متفق عليه، واللفظ لمسلم.
ــ
تطوع، وبه جزم النووي وغيره وتألوا قوله أيجزئ عني أي في الوقاية من النار كأنها خافت إن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المقصود. قال ابن الهمام: الأجزاء وإن كان في عرف الفقهاء الحادث لا يستعمل غالباً إلا في الواجب لكن كان في ألفاظهم لما هو أعم من النفل لأنه لغة الكفاية فالمعنى، هل يكفي التصدق عليه في تحقيق مسمى الصدقة، وتحقيق مقصودها من التقرب إلى الله تعالى. واحتجوا أيضاً على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم. قالوا: لأن الولد لا يعطي من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فعلم أنها صدقة تطوع وتعقب هذا بأن الذي يمتنع إعطاءه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطى نفقته والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه. وبأن قوله وولدك محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولدها من غيرها كما يشعر به ما وقع في رواية أخرى على زوجها وأيتام في حجرها وسموا أيتاماً، باعتبار اليتم من الأم وأجيب عن الأول بأن الأم يلزمها نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيراً عاجزاً عن التكسب جداً عند الحنفية، وعن الثاني بأنه خلاف الظاهر وأما الرواية الأخرى فالظاهر إنها قضية أخرى كما تقدم واحتج لأبي حنيفة على منع إعطاءها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها بالنفقة فكأنها ما خرجت عنها ورُدَّ هذا بأنه يلزمه منع صرفها صدقة التطوع في زوجها الاحتمال الرجوع مع أنه يجوز صرفها فيه اتفاقاً. والظاهر عندي أنه يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها لدخول الزوج في عموم الأصناف المسلمين في الزكاة، وليس في المنع نص، ولا إجماع ولا قياس صحيح. قال الشوكاني: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إلى زوجها. وأما أولاً، فلعدم المانع من ذلك ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل. وأما ثانياً، فلأن ترك استفصاله صلى الله عليه وسلم لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب، فكأنه قال يجزئ عنك فرضاً كان أو تطوعاً- انتهى. وهكذا ذكر الحافظ في الفتح. ثم قال: وأما ولدها فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها بل معناه إنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها- انتهى. وأما الزوج فاتفقوا على أنه لا يجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته. قالوا: لأن نفقتها واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة ذكره ابن المنذر كما في المغني والفتح. قال الأمير اليماني: وعندي فيه توقف لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها لا يصيرها غنية الغني الذي يمنع من الزكاة لها- انتهى. وقوله وولدك في حديث أبي سعيد يدل على أجزاء الزكاة في الولد إلا أنه أدعي ابن المنذر الإجماع على عدم جواز صرفها إلى الولد. وحملوا الحديث على أنه في غير الواجبة أو إن الصرف إلى الزوج وهو المنفق على الأولاد أو أنهم لم يكونوا منها من غيرها، والإضافة إليها للتربية (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة وأخرجه
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 371)
1955- (8) وعن ميمونة بنت الحارث: أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)) . متفق عليه.
1956- (9) وعن عائشة، قالت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك
ــ
أيضاً أحمد (ج6 ص363) والنسائي في الزكاة، وأخرجه ابن ماجه فيه مختصراً جداً.
1955- قوله: (وعن ميمونة بنت الحارث) أم المؤمنين الهلالية (إنها أعتقت وليدة) أي أمة وللنسائي إنها كانت لها جارية سوداء. قال الحافظ: ولم أقف على إسمها (في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي ولم تستأذنه (فذكرت ذلك) أي الاعتقاق (لرسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا لفظ مسلم، وفي رواية البخاري فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت يا رسول الله! إني أعتقت وليدتي قال أو فعلت قالت نعم (لو أعطيتها) بكسر التاء (أخوالك) باللام جمع الخال وأخوالها كانوا من بني هلال أيضاً وإسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث. قال العيني: وقع في رواية الأصيلي للبخاري أخواتك بالتاء بدل اللام. قال عياض: ولعله أصح من رواية أخوالك بدليل رواية مالك في المؤطا فلو أعطيتها أختيك ولا تعارض فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام. قال: ذلك كله (كان) إعطائك لهم (أعظم لأجرك) من عتقها ومفهومه إن الهبة لذوي الرحم أفضل من العتق كما قاله ابن بطال، ويؤيده حديث سلمان بن عامر الآتي لكن ليس ذلك على إطلاقه بل يختلف باختلاف الأحوال. وقد وقع في رواية النسائي بيان وجه الأفضلية في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى من يخدمهم. ولفظه أفلا فديت بها بنت أختك من رعاية الغنم على أنه ليس في حديث الباب نص على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين فالحق إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قررنا. وفي الحديث فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب وفيه الإعتناء بالأقارب الأم إكراماً لحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها إذا كانت رشيدة (متفق عليه) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة، واللفظ لمسلم وأخرجه أيضاً أحمد (ج6 ص332) وأبوداود في الزكاة والحاكم (ج1 ص415) والنسائي في الكبرى.
1956- قوله: (فإلى أيهما أهدي) بضم الهمزة من الإهداء يعني أولاً، وفي رواية أبي داود بأيهما ابدأ (إلى أفقربهما منك) من متعلقة بالقرب في أقرب لا صلة التفضيل؛ لأن أفعل التفضيل قد أضيف فلا يجمع بين الإضافة،
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 372)
باباً)) . رواه البخاري.
1957 - (10) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك)) . رواه مسلم.
ــ
و"من" المتعلقة بأفعل التفضيل (باباً) نصب على التمييز أي أشدهما قرباً. قيل: الحكمة فيه إن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها يعني أنه أكثر اختلاطاً أو أظهر إطلاعاً فيتشوف لها بخلاف إلا بعد، وإن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات وينوبه من النوائب، ولاسيما في أوقات الغفلة بديء به على من بعد. وفي الحديث الاعتبار في الجوار بقرب الباب لأقرب الجدار. قال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجباً. ويؤخذ منه إن العمل بما هو أعلى أولى. قلت: ليس المراد من الحديث إنحصار الإهداء إلى الأقرب كما هو ظاهر الحديث، بل المراد إن الجار الأقرب أنسب بالإبتداء أو بمزيد الإحسان، لقوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} [النساء:36] ولحديث أبي ذر الآتي واختلف في حد الجوار فجاء عن علي رضي الله عنه: من سمع النداء فهو جار، وعن عائشة: حد الجوار أربعون داراً من كل جانب، وعن كعب بن مالك عند الطبراني بسند ضعيف مرفوعاً إلا أن الأربعين داراً جار، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أربعون داراً عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه. وهذا يحتمل كالأولى ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة (رواه البخاري) في الشفعة وفي الهبة وفي الأدب، وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود في الأدب.
