515- (23) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتوضأ من الموطئ)) ، رواه الترمذي.
ــ
والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث - انتهى. قلت: المرأة من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكرها ابن الأثير الجزري في أسد الغابة، وصرح الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب بكونها صحابية كما تقدم، بل كونها صحابية ظاهر من نفس الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت يا رسول الله إن لنا، الخ. وقد تقرر أن جهالة اسم الصحابي ونسبه لا تقدح في كونه صحابياً، ولا تؤثر في صحة الحديث، فالحديث صحيح، وكلام الخطابي ومن تبعه مردود عليه. والحديث أخرجه ابن ماجه أيضاً.
515- قوله: (ولا نتوضأ من الموطئ) بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الطاء المهملة والهمزة، وقيل: الموطأ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الطاء وبالهمزة. قيل: كسر الطاء هو الأصل، والفتح شاذ، وقيل: بل الفتح هو القياس، وهو أعلى وأرجح من الكسر. وارجع للبسط إلى تعليق الترمذي للشيخ أحمد شاكر. قال ابن العربي في شرح الترمذي (ج1:ص237) : الموطئ مفعل بكسر العين من وطئ، وهو اسم للموضع، فيكون معناه الوضوء من وطئ الموضع القذر، ويكون بفتحها، والمعنى واحد، وفيه كلام كثير- انتهى. وقال الخطابي في المعالم: الموطئ ما يوطئ في الطريق من الأذى، وأصله الموطؤ. قال العراقي: يحتمل أن يحمل الوضوء على الوضوء اللغوي وهو التنظيف، فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها، ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة - انتهى. وحمله البيهقي على النجاسة اليابسة، وأنهم كانوا لا يغسلون الأقدام إذا وطئوا على نجاسة يابسة، وإنما كانوا يغسلونها إذا كانت النجاسة رطبة، وهو الذي فهمه الترمذي، وحمل عليه الحديث. وقد نقل ذلك عن غير واحد من أهل العلم. قلت: معنى حديث ابن مسعود هذا قريب من معنى حديث المرأة الأشهلية وحديث أم سلمة، فالظاهر أن يترك حديث ابن مسعود على إطلاقه، ولا يخصص بالنجاسة اليابسة لعدم وجود دليل على هذا التخصيص، فالقدم التي أصابتها الرطبة كالخف والنعل والذيل تطهر إذا مرت على الأرض اليابسة الطاهرة، وزالت النجاسة المتعلقة بالقدم بالتناثر والدلك والمسح، والله أعلم. (رواه الترمذي) فيه نظر ظاهر لأنه لم يروه الترمذي في جامعه، بل ذكره بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نصلى، الخ. والحديث إنما أخرجه أبوداود، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة، والحاكم وصححه، والطبراني في الكبير. قال: الهيثمي في مجمع الزوائد (ج1:ص285) : رجاله ثقات، واللفظ الذي ذكره الترمذي موافق لرواية الحاكم (ج1:ص139) والطبراني، ولفظ أبي داود: قال عبد الله: كنا لا نتوضأ من موطئ ولا نكف شعراً ولا ثوباً. ولفظ ابن ماجه: قال عبد الله: أمرنا أن لا نكف شعراً ولا ثوباً ولا نتوضأ من موطئ. وكان على المصنف أن يعزو الحديث إلى الثلاثة أو إلى أبي داود على الأقل.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 209)
516- (24) وعن ابن عمر قال: ((كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)) . رواه البخاري.
ــ
516- قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) من الإقبال والإدبار جملة في محل النصب على الخبرية على أن "كانت" ناقصة، وعلى الحال على أنها تامة بمعنى وجدت. وفي رواية أبي داود والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر، بزيادة "تبول" قبل "تقبل وتدبر" والظاهر أن هذه الزيادة محفوظة. (في المسجد) الألف واللام للعهد أي: في مسجد النبي. قال الخطابي: كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه. قلت: ويمكن ذلك مع وجود الغلق والأبواب أيضاً كما في زماننا. (فلم يكونوا يرشون) في نفى الرش مبالغة ليست في نفى الغسل والصب، لأن الرش ليس جريان الماء بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان والسيلان، فنفى الرش أبلغ من نفى الغسل والصب. (شيئاً) عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهو أيضاً يفيد المبالغة في عدم النضح بالماء أي: شيئاً من الماء. (من ذلك) أي: من أجل البول والإقبال والإدبار. والحديث فيه دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو الهواء فذهب أثر النجاسة تطهر، إذ عدم الرش يدل على عدم الصب والغسل بالأولى، فلولا أن الجفاف يفيد تطهير الأرض ما تركوا ذلك. والحديث مشكل جداً على الشافعية، حيث لم يقولوا: بكون الجفاف مطهراً للأرض، فقال: بعضهم لفظ "تبول" ليس بمحفوظة في الحديث، يدل على كونه غير محفوظ في ترك البخاري هذا اللفظ في روايته. قلت: روى هذا الحديث عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثنا سكن بن نافع الباهلي أبوالحسين: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كنت أعزب شاباً، أبيت في المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك. وهذا كما ترى ليس فيه لفظ "تبول" والطريق غير طريق البخاري، فالظاهر أن ترك لفظ "تبول" والاقتصار على تقبل وتدبر من ابن عمر، أو من غيره من الرواة، لا من البخاري، فكان ابن عمر أو غيره يذكر لفظة "تبول" مرة ويتركها أخرى، وكيف ما كان الأمر، فالظاهر أن هذه اللفظة محفوظة. وتأوله ابن المنذر فقال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد، وكذا قال الخطابي. قلت: هذا خلاف الظاهر، لا يتكلف له إلا المتعصب لرأي إمامه، وهلا قال: كانت الكلاب تبول خارج المسجد وتستنجي هناك ثم تدخل المسجد؟ ومن أكبر موانع هذا التأويل أن قوله في المسجد. ليس ظرفاً لقوله: "وتقبل وتدبر" وحده وإنما هو ظرف لقوله: تبول وما بعده كلها، وتقدم شيء من الكلام فيه في شرح حديث صب الماء على بول الأعرابي فتذكر. (رواه البخاري) الحديث أورده البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، فقال: قال أحمد بن شبيب عن أبيه، الخ. قال أبونعيم: رواه البخاري بلا سماع. وقال العيني: ذكره البخاري معلقاً، وأورده الحافظ في المقدمة في سياق تعاليقه المرفوعة، فقال: حديث أحمد بن شبيب عن أبيه وصله
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 210)
517- (25) وعن البراء، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا بأس ببول ما يؤكل لحمه)) .
