وذلك أن كون ما اتفقا على تخريجه أقوى مما انفرد به واحد منهما له فائدتان:
إحداهما: أن اتفاقهما على التخريج عن راو من الرواة يزيده قوة، فحينئذ ما يأتي من رواية ذلك الراوي الذي اتفقا على التخريج عنه أقوى مما يأتي من رواية من انفرد به أحدهما.
والثاني1: أن الإسناد الذي اتفقا على تخريجه يكون متنه أقوى من الإسناد الذي انفرد به واحد منهما.
ومن هنا يتبين أن فائدة المتفق إنما تظهر فيما/ (?37/ب) إذا أخرجا الحديث من حديث صحابي واحد.
نعم، قد يكون في ذلك الجانب2 - أيضا - قوة من جهة أخرى وهو أن المتن الذي تتعدد طرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة3، فالذي يظهر من هذا أن لا يحكم لأحد الجانبين بحكم كلي.
بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد إذا لم يكن فردا غريبا أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه الآخر، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد فردا غريبا، فيكون ذلك أقوى منه - والله أعلم -.
تنبيه آخر:
هذه الأقسام التي ذكرها المصنف للصحيح ماشية على قواعد الأئمة--------------------------------------------
1 كذا في جميع النسخ والصواب "الثانية".
2 في جميع النسخ سوى نسخة (ي) "الحديث الجانب" ولا داعي لكلمة "الحديث" لأنها تفسد الكلام.
3 نقل الصنعاني هذا الكلام في توضيح الأفكار 1/88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
ومحققي النقاد إلا أنها قد لا تطرد، لأن الحديث الذي ينفرد به مسلم/ (ر37/ب) - مثلا - إذا فرض مجيئه من طرق كثيرة حتى تبلغ التواتر أو الشهرة القوية ويوافقه على تخريجه مشترطو الصحة - مثلا - لا يقال فيه: إن ما انفرد البخاري بتخريجه إذا كان فردا ليس له إلا مخرج واحد أقوى من ذلك، فليحمل إطلاق ما تقدم من تقسيمه على الأغلب الأكثر1 - والله أعلم -.
أقسام الحديث الصحيح:
وأما ما ذكره الحاكم في كتاب المدخل له أن الصحيح من الحديث ينقسم عشرة أقسام: خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها:
فالأول - من المتفق عليها - اختيار البخاري ومسلم فذكر ما نقلناه عنه في أوائل هذه الفوائد2.
الثاني: أن لا يكون للصحابي إلا راو واحد. قال: "ولم يخرجا هذا النوع في الصحيح".
الثالث: (أن لا يكون للتابعي إلا راو واحد) 3.
الرابع/ (?38/أ) : الأحاديث الأفراد الغرائب التي4 يتفرد بها ثقة من الثقات.
الخامس/ (ب77) : أحاديث جماعة عن آبائهم عن أجدادهم لم يأت عن آبائهم إلا عنهم.
قال: فهذه الخمسة الأقسام5 مخرجة في كتب الأئمة محتج بها ولم يخرج منها في الصحيحين غير القسم الأول.--------------------------------------------
1 نقل الصنعاني هذا الكلام في توضيح الأفكار 1/88- 89.
2 ص239.
3 ما بين القوسين سقط من "ب".
4 في النسخ جميعا "الذي" وهو خطأ كما ترى.
5 في (ي) "أقسام" بالتنكير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
وأما الأقسام المختلف فيها فهي:
1- المراسيل.
2- وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا السماع.
3- والمختلف في وصله وإرساله بين الثقات.
4- وروايات الثقات غير الحفاظ1.
5- ورواية المبتدعة إذا كانوا صادقين.
هذا حاصل ما ذكره الحاكم مبسوطا مطولا في "كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل"2.
وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول.
ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول3 تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم/ (ر38/أ) دون البحث والنظر لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب.
فأقول: أما القسم [الأول] 4 الذي ادعى أنه شرط الشيخين فمنقوض بأنهما لم يشترطا ذلك ولا يقتضيه تصرفهما وهو ظاهر بين لمن نظر في كتابيهما.
وأما زعمه: بأنه ليس في الصحيحين شيء من رواية صحابي ليس له إلا راو واحد فمردود بأن البخاري أخرج حديث مرداس الأسلمي - رضي الله--------------------------------------------
1 في (ر/أ) و (?) "روايات الثقات عن الحفاظ" وفي (ر/ب) "من" بدل "عن" وما في "ي" وهو الذي أثبتناه وهو الصواب.
2 من ص7- 16 من المدخل.
3 من ص160- 171 ج1.
4 الزيادة من "ي".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
عنه - وليس له راو إلا قيس بن أبي حازم في أمثلة كثيرة مذكورة في أثناء الكتاب1.