1957- قوله: (إذا طبخت) بفتح الباء (مرقة) أي فيها لحم أو لا والمرقة بالتحريك وكذا المرق الماء الذي أغلي فيه اللحم أو غيره كالسلق وغيره (فأكثر) أمر من الإكثار (ماءها) أي على المعتاد لنفسك (وتعاهد جيرانك) بكسر الجيم وسكون الياء جمع الجار يعني أعط جيرانك من ذلك الطبيخ نصيباً يعني لا تجعل ماء قدرك قليلاً فإنك حينئذٍ لا تقدر على تعهد جيرانك بل اجعل ماء قدرك كثير التبلغ نصيباً منه إلى جيرانك، وإن لم يكن لذيذاً قاله المظهر. وقال التوربشتي: قوله تعهد جيرانك أي تفقدهم بزيادة طعامك وجدد عهدك بذلك، وتحفظ به حق الجوار. والتعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك، يقال تعاهد الشيء وتعهده واعتهده، أي تحفظ به وتفقده وجدد العهد به (رواه مسلم) في البر وأخرجه أيضاً أحمد (ج5 ص149) والترمذي وابن ماجه في الأطعمة وابن حبان بألفاظ مختلفة متقاربة.
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 373)
{الفصل الثاني}
1958- (11) عن أبي هريرة، قال: يا رسول الله! أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)) . رواه أبوداود.
1959- (12) وعن سليمان بن عامر،
ــ
1958- قوله: (أي الصدقة أفضل قال جهد المقل) بضم الميم وكسر القاف من الإقلال أي قليل المال يقال أقل الرجل أي قل ماله وافتقر. قال في النهاية: الجهد بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. وقيل: المبالغة والغاية. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، ومن المضموم حديث الصدقة أي الصدقة أفضل. قال: جهد المقل أي قدر ما يحتمله حال القليل المال - انتهى. والجمع بينه وبين ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، إن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين. قال البيهقي (ج4 ص180) يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس في الصبر على الشدة والفاقة والاكتفاء بأقل الكفاية، وساق أحاديث تدل على ذلك. وقال ابن الملك: أي أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقير الصابر على الجوع أن يعطيه، والمراد بالغني في قوله خير الصدقة ما كان عن ظهر عني من لا يصبر على الجوع والشدة توفيقاً بينهما، فمن يصبر فالإعطاء في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضل في حقه أن يمسك قوته، ثم يتصدق بما فضل - انتهى. وقال الشوكاني: بعد ذكر المعارضة بين الحديثين، ويؤيد هذا المعنى أي حديث جهد المقل قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر:9] ويؤيد الأول حديث الظهر قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء:29] ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غني، والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدقاً بما يبلغ إليه جهده، وإن لم يكن مستغنياً عنه. ويمكن أن يكون المراد بالغني غني النفس، كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغني عن النفس - انتهى. (رواه أبوداود) في الزكاة وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً أحمد، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي، وأخرجه البيهقي (ج4 ص180) من طريق الحاكم.
1959- قوله: (وعن سليمان بن عامر) كذا في جميع النسخ الحاضرة مصغراً وهو خطأ من النساخ، والصواب سلمان مكبراً، هكذا وقع في جميع الأصول وكتب الرجال وليس في الصحابة أحد اسمه سليمان بن عامر بالتصغير، وسلمان هذا هو سلمان بن عامر بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث الضبي صحابي، سكن البصرة،
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 374)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة)) . رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي.
1960- (13) وعن أبي هريرة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: عندي دينار قال: ((أنفقه على نفسك، قال عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك،
ــ
وكان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم شيخاً عاش إلى خلافة معاوية. قال الدولابي: قتل يوم الجمل وهو ابن مائة سنة، روى عنه محمد وحفصة ابنا سيرين وابنة أخيه الرباب أم الرائح بنت صليع بن عامر، وحفيده عبد العزيز بن بشر بن سلمان. قال مسلم: ليس في الصحابة ضبي غيره كذا نقله ابن الأثير وأقره هو ومن تبعه، وقد وجد في الصحابة جماعة ممن لهم صحبة، أو اختلف في صحتهم من بني ضبة، منهم يزيد بن نعامة الضبي جزم البخاري بأن له صحبة وكدير الضبي مختلف في صحبته وحنظلة بن ضرار الضبي. قال ميرك: قوله سليمان بن عامر صوابه سلمان مكبراً، بلا ياء، وسليمان سهو من الكتاب أو من صاحب الكتاب والله أعلم بالصواب - انتهى. قلت: الظاهر إن الخطأ من الكتاب فإن المؤلف قال في الصحابة: سلمان بن عامر هو سلمان بن عامر الضبي عداده في البصريين. قال بعض أهل العلم: ليس في الصحابة من الرواة ضبي غيره - انتهى كلامه. وقد ذكره بعد سلمان الفارسي فدل على أن السهو ههنا من الكتاب، لأنه لو كان من صاحب الكتاب لذكره في عداد سليمان قبل سلمة بن الأكوع (الصدقة على المسكين الخ) إطلاقه يشمل الفرض والندب فيدل على جواز أداء الزكاة إلى القرابة مطلقاً. قال الشوكاني: قد استدل بالحديث على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كان ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة فيد لم تقيد بصدقة التطوع، ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر أنه حكى الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد - انتهى. (صدقة) أي واحدة (وهي على ذي الرحم) أي ذي القرابة (ثنتان) أي صدقتان اثنتان يعني ففيهما أجران فهذا حث على التصدق على الرحم والاهتمام به. (صدقة وصلة) يعني إن الصدقة على الأقارب أفضل؛ لأنه خيران، ولا شك أنهما أفضل من واحد. قال العزيزي: لكن هذا غالبي، وقد يقتضي الحال العكس (رواه أحمد) (ج4 ص17، 18، 214) (والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي) أخرجوه في الزكاة (ج3 ص116، 117) .
1960- قوله: (جاء رجل) لم يعرف اسمه (عندي دينار) أي وأريد أن أنفقه (أنفقه على نفسك) وفي رواية: تصدق بدل أنفق، وكذا فيما بعده أي أقض به حوائج نفسك (قال عندي آخر قال أنفقه على ولدك) فيه دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيراً فذلك إجماع، وإن كان كبيراً ففيه اختلاف
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 375)
قال عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك، قال عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم)) . رواه أبوداود، والنسائي.