518- (26) وفي رواية جابر، قال: ((ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)) رواه أحمد، والدارقطني.
ــ
أبو نعيم والبيهقى، وغيرهما- انتهى. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (ج2:ص 17) .
517- قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) فيه دليل على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، لكن الحديث ضعيف جداً لا يصلح للاستدلال كما ستقف عليه، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث الضعيف، ولم يذكر حديث العرنيين وأحاديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، وهي أحاديث صحيحة، وأصل استدلال القائلين بطهارة بول ما يؤكل لحمه بهذه الأحاديث الصحيحة، ولذلك ذكرها المحدثون في باب طهارة أبوال مأكولات اللحم، فحديث العرنيين، وحديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم يدلان على طهارة أبوال الإبل والغنم نصاً، ويقاس عليها غيرها مما يؤكل لحمه. وأما حديث أبي هريرة مرفوعاً: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. أخرجه ابن خزيمة وغيره، فمحمول على بول الإنسان لا بول سائر الحيوان. وكذا حديث ابن عباس المتفق عليه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول- الحديث. المراد به بول الناس لا بول سائر الحيوان، لما في رواية للبخاري: كان لا يستتر من بوله. قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس- انتهى. فلا يكون في حديث ابن عباس هذا حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح (ج1:ص168) والنيل (ج1:ص49) وأبكار المنن (ص43) .
518- قوله: (وفي رواية جابر قال: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله رواه) لو قال: رواهما لكان أقرب إلى الصواب، فإنهما حديثان، الأول عن البراء بن عازب، والثاني عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. (أحمد) ما وجدت الحديث في مسنده لا في مسند البراء ولا في مسند جابر، ولم أر أحداً من أصحاب كتب التخريج والأحكام والجوامع، وشروح الحديث كالحافظ، والزيلعي والسيوطي والهيثمي وعلى المتقي والشوكاني وغيرهم أنه عزاه لأحمد. (والدارقطني) (ص47) في سند حديث البراء سوار بن مصعب، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، وفي سند حديث جابر عمرو بن الحصين، عن يحي بن العلاء، وهما أيضاً متروكان ذاهبا الحديث. وقال: أحمد في يحي بن العلاء: كذاب، يصنع الحديث. وقال الحافظ في التلخيص (ص16) : إسناد كل من الحديثين ضعيف جداً - انتهى. والحديث أخرجه أيضاً البيهقي وضعفه، وأخرجه الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب بلفظ: لا بأس ببول الحمار، وكل ما أكل لحمه. كذا في كنز العمال (ج5:ص88) وأورد حديث علي هذا ابن الجوزي في الموضوعات، وأقره السيوطي في اللآلئ المصنوعة، ثم ابن عراق في تنزيه الشريعة (ج2:ص66) والشوكاني في الفوائد المجموعة (ص6) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 211)
(9) باب المسح على الخفين
{الفصل الأول}
519- (1) عن شريح بن هانئ، قال: سألت: علي بن أبي طالب عن المسح على الخفين، فقال:
((جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم)) . رواه مسلم.
520- وعن المغيرة بن شعبة: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك. قال المغيرة: فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
(باب المسح على الخفين) أي: باب ذكر أدلة شرعية على ذلك، وما يتعلق به من التوقيت في المسح، وبيان محله، وشرطه، والمسح إصابة اليد المبتلة بالعضو، وإنما عدي بعلى إشارة إلى موضعه، وهو فوق الخف دون داخله وأسفله على ما ورد مخالفاً للقياس. والخف نعل من أدم يغطي الكعبين، والجورب لفافة الرجل من أي شيء كان من الشعر، أو الصوف أو الكرباس، أو الجلد ثخيناً أو رقيقاً إلى ما فوق الكعب يتخذ للبرد. والمسح على الخفين ثابت بالسنة كما سترى. وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة. وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين. أخرجه ابن أبي شيبة. وذكر أبوالقاسم بن منده أسماء من رواه في تذكرته، فكانوا ثمانين صحابياً. وذكر الترمذي والبيهقي في سننهما، وابن عبد البر في الاستذكار منهم جماعة. قال النووي: أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها.
519- قوله: (عن شريح) بالتصغير (بن هانئ) بالهمزة على وزن فاعل، أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه كنى النبي صلى الله عليه وسلم أباه هانئ بن يزيد، فقال: أنت أبوشريح. وشريح من جملة أصحاب علي رضي الله عنه، كذا ذكره المصنف في أسماء رجاله في عداد الصحابة، وقد تقدم أنه مخضرم تابعي، فكأن المصنف تبع ابن عبد البر في ذكر المخضرمين مع الصحابة. (عن المسح) أي: عن مدته. (ثلاثة أيام ولياليهن) بفتح الياء. (للمسافر ويوما وليلة للمقيم) فيه دليل لما ذهب إليه جمهور العلماء من توقيت المسح بثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وهو الحق والصواب، لما ورد في التوقيت بذلك أحاديث عن أكثر من عشرة من الصحابة. وإنما زاد في المدة للمسافر لأنه أحق بالرخصة من المقيم لمشقة السفر واختلفوا في ابتداء مدة المسح، فقال كثير من العلماء: إن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح. ونقل عن أحمد أنه قال: إن ابتداءها من وقت اللبس. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان.
520- قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز، وهو الفضاء الواسع فكنوا به عن قضاء الحاجة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 212)
قبل الغائط، فحملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما،
ــ
(قبل الغائط) بكسر القاف وفتح الباء. أي: جانبه لقضاء الحاجة. والغائط هو المكان المطمئن في الفضاء أو المكان المنخفض من الأرض. (فحملت معه) أي: ذاهبا معه. (إداوة) بكسر الهمزة، أي: إناء من ماء أخذ المغيرة من أعرابية صبته له من قربة جلد ميتة دبغته، وأخذ الماء ليتوضأ به لا ليستنجى. (قبل الفجر) أي: قبل صلاة الصبح وبعد طلوع الفجر. (فلما رجع) من قضاء الحاجة. (أخذت) أي: شرعت. (أهريق على يديه من الإداوة) أي: أصب الماء. وفيه دلالة على جواز الاستعانة في الطهارة بصب الماء. (فغسل يديه) أي: كفيه. (ووجهه) لا دلالة فيه على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء كما زعم ابن حجر لاحتمال عدم ذكره لهما إما اختصاراً أو نسياناً، أو لكونهما داخلين في حد الوجه من وجه على ما حققه في محله، ومع تحقق الاحتمال لا يصح الاستدلال، قاله القاري. قلت: قد وقع ذكر المضمضة والاستنشاق عند البخاري في الجهاد ففيه: أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه. (وعليه) أي: على بدنه، والواو للحال. (جبة) أي: شامية من جباب الروم. (ذهب) أي: شرع وأخذ، وهو استئناف. (يحسر) من باب ضرب أي: يكشف كميه. (عن ذراعيه) أي: ليغسلهما. (فضاق كم الجبة) بحيث لم يقدر على أن يخرج يديه إلى المرفقين عن كمي الجبة من غاية ضيقهما. (وألقى الجبة) أي: ذيلها. (وعلى العمامة) تحصيلاً وتكميلاً للاستيعاب الواجب. (ثم أهويت) أي: مددت يدي. وقيل: قصدت الهوى من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء إمالة اليد إلى شيء ليأخذه، أي: انحنيت. (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه صلى الله عليه وسلم سيفعل الأفضل بناء على أن الغسل أفضل، أوجوز أنه لم يحصل شرط المسح وهذا الأخير أقرب لقوله: (دعهما) أي: أتركها ولا تنزعها عن رجلي. (فإني أدخلتهما) أي: القدمين. (طاهرتين) أي: لبستهما حال كون قدمي طاهرتين. وفيه دليل على أن الشرط لمسح الخفين طهارة القدمين وقت اللبس. ويلزم منه اشتراط تمام الوضوء عند من يقول بوجوب الترتيب في الوضوء، ولا يلزم عند غيره كما لا يخفى. والراجح هو القول الأول، لقوله: صلى الله عليه وسلم " إذا تطهر ولبس خفيه) . في حديث أبي بكرة الآني في الفصل الثاني. ولحديث صفوان بن عسال عند أحمد وغيره: قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر- الحديث. ولحديث أنس مرفوعاً: إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما- الحديث. أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. قال الأمير اليماني: تقييد اللبس والمسح ببعد الوضوء دليل على أنه أريد بالطهارة في حديث المغيرة وما في معناه الطهارة المحققة من الحدث الأصغر. (فمسح عليهما) فيه رد على من زعم أن المسح على
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 213)
ثم ركب فركبت، فانتهينا إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة ويصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب يتأخر فأومأ إليه، فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين معه. فلما سلم، قام النبي صلى الله عليه وسلم، وقمت معه، فركعنا الركعة التي سبقتنا)) . رواه مسلم.
ــ
الخفين منسوخ بآية المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وهذه القصة كانت في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق، إذ هي آخر المغازي. (فانتهينا) أي: وصلنا. (وقد قاموا إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح، جملة حالية. (ويصلي بهم) أي: والحال أنه يصلي إماماً لهم. وفي مسلم: وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم. (عبد الرحمن بن عوف) بن عبدعوف بن عبدبن الحارث بن زهرة القرشي الزهري أبومحمد المدني، أحد العشرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قديماً على يد أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وأحد الستة، شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان اسمه عبد الكعبة، ويقال: عبدعمرو، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم. أصيب يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج. قال الزهرى: تصدق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمس مائة فرس، ثم على خمس مائة راحلة. وكان عامة ماله من التجارة. وأوصى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بحديقة قومت بأربعمائة ألف. ومناقبه كثيرة شهيرة. له خمسة وستون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. مات سنة (34) . وقيل: (33) . وقيل (31) . قال بعضهم: وله (75) سنة، ودفن بالبقيع. (فلما أحس بالنبي) أي: علم بمجيئة. (ذهب يتأخر) من موضعه ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم. (فأومأ إليه) أي: أشار إليه أن يكون على حاله. (فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين معه) أي:اقتدى به في الركعة الثانية. وفيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، فإنهم فعلوها أول الوقت، ولم ينتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإمام الراتب إذا أخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلي بهم. (فلما سلم) أي: عبد الرحمن. (قام النبي) أي: لأداء ما سبق. فيه أن من سبقه الإمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك، فإذا سلم أتى بما بقي عليه، ولا يسقط ذلك عنه. وفيه إتباع المسبوق للإمام في فعله في ركوعه، وسجوده، وجلوسه، وإن لم يكن ذلك موضع فعله للإمام، وإنما المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام. (فركعنا) أي: صلى كل منا منفرداً، ويحتمل على بعد أن يكون المعنى: صليت معه مقتدياً به في الركعة التي فاتتنا، فيكون دليلاً على جواز إمامة المسبوق، ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف والوهن، لأن ضمير الجمع يكفي له الاشتراك في أصل القضاء، ولا يقتضي ذلك التبعية بحيث أن يكون أحدهما إماماً للآخر في قضاء ما فاتتهما من الركعة، ولو سلم فهي واقعة حال تحتمل الخصوصية وغير ذلك. (رواه مسلم) للحديث طرق وألفاظ عند مسلم ليس السياق المذكور من أوله إلى آخره، أي: بتمامه في طريق منها، بل هو مأخوذ مركب من عدة طرق عنده كما لا يخفى على من تأمل في طرقه وألفاظه. وأصل الحديث متفق عليه بين الشيخين وله ألفاظ في الصحيحين، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه، أخرجوه مطولاً ومختصراً، أورده مسلم في الطهارة والصلاة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 214)
{الفصل الثاني}
521- (3) عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)) . رواه الأثرم في سننه، وابن خزيمة،
ــ
والبخاري فيهما، وفي الجهاد، والمغازي، واللباس، وليس في روايته ذكر المسح على الناصية والعمامة، وصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس.