وأما قوله: بأنه ليس في الصحيحين من رواية تابعي ليس له إلا راو واحد فمردود - أيضا -[فقد] 2 خرج/ (ي66) البخاري حديث الزهري عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم3 ولم يرو عنه غير/ (?39/أ) الزهري في أمثلة قليلة لذلك.
وأما قوله:/ (ب78) "إن الغرائب4 الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء فليس كذلك بل فيهما قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي5 في جزء مفرد.
وأما قوله: إنه ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه عن جده مع تفرد الابن بذلك عن أبيه فمنتقض برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن--------------------------------------------
1 لعله رجع عن رأيه في الصحابي، فقد نقل السخاوي في فتح المغيث 1/47 ما يأتي قال: "وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك وإن كان مناقضا لكلامه الأول"، ولعله رجع عنه إلى هذا فقال: "الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به وصححنا حديثه، إذ هو صحيح على شرطهما جميعا، فإن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أي حازم عن كل من مرداس الأسلمي وعدي بن عميرة، وليس لهما راو غيره، وكذلك احتج مسلم بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه وأحاديث مجزأة بن زاهر الأسلمي عن أبيه، وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام وزال بما تممت به عنه الملام".
2 الزيادة من "ي".
3 عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، ثقة ما روى عنه غير الزهري من السادسة/خ. تقريب 2/62، والكاشف 2/320 وقال وثقه "س".
4 الغريب: ما انفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند.
5 هو الإمام العالم الحافظ الحجة محدث الشام شيخ السنة ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي صاحب التصانيف النافعة منها: "المختارة" في تسعين جزءا ولم يكمل مات سنة 643. تذكرة الحفاظ 4/1405، وشذرات الذهب 5/224، والأعلام 7/134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
جده1 وبرواية عبد الله2 والحسن3 ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي وغير ذلك.
وفي ذلك ما تفرد به بعضهم وهو في الصحيحين أو أحدهما.
وأما الأقسام الخمسة التي ذكر أنه مختلف فيها وليس في الصحيحين منها شيء فالأول كما قال، نعم، قد يخرجان منه في الشواهد.
في الثاني نظر يعرف من كلامنا في التدليس4.
وأما ما اختلف في إرساله ووصله بين الثقات، ففي الصحيحين منه جملة/ (ر38/ب) وقد تعقب الدارقطني بعضه في كتاب التتبع5 له وأجبنا عن أكثره6.
وأما روايات الثقات غير الحفاظ، ففي الصحيحين منه جملة - أيضا - لكنه7 حيث يقع مثل ذلك عندهما يكونان قد أخرجا له أصلا يقويه.
وأما--------------------------------------------
1 حديث سعيد بن المسيب عن أبي هـ عن جده في خ 78- كتاب الأدب 107- باب اسم الحزن حديث 6190 من طريق الزهري عن سعيد عن أبيه عن جده قال بهذا: "أحال به البخاري على حديث سابق عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل، قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب فما زالت الحزونة فينا بعد".
2 عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو هاشم وأبوه ابن الحنفية ثقة قرنه الزهري بأخيه الحسن من الرابعة مات سنة 9/ع. تقريب 1/448.
3 الحسن بن محمد بن علي لن أبي طالب الهاشمي أبو محمد المدني وأبوه ابن الحنفية ثقة فقيه يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء من الثالثة، مات سنة 100 وقيل قبلها بسنة./ع. تقريب 1/171، والكاشف 1/227 وقال فيه مات سنة 95.
4 سيأتي.
5 تتبع فيه الدارقطني الأحاديث التي رأى أن فيها عللا في صحيحي البخاري ومسلم وهو مخطوط، وتوجد منه نسخة بمكتبة حيدر آباد الدكن رقم 355 وعندي منها صورة، وقد طبع حديثا.
6 في مقدمة فتح الباري 2/346- 383.
7 من (ر/أ) وفي باقي النسخ "لكنني". وهو خطأ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
روايات المبتدعة إذا كانوا صادقين، ففي الصحيحين عن خلق كثير من ذلك، لكنهم من غير الدعاة ولا الغلاة، وأكثر ما يخرجان من هذا القسم من غير الأحكام. نعم، وقد أخرجا لبعض الدعاة الغلاة كعمران بن حطان1 وعباد بن يعقوب2 وغيرهما، إلا أنهما لم يخرجا لأحد منهم إلا ما توبع عليه.
وقد فات الحاكم من الأقسام المختلف فيها قسم آخر نبه عليه القاضي عياض3 - رحمه الله تعالى - وهو: رواية المستورين، فإن رواياتهم مما اختلف في قبوله/ (?39/أ) ورده. ولكن يمكن الجواب عن الحاكم في ذلك بأن هذا القسم وإن كان مما اختلف في قبول حديثهم ورده، إلا أنه لم يطلق أحد/ (ب79) على حديثهم اسم الصحة. بل الذين قبلوه جعلوه من جملة الحسن بشرطين:
أحدهما: أن لا تكون رواياتهم شاذة.
