، أو مغيرة، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقاة من أصحابه، فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند--------------------------------------------
1 سقطت الواو من ط الرياض.
2 في ط: الرياض "المرء".
3 في النسختين"ناضر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
الدعاء، وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا، وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر، ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة ويوليه ظهره، وقيل: [لا يوليه ظهره] 1 فاتفقوا في استقبال القبلة، وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء، ويشبه والله أعلم أن يكون مالك 2 رحمه الله سئل 3 عن استقبال القبر عند السلام عليه، وهو يسمى ذلك دعاء، فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة أيضا، ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم. وكما قال في رواية ابن4وهب عنه: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة 5، ويدنو، ويسلم، ويدعو، ولا يمس القبر بيديه. وقد تقدم قوله: إنه يصلي عليه، ويدعو له.
ومعلوم أن الصلاة عليه، والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي--------------------------------------------
1 ما بين المعكوفين سقط من النسختين. وما أثبته من نسختي "الصارم" ومن"اقتضاء الصراط المستقيم" 2/756.
2 وقع في نسخة "الاقتضاء" المحققة "أن يكون مالكا"، مع أن نسخة محمد حامد الفقي فيها "مالك"!!
3 في ط: الرياض "سأل".
4 سقطت"ابن" من النسختين.
5 في النسخة المحققة من "الاقتضاء" [أو] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
مرة صلى الله عليه عشرا، ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" 1.
فقول مالك في هذه الحكاية- إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته، وصليت عليه، وسلمت عليه، وسألت الله له الوسيلة، يشفع فيك يوم القيامة، فإن الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ما يشفع به له يوم القيامة، كسؤال الله تعالى له بالوسيلة، ونحو ذلك، وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم، يعني دعاءه 2 للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
فهذا هو الدعاء المشروع هناك، كالدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يصلي عليه، ويسلم عليه، ويدعى له، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تتفق أقوال مالك، ويفرق بين الدعاء الذي أحبه، والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة.--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم في صحيح 1/288 عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي- صلى الله عليه وسلم يقول: ".. الحديث".
2 في النسختين "دعاء للنبي" وكذا في النسخة المصرية من "الصارم" وما أثبته من الاقتضاء 2/757، ونسخة الشيخ الأنصاري ص 351.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية1: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [النساء–64] فهو- والله أعلم- باطل2، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا 3 ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا، انتهى4.وقد تقدم الجواب على هذه الآية.
وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى البرزخ، فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم.
والجواب أن يقال: ليس هذا مالك رحمه الله، فإنه إمام عالم عربي فقيه، ومن أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية، فإنه حال حكايته مع المنصور- لو ثبت- لا يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت، وإنما يخاطبه حال الحكاية معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل، أن حرمته ميتا في هذا الوقت- أي وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في--------------------------------------------
1 سقطت كلمة "هذه الآية" من النسختين.وأثبتها من نسختي "الصارم" و"الاقتضاء".
2 في نسخة "الاقتضاء" المحققة [باطلة] .
3 في نسخة "الاقتضاء" ونسختي "الصارم" [لا استغفارا] .
4 أي كلام ابن عبد الهادي من "الصارم" الذي نقله من "الاقتضاء" لشيخه شيخ الإسلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
غض الصوت عنده وعدم رفعه، فما قاله مالك- رحمه الله ينافي ما تقدم من الحكايات الموضوعة، والأحاديث المكذوبة، وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف، من تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين.
وأما حكايته عن شارح "نور الإيضاح" فككلام 1 غيره من المصنفين في الزيارة ممن لا يوثق به، ولا يعتمد على قوله ونقله، وليسوا من أهل الحديث المعروفين بالرواية والدراية والأمانة، وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء، وليس 2 المراد من ذكر أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وشافعي من تأخر منهم، إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم، وأخذوا بمذهبهم، وكانوا على طريقتهم في الأقوال، والأفعال، والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين.--------------------------------------------
1 في الأصل "كلام".
2 وقع ي ط: الرياض تحريف شنيع "وليس المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم، وأخذوا بمذاهبهم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها … الخ
…
فصل:
قال الملحد: "وفي "الإيضاح" للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحبين له، قال: كنت جالسا عند قبر النبي- صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: آية 64] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته …
على الصراط إذا ما زلت القدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
وصاحباك فلا أنساهما أبدا … مني السلام عليكم ما جرى القلم
قال: ثم انصرف، فغلبتني عيناي، فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال يا عتبي: إلحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له، انتهى.