521- قوله: (عن أبي بكرة) بسكون الكاف وبالتاء، هو نفيع - بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء - ابن الحارث ابن كلدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفي. وقيل: اسمه مسروح، بمهملات. قيل: تدلى من حصن الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببكرة وأسلم، فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكرة وأعتقه، فهو من مواليه. كان من خيار الصحابة، ونزل البصرة، وكان ممن اعتزل يوم الجمل وصفين، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين. له مائة واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بآخر. روى عنه أولاده عبد الرحمن وعبيد الله ومسلم وغيرهم. مات سنة (51) أو (52) . (رخص للمسافر) أي: في المسح على الخفين. (إذا تطهر) أي: كل من المسافر والمقيم إذا تطهر من الحدث الأصغر. (فلبس خفيه) أي: لبس خفيه بعد تمام الطهارة، قاله ابن الملك. قال القاري: ولا يشترط التعقيب، فالفاء لمجرد البعدية. وقال الأمير اليماني: ليس المراد من الفاء التعقيب بل مجرد العطف لأنه معلوم أنه ليس شرطاً في المسح. وفي رواية ابن ماجه: إذا توضأ ولبس خفيه. قال السندي: ظاهره أنه يلبس خفيه بعد الوضوء. (أن يمسح عليهما) هذا الحديث مثل حديث علي رضي الله عنه في إفادة مقدار المدة للمسافر والمقيم، ومثل حديث أنس وصفوان في شرطية الطهارة أي: الوضوء وقت اللبس، وفيه إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابي له بذلك. (رواه الأثرم) بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الراء، هو أبوبكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الطائي، ويقال: الكلبي، صاحب الإمام أحمد بن حنبل، سمع عفان بن مسلم، وأبا الوليد الطيالسي والقعنبي وأبا نعيم ومسدداً وطبقتهم، وصنف التصانيف. حدث عنه النسائي في السنن، وموسى بن هارون، وابن صاعد، وآخرون، وله كتاب في علل الحديث ومسائل أحمد بن حنبل، وكان من أفراد الحفاظ. قال أبوبكر الخلال: كان جليل القدر، حافظاً. وقال الخطيب في تاريخه (ج5:ص110) : كان الأثرم ممن يعد في الحفاظ والأذكياء. وقال الذهبي في التذكرة: كان له تيقظ عجيب. قال ابن معين: كان أحد أبويه جنياً. وقال إبراهيم الأصبهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن. قال الذهبي: أظنه مات بعد الستين ومائتين. وله كتاب نفيس في السنن يدل على إمامته وسعة حفظه. وقال الخطيب: كان الأثرم من أهل إسكاف بني جنيد، وبه مات (وابن خزيمة) بضم الخاء المعجمة فزأي بعدها تحتية مثناة فتاء تأنيث، هو الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام أبوبكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ولد سنة (223) وعنى بهذا الشأن في الحداثة، انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان، حدث عنه الشيخان خارج صحيحهما. قال: الذهبي: كان هذا الإمام فريد عصره. قال أبوحاتم
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 215)
والدارقطني. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد، هكذا في المنتقى.
522- (4) وعن صفوان بن عسال، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)) .
ــ
محمد بن حبان التميمي: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحق بن خزيمة فقط. وقال الدارقطني: كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير، وفضائله كثيرة استوعب الحاكم سيرته وأحواله، وقد ذكر شيئاً منها الذهبي في التذكرة (ج2:ص287-296) توفي سنة (311) وهو في تسع وثمانين سنة. (والدارقطني. وقال الخطابي) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى الخطاب، وهو أبوسليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، صاحب معالم السنن في شرح أبي داود، وإعلام السنن في شرح صحيح البخاري، توفي سنة (388) . (هو صحيح الإسناد هكذا في المنتقى) من الأخبار في الأحكام، كتاب مشهور شرحه الشوكاني، وسمى شرحه نيل الأوطار. وهو لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم المعروف بابن تيمية الحنبلي المتوفي سنة (652) وهو جد شيخ ابن القيم تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني المتوفى سنة (728) وارجع لترجمتهما، وكشف أحوال "المنتقى" إلى "إتحاف النبلاء" وأوائل "نيل الأوطار" و"مقدمة تحفة الأحوذي" والحديث أخرجه أيضاً الشافعي وابن أبي شيبة وابن حبان وابن الجارود والبيهقي، والترمذي في العلل المفرد، وصححه أيضاً الشافعي وابن خزيمة.