1961- (14) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم
ــ
كما تقدم (قال عندي آخر قال أنفقه على أهلك) أي زوجتك كما في رواية قال الطيبي: إنما قدم الولد على الزوجة لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها، فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. وقال الخطابي في المعالم (ج2 ص81) هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى والأقرب. وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه ثم بولده؛ لأن ولده كبعضه فإذا ضيعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلث بالزوجة وأخرها عن درجة الولد؛ لأنه إذ لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما، وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه. ثم ذكر الخادم؛ لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه. ثم قال له فيما بعد أنت أبصر أي أن شئت تصدقت وإن شئت أمسكت - انتهى. قلت: اختلفت الرواية في تقديم الولد على الزوجة فقدمه عليها في رواية الشافعي، وأبي داود والحاكم، وقدم الزوجة على الولد في رواية أحمد والنسائي وابن حبان قال ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثوري (عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) فقدم يحيى الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الأخر بل يكونان سواء، لأنه قدم صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثاً، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه، مرة قدم الولد، ومرة قدم الزوجة، فسار سواء. قال الحافظ في التلخيص: (ص334) بعد ذكر كلام ابن حزم. قلت: وفي صحيح مسلم من رواية جابر تقديم الأهل على الولد من غير تردد فيمكن أن ترجح به إحدى الروايتين - انتهى. ولفظ حديث جابر عند مسلم قال: إبدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلا هلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك الخ. قال الشوكاني: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها. في حديث جابر (أنت أعلم) بحال من يستحق الصدقة من أقاربك وجيرانك وأصحابك (رواه أبوداود والنسائي) في الزكاة لكن اللفظ المذكور ليس لواحد منهما ولم أجد هذا اللفظ في مسند الإمام أحمد والمستدرك للحاكم أيضاً، نعم ذكره بهذا اللفظ البغوي في المصابيح، وتبعه المصنف في ذلك. والحديث أخرجه أيضاً أحمد (ج2 ص251، 471) والشافعي وابن حبان والحاكم (ج1 ص451) وسكت عنه أبوداود. وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان، وقد تقدم الكلام عليه وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وسكت عليه الحافظ في التلخيص وبلوغ المرام.
1961- قوله: (ألا) حرف تنبيه (أخبركم) استئناف ويحتمل أن يكون "ألا" مركباً من "لا"
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 376)
بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها.
ــ
النافية واستفهام التقرير، ويكون لفظ بلى مقدراً. قال الباجي: وقد علن أنهم يوردون ذلك على سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه والإقبال على ما يخبر به والتفرغ لفهمه (بخير الناس) أي بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله "بشر الناس" أي بمن هو من شر الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحث على الأول والتحذير الثاني، وفي الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلاً. قال الباجي: أي أكثرهم ثواباً وأرفعهم درجة. قال عياض: وهذا عام مخصوص وتقديره من خير الناس، وإلا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع والسنن وقادوهم إلى الخير أفضل وكذا الصديقون كما جاءت به الأحاديث ويؤيده إن في رواية للنسائي: إن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه بمن التي للتبعيض - انتهى. قال الحافظ وفي رواية للحاكم (ج2 ص71) سئل أي المؤمنين أكمل إيماناً، قال: الذي يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله الخ. وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية، وحينئذٍ فيظهر فضل المجاهد لما فيه من بذل نفسه وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدي (رجل) بالرفع على تقدير هو وبالجر على البدلية (ممسك) صفة رجل (بعنان) بكسر العين لجام (فرسه) وفي رواية آخذ برأس فرسه (في سبيل الله) وفي الموطأ رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله. قال الباجي: يريد والله أعلم أنه مواظب على ذلك ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك راكباً له، أو قائداً معظم أمره ومقصوده من تصرفه فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذاً بعنان فرسه في كثير منها - انتهى. (بالذي يتلوه) أي يتبعه ويقربه في الخيرية، وفي رواية بالذي يليه، وفي الموطأ ألا أخبركم بخير الناس منزلاً بعده. قال الباجي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل ونص عليها ورغب فيها من قوى عليها وأخبر بعد ذلك من قصر عن هذه الفضيلة وضعف عنها، فليس كل الناس يستطيع الجهاد ولا يقدر على أن يكون آخذاً بعنان فرسه فيه، ففي الناس ضعيف والكبير وذو الحاجة والفقير (رجل معتزل) أي متباعد عن الناس منفرد عنهم إلى موضع خال من البوادي والصحاري (في غنيمة له) أي مثلاً وهو تصغير غنم وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء، والمراد قطعة غنم (يؤدي حق الله فيها) وفي رواية مالك: يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً. وللدارمي والنسائي: معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس. قال الباجي: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل لأداء الفرائض وإخلاصه لله تعالى العبادة وبعده عن الرياء والسمعة. إذا خفي ولم يكن ذلك شهرة له، ولأنه لا يؤذي أحداً ولا يذكره ولا تبلغ درجته درجة المجاهد، لأن المجاهد يذب عن المسلمين
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 377)
ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله ولا يعطي به)) . رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي.
1962- (15) وعن أم بجيد، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق
ــ
ويجاهد الكافرين حتى يدخلهم في الدين فيتعدى فضله إلى غيره ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدى نفعه إلى غيره. وفي حديث أبي سعيد عند البخاري. قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدع الناس من شره قال الحافظ: وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة، لأن الذي يخالط الناس لا يسلم من ارتكاب الآثام فقد لا يفي هذا بهذا، ففيه فضل العزلة والإنفراد لما فيه من السلامة من الغيبة واللغو ونحو ذلك. لكن قال الجمهور محل ذلك عند وقوع الفتن، لحديث الترمذي مرفوعاً: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: يأتي الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلة من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله يطلب الموت في مظانه، ورجل في شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير، رواه مسلم، وللترمذي وحسنه، والحاكم وصححه عن أبي هريرة، إن رجلاً مر بشعب فيه عيينة من ماء عذبة أعجبته فقال: لو أعتزلت ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم: فقال لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً. وقال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلة، وفي ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء إن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف من الزهاد إن إلاعتزال أفضل. واستدلوا بالحديث. وأجاب الجمهور بأنه محمول على زمان الفتن والحروب أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم، وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم. وجماهير الصحابة والتابعين، والعلماء والزهاد، مختلطين، ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المريض وحلق الذكر وغير ذلك - انتهى. قال ابن عبد البر: إنما وردت الأحاديث بذكر الشعب والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في المعنى (رجل يسأل بالله ولا يعطي به) سبق بيان معناه في الفصل الثالث من باب الإنفاق (رواه الترمذي) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد وحسنه والنسائي في الزكاة والدارمي في الجهاد. واللفظ للترمذي وأخرجه أيضاً أحمد (ج2 ص237، 319، 322) وابن حبان في صحيحه، كلهم من حديث عطاء بن يسار عن ابن عباس، ورواه مالك في الجهاد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن عطاء بن يسار مرسلاً.
