فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك … الخ
…
فصل
قال الملحد: "وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قال:"اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك صلى الله عليه وسلم، ونستشفع إليك وبشيبته، فسقوا" وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سق الله الحجاز وأهله … عشية يستسقي بشيبته عمر"
والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره عن ابن عباس لم يذكره بإسناده، ولم يعزه إلى شيء من الكتب المعتمدة، وفيه ألفاظ مخالفة للأخبار الصحيحة، فلا اعتماد على ما ذكره، والمحفوظ المعتمد عليه ما ذكره البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر استقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: " اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون.
قلت: وقد ورد في بعض الألفاظ: قم يا عباس فادع الله. فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته، فيدعون معه، كالإمام والمأمومين من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.
ولهذا قال الفقهاء: يستحب الإستقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: "اللهم أنا نستقي بيزيد بن الأسود: يا يزيد أرفع يديك، فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى امطروا، وذهب الناس. ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به.
وأما قوله: "وفي رواية للزبير بن بكار أن العباس رضي الله عنه قال في دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم فأسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض. انتهى".
فأقول: قال الحافظ في الفتح، وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوية، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
وقد أسقط هذا الملحد من هذا الأثر قوله: اللهم إنه لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة. لعلمه أنه يعود على مقصوده بالهدم، وذلك أنهم إنما سألوا به ليدعو لهم، فاستكان لله تعالى بالاعتراف وبالذنب، وأنهم قد أتوه بائبين منيبين.
وكذلك أسقط منه قوله: "ونواصينا إليك بالتوبة" وهذا توسل منه بهذا العمل الصالح، وهو التوبة، وعلى تقدير صحة هذا الأثر فلا دليل فيه على ما يتوهمه، فإن توسلهم بالعباس بدعاء حي يقدر على الدعاء، وهذا لا محذور فيه وقد فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المحذور المنهي عنه دعاء الأموات، وتوجه بهم، والتوسل بهم وهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة المهديين، والعلماء والراسخين.
وأما قوله: "وفي هذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا سواء كان في الأحياء وبالأموات، وقول من منع ذلك بغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن فعل عمر رضي الله عنه حجة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي"1.--------------------------------------------
1 في الأصل: "تسلوا " وفي ط الرياض: "سئلوا ".
2 هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة. منهم ابن عمر أخرجه الترمذي في الفضائل من جامعه 5/617 وفي سنده خارجة بن عبد الله.
ومنهم أبو ذر كما في مسند أحمد 5/177 وابن ماجه 2/40 وأبو دود 3/365.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
فالجواب على هذا من وجوه:-
الأول: أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري، وهو ضعيف ضعفه أحمد.
الثاني: أن عمر استسقى بدعاء حي حاضر يقدر على الدعاء، وليس في هذا ما يدل على الاستسقاء بالأموات، ولو كان هذا جائرا لما عدل الفاروق عن الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء بالعباس الحي، فالقياس باطل، والتوهم تحكم.
الثالث: أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله رضي الله عنه حجة، ومن يدعيه فعليه البيان، خصوصا إذا خالف غيره من الصحابة.
الرابع: أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر رضي الله عنه في وقائع، كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. ويقويه الحديث المتفق عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال:1وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقر: آية--------------------------------------------
= ومنهم أبو هريرة، وعمر بن الخطاب نفسه، وابن عمر، وبلال، ومعاوية ابن أبي سفيان، وعائشة، وعلي بن أبي طالب موقوفا عليه، وابن مسعود كذلك، وطارق بن شهاب كذلك. ذكرها كلها الهيثمي في مجمع الزوائد 9/66-67.
1 في طبعة الرياض "وابن عمر إن قال عمر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
125] وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه فقلت: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} ونزلت كذلك. إلى غير ذلك من الأمور التي وافق فيها عمر، كقصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين.
وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فإنه عمر" المحدث الملهم1، وقيل الرجل الصادق الظن، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به، وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد، وقيل المكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوت، وقيل الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه، وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث بل لا بد له من عرضه على الكتاب والسنة، ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي صلى الله عليه وسلم ليس بحجة، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور، وليس الغرض أن الله جعل الحق في كل حادثه وواقعة على لسان عمر وقلبه، وأن فعله وقوله حجة شرعية، وأنه لا يقع منه خطأ قط، وإلا لما خالفه ونازعه أحد--------------------------------------------
1 ذكر هذه الأقوال الحافظ ابن حجر في الفتح عند كلامه على هذا الحديث 7/50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
من الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه، والثاني باطل فإن مخالفات الصحابة لعمر رضي الله عنه أكثر من أن يكتب في هذا المختصر، وأشهر أن يخفى على من له إلمام بكتب الحديث والأثر، ثم كيف يصح القول بحجية فعل عمر رضي الله عنه عموما كما زعم هذا المؤلف فقد أخطأ عمر رضي الله عنه في مسائل: منها عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء. ومنها عدم جواز التمتع في الحج عنده. ومنها قوله: إن لمعتدة 1الثلاث السكنى والنفقة، إلى غير ذلك من الأمور التي أخطأ فيها، ورجع فيها إلى الصواب. وكان الصديق رضي الله عنه يقومه في أشياء كثيرة، كما قومه يوم صلح الحديبية، ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان آحاد الناس يبين له الصواب فيرجع إلى قوله، كما راجعته أمرأة في قوله:"لئن بلغني أن أحدا زاد صداقه على صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ وقرأت قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} 2 [النساء: آية 20] فرجع إلى قولها وقال في لفظ آخر: الله أكبر أصابت امرأة وأخطأ عمر، وأمثال هذا كثير.
إذا عرفت هذا فليس في قول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق--------------------------------------------
1 في الأصل وط الرياض "المعتدة".
2 الحديث رواه أحمد وأهل السنن. وسرد طرقه ابن كثير في تفسير الآية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
على لسان عمر وقلبه" حجة على جواز التوسل بالنبي، والاستغاثه به بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولا بأحد من الأموات والغائبين، لا من الأنبياء والأولياء، ولا غيرهم من الصالحين، غاية ما فيه أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ومن ذلك أنه عدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، وهذا من الحق الذي جعل الله على لسان عمر وقلبه، وسيأتي إيضاح هذا فيما بعد عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأما قول الملحد: "ولا يقال فيه دليل على امتناع التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله لأن التوسل والاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان معلوما عندهم كما تقدم في القصة التي رواها ابن حنيف، وكما في توسل آدم في الحديث المتقدم الذي رواه عمر رضي الله عنه ، وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز".
فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا، وأنه لم يكن يفعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا من بعدهم من الأئمة المقلدين، لذلك عدل عمر رضي الله عنه عن التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس، وقد ألهم الصواب لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه.
وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته صلى الله عليه وسلم، وهو توسل بدعائه، كما كان الصحابة يتوسلون بذلك، ويسألونه الاستغفار والدعاء، وهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله علي وسلم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
كما تقدم، وأما بعد وفاته فلم يفعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه، ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت مخاطبة الرسول، بل هي ساقطة في الأصول المحررة، ومسألة السؤال به أو بحقه غير مسألة نفسه ودعائه.
وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بجاه محمد فهو حديث موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث.
وأما قوله:"وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز."
فالجواب أن يقال: قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله عنه ، قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون. فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله من هذه الدار جائز لما عدلوا إلى غيره بل كانوا يقولون: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهو يجدون أدنى مساغ لذلك، فعدولهم هذا مع أنهم السابقون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحقوق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق، دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره.
وأما قوله: "وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي لا يجوز".
فأقول فيه كلام من وجوه:-
الأول: أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس رضي الله عنه هو الاستسقاء بدعاء العباس، على طرية معهودة في الشرع، وهي أن يخرج من يستسقى به إلى المصلي، فيستسقي ويستقبل القبلة داعيا، ويحول رداءه، ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح، والدليل عليه قول عمر رضي الله عنه: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ففي هذا القول دلالة واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بأن يخرج، ويستقبل القبلة، ويحول رداءه، ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة في الاستسقاء، ولم يرد في حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته متوسلين به صلى الله عليه وسلم من غير أن يفعل ما يفعل في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، ومن يدعي وروده فعليه الإثبات.
إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح من الاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت، فالقول بإمكان هذا الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته من أبطل الباطل، وكان القول بأنه لو استسقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما يفهم منه بعض الناس أو يتوهم أنه لا يجوز الاستسقاء بغيره بديهي البطلان، فإن ما ثبت بفعله صلى الله عليه وسلم هو مشروع لنا لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: آية 7] وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: آية 21] ما لم يدل دليل على كونه مخصوصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه.
والثاني: أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى بأن يتوسل بحي غير النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلمفي حياته، فإن هذه الصور الثلاث أبعد من أن يبدو فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقي بالعباس لأنه حي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات، وأن الاستسقاء بغير الحي لا يجوز، فلما ترك عمر رضي الله عنه تلك الصور، واختار الصورة التي يتأتي فيها الاحتمال المذكور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
دل هذا الصنيع على أن مقصوده رضي الله عنه ليس دفع التوهم المذكور.
الثالث: أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم أخف من توهم عدم جواز الاستسقاء بالميت، لا سيما إذا كان ذلك الميت غير النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هذا التوهم أولى بالدفع، فكان الأنسب حينئذ أن يستسقي بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم.