522- قوله: (وعن صفوان) بفتح الصاد وسكون الفاء. (بن عسال) بفتح العين. (يأمرنا) ظاهره وجوب المسح، ولكن الإجماع صرفه عن ظاهره، فبقى للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء هل الأفضل المسح على الخفين أو نزعهما وغسل القدمين؟ فذهب جماعات من الصحابة، والعلماء بعدهم إلى أن الغسل أفضل لكونه الأصل. قال النووي: صرح أصحابنا بأن الغسل أفضل بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام. قلت: ويؤيدهم قول أبي بكرة في الحديث السابق: رخص. وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل لحديث صفوان هذا، ولأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وإحياء ما طعن المخالفون فيه أفضل من تركه. (إذا كنا سفراً) بسكون الفاء جمع سافر، كصحب جمع صاحب أي مسافرين. (أن لا ننزع خفافنا) يعني يأمرنا أن نمسح عليهما، والخفاف بكسر الخاء جمع الخف. (إلا من جنابة) أي: فنزعهما ولو قبل مرور الثلاث، وهو استثناء مفرغ تقديره: أن لا ننزع خفافنا من حديث من الأحداث إلا من جنابة، فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف، بل يجب عليه النزع، وغسل الرجلين كسائر الأعضاء. (ولكن) عطف على مقدر يدل عليه "إلا من جنابة" وقوله: (من غائط) متعلق بمحذوف تقديره أمرنا أن ننزع خفافنا من جنابة، ولكن لا ننزعهن من غائط. (وبول ونوم) أي: لأجل هذه الأحداث إلا إذا مرت المدة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 216)
رواه الترمذي والنسائي.
523- (5) وعن المغيرة بن شعبة، قال: ((وضأت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخف وأسفله)) . رواه أبوداود، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث معلول. وسألت أبا زرعة
ــ
المقدرة. وقال الخطابي في معالم السنن (ج1:ص62) : كلمة لكن موضوعة للاستدراك، وذلك لأنه تقدمه نفي واستثناء، وهو قوله: كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن إلا من جنابة. ثم قال: لكن من بول وغائط ونوم. فاستدركه بـ "لكن" ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، فإن المسافر الماسح على خفه إذا أجنب كان عليه نزع الخف وغسل الرجل مع سائر البدن، وهذا كما تقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، وما رأيت زيداً لكن خالداً - انتهي. والحديث فيه دليل على اختصاص المسح على الخفين بالوضوء دون الغسل، وهو مجمع عليه. (رواه الترمذي والنسائي) وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي، والخطابي في معالم السنن. قال الترمذي عن البخاري: إنه حديث حسن، بل قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي. ذكره في سبل السلام (ج1:ص86) وصححه الترمذي، وابن خزيمة والخطابي.
523- قوله: (وضأت النبي صلى الله عليه وسلم) أي: سكبت الوضوء على يديه. وقيل: حصلت وضوءه. (فمسح أعلى الخف وأسفله) فيه بيان محل المسح على الخف وأنه أعلاه وأسفله، لكن الحديث فيه كلام كما ستعرف. ولم أقف في المسح على ظاهر الخف وباطنه على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام، وقد ثبت عن علي والمغيرة مرفوعاً بإسناد جيد مسح الخفين على ظاهرهما فقط، كما سيأتي، فالراجح أن محل المسح هو أعلى الخف دون أسفله. (رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه) وأخرجه أيضاً أحمد وابن الجارود والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة، عن المغيرة. وفي رواية ابن ماجه: عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة. (وقال الترمذي: هذا حديث معلول) هذا لحن على طريق أهل اللغة لأنه من عله بالشراب إذا سقاه مرة بعد أخرى. ويقال له: المعلل، أيضاً. والأجود فيه أن يقال: معل بلام واحدة لأنه مفعول أعل قياساً، وأما معلل فمفعول علل وهو لغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله. والحديث المعلل أو المعل ما اطلع فيه على علة غامضة خفية تقدح في صحته مع ظهور السلامة، يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال في الموصول، ووقف في المرفوع، ونحو ذلك. وحديث المغيرة هذا قد بين الترمذي علته بقوله: لم يسنده أي: لم يروه متصلاً عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم (وسألت أبازرعة) هو
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 217)
ومحمداً يعني البخاري، عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، وكذا ضعفه أبوداود.
ــ
عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبوزرعة الرازي القرشي مولاهم، إمام حافظ ثقة مشهور، عن خلق كثير وعنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وآخرون. قال الخطيب: كان إماماً ربانياً حافظاً مكثراً. وقال الذهبي: سمع خلقاً كثيراً بالحرمين، والعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، ومصر. وكان من أفراد الدهر حفظاً، وذكاءً، وديناً، وإخلاصاً، وعلماً، وعملاً. وقال ابن حبان في الثقات: كان أحد أئمة الدنيا في الحديث مع الدين والورع، والمواظبة على الحفظ والمذاكرة، وترك الدنيا وما فيه الناس. مات في آخر يوم من سنة (264) وله أربعون ستون سنة. وقد بسط ترجمته الذهبي في التذكرة (ج2:ص136-138) والحافظ في تهذيب التهذيب (ج7:ص30-33) والشيخ في مقدمة شرح الترمذي (ص229) . (ومحمداً يعني البخاري عن هذا الحديث، فقالا ليس بصحيح) لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء، قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه المغيرة. (وكذا ضعفه أبوداود) قال: بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء، وهذا خلاف ما علل به أبوزرعة والبخاري، أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة. قلت: وضعفه أيضاً الشافعي وأحمد وأبوحاتم وموسى بن هارون والدارقطني، وغيرهم. واعلم أنه أعل هذا الحديث بخمس علل: الأولى: تدليس الوليد بن مسلم، وهي مدفوعة بأن الوليد قال: حدثنا ثور، كما في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي أخبرني ثور، فلا تدليس. والثانية: أن ثوراً لم يسمعه من رجاء، فإنه قال: حدثت عن رجاء، كما ذكره الأثرم عن أحمد. وأجيب عنها بأن الدارقطني والبيهقي، روياه من طريق داود بن رشيد، وهو ثقة، ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد: ثنا رجاء بن حيوة. فقد صرح ثور في هذه الرواية بالسماع من رجاء، فزالت العلة. قال الحافظ: لكن رواه أحمد بن عبيد الصفار في مسنده عن أحمد بن يحيى، عن الحلواني، عن داود بن رشيد، فقال عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع القول بصحة وصلة مع ما تقدم في كلام الأئمة - انتهى. الثالثة: الإرسال، فقد رواه ابن المبارك عن ثور مرسلاً لم يذكر المغيرة، وأجيب عنها بأن الوليد بن مسلم ثقة، فإن خالفه ابن المبارك في هذه الرواية فإنما زاد أحدهما من الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، ولم يتفرد الوليد بذكر المغيرة بل تابعه على ذلك إبراهيم بن أبي حبيبة عند الشافعي في الأم ومحمد بن عيسى بن سميع على ما ذكره الدارقطني في العلل، فقد روياه عن ثور مثل الوليد بن مسلم. والرابعة: أن رجاء لم يسمعه عن كاتب المغيرة، فإنه قال: حدثت عن كاتب المغيرة. كما تقدم. والخامسة: جهالة كاتب المغيرة وهي مدفوعة بما في رواية ابن ماجه من تصريح اسمه بأنه وراد. قلت: الظاهر أن حديث المغيرة هذا ضعيف، فإن العلة الرابعة عقيمة عن الجواب، وهي مؤثرة وحدها في صحة الحديث. وأما ما ذكر من متابعة إبراهيم بن أبي حبيبة، ومحمد بن عيسى بن سميع لثور ففيه أن ابن أبي حبيبة هذا قد ضعفه عامة المحدثين، ووثقة تلميذه الشافعي فقط، ومحمد بن عيسى وإن كان صدوقاً لكنه يخطئ ويدلس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 218)
524- (6) وعنه، أنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما)) . رواه الترمذي، وأبوداود.