1962- قوله: (ردوا) بضم الراء أمر من الرد أي أعطوا (السائل) هذا لفظ النسائي، وفي الموطأ ردوا المسكين (ولو بظلف محرق) أي لا تجعلوا السائل محروماً بل أعطوه ولو كان ظلفاً محرقاً يعني تصدقوا
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 378)
رواه مالك، والنسائي، وروى الترمذي، وأبوداود معناه.
1963- (16) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استعاذ منكم بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوا فادعوها له حتى تروا
ــ
بما تيسر وإن قل (رواه مالك) في باب المساكين من كتاب الجامع من الموطأ، عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد الأنصاري ثم الحارثي (اسمه محمد) عن جدته (والنسائي) في باب رد السائل من كتاب الزكاة من طريق مالك، وكذا أحمد (ج6 ص435) (وروى الترمذي وأبوداود معناه) وكذا الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وقد تقدم في الفصل الثالث من باب الإنفاق.
1963- قوله: (من استعاذ منكم بالله) كذا في جميع النسخ الحاضرة، ووقع في المصابيح من استعاذكم بالله، وهكذا في مسند الإمام أحمد (ج2 ص99) وسنن أبي داود في الأدب والمستدرك للحاكم (ج1 ص412) والبيهقي في الزكاة (ج4 ص199) ولأبي داود فيه وللنسائي من استعاذ بالله، وهكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج10 ص318) وكذا وقع في المسند (ج1 ص68، 127) (فأعيذوه) أي إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم أو غيركم بالله، مثل أن يقول يا فلان بالله عليك، أو أسألك بالله أن تدفعني شر فلان أو أحفظني من فلان، فأجيبوه واحفظوه لتعظيم اسم الله. قال الطيبي: أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم عنه قائلاً بالله أن تدفع عني شرك، فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيماً لاسم الله تعالى، فالتقدير من استعاذ منكم متوسلاً بالله مستعطفاً به، ويحتمل أن تكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له، بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر فوضع أعيذوا موضع أدفعوا ولا تتعرضوا مبالغة (ومن سأل) هذا لفظ أبي داود وفي رواية أحمد والنسائي والحاكم ومن سألكم (بالله فأعطوه) أي إن وجدتم يعني تعظيماً لاسم الله وشفقة على خلق الله، وزاد النسائي ومن استجار بالله فأجيروه (ومن دعاكم فأجيبوه) وجوباً إن كان لوليمة عرس، وندباً في غيرها. وقيل: يجب الإجابة مطلقاً، وهذا إن لم يكن مانع شرعي (ومن صنع إليكم معروفاً) أي أحسن إليكم إحساناً قولياً أو فعلياً (فكافئوه) بمثله أو خير منه من المكافأة مهموز اللام وهي المجازاة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم أو خيراً منه (فإن لم تجدوا ما تكافئوه) أي بالمال، والأصل تكافئون فسقط النون بلا ناصب وجازم تخفيفاً (فأدعوا له) أي للمحسن يعني فكافئوه بالدعاء له (حتى تروا) بضم التاء أي تظنوا وبفتحها أي
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 379)
أن قد كافأتموه)) . رواه أحمد وأبوداود، والنسائي.
4196- (17) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)) . رواه أبوداود.
ــ
تعلموا. وتحسبوا، قلت: وقع في رواية أحمد حتى تعلموا (أن قد كافأتموه) أي كرروا الدعاء وبالغوا له فيه جهدكم حتى تعلموا قد أديتم حقه. وقد جاء من حديث أسامة مرفوعاً من صنع إليه معروفاً فقال لفاعله جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء، أخرجه الترمذي وغيره، فدل هذا الحديث على أن من قال لأحد جزاك الله خيراً مرة واحدة فقد أدى العوض وإن كان حقه كثيراً (رواه أحمد) (ج2 ص68، 96، 99، 127) (وأبوداود) في الزكاة وفي الأدب (والنسائي) في الزكاة واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم (ج1 ص412- 413) والبيهقي (ج4 ص199) وسكت عنه أبوداود والمنذري وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال النووي: في رياضة حديث صحيح وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أبوداود،.
1964- قوله: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) والجنة لا يسأل عن الناس فلزم أن يكون. فيه وجهان: أحدهما: المنع عن السؤال لوجه الله؛ لأنه لما قال لا يسأل الخ فلا يسأل عنهم شيء لوجه الله تعالى. وثانيهما: لا يسأل من الله تعالى من متاع الدنيا لحقارتها، وإنما يسأل الجنة، والمقصود المبالغة قاله في اللمعات. وقال الطيبي: أي لا تسألوا من الناس شيئاً بوجه الله، مثل أن تقولوا أعطني شيئاً بوجه الله تعالى أو بالله، فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا بل أسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه، والجنة والوجه يعبر به عن الذات - انتهى. وقال في فتح الودود: قوله "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" إذ كل شيء حقير دون عظمته تعالى والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له نعم الجنة أعظم مطلب للإنسان فصار التوسل به تعالى فيها مناسباً- انتهى. وأرجع إلى فتح القدير للمناوي. قال القاري: قوله "إلا الجنة" بالرفع أي لا يسأل بوجه الله شيء إلا الجنة مثل أن يقال: اللهم إنا نسألك بوجه الكريم أن تدخلنا جنة نعيم، ولا يسأل روى غائباً نفيا ونهياً مجهولاً ورفع الجنة، ونهيا مخاطباً معلوماً مفرداً ونصب الجنة (رواه أبوداود) في الزكاة وسكت عنه. وقال المنذري: في إسناده سليمان بن معاذ. قال الدارقطني: سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، وذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة سليمان بن قرم. هذا الحديث لا أعرفه إلا من طريق أبي العباس القلوري أحمد بن عمرو (الذي روى عنه أبوداود) عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي عن سليمان بن قرم عن محمد بن المنكدر عن جابر، هذا آخر كلامه. وسليمان بن قرم
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 380)
{الفصل الثالث}
1965- (18) عن أنس، قال: ((كان أبوطلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء،
ــ
تكلم فيه غير واحد - انتهى. قلت: قد فرق بين سليمان بن قرم وسليمان بن معاذ الضبي ابن حبان تبعاً للبخاري ثم ابن قطان وابن عدي، وقال غير واحد إن سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم، منهم أبوحاتم والدارقطني والطبراني وعبد الغني بن سعيد. قال أحمد: سليمان بن قرم ثقة، وقال مرة: لا أرى به بأساً لكنه كان يفرط في التشيع، وضعفه النسائي وابن معين. وقال أبوزرعة: ليس بذلك. وقال أبوحاتم: ليس بالمتين، وقال ابن عدي: له أحاديث حسان إفراد. وقال ابن حبان: كان رافضياً غالياً في الرفض ويقلب الأخبار مع ذلك، وذكره الحاكم في باب من عيب على مسلم إخراج حديثهم. وقال: غمزوه في التشيع وسوء الحفظ جميعاً. وقال الحافظ: سيء الحفظ يتشيع، والحديث أخرجه أيضاً البيهقي (ج4 ص199) والضياء المقدسي في المختار كما في الجامع الصغير.