الرابع: أن هذا التعليل فاسد لأن المعلل لم يقم عليه برهان ولا دليل فلا يصغي إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض … الخ
…
فصل:
قال الملحد: "وقد ذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة" في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه، ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حاجاته، وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي رضي الله عنهما حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك، فقال له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن"1.
والجواب أن يقال لهذا الجاهل البليد كيف يثبت دين الله تعالى بمثل هذه الأقوال الكاسدة، والشبه المعتلة الفاسدة. أيظن أن كل أحد يروج عليه الباطل، ويشتبه عليه العاطل؟ طلا فإن الله رجالا ينفون عن دينه زيغ المبطلين، وتحريف الملحدين.
ثم إن هذه الحكاية من الكذب المعلوم كذبه بالاضطرار--------------------------------------------
1 كذب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القصة في "الاقتضاء" 2/685.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
عند من له معرفة بالنقل والآثار 1،فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.
ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذي أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا غيره،
ثم إن الشافعي قد صرح في بعض كتبه بكراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك لها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره.
ثم هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضي بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير--------------------------------------------
1 في ط: الرياض "نقل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
نقل عن الأنبياء 1 النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال.
وأما قوله: "وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي" فهو من نمط ما قبله مما يعلم كل عاقل بالضرورة أنه من الكذب بل لا بد من رفع هذه الأمور إلى أصحابها بسند يعتمد عليه، ودونه لا يسمع، ثم لو ثبت ذلك فأفعالهم وتقريراتهم ليست من الحجة، في شيء، وحاشاهم من ذلك فهم أجل قدرا، وأعظم خطرا من أن تجري منهم هذه الأمور، وهي لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أجاب في كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" عن مثل شبه هذا الملحد بوجهين.- مجمل ومفصل، وقد أجاد فيها وأفاد، وحيث أن ذلك مما لا يمكننا نقل جميعه فلا بأس أن نذكر المجمل.
قال رحمه الله تعالى:- أما المجمل فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان--------------------------------------------
1 وفي الأصل "أنبياء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند نبي أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن قرينه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال أصابتهم جميعا، موافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا حسن الظن بالإجابة عند هذا، وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان، ثم قد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى المؤمنين، وسلبه الله تعالى الإيمان، والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون انتهى.
وفيه كفاية لمن كشف الله عن بصيرته حجب الغفلة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت.
…
فصل:
قال الملحد: "وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالصواعق المحرقة لأهل الضلال والزندقة" إن الإمام الشافعي رضي الله عنه توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:-
آل النبي ذريعتي … وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطى غدا … بيدي اليمنى صحيفتي
انتهى، من كتاب "خلاصة الكلام" مع بعض تقرير واختصار".
والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله، وفيه من الكلام كما فيما قبله. وابن حجر المكي - عامله الله بعدله - من الغالين في الصالحين، ومن الثالبين لأئمة المسلمين، الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين، وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: آية 115] {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: آية 40] ومن كانت هذه حاله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه. وعلى تقدير ثبوته وصحته إن كان النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد، وتعظيمهم، واتباعهم، والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي، وكان في قوله: أرجو بهم، أي أرجو بحبهم وتعظيمهم واتباعهم.
وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل بغيره أيضا من الأحياء"
فأقول: أما التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده فمسند 1هؤلاء الغلاة فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته صلى الله عليه وسلم فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى عن إعادته. وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم، وأنهم لم يكونوا يفعلونه، ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم.
وإذا علمت هذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ،وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وما ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع، ومنها ما هو معلول لا تقوم به الحجة، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما ذكر من--------------------------------------------
1 في الأصل، وط: الرياض "ومسند".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من الموضوعات المكذوبات، والله الهادي إلى الصواب.
وأما قوله:"وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك".
فأقول: هذه دعوى مجردة، وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا أيضا أبطل مما قبله، فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين.
وقوله:"ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا، والإجماع حجة قاطعة".
فأقول: هذا قول على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى جميع العلماء بغير علم قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 33] .
وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع ما يدل على ما توهمه، بل هو عليه لا له، ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله المستعان.
وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
القول القاسط، والهذيان الساقط، فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله، وسنة رسوله، والإجماع القاطع، وما يترتب على ذلك من المفاسد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا … الخ
…
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فصل
ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى، وغيرة على التوحيد1، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباة، وقبّلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت الأصوات بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على--------------------------------------------
1 في النسختين: "وغيرة التوحيد" وما أثبته من إغاثة اللهفان ص102 ط الميمنية بمصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)