525- (7) وعنه، قال: ((توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، ومسح على الجوربين والنعلين)) . رواه أحمد، والترمذي، وابوداود، وابن ماجه.
ــ
524- قوله: (على ظاهرهما) أي: على أعلاهما، فيه دليل على أن محل المسح أعلى الخفين وظاهرهما، لا غير. (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن. (وأبوداود) وسكت عنه. ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره. وقال: الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح. والحديث أخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الأوسط والطيالسي والبيهقي. وفي الباب أيضاً عن عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة والبيهقي، قاله الشوكاني.
525- قوله: (ومسح على الجوربين) تثنية جورب، وهو لفافة الرجل، وقيل: غشاء للقدم من صوف أو شعر أو كرباس، أو جلد، ثخيناً كان أو رقيقاً إلى نحو الساق. (والنعلين) أي: مع النعلين، تثنية النعل، وهو ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة، قاله في القاموس. وقال الجزري: النعل مؤنثة، وهي التي تلبس في المشى، تسمى الآن تاسومة – انتهى. والمعنى النعلين لبسهما فوق الجوربين، فمسح على الجوربين والنعلين معاً، وكان قاصداً بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، فكان مسحه على الجوربين هو الذي تطهر به، ومسحه على النعلين فضل. هذا حاصل ما قاله الخطابي والطحاوي وابن القيم والطيبي وقيل في معناه غير ذلك، والصواب ما قال: هؤلاء الأئمة. وفي الحديث دليل على جواز مسح الجورب من أي: شيء كان ثخيناً أو رقيقاً، لأنه ورد في الحديث مطلقاً غير مقيد بوصف التجليد، أو التنعيل، أو الصفافة والثخونة من كرباس، أو صوف، أو شعر أو جلد، لكن الحديث قد تكلم فيه الأئمة كما سيأتي. وفي الباب عن أبي موسى أخرجه ابن ماجه والطحاوي والبيهقي وهو ضعيف، وعن بلال أخرجه الطبراني وغيره، وفيه أيضاً ضعف، نعم قد صح المسح على الجوربين عن كثير من الصحابة، ذكر أسماءهم أبوداود في سننه. وقد أشبع شيخنا الكلام على هذه المسألة في شرح الترمذي (ج1:ص100-104) وابن حزم في المحلي (ج2:ص84-87) فارجع إليهما. والراجح عندي أن الجوربين إذا كان ثخينين بحيث يستمسكان على القدمين بلا شد ويمكن المشي فيهما يجوز المسح عليهما لأنهما في معنى الخفين، وإن لم يكونا كذلك ففي جواز المسح عليهما عندي تأمل، عملاً بقوله: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ومن اطمئن قلبه بعد إمعان النظر في المسألة بإطلاق القول في المسح عليهما فهو وشأنه. (رواه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه) وأخرجه أيضاً البيهقي، وابن حبان في صحيحه، كلهم من حديث أبي قيس، عن هزيل بن شرجيل عن المغيرة. والحديث قد صححه الترمذي، وضعفه كثير من الأئمة مثل سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدى وأحمد
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 219)
{الفصل الثالث}
526- (8) عن المغيرة، قال: ((مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين. فقلت: يا رسول الله! نسيت؟ قال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي عزوجل)) . رواه أحمد، وأبوداود.
527- (9) وعن علي، قال: لو كان الدين بالرأي: لكان أسفل الخف
ــ
ابن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، والنسائي، والبيهقي، والنووي. وحاصل ما ضعفوه به أن المعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، وأن هزيل بن شرجيل رواه عن المغيرة فقال: مسح على الجوربين، فخالف جميع الناس الذين رووا عن المغيرة المسح على الخفين. قلت: قال الشيخ تقي الدين في الإمام: ومن يصححه يعتمد على كونه ليس مخالفاً لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. وقال غيره: مخالفة هزيل للناس إنما تضر إذا كان ما رووه حكاية عن فعل وقت واحد، وأما إذا كان حكاية عن وضوءين مختلفين وقعا في وقتين مختلفين، فلا يضره الرواية المعروفة عن المغيرة في المسح على الخفين، لأنهما حديثان مختلفان، وروايتان عن حادثتين مختلفتين، والمغيرة صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمس سنين، فلا بعد في أن يشهد من النبي وقائع متعددة يحكيها، فيسمع بعض الرواة منه شيئاً، ويسمع غيره شيئاً آخر.