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية، وحصروها، وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة، لا سيما إذا تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف- رحمه الله: وهذه القصة ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به، ويقتدى به، كالأئمة المتبوعين، وأكابر أصحابهم، وأهل الوجوه في مذاهبهم، كأشهب، وابن القاسم، وسحنون، وابن وهب، وعبد الملك، وابنه، والقاضي إسماعيل من المالكية. ولا من الشافعية كالمزني، والبويطي، وابن عبد الحكيم، ومن بعدهم كابن خزيمة، وابن سريج، وأمثالهم ونظرائهم من أهل الوجوه. وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن اللؤلؤي، وزفر بن الهذيل، ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء المذهب. وكذلك أصحاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
أحمد، وأصحاب الوجوه في مذهبه، لم يذكرها أحد منهم كعبد الله، وصالح، والخلال، والأثرم، وأبي بكر عبد العزيز، والمروذي، وأبي الخطاب، ومن بعدهم كابن عقيل، وابن بطة.
وبعض 1من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد، وبعضها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسي الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي 2 بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم.
ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب 3. كما روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي، عن علي بن محمد بن علي، حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي، قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن--------------------------------------------
1 الكلام من هنا لابن عبد الهادي ص 337-338.
2 في شعب الإيمان. كما في"الصارم المنكي" لا بن عبد الهادي ص 338.
3 إلى هنا موضع الكلام لا بن عبد الهادي في "الصارم" ص 338 من طبعة الإفتاء. وما بعده نقل من"الصارم" ص430.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
أبي طالب، فذكر نحو ما تقدم 1.
قال الحافظ بن عبد الهدي: هذا الخبر منكر موضوع 2 لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض، والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي، فإن لم يكن هو فهو كذاب متروك 3، وإلا فمجهول4، وقال عباس5 الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ليس بثقة كان يكذب، وقال العجلي وأبو داود: كذاب، وقال أبو حاتم الرازي 6والنسائي والدولابي والأزدي متروك الحديث، وقال--------------------------------------------
1 ولفظها كما في "الصارم"- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمي بنفسه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحثا على رأسه من ترابه. وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله عز وجل فما وعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عز جل عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي.
فنودي من القبر أنه قد غفر لك.
2 في"الصارم": وأثر مختلق مصنوع.
3 في "الصارم": متروك كذاب.
4 في "الصارم" بعد قوله:- مجهول:- وقد ولد الهيثم بن عدي بالكوفة ونشأ بها وأدرك زمان سلمة بن كهيل فيما قيل ثم انتقل إلى بغداد فسكنها. قال عباس …
5 في الأصل وط: الرياض "ابن عباس".
6 في الأصل وط: الرياض "الرازي النسائي".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
السعدي: ساقط كشف قناعه، وقال أبو زرعة: - ليس بشيء 1،وقال ابن عدي: ما أقل ما له من المسند، وإنما هو صاحب أخبار، وأسمار، ونسب، وأشعار2، وقال الحاكم أبو عبد الله:- الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من الثقات أحاديثه منكرة، وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب؟.
فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة لم تثبت بسند يعول عليه ويحتج به.
قال الشيخ: ولو سلمنا ثبوت هذه الحكاية فلا دليل فيما على ما ذهب إليه هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين، وطلب الحوائج منهم. والأعراب لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله، مفلس في فهمه وعلمه، وكذلك نقل العتبي ومن مضى من رجال سندها ليسوا بشيء. وقد تقدم أن أدلة الأحكام هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر فيه خلاف، وغير ذلك ليس من--------------------------------------------
1 في "الصارم" ص431: وقال البخاري سكتوا عنه- أي تركوه-.
2 في "الصارم": وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالسير وأيام الناس وأخبار العرب إلا أنه روى عن الثقات أشياء كأنها موضوعات يسبق إلى القلب أنه كان يدلسها.
وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الأدلة في شيء، ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون المفضلة في هذا الباب ما يثبت، لا طلب الاستغفار ولا غيره، وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي أنه حكي الإجماع على منعه.
ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله، وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله تعالى، وقد يستجاب لعباد الأصنام استدراجا، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى-في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا، غايتة أنه توسل به، ومسألة التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به والطلب منه، وقد قال تعالى: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: آية 135] فإذا كان هذا المختص بمغفرة الذنوب فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى وتقدس، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} بما أغنى عن إعادته هنا.
وأما ذكره في"المستوعب" لأبي عبد الله السامري الحنبلي وفيه" اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك عليه السلام: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} "الآية".
فنقول هذا من نمط ما قبله وقد تقدم الكلام عليه.
ثم قال الملحد: "سئل العلامة الشهاب الرملي عن ما يقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان ونحو ذلك، فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء إغاثة بعد وتهم، لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع، انتهى".
فالجواب أن يقال: قد تقدم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو: إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، وذكرنا فيما تقدم كلام أبي عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وعن ذي النون 1إستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام لأسباب منها: الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني، أو أغثني، وارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فهذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل، وأنزل--------------------------------------------
1 في الأصل والمطبوعة بالرياض "ذا النون".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
الكتب ليعبد وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم يقولون: إنما نعبدهم، ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهي أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى.
وقال أيضا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم كفر إجماعا. نقله عنه 1 صاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواع - يعني الشرك - طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، وقد تقدم بتمامه.
وبالجملة فضابط هذا أن كل ما شرعه الله لعباده، وأمرهم به ففعله لله عبادة، فإذا صرف العبد من تلك العبادة شيئا لغير الله فهو مشرك، مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: {قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر: آية 14] .--------------------------------------------
1 في الأصل وط: الرياض "عن" ولعل الصواب ما أثبته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
فإذا عرفت هذا فهذا الرجل المسمى الشهاب الرملي إن كان من المعروفين بالعلم - لأني لا أعرف ما حاله - فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين يصنفون في إباحة الشرك وجوازه زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول، وتعظيم الأنبياء والأولياء، وذلك لجهلهم، وعدم إدراكهم لحقائق الدين، ومدارك الأحكام، وليس لهم قدم صدق في العالمين، ولا كانوا من العلماء العاملين، فلا حجة في أقوالهم {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: آية 40] ثم لو كان الشهاب الرملي من أهل الفضل والعلم والعبادة وأكابر أهل الفقه والورع والزهادة لكان قد أخطأ فيما قاله وأراده، ودعا إلى عبادة غير الله، وهذا يوجب كفره وارتداده.
وأما معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء فهي لا تدل على دعائهم، ولا الاستغاثة بهم، وصرف خالص حق الله لهم، وإنما تدل على علو درجتهم، وكرامتهم على الله، وقربهم منه. وقد قال صلى الله عليه وسلم لما طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عزو جل" 1 وقد قال الله--------------------------------------------
1 تقدم الكلام عليه في "الرد على القبوريين" لا بن معمر. وأن في سنده ابن لهيعة لكن تكلم عليه شيخ الإسلام بكلام حسن عندما تعقبه البكري في إيراد هذا الحديث فقال في رده على البكري ص 153:
هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب، والسنة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: آية 65] وهؤلاء الغلاة لا يأتمرون بما أمر الله به ورسوله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه ورسوله، فالله المستعان.--------------------------------------------
= معلوم، ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي.
ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك، وبآثار الصحابة والتابعين، بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع، وما يصلح للاعتماد نوع.
وهذا الخبر من النوع الأول فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن لهيعة، وقد قال أحمد: قد كتبت حديث الرجل لأعتبر واستشهد به مثل حديث ابن لهيعة.
فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق العلماء، ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم. ولكن قيل: إن كتبه احترقت فوقع في بعض حديثه غلط، ولهذا فرقوا بين من حدث عنه قديما، وبين من حدث عنه حديثا. وأهل السنن يروون له.
إلى أن قال:-
وقد روي الناس هذا الحديث من أكثر من خمسمائة سنة إن كان ضعيفا، وإلا فهو مروي في زمان النبي- صلى الله عليه وسلم، وما زال العلماء يقرؤون ذلك، ويسمعونه في المجالس الكبار والصغار، ولم يقل أحد من المسلمين إن إطلاق القول: إنه لا يستغاث بالنبي-صلى الله عليه وسلم كفر ولا حرام … إلخ كلامه- رحمه الله تعالى-.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)