1965- قوله: (كان أبوطلحة) زيد بن سهل الخزرجي زوج أم سليم أم أنس (أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل) بنصب أكثر خبر كان ومالاً تميز أي من حيث المال والجار للبيان. قال الباجي: هذا يقتضي أنه يجوز للرجل الصالح الاستكثار من المال الحلال (وكان أحب أمواله إليه) بنصب أحب خبر كان وبيرحاء اسمه ويجوز العكس، والمراد بأمواله الحوائط. قال ابن عبد البر: كانت دار أبي جعفر والدار التي تلها إلى قصر بني حديلة حوائط لأبي طلحة. قال: وكان قصر بني حديلة حائطاً لأبي طلحة يقال لها بيرحاء فذكر الحديث. ومراده بدار أبي جعفر التي صارت إليه بعد ذلك وعرفت به، وهو أبوجعفر المنصور الخليفة المشهور العباسي. وأما قصر بني حديلة فنسب إليهم بسبب المجاورة، وإلا فالذي بناه هو معاوية بن أبي سفيان وبنو حديلة بطن من الأنصار، وكانوا بتلك البقعة فعرفت بهم. فلما اشترى معاوية حصة حسان، بنى فيها هذا قصر فعرف بقصر بني حديلة. وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل العالم الفاضل ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات:8] والخير هنا المال اتفاقاً كذا في الفتح. وقال الباجي: هذا يقتضي جواز حب الرجل الصالح المال. قال عز اسمه: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين} [آل عمران:14] الآية. قال عمر رضي الله عنه: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا فاجعلنا ممن يأخذه بحقه فينفقه في وجهه (بيرحاء) بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح الراء وبالمهملة والمد وفي ضبطه اضطراب كثير. فنقل الحافظ في
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 381)
وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لن تنالوا البر
ــ
الفتح وتبعه العيني عن نهاية ابن الأثير الجزري فتح الموحدة وكسرها، وفتح الراء وضمها مع المد، والقصر. قال: فهذه ثمان لغات - انتهى. والذي في النهاية بيرحاء بفتح الفاء وكسرها، وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، هذا نصه بحروفه، ونقله عنه الطيبي كذلك بلفظه. وعلى هذا فتكون خمسة لا ثمانية. قال الحافظ: وفي رواية حماد بن سلمة يعني عند مسلم بريحا بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وفي سنن أبي داود بأريحا مثله لكن بزيادة ألف. وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصوراً وكذا جزم به الصنعاني. وقال: إنه اسم أرض كانت لأبي طلحة، وهي فيعلى من البراح، وهو المكان المتسع الظاهر. قال: ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف، وكذا قال الزمخشري في الفائق والمجد في القاموس وقال في اللامع: لا تنافي بين ذلك فإن الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التي فيه. وقال الحافظ: أيضاً وقع عند مسلم بريحا بفتح الموحدة وكسر الراء وتقديمها على التحتانية الساكنة ثم حاء مهملة ورجحها صاحب الفائق. وقال: هي وزن فعيلاء من البراح وهي الأرض الظاهرة المنكشفة، وعند أبي داود بأريحاء وهو بإشباع الموحدة والباقي مثله. ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل إن كان محفوظاً أن تكون سميت بإسمها. قال عياض: رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوري. وقال الباجي: أدركت أهل العلم بالمشرق، ومنهم أبوذر يفتحون الراء في كل حال، أي في الرفع والنصب والخفض زاد الصوري، وكذلك الباء أي أوله. قال: واتفق أبوذر وغيره من الحفاظ على أن من رفع الراء حال الرفع فقد غلط، ونقل أبوعلي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم إنها مركبة من كلمتين. بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو هي كلمة زجر للإبل، لأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة - انتهى. (وكانت) أي بيرحاء (مستقبلة المسجد) أي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه إن المسجد في جهة قبلتها، فلا ينافي بعدها عنه على هذه المسافة الموجودة اليوم (يدخلها) زاد في رواية ويستظل بها (ويشرب من ماء فيها) أي بيرحاء (طيب) بالجر صفة للمجرور السابق أي حلو الماء. قال الباجي: يريد عذباً. وهذا يقتضى تبسط الرجل في مال من يعرف رضاه بذلك، وإن لم يستأمره. وقال الحافظ: فيه استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وإباحة الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضراً إذا علم طيب نفسه واتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل العلم والفضل فيها والاستظلال بظلها. والراحة والتنزه فيها. وقد يكون ذلك مستحباً يثاب عليه إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها في الطاعة (لن تنالوا البر) أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 382)
حتى تنفقوا مما تحبون} قام أبوطلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجوا برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بخ بخ، ذلك مال رابح،
ــ
والجنة (حتى تنفقوا مما تحبون) أي من بعض ما تحبون من أموالكم (قام أبوطلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) زاد في رواية عند ابن عبد البر ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر (وإن أحب أموالي إلي) بتشديد الياء (بيرحاء) بالرفع خبران (وإنها صدقة لله تعالى) وفي رواية لمسلم: لما نزلت الآية: قال أبوطلحة: أرى ربنا يسألنا عن أموالنا فاستشهدك يا رسول الله! إني جعلت أرضي بيرحاء لله. قال الحافظ: في قوله: إن أحب أموالي إلي بيرحاء لله تعالى الخ فضيلة لأبي طلحة؛ لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب فصوب صلى الله عليه وسلم رأيه وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله وكنى عن رضاه بذلك بقوله بخ. وقال الباجي: هذا يدل على أن أباطلحة تأول هذه الآية على أنها تقتضي أنه إنما ينال البر بصدقة ما يحب الإنسان من ماله، وقد فعل ذلك زيد بن حارثة جاء بفرسه. وقال: هذا أحب أموالي إلي فتصدق به، وكان الربيع بن خثيم إذا سمع سائلاً يقول: أعطوه سكراً فإن الربيع يحب السكر (أرجو برها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجمة أي أجرها يعني أقدمها فادخرها لأجدها (عند الله) يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية (فضعها) أمر من وضع يصنع أي أصرفها (حيث أراك الله) أي في مصرف علمك الله إياه ففوض أبوطلحة تعيين مصرفها إليه عليه الصلاة والسلام لا وقفيتها (بخ بخ) بفتح الباء وسكون المعجمة فيهما كهل وبل وكسرها مع التنوين فيهما وبالتنوين في الأول والسكون في الثاني وهو الاختيار. وبالضم مع التنوين فيهما، وبالتشديد مع كسر وضم فيهما لغات، كرر للمبالغة وهي كلمة تقال لتفخيم الأمر والتعجب من حسنه وعند مدحه والرضاء به. قال في القاموس: قل في الأفراد بخ ساكنة وبخ مكسورة وبخ منونة وبخ منونة مضمومة، وتكرر بخ بخ للمبالغة، الأولى منون، والثاني مسكن. ويقال: بخ بخ مسكنين، وبخ بخ منونين، وبخ بخ مشددين، كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح - انتهى. فمن نونه شبهه بأسماء الأفعال كصه ومه (ذلك) أي ما ذكرته أو التذكير لأجل الخبر وهو قوله (مال رابح) بالموحدة من الربح أي ذو ربح كلا بن وتامر أي يربح صاحبة في الآخرة. وقيل: هو فاعل بمعنى مفعول أي هو مال مربوح فيه. ويروى رائح بالياء التحتية من الرواح نقيض الغدو، أي رائح عليك أجره ونفعه في الآخرة يعني أنه قريب الفائدة يصل نفعه إليك كل رواح لا تحتاج
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 383)
وقد سمعت ما قلت: وإني أرى تجعلها في الأقربين. فقال أبوطلحة: أفعل يا رسول الله! فقسما أبوطلحة في أقاربه وبني عمه)) .