526- قوله: (نسيت) يحتمل تقدير همزة الاستفهام وتركه. (قال) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نسيت. (بل أنت نسيت) أي: إني مشرع حيث نسبت إلى النسيان. (بهذا أمرني ربي) ففعلي عمد، أو المعنى تركت الأدب حيث جزمت بنسبة النسيان إلي، فيكون قوله: بل نسيت. معناه أخطأت، ويكون من باب المشاكلة، ومعنى قوله: بهذا. أي: بالمسح أمرني. أي: أمر إباحة وندب. ربي أي: بالوحي الغير المتلو. وقيل: فيه إشارة إلى أن المسح على الخفين ثابت بالكتاب أيضاً أي: على قراءة الجرفي {أرجلكم} . (رواه أحمد وأبوداود) قال الشوكاني: الحديث إسناده صحيح، ولم يتكلم عليه أبوداود، ولا المنذري في تخريج السنن ولا غيرهما. قلت: في سنده بكير بن عامر البجلى، قال: الحافظ في التقريب: ضعيف - انتهى. وضعفه يحيى بن معين والنسائي وأبو زرعة وأحمد في رواية. ووثقه ابن سعد والحاكم والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أبوداود: ليس بالمتروك.
527- قوله: (لو كان الدين بالرأي) أي: بالقياس، وملاحظة المعاني دون الرواية والنقل (لكان أسفل الخف)
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 220)
أولى بالمسح أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. رواه أبوداود، وللدارمي معناه.
(10) باب التيمم
ــ
لقربة من القاذورات والأوساخ. (أولى بالمسح من أعلاه) أي: ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما، لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته، بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم. (يمسح على ظاهر خفيه) أي: على أعلاهما دون أسفلهما يعني فلا يعتبر بالرأي والقياس الذي هو على خلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. واعلم أن العقل الكامل تابع للشرع لأنه عاجز عن إدراك الحكم الإلهية، فعليه التعبد المحض بمقتضى العبودية، وما ضل من ضل من الكفرة، والحكماء، والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل، وترك موافقة النقل. والحديث نص على المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف أي: أعلاه دون باطنه أي: أسفله. (رواه أبوداود) بإسناد حسن، قاله الحافظ في بلوغ المرام. وقال في التلخيص: إسناده صحيح. (وللدارمي) جار ومجرور خبر مقدم مبتدأه. (معناه) أي: معنى هذا الحديث دون لفظه. وأعلم أن الأحاديث المذكورة في الباب ليس فيها تعرض للقدر المجزئ من المسح، نعم قد روى عن علي رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخف خطوطاً بالأصابع. قال النووي في شرح المهذب: إنه حديث ضعيف وروى عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم أرى بعض من علمه المسح أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين أصابعه. أخرجه الطبراني في الأوسط، وعزاه ابن الجوزي في التحقيق إلى رواية ابن ماجه. قال الحافظ: هو في بعض نسخ ابن ماجه دون بعض. وقد استدركه المزى على ابن عساكر في الأطراف، وإسناده ضعيف جداً - انتهى. وقد عرفت من هذا أنه لم يرد في الكيفية والكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي والمغيرة في بيان محل المسح. قال الأمير اليماني: والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحاً على لغة أجزأه - انتهى.
(باب التيمم) قال الله تعالى: {إن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم} الآية [6:5] . والتيمم في اللغة القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وهو من خصائص هذه الأمة نصاً وإجماعاً. واختلف هل التيمم عزيمة أورخصة؟ وفصل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. قال الشاه ولي الله: لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم، ولا تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة ولا يألفوا ترك الطهارات أسقط الوضوء والغسل
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 221)
{الفصل الأول}
528- (1) عن حذيفة، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً،
ــ
في المرض والسفر إلى التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور والعظام التي تميزت به الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: جعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء. قال: إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج، ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلاً عن الغسل بالماء، ولأن فيه تذللاً بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ لأن من حق ما لا يعقل معناه بادي الرأي: أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية. وفي معنى المرض البرد الضار لحديث عمرو بن العاص، والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن. وإنما لم يؤمر بمسح الرجل بالتراب لأن الرجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبه – انتهى. وقد يظن من لا يفقه أغراض الشريعة الإسلامية أن التراب قد يكون ملوثاً بالميكروبات الضارة أي: جراثيم الأمراض، فمسح الوجه به ضرر لا نفع فيه. والذي يقول لم يفهم معني التيمم، ولم يدرك الغرض منه لأن الشارع قد اشترط أن يكون التراب طاهراً نظيفاً، ولم يشترط أن يأخذ التراب ويضعه على وجهه، بل المفروض هو أن يأتي بكيفية خاصة تبيح له العبادة الموقوفة على الوضوء والغسل. كذا في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
528- قوله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) متحدثاً بنعمة الله ومبيناً لأحكام شرعه. (فضلنا على الناس) بصيغة المجهول مشدداً أي: فضلنا الله على جميع الأمم السالفة، وحذف الفاعل للعلم. (بثلاث) أي: بثلاث خصال لم تكن لهم واحدة منها، ومفهوم العدد غير مراد، لأنه قد ثبت أنه فضل بأكثر من ذلك. وقيل: كان تنزل عليه صلى الله عليه وسلم خصائص أمته شيئاً فشيئاً، فيخبر عن كل نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه. وقد عد السيوطي خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها خصائص أمته أيضاً في "خصائصه الكبرى" زيادة عن المائتين، وهذا إجمال، فصله قوله: (جعلت صفوفنا) أي: وقوفنا في الصلاة. (كصفوف الملائكة) أي: في الطاعة، أو في الصلاة، وهي أنهم يتمون المقدم، ثم الذي يليه من الصفوف، ثم يراصون الصفوف، كما ورد التصريح بذلك في سنن أبي داود وغيره. بخلاف الأمم الماضية، فإنهم كانوا يقفون في الصلاة كيف ما اتفق. (مسجداً) أي: موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، وهذه لم تكن لغير أمته صلى الله عليه وسلم كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب عند أحمد: وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم. وفي رواية ابن عباس عند البزار:
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 222)
وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)) .