وثانيهما: أن يوافقهم غيرهم/ (ي67) على رواية ما رووه.
فقبولها حينئذ إنما هو باعتبار المجموعية - كما قرر في الحسن - والله أعلم -.--------------------------------------------
1 من (ي) وفي باقي النسخ "كعمر بن الخطاب" وهو خطأ فاحش وقع من النساخ وعمران بن حطان - بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين - السدوسي صدوق إلا أنه كان على مذهب الخوارج ويقال: رجع عنه من الثالثة مات سنة 84/خ د س. تقريب 2/82، والكاشف 2/348.
2 عباد بن يعقوب الرواجني - بتخفيف الواو وبالجيم المكسورة والنون الخفيفة - أبو سعيد الكوفي صدوق رافضي حديثه في البخاري مقرون. بالغ ابن حبان فقال: "يستحق الترك"، من العاشرة. مات سنة 250/خ ت ق. تقريب 1/395، والكاشف 2/63.
3 هو عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته عياض بن موسى اليحصبي السبتي أبو الفضل له مؤلفات منها: الشفاء وشرح مسلم، ومشارق الأنوار. مات سنة 544. تذكرة الحفاظ 4/1304، والأعلام 5/282.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
[دعوى ابن عبد السلام والنووي أن أخبار الصحيحين لا تفيد إلا الظن:]
12- قوله ع: "وقد عاب ابن عبد السلام1 على ابن الصلاح هذا وذكر أن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته".
وقال النووي: "خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون". فقالوا: "يفيد الظن ما لم يتواتر، وقال في شرح مسلم: لايلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم"2.
[رد الحافظ على النووي وابن عبد السلام:]
أقول أقر شيخنا هذا من كلام النووي، وفيه نظر/ (ر: ل 39/أ) وذلك أن ابن الصلاح لم يقل: إن الأمة أجمعت على العمل (بما فيهما) 3، وكيف يسوغ له أن يطلق ذلك والأمة لم تجمع على العمل بما4 فيهما لا من حيث الجملة ولا من حيث التفصيل، لأن فيهما أحاديث ترك العمل بما دلت عليه لوجود معارض من ناسخ أو مخصص.
وإنما نقل ابن الصلاح أن الأمة أجمعت على تلقيهما بالقبول من حيث الصحة، ويؤيد ذلك أنه قال في شرح مسلم ما صورته:--------------------------------------------
1 هو العلامة عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي المغربي الأصل الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد السلام عز الدين أبو محمد فقيه مشارك في الأصول والعربية والتفسير، من شيوخه الآمدي ومن تلاميذه ابن دقيق العيد. مات سنة 660. طبقات الشافعي للأسنوي 2/197، وشذرات الذهب 5/301، ومعجم المؤلفين 5/249.
2 التقييد والإيضاح ص41- 42 ومقدمة النووي لشرح مسلم ص20.
3 في كل النسخ (بما فيها) وهو خطأ والصواب ما أثبتناه لأن الحديث عن الصحيحين. ثم وجدته على الصواب في (ي) .
4 كلمة "بما" سقطت من (ر) "?) وفي (ب) "بها" والصواب ما أثبتناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
"ما اتفقا عليه مقطوع بصدقه لتلقي الأمة له بالقبول وذلك يفيد العلم النظري وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري1.
ثم حكى عن إمام الحرمين2 مقالته المشهورة أنه لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في/ (?ل39:ب) "كتاب البخاري ومسلم" مما حكم بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع/ (ب80) علماء3 المسلمين على صحتهما4.
فهذا يؤيد ما قلنا أنه ما أراد أنهم اتفقوا على العمل وإنما اتفقوا على الصحة. وحينئذ فلابد لاتفاقهم من مزية، لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول، ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله. فاتفاقهم على تلقي ما صح سنده ماذا يفيد؟
فأما متى قلنا يوجب/ (ي68) العمل فقط لزم تساوي الضعيف والصحيح، فلابد للصحيح من مزية. وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في البرهان عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك5 ما يصرح بهذا التفصيل الذي أشرت--------------------------------------------
1 انظر مقدمة شرح مسلم للنووي ص20، انظر مقدمة ابن الصلاح ص24- 25.
2 هو العلامة الكبير عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني أبو المعالي ركن الدين أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي كان يحضره دروسه أكابر العلماء، له مؤلفات منها البرهان في أصول الفقه والرسالة النظامية في الأركان الإسلامية وكان أعجوبة زمانه، مات سنة 478. طبقات الشافعية للأسنوي 1/409، والنجوم الزاهرة 5/121، والأعلام 4/306.