ــ
أن تتكلف فيه إلى مشقة وسير. وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به. واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع أو من شأنه الرواح، وهو الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى. وأدعى الإسماعيلي إن رواية التحتية تصحيف. (وقد سمعت) بصيغة المتكلم (ما قلت) بصيغة الخطاب (وإني أرى) زيادة الفضل والأجر (في أن تجعلها) صدقة (في الأقربين) وفي رواية أجعله لفقراء أقاربك أي ليكون جمعاً بين الصلة والصدقة (أفعل) برفع اللام فعلاً مستقبلاً (فقسمها) أي بيرحاء (في أقاربه وبني عمه) من عطف الخاص على العام. والمراد أقارب أبي طلحة، وفي رواية فقسمها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب، وفي رواية فجعلها أبوطلحة في ذي رحمه، وكان منهم حسان وأبي بن كعب. وهذا يدل على أنه أعطى غيرهما معهما. وفي مرسل أبي بكر بن حزم عند ابن أبي زبالة فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه، أو ابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر، فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم. قال النووي: فيه إن القرابة يراعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أباطلحة أن يجعل صدقته في الأقربين فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع - انتهى. قلت: يجتمع حسان مع أبي طلحة في الأب الثالث وهو حرام، وأما أبي فيجتمع معه في الأب السادس وهو عمرو بن مالك بن النجار فعمرو هذا يجمع حسان وأباطلحة وأبيا. قال الحافظ: هذا أي بيع حسان حصته منه من معاوية يدل على أن أباطلحة ملكهم الحديقة المذكورة ولم يقفها عليهم، إذ لو وقف لما ساغ لحسان أن يبيعها فيعكر على من استدل بشيء من قصة أبي طلحة في مسائل الوقف، إلا فيما لا تخالف فيه الصدقة الوقف، ويحتمل أن يقال شرط أبوطلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بجواز هذا بعض أهل العلم كعلي رضي الله عنه وغيره - انتهى. وفي المحلى شرح الموطأ: ظاهره جواز بيع الوقف، وقد أجمعوا على خلافه وأجاب عنه الكرماني بأن التصدق على معين تمليك له. وقال العسقلاني: وتبعه العيني أنه يجوز أن يقال إن أباطلحة شرط عند وقفه عليهم أنه يجوز لمن أحتاج أن يبيع حصته وذلك جائز عند بعضهم - انتهى. قال الحافظ: وفي الحديث أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه، والواقف أب معين لا رابع ولا غيره؛ لأن أبياً إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس، وأنه لا يجب تقديم القريب على القريب إلا بعد. لأن حساناً وأخاه إلى أبي طلحة من أبي ونبيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيا ونبيط بن جابر. وفيه أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبوطلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيراً فضلا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أباطلحة وأبياً - انتهى. وفي الحديث فوائد غير
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 384)
متفق عليه.
1966- (19) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصدقة أن تشبع كبداً جائعاً)) . رواه البيهقي، في شعب الإيمان.
ــ
تقدم ذكرها الحافظ وغيره، منها زيادة صدقة التطوع على نصاب الزكاة خلافاً لمن قيدها به، وصدقة الصحيح بأكثر من ثلثة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أباطلحة عن قدر ما تصدق به. وقال لسعد بن أبي وقاص: الثلث والثلث كثير، وإن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب. ومنها مشاورة أهل الفضل في كيفية الصدقة والطاعة، ومنها أنه إذا تصدق بأرض مشهورة متميزة ولم يبين حدودها جاز. ومنها أنه تتم الصدقة قبل تعيين جهة مصرفها ثم يعين بعد ذلك فيما شاء إلى غير ذلك من الفوائد. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوصايا والوكالة والأشربة والتفسير، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك في الجامع من الموطأ وأبوداود في الزكاة والنسائي في الوقف والطيالسي وابن خزيمة والطحاوي والدارقطني والبيهقي وأبوحاتم وغيرهم مطولاً ومختصراً بألفاظ متقاربة ذكر بعضها الجزري في جامع الأصول (ج7 ص306- 307- 308) .
1966- قوله: (أفضل الصدقة أن تشبع) بضم التاء (كبداً جائعاً) قال الطيبي: وصف الكبد بصفة صاحبة على الإسناد المجازي، وهو من جعل الوصف المناسبة علة للحكم، وفائدته العموم ليتناول أنواع الحيوان سواء كان مؤمناً أو كافراً ناطقاً أو غير ناطق، والله تعالى أعلم - انتهى. وتقدم المستثنى (رواه البيهقي) وأخرجه أيضاً أبوالشيخ في الثواب والأصبهاني كلهم من رواية زربي (بفتح أوله وسكون الراء بعدها موحدة ثم تحتانية مشددة) ابن عبد الله الأزدي البصري إمام مسجد هشام بن حسان عن أنس. ولفظ أبي الشيخ والأصبهاني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائعة. والحديث. أدخله ابن الجوزي في الموضوعات. وقال الصغاني: موضوع. قال ابن حبان: فيه زربي منكر الحديث على قلته. ويروي عن أنس ما لا أصل له فلا يحتج به. قلت زربي هذا روى له الترمذي وابن ماجه وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، لكن قال إن ثبت الخبر. وقال الترمذي: له أحاديث مناكير عن أنس وغيره. وقال ابن عدي: أحاديثه وبعض متونها منكرة وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال البخاري: فيه نظر. وقال السيوطي في تعقباته على ابن الجوزي: للحديث شواهد كثيرة تقتضي تحسينه، منها حديث جابر إن من موجبات المغفرة إطعام المسلم الشبعان أخرجه البيهقي في الشعب - انتهى. وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: رمز المصنف يعني السيوطي أي لحسن حديث أنس ولعله لاعتضاده.