ــ
ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه. (وجعلت تربتها) أي: ترابها كما في حديث علي عند أحمد والبيهقي. والتراب أعم من أن يكون سبخاً أو غيره لأن المدينة سبخة، وقد كانوا يتيممون منها. (لنا طهوراً) أي: مطهراً. فيه دليل على أن التراب يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. (إذا لم نجد الماء) هذا القيد قرآني معتبر في الأحاديث المطلقة. واستدل بالحديث على أن التراب متعين للتيمم دون بقية الجامدات من أجزاء الأرض كالحجر، والكحل، والزرنيخ، والجص، والنورة، والإثمد، والمرجان، والآجر، والملح معدنياً كان أو مائياً، وكالحديد والنحاس والصفر والذهب والفضة، ونحوها مما يذاب بالنار متميزاً عن التراب. قال الحافظ: دل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر على الافتراق في الحكم، أي: بتعين التراب للتيمم دون السجود، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقاً كما وقع في حديث جابر عند الشيخين بلفظ: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً – انتهى. وقال الشوكاني في السيل الجرار: ومما يعين التراب ويقيد أنه المراد أن جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس وغيره فسروا الصعيد بالتراب، وما صعد على وجه الأرض، فجعلوا التراب أحد معنى الصعيد، فالروايات المصرحة بالتراب هي معينة لأحد معنى الصعيد انتهى. وقال العلامة القنوجي في تفسير سورة النساء من فتح البيان (ج2:ص228) بعد ذكر حديث حذيفة هذا ما لفظه: فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد أي: خذ من غباره - انتهى. والحجر الصلد لا غبار عليه. قلت: ويقوى كون المراد التراب قوله تعالى في المائدة: {فامسحوا بوجوهكم وأيدكم منه} [6:5] وذلك أن كلمة "من" للتبعيض كما قال في الكشاف حيث قال: إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن التراب، إلا معنى التبعيض والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح بالتراب لا من الحجارة ونحوها. وأيضاً التنصيص على التراب في الأحاديث يدل على أن ذلك البعض هو التراب. قال الشوكاني في السيل الجرار: ولا يعارض هذا تيممه صلى الله عليه وسلم من الحائط، فإنه لم يرو أنه كان معموراً من الحجر، بل الظاهر أنه معمور بالطين، وإذا كان كذلك فالضرب فيه لا يبعد أن يعلق باليد من تربته ما له أثر يمسح به. وقد أخرج الشافعي أنه حته أي: الحائط الذي تيمم منه، وقد أخرج هذه الزيادة البيهقي من طريق الشافعي، ثم قال: وفي إسنادها يعني هذه الزيادة إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي، عن أبي الحويرث- وهو متكلم فيهما - عن الأعرج، عن أبي الصمة، وهو يعني الأعرج لم يسمع منه – انتهى. قلت: ويلتحق بالتراب الرمل، فيجوز التيمم به أيضاً كالتراب. قال ابن القيم في زاد المعاد (ج1:ص51) : صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: حيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره. وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماءهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 223)
رواه مسلم.
529- (2) وعن عمران، قال: ((كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) . قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)) . متفق عليه.
530- (3) وعن عمار، قال: ((جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت، فلم أصب الماء.
ــ
ومن تدبر هذا قطع بأنه كان تيمم بالرمل- انتهى. هذا والخصلة الثالثة مبهمة، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي وهي: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرض، يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والنسائي.
529- قوله: (كنا في سفر) أي: عند رجوعهم من خيبر، أو الحديبية، أو في طريق مكة، أو بطريق تبوك. (فصلى بالناس) أي: إماماً لهم. (فلما انفتل) أي: انصرف وفرغ. (إذا هو) أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مبتدأ خبره قوله: (برجل) لم يسم، وقيل: هو خلاد بن رافع أخو رفاعة، ولكن وهموا قائله. (معتزل) أي: منفرد عن القوم، خارج من بينهم، واقف في ناحية. والجملة جواب لما، أي: فلما انفتل فاجأه رؤية رجل معتزل غير مصل. (ولا ماء) موجود بالكلية. وماء بفتح الهمزة، ويحتمل أن تكون لا ههنا بمعنى ليس، فيرتفع الماء حينئذ، ويكون المعنى ليس ماء عندي. (عليك بالصعيد) اسم فعل بمعنى خذ والزم، والباء زائدة، واللام للعهد المذكور في الآية. (فإنه) أي: الصعيد. (يكفيك) أي: لصحة الصلاة، ويجزئك عن الماء عند عدمه. والحديث نص في جواز التيمم للجنب، وهو مجمع عليه، لم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف إلا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وحكى مثله عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب. وقيل: إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت في جوازه للجنب الأحاديث الصحيحة. واستدل بالحديث على كون التيمم طهارة مطلقة. قال الحافظ: احتج البخاري لعدم وجوب التيمم لكل صلاة بعموم قوله: صلى الله عليه وسلم عليك بالصعيد، فإنه يكفيك. قال: وهذه المسألة وافق فيها البخاري الكوفيين والجمهور – انتهى. قلت: وهو الراجح عندي. (متفق عليه) أخرجه البخاري في التيمم، وفي علامات النبوة، ومسلم في الصلاة مطولاً، وأخرجه أيضاً النسائي في الطهارة مختصراً.
530- قوله: (وعن عمار) فيه: أن الذي وقع في الصحيحين وغيرهما