3 "كلمة" علماء ليست في (ر) .
4 مقدمة شرح مسلم للنووي ص20.
5 محمد بن الحسن بن فورك، أصولي متكلم أديب نحوي واعظ يقال إنه قتله محمود بن سبكتكين سنة 406 لقوله أن نبينا صلى الله عليه وسلم ليس هو رسول الله اليوم لكنه كان رسول الله. الأعلام 6/313 نقلا عن النجوم الزاهرة 4/240، في النجوم الزاهرة قتله محمود بن سبكتكين بالسم لكونه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا في حياته فقط، وأن روحه قد بطل وتلاشى وليس هو في الجنة عند الله (يعني روحه صلى الله عليه وسلم) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
إليه؛ فإنه قال1 في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته.
ثم فصل ذلك فقال: "إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر. وإن تلقوه/ (ر39/ب) بالقبول قولا وفعلا حكم بصدقه قطعا وحكى أبو نصر القشيري2 عن القاضي أبي بكر الباقلاني3 أنه بين في "كتاب التقريب" أن الأمة إذا اجتمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أن يظهر منهم ذلك التواطؤ على أن الخبر صدق، كان ذلك دليلا على الصدق".
قال أبو نصر وحكى إمام الحرمين عن القاضي أن تلقي الأمة لا يقتضي القطع بالصدق.
ولعل هذا فيما إذا تلقته بالقبول، ولكن يحصل إجماع على تصديق الخبر فهذا وجه الجمع بين كلامي القاضي.
وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في "كتاب الملخص"/ (?40/أ) بالصحة فيما إذا تلقوه بالقبول. قال: وإنما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟. على قولين: قال: "وكذلك إذا عمل بموجبه أكثر الصحابة رضي الله عنهم وأنكروا على من عدل عنه فهل يدل على صحته وقيام الحجة به؟--------------------------------------------
1 نقل الصنعاني كلام ابن فورك عن الحافظ في توضيح الأفكار 1/125.
2 هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الشافعي أبو نصر فقيه أصولي مفسر أديب ناثر ناظم من شيوخه إمام الحرمين، مات سنة 514.
هدية العارفين 1/559، وطبقات الأسنوي 2/302، ومعجم المؤلفين 5/207.
3 هو الإمام محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري، ثم البغدادي المعروف بالباقلاني أبو بكر، متكلم على مذهب الأشعري، له مؤلفات منها: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، مات سنة 403. النجوم الزاهرة 4/234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
ذهب الجمهور إلى أنه لا يكون صحيحا بذلك".
وذهب عيسى بن أبان1 إلى أنه يدل على صحته، انتهى.
فقول الشيخ محيي الدين النووي: "خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون". غير متجه.
بل تعقبه شيخنا شيخ الإسلام في محاسن الاصطلاح2 فقال: "هذا ممنوع فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول".
قلت: وكأنه عني بهذا الشيخ تقي الدين بن تيمية فإني3 رأيت فيما حكاه عن بعض ثقات/ (ي69) أصحابه4 ما ملخصه: الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له وعملا بموجبه أفاد/ (ر40/أ) العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي5 وغيره من الحنفية والقاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية،--------------------------------------------
1 عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى قاض من كبار الحنفية، كان سريعا بإنفاذ الحكم عفيفا، له مؤلفات منها "إثبات القياس" و"اجتهاد الرأي". الأعلام 5/283، وتاريخ بغداد 11/157.
2 محاسن الاصطلاح بهامش مقدمة ابن الصلاح ص101.
3 هو الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد المفسر البارع شيخ الإسلام علم الزهاد نادرة عصره تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني أحد الأعلام، بلغت مؤلفاته ثلاثمائة مجلد منها الفتاوى والمنهاج، توفي سنة 728. تذكرة الحفاظ 4/1496، والنجوم الزاهرة 9/271، والأعلام 1/141.
4 لعله الإمام ابن القيم فإنه نقل في الصواعق المرسلة ص481- 482 عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما لخصه الحافظ هنا، وانظر فتاوى ابن تيمية ص18، 40، 48، 49، وتفسيرات ابن تيمية ص19.
5 محمد بن أحمد بن أبي بكر السرخسي شمس الأئمة، متكلم فقيه أصولي مناظر من طبقة المجتهدين في المسائل، من آثاره المبسوط، مات سنة 483. كشف الظنون 2/1580، والأعلام 6/208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
والشيخ أبي حامد الإسفرائيني1 والقاضي أبي الطيب الطبري2 والشيخ أبي إسحاق الشيرازي3 وسليم الرازي4 وأمثالهم من الشافعية، وأبي عبد الله بن حامد5 والقاضي أبي يعلى6 وأبي الخطاب7 وغيرهم من الحنبلية وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم كأبي إسحاق--------------------------------------------
1 هو العلامة أحمد بن محمد بن أحمد الإسفرائيني من أعلام الشافعية، ألف كتابا منها مطول في أصول الفقه، ومختصر في الفقه سماه "الرونقي"، توفي سنة 406.
طبقات الأسنوي 1/58، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 2/208، والأعلام 1/203.
2 هو العلامة طاهر بن عبد الله بن عمر الطبري فقيه أصولي جدلي، من آثاره شرح مختصر المزني في الفقه الشافعي، مات سنة 450. تهذيب الأسماء واللغات 2/247، وطبقات الشافعية للسبكي 5/12، ومعجم المؤلفين 5/37.
3 هو العلامة إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي، كان مناظرا ومفتي الأمة في عصره، اشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة، له تصانيف كثيرة منها المهذب في الفقه والتبصرة في أصول الشافعية، مات سنة 476. طبقات الشافعية للسبكي 4/215، والأعلام 1/44.
4 هو سليم بن أيوب الرازي فقيه شافعي، له مؤلفات منها غريب الحديث والإشارة، كنيته أبو الفتح، مات سنة 447. طبقات الشافعية للأسنوي 1/562، والأعلام 3/176.
5 هو إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم: الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، له مصنفات في العلوم المختلفة منها: الجامع في الفقه الحنبلي نحوا من أربعمائة جزء، مات سنة 403، من تلاميذه القاضي أبي يعلى.
طبقات الحنابلة 2/171، والنجوم الزاهرة 4/232، والبداية والنهاية 11/349.
6 والعلامة محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، له تصانيف كثيرة منها الإيمان والعدة والكفاية في أصول الفقه، مات سنة 458. طبقات الحنابلة 2/193، وتاريخ بغداد 2/256، والأعلام 6/331.
7 هو محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني أبو الخطاب إمام الحنبلية في عصره، له مؤلفات منها: التمهيد و"عقيدة أهل الأثر" وله اشتغال بالأدب، مات سنة 510. طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/258، والنجوم الزاهرة 5/212، والأعلام 6/178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
الإسفرائيني1 وأبي بكر ابن فورك وأبي منصور التميمي وابن السمعاني2 وأبي هاشم الجبائي3 وأبي عبد الله البصري4 قال/ (?40/ب) : وهو مذهب أهل الحديث قاطبة وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح في مدخله إلى علوم الحديث - فذكر ذلك استنباطا وافق فيه هؤلاء الأئمة وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله لكونه لم يقف إلا على تصانيف من خالف في ذلك كالقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي5 وابن عقيل6 وغيرهم، لأن هؤلاء يقولون إنه لا يفيد العلم مطلقا. وعمدتهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده، والأمة إذا عملت بموجبه فالوجوب العمل بالظن عليهم وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن، لأن هذا جزم بلا علم.
والجواب: أن إجماع الأمة معصوم عن الخطأ في الباطن.. وإجماعهم على--------------------------------------------
1 هو العلامة: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الفقيه الأصولي الملقب "بركن الدين" له كتاب الجامع في أصول الدين في خمس مجلدات ورسالة في أصول الفقه، مات سنة 418. طبقات الأسنوي 1/59، والأعلام 1/59، وانظر البرهان ص163 حيث قال أبو إسحاق إن المستفيض يفيد العلم النظري.
2 هو الحافظ البارع العلامة تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن تاج الإسلام محمد بن أبي المظفر منصور التميمي السمعاني صاحب التصانيف منها: الذيل على تاريخ بغداد، مات سنة 562. تذكرة الحفاظ 4/1316، النجوم الزاهرة 5/563.
3 هو أحد رؤساء المعتزلة: عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب أبو هاشم وإليه تنسب الهاشمية من المعتزلة، مات سنة 321. تاريخ بغداد 11/55، البداية والنهاية 11/176.
4 هو الحسين بن عبد الله البصري المعتزلي متكلم، له مؤلفات كثيرة، مات سنة 367. معجم المؤلفين 4/19.
5 هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي (نسبة إلى قصبة طوس بخرسان) فيلسوف متصوف، له نحو مائتي مصنف منها الإحياء ومقاصد الفلاسفة، مات سنة 505. السبكي: طبقات الشافعية 6/191، والأعلام 7/247.
6 هو شيخ الحنابلة في وقته ببغداد علي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء صاحب الفنون وغيرها من التصانيف المفيدة، مات سنة 513. ابن كثير: البداية والنهاية 12/184، طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 2/259.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
تصديق الخبر كإجماعهم على وجوب العمل به، والواحد منهم وإن جاز عليه أن يصدّق في نفس الأمر من هو كاذب أو غالط فمجموعهم معصوم عن هذا كالواحد من أهل التواتر يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى/ (ر45/ب) أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ عن مجموعهم ولا فرق، (انتهى كلامه) .
وأصرح من رأيت كلامه في ذلك ممن نقل الشيخ تقي الدين عنه ذلك فيما نحن بصدده - الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فإنه قال: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن/ (ي70) صاحب الشرع وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها"1.
كأنه يشير بذلك إلى ما نقده بعض الحفاظ.
وقد احترز ابن الصلاح عنه.
وأما قول الشيخ محي الدين: "لا يفيد العلم إلا أن تواتر" فمنقوض بأشياء:
أحدها: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري/ (?41/أ) وممن صرح به إمام الحرمين والغزالي2 والرازي3، والسيف الآمدي4 وابن الحاجب5 ومن تبعهم.--------------------------------------------
1 أشار إلى هذا في نزهة النظر ص27 نشر المكتبة العلمية بالمدينة.
2 انظر المنخول ص240.
3 هو محمد بن عمر بن الحسين التيمي البكري الشافعي المعروف بالفخر الرازي مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم أديب، مات سنة 606. طبقات الشافعية للأسنوي 2/260، وشذرات الذهب لابن العماد 5/21، والنجوم الزاهرة 6/197.
4 الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2/37 وهو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الحنبلي ثم الشافعي فقيه أصولي متكلم منطقي حكيم، له مؤلفات منها إحكام الأحكام في الأصول، مات سنة 631. طبقات الشافعي للأسنوي 1/137، ابن كثير: البداية والنهاية 13/140.
5 هو العلامة عثمان بن عمر بن أبي بكر أبو عمرو جمال الدين بن الحاجب فقيه مالكي من كبار العلماء بالعربية كردي الأصل، من تصانيفه (الكافية في النحو) ومنتهى السول ومختصره في الأصول، مات سنة 646. شذرات الذهب 5/234، والأعلام 4/374، وانظر كلام ابن الحاجب 2/55 حاشية السعد على شرح العضد للمنتهى الأصولي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
ثانيها: الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن.
وممن ذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني1 والأستاذ أبو منصور التميمي والأستاذ أبو بكر بن فورك.
وقال الأبياري2 - شارح البرهان - بعد أن حكى عن إمام الحرمين أنه ضعف هذه المقالة: "بأن العرف واطراد الاعتبار لا يقتضي الصدق قطعا بل قصاراه غلبة الظن لغلبة الإسناد". أراد أن النظر في أحوال المخبرين من أهل الثقة والتجربة يحصل ذلك، ومال إليه الغزالي. وإذا قلنا أنه يفيد العلم فهو نظري لا ضروري، وبالغ أبو منصور التميمي في الرد على من أبى ذلك، فقال: المستفيض وهو الحديث الذي له طرق كثيرة صحيحة لكنه لم يبلغ مبلغ التواتر، يوجب العلم المكتسب ولا عبرة بمخالفة أهل الأهواء في ذلك.
ثالثها: ما قدمنا/ (ر41/أ) نقله عن الأئمة في الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول. ولا شك أن إجماع الأمة على القول بصحة الخبر أقوى من إفادة العلم من القرائن المحتفة ومن مجرد كثرة الطرق.
ثم بعد تقرير ذلك كله جميعا لم يقل ابن الصلاح ولا من تقدمه3 أن--------------------------------------------
1 جمع الجوامع وشرحه للمحلي مع حاشية البناني 2/130.
2 في كل النسخ الأنباري بالنون والباء وهو خطأ والأبياري صاحب الترجمة هو علي بن إسماعيل بن علي بن حسن بن عطية (شمس الدين أبو الحسن) فقيه أصولي متكلم من تصانيفه شرح البرهان، مات سنة 616. معجم المؤلفين 7/37.
3 لكن من تقدم ابن الصلاح قد قال: إنه يفيد العلم اليقيني كما نقل الحافظ نفسه عن أبي إسحاق الإسفرائيني أنه قال: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن صاحب الشرع" انظر ص377 وكذا ما نقله عن شيخه البلقيني أنه نقل عن بعض المتأخرين عن جمع من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول. وكذا في الكلام الذي لخصه عن ابن تيمية فإنه قال في خلاله "فهذا يفيد العلم اليقيني" وانظر الصواعق المرسلة ص482.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده الخبر المتواتر لأن المتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يقبل التشكيك، وما عداه مما ذكر يفيد العلم النظري الذي يقبل التشكيك، ولهذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت في الصحيحين - والله أعلم -/ (?41/ب) .
وبعد تقرير هذا فقول ابن الصلاح "والعلم اليقيني النظري حاصل به" (ي71) لو اقتصر على قوله العلم النظري لكان أليق بهذا المقام.
أما اليقيني فمعناه القطعي، فلذلك أنكر عليه من أنكر، لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما/ (ب84) يقع الترجيح في مفهوماته. ونحن نجد علماء هذا الشأن قديما وحديثا يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعا به (ما بقي للترجيح مسلك وقد سلم ابن الصلاح هذا القدر فيما مضى) 1 لما رجح بين صحيحي البخاري ومسلم، فالصواب الاقتصار في هذه2 المواضع على أنه يفيد العلم النظري كما قررناه - والله أعلم.
13- قوله ع3: "ما ادعاه من أن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته قد سبقه إليه أبو الفضل بن طاهر4 وأبو نصر بن يوسف5".--------------------------------------------
1 مابين القوسين سقط من (ب) .
2 في (ي) "في هذا الموضع".
3 التقييد والإيضاح ص41، 42. وقد سقط الرمزان إلى العراقي من كل النسخ.
4 انظر شروط الأئمة الستة لابن طاهر ص13.
5 هو عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي روى عن ابن بيان وجماعة وكان خياطا. توفي سنة 574. شذرات الذهب لابن عماد 4/248 وانظر التقييد والإيضاح ص41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
أقول: أراد الشيخ بذكر هذين الرجلين كونهما من أهل الحديث وإلا فقد قدمنا من كلام جماعة من أئمة الأصول موافقته على ذلك وهم قبل ابن الصلاح.
نعم، وسبق ابن طاهر إلى القول بذلك جماعة من المحدثين كأبي بكر الجوزقي وأبي عبد الله الحميدي/ (رل41/ب) بل نقله ابن تيمية1 كما تقدم عن أهل الحديث قاطبة.
14- قوله ع2: "إن ما استثناه من المواضع قد أجاب العلماء عنها، ومع ذلك ليست يسيرة بل هي كثيرة جمعتها مع الجواب عنها في تصنيف".
أقول: "كأن مسودة هذا التصنيف ضاعت3 وقد طال بحثي عنها وسؤالي من الشيخ أن يخرجها لي فلم أظفر بها، ثم حكى ولده/ (?42/أ) أنه ضاع منها كراسان أولان فكان ذلك سبب إهمالها وعدم انتشارها".
قلت: وينبغي الاعتناء بمقاصد ما لعلها اشتملت عليه.
فأقول: أولا اعتراض4 الشيخ على ابن الصلاح استثناء المواضع اليسيرة بأنها ليست يسيرة بل كثيرة وبكونه قد جمعها وأجاب عنها لا يمنع استثناءها.
أما كونها ليست يسيرة فهذا/ (ي72) أمر نسبي. نعم هي بالنسبة إلى ما لا مطعن فيه من الكتابين يسيرة جدا/ (ب85) .
وأما كونها يمكن الجواب عنها فلا يمنع ذلك استثناءها، لأن من تعقبها من جملة من ينسب إليه الإجماع على التلقي.--------------------------------------------
1 انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية المجلد 18/17.
2 التقييد والإيضاح ص41، 42. وقد سقط الرمزان إلى العراقي من كل النسخ.
3 كلمة "ضاعت" سقطت من (ب) .
4 في (?) اعترض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
[تعين استثناء الأحاديث المنتقدة في الصحيحين من تلقيها بالقبول:]
فالمواضع المذكورة متخلفة عنده عن التلقي فيتعين استثناؤها 1 وقد اعتنى أبو الحسن الدارقطني بتتبع ما فيهما من الأحاديث المعللة فزادت على المائتين.
ولأبي مسعود الدمشقي في أطرافه انتقاد عليهما. ولأبي الفضل بن عمار تصنيف لطيف في ذلك وفي كتاب التقييد لأبي علي الجياني جملة في ذلك.
والكلام على هذه الإنتقادات من حيث التفصيل من وجوه:
منها: ما هو مندفع بالكلية.
ومنها: ما قد يندفع:
1- فمنها: الزيادة التي تقع في بعض الأحاديث إذا انفرد بها ثقة من الثقات ولم يذكرها من هو مثله أو أحفظ منه فاحتمال كون هذا الثقة غلط ظن مجرد وغايتها أنها زيادة ثقة/ (ر42/أ) فليس فيها منافاة لما رواه الأحفظ والأكثر فهي مقبولة.
2- ومنها: الحديث المروي من حديث تابعي مشهور عن صحابي سمع منه. فيعلل بكونه روي عنه بواسطة كالذي يروى عن سعيد المقبري/ (?42/ب) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ويروى عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
وأن مثل هذا لا مانع أن يكون التابعي سمعه بواسطة ثم سمعه بدون ذلك الواسطة.--------------------------------------------
1 في إطلاق هذا الاستثناء نظر والصواب في نظري التفصيل: "فإذا كان الحديث المنتقد في الكتابين ليس له إلا إسناد واحد وتوجه إليه النقد فإنه يستثنى من التلقي بالقبول. وإن كان له طريق أو طرق أخرى في الصحيحين أو أحدهما وسلمت من النقد فإنه داخل فيما تلقي بالقبول ومقطوع بصحته كسائر أحاديث الصحيحين سواء بسواء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
ويلتحق بذلك ما يرويه التابعي عن الصحابي، فيروى من روايته عن صحابي آخر، فإن هذا يكون سمعه منهما فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا.
كما قال علي بن المديني في حديث رواه عاصم1 عن أبي قلابة2 عن أبي الأشعث3 عن شداد بن أوس4.
ورواه/ (ب86) يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء5 عن ثوبان6 - رضي الله تعالى عنه ---------------------------------------------
1 هو عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري ثقة من الرابعة، مات سنة 142. الكاشف 2/49، والتقريب 1/384.
2 هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري ثقة فاضل كثير الإرسال فيه نصب يسير، مات سنة 104/ع. تقريب 1/417، والكاشف 2/88.
3 هو شراحبيل بن آده - بالمد وتخفيف الدال - أبو الأشعث الصنعاني ثقة من الثانية/بخ م 4. تقريب 1/348، والكاشف 2/7.
4 شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو يعلى صحابي/ع، مات سنة 58.
تقريب 1/347، والكاشف 2/5. والحافظ لم يذكر نص الحديث الذي أشار إليه وهو حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه حم 4/124، والدارمي 1/347 كلاهما من طريق يزيد بن هارون عن عاصم عن أبي قلابة به، وانظر تحفة الأشراف 4/242، وقد أشار إلى الاختلاف على أبي قلابة ونسبه إلى أبي داود والنسائي.
5 هو عمرو بن مرثد أبو أسماء الرحبي - بفتح الحاء - الدمشقي ثقة من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك/بخ م 4. تقريب 2/78، والكاشف 2/342.
6 ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه أبو أسماء (الرحبي) وخالد بن معدان وخلق، توفي سنة 54/م4. الكاشف 1/175،ـ والإصابة 1/205.
والحديث المشار إليه هو أيضا "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه د 8 - كتاب الصوم 28- باب في الصائم يحتجم حديث 2367 وحم 5/277، 283، دي 1/347، وجه 7- كتاب الصيام 18- باب ما جاء في الحجامة للصائم كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير به، وانظر تحفة الأشراف 2/137 حديث 2104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
قال ما أرى الحديثين إلا صحيحين لإمكان أن يكون أبو قلابة سمعه من كل منهما
قلت هذا إنما يطرد حيث يحصل الاستواء في الضبط والاتقان
3 - ومنها ما يشير صاحب الصحيح الى علته كحديث يرويه مسندا ثم يشير الى أنه يروى مرسلا فذلك مصير منه الى ترجيح رواية من أسنده على من أرسله
4 - ومنها ما تكون علته مرجوحة بالنسبة الى صحته كالحديث الذي يرويه ثقات متصلا ويخالفهم ثقة فيرويه منقطعا أو يرويه ثقة متصلا ويرويه ضعيف منقطعا
ومسألة التعليل بالإنقطاع وعدم اللحاق قل أن تقع في البخاري بخصوصه لأنه معلوم أن مذهبه عدم الاكتفاء في الإسناد المعنعن بمجرد إمكان اللقاء وإذا اعتبرت هذه الأمور من جملة الأحاديث التي انتقدت عليهما لم يبق بعد ذلك مما انتقد عليهما سوى مواضع يسيرة جدا ومن أراد حقيقة ذلك فليطلع المقدمة التي كتبتها لشرح صحيح البخاري فقد بينت فيها ذلك بيانا شافيا بحمد الله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
15- قوله ع: "وما اشترطه المصنف من المقابلة بأصول متعددة - قد خالفه فيه الشيخ محيي الدين1 - ثم قال: وفي كلام ابن الصلاح في موضع آخر ما يدل على عدم اشتراط ذلك2".
أقول: "ليس بين كلاميه مناقضة. بل كلامه هنا مبني على ما ذهب إليه من عدم الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه علل صحة ذلك بأنه ما من إسناد إلا ونجد فيه خللا، فقضية ذلك أن لا يعتمد على أحدهما بل يعتمد على مجموع ما تتفق عليه الأصول المتعددة، ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأسانيد".
وأما قوله في الموضع الآخر3 "ينبغي أن تصحح أصلك بعدة أصول" فلا ينافي قوله المتقدم، لأن هذه العبارة تستعمل في اللازم أيضا - والله أعلم -.--------------------------------------------
1 قال محيي الدين: "وإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه" التقييد والإيضاح ص43.
2 التقييد والإيضاح ص43.
3 مقدمة ابن الصلاح ص32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)