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 385)
(8) باب صدقة المرأة من مال الزوج
{الفصل الأول}
1967- (1) عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة. كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك،
ــ
(باب صدقة المرأة من مال الزوج) وفي بعض النسخ باب ما تنفقه المرأة من مال زوجها ووقع في بعضها لفظ باب فقط.
1967- قوله: (إذا أنفقت المرأة) أي تصدقت كما في رواية (من طعام بيتها) أي من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرفة فيه (غير مفسدة) نصب على الحال أي غير مسروفة في التصدق بأن لا تتعدى إلى الكثرة المؤدية إلى النقص الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحاً أو دلالة. وقيل: هذا جار على عادة أهل الحجاز، فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران، فحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة. وهذا الحديث ليس فيه دلالة صريحاً على جواز تصدق المرأة من مال الزوج بغير إذنه. قال البغوي: عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه، وكذلك الخادم. والحديث الدال على الجواز أخرج على مادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق مما حضر في البيت عند حضور السائل ونزول الضيف، كما قال عليه الصلاة والسلام: لا توعى فيوعى الله عليك - انتهى. وكذلك قال الخطابي في المعالم: (ج2 ص78) وخص الطعام بالذكر لغلبة المسامحة به عادة وإلا فغيره مثله إذا الغرض إن المالك إذن في ذلك صريحاً أو دلالة (كان لها أجرها بما أنفقت) أي بسبب إنفاقها (ولزوجها أجره بما كسب) أي بسبب كسبه وتحصيله (وللخازن) أي الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدق منه من خادم وقهرمان وقيم لأهل المنزل (مثل ذلك) أي الأجر أي بالشروط المذكورة في حديث أبي الآتي، وفي رواية للبخاري لها أجرها وله مثله (أي مثله أجرها) وللخازن مثل ذلك. قال الحافظ: ظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب، أوفر لكن التعبير في حديث أبي هريرة الآتي بقوله: فلها نصف أجره يشعر بالتساوي. قال: والمراد بقوله: لا ينقص بعضهم أجر بعض، عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر. ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضاً والله أعلم - انتهى. وقال النووي: معنى هذه الأحاديث (يعني حديث عائشة هذا وحديث
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 386)
لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئاً)) . متفق عليه.
1968- (2) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره. فلها نصف أجره)) .
ــ
أبي هريرة وحديث أبي موسى الآتيين) إن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة إن له أجراً كما لصاحبه أجر ـ وليس معناه أن يزاحمه في أجره. والمراد المشاركة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر. ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء. بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه - انتهى. (لا ينقص بعضهم أجر بعض) أي من أجر بعض (شيئاً) نصب مفعول ينقص أو ينقص كيزيد يتعدى إلى مفعولين الأول أجر والثاني شيئاً كزادهم الله مرضاً. قاله القسطلاني، وقال القاري: شيئاً أي من النقص أو من الأجر، والمراد أنهم في أصل الأجر سواء. وإن اختلف قدره. قال الحافظ قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه به ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال وهو اختيار البخاري. ويحتمل أن يكون ذلك محمولاً على العادة. وأما النقييد بغير الإفساد فمتفق عليه، ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن، النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه وليس ذلك بأن يفتاتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن، ومنهم من فرق بين المرأة والخادم. فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم فليس به تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم. ويأتي مزيد الكلام في شرح الحديث الذي يليه (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة وفي البيوع، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي وأبوداود والنسائي في الزكاة، وابن ماجه في النجارات وابن حبان والبيهقي وغيرهم.
1968- قوله: (إذا أنفقت المرأة) أي تصدقت (من كسب زوجها) أي من ماله (من غير أمره) أي الصريح في ذلك القدر المعين (فلها نصف أجره) قيل: هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها وتصدقت به، فعليها غرم ما أخذت أكثر منها، فإذا علم الزوج ورضي بذلك فلها نصف أجره بما تصدقت من نفقتها ونصف أجره له بما تصدقت به أكثر من نفقتها، لأن الأكثر حق الزوج كذا ذكره القاري: وقال الحافظ: الأولى أن يحمل على ما إذا أنفقت من الذي يخصها به إذا تصدقت به بغير استئذانه، فإنه يصدق كونه من كسبه فيؤجر عليه، وكونه بغير أمره يعني يحمل التصنيف على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 387)
متفق عليه.
1969- (3) وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملاً مؤفراً طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به،
ــ
أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل في إكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها. قال: ويحتمل أن يكون إذن لها بطريق الإجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل، ولابد من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإلا فحيث كان من ماله بغير إذنه لا إجمالاً ولا تفصيلاً فهي مأزورة بذلك لا مأجورة. قال النووي: قوله من غير أمره معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عام يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف. قال: ويتعين هذا التأويل لجمل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم إنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح ولا المأخوذ من العرف لا يكون لها أجر بل عليها وزر فيتعين تأويله - انتهى. وقيل: في الجمع بين هذا وبين حديث عائشة إنه إذا أنفقت المرأة مع إذنه تستحق به الأجر كاملاً، ومع عدم الإذن نصف الأجر، يعني إذا عرفت منه السماحة بذلك والرضا به جاز لها الإنفاق من غير إذنه ولها نصف أجره وقيل: معنى النصف إن أجره وأجرها إذا جمعا كان لها النصف من ذلك، فلكل منهما أجر كامل، وهما اثنان فكأنهما نصفان. وقيل: إنه بمعنى الجزء، والمراد المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر بحسب الحقيقة (متفق عليه) أخرجه البخاري في البيوع وفي أواخر النكاح وفي النفقات، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً فيه أبوداود والبيهقي.
1969- قوله: (الخازن) أي خادم المالك في الخزن (المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به) من الصدقة من غير زيادة ونقصان فيه بهوى (كاملاً) حال من المفعول أو صفة لمصدر محذوف (موفراً) بفتح الفاء المشددة أي تاماً فهو تأكيد وبكسرها حال من الفاعل أي مكملاً عطاءه (طيبة) أي راضية غير شحيحة (به) أي بالعطاء (نفسه) مرفوع على الفاعلية وطيبة بالنصب على الحال. وقال: ذلك إذ كثيراً مالا يرضي الإنسان بخروج شيء من يده، وإن كان ملكاً لغيره. قال الحافظ: قيد الخازن بكونه مسلماً فأخرج الكافر لأنه لا نية له وبكونه أميناً فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطاءه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، ويكون نفسه طيبة بذلك، لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لابد منها (فيدفعه) عطف على يعطي (إلى الذي أمر له) بضم الهمزة مبنياً للمفعول أي إلى الشخص الذي أمر ذلك الخازن له (به) أي بالدفع والإعطاء، وفيه شروط أربعة: شرط الإذن لقوله ما أمر به وعدم نقصان ما أمر به لقوله كاملاً موفراً وطيب النفس
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 388)
أحد المتصدقين)) . متفق عليه.
1970- (4) وعن عائشة، قالت: إن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أمي أفتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت،
ــ
بالتصدق، لأن بعض الخزان والخدان لا يرضون بما أمروا به من التصدق وإعطاء من أمر له لا إلى مسكين آخر. فالخازن مبتدأ وما بعده صفات له وخبره (أحد المتصدقين) أي يشارك صاحب المال في الصدقة فيصير إن متصدقين، ويكون هو أحدهما هذا على أن الرواية بفتح القاف وهو الذي صرحوا به، نعم جوز الكسر على أن اللفظ جمع أي هو متصدق من المتصدقين قال الحافظ: ضبط في جميع الروايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية. قال القرطبي: ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين - انتهى. وقال الشيخ زكريا الأنصاري: بفتح القاف أي هو ورب الصدقة في أصل الأجر سواء وإن اختلف مقداره فيهما فلو أعطي المالك خادمة مائة دينار ليدفعها إلى فقير على باب داره فأجر المالك أكثر، ولو أعطاه رغيفاً ليدفعه إلى الفقير في مكان بعيد، فإن كانت أجرة مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف فأجر الخادم أكثر وإن كانت تساويها فمقدار أجرهما سواء (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والوكالة والإجارة، ومسلم في الزكاة وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي في الزكاة.
1970- قوله: (إن رجلاً) قيل: هو سعد بن عبادة. قال الزرقاني: وجزم به غير واحد. وقيل: هو رجل آخر غير سعد بن عبادة وإليه مال العيني (إن أمي) عمرة بنت مسعود (أفتلتت) بالفاء الساكنة والمثناة المضمومة وكسر اللام بعد فوفيتان، أولاهما مفتوحة مبنياً للمفعول افتعال من فلت، يقال، أفتلت فلان أي ماتت فجأة، وأفْتُلِتَ بأمر كذا إذا فوجيء به قبل إن يستعد له، وأفتلت الشيء إذا أخذ منه فلته أي بغتة، قال الباجي: تقول العرب رأيت الهلال فلته إذا رأيته من غير قصد إليه (نفسها) بالنصب بمعنى أفتلتها الله نفسها أي روحها يعدي إلى مفعولين كاختلسه الشيء واستلبه إياه فبني الفعل للمفعول فصار الأول مضمراً وبقي الثاني منصوباً. وقيل: نفسها منصوب على التمييز. وقيل: بإسقاط حرف الجر أي من نفسها، ويروي بالرفع على أنه متعد إلى واحد ناب عن الفاعل أي أخذت نفسها فلتة يعني ماتت بغتة دون تقدم مرض ولا سبب (وأظنها) أي لعلمي بحرصها على الخير (لو تكلمت) أي لو قدرت على الكلام (تصدقت) أي من مالها بشيء أو أوصت بتصدق شيء من مالها. قال الحافظ: وظاهره إنها لم تتكلم فلم تتصدق لكن في الموطأ والنسائي والحاكم عن سعيد ابن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد عبادة عن أبيه عن جده. قال: خرج سعد بن عبادة مع النبي صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 389)
فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)) . متفق عليه.
ــ
في بعض مغازيه وحضرت أمه الوفاة بالمدينة فقيل لها أوصي: فقالت: فبم أووصي المال، مال سعد فتوفيت قبل أن يقدم سعد فلما قدم سعد بن عبادة ذكر ذلك له فقال سعد: يا رسول الله! هل ينفعها أن أتصدق عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه، وهذا نص في التكلم فيمكن أن يأول رواية الكتابة بأن المراد إنها لم تتكلم أي بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت أي فكيف أمضى ذلك. أو يحمل على أن سعداً ما عرف بما وقع منها فإن الذي روى هذا الكلام في الموطأ هو سعيد بن عبادة. أو ولده شرحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتحد راوي الإثبات، وراوي النفي. فيمكن الجمع بينهما بذلك - انتهى. وبسط العيني في إثبات المنافاة بين الراويتين، وبنى على ذلك إن الرجل المبهم في حديث عائشة رجل آخر غير سعد بن عبادة فلا حاجة على هذا إلى الجمع (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) بكسر الهمزة إن على أنها شرطية. قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعل، لكن قال البدر الدماميني: إن ثبتت لنا رواية بفتح الهمزة من أن أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء إن المفتوحة الهمزة شرطية كان المكسورة ورجحه ابن هشام، والمعنى حينئذٍ صحيح بلا شك ذكره القسطلاني (قال نعم) لها أجر إن تصدقت عنها، وقد بين النسائي من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة فأخرج من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة. قال: قلت يا رسول الله! إن أمي ماتت أفاتصدق عنها. قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء. وقد سبق هذا الحديث في فضل الصدقة ومر قريباً إنه تصدق عنها بحائط، وطريق الجمع إنه تصدق عنها بالحائط من تلقاء نفسه، وبالماء بأمره صلى الله عليه وسلم بعد سؤاله عنه والله تعالى أعلم. وفي الحديث جواز الصدقة عن الميت وإن ذلك ينفعه بوصول الثواب الصدقة إليه، ولاسيما إن كان من الولد وكذا حكم الدعاء وهو مخصص لعموم قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم:39] وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالصلاة وتلاوة القرآن؟ والمختار عند الحنفية نعم قياساً على الدعاء، وعندي فيه تأمل. وفيه أنه يستحب لمن يتوفى فجأة. أن يتصدق عنه أهله وترجم البخاري على هذا الحديث باب موت الفجاءة. قيل أشار بهذا إلى أن موت الفجاءة ليس بمكروه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرجل بانفلات نفس أمه وهو محمول على المتهيئ للموت والمتأهب والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبي شيبة عن عائشة وابن مسعود موت الفجاءة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر، وخبر أبي داود موت الفجاءة أخذة أسف. ولأحمد من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم مر بجدار مائل فأسرع. وقال: أكره موت الفوات. قال ابن بطال: وكان ذلك والله أعلم لما في موت الفجاءة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة
(খণ্ড: ٦) (পৃষ্ঠা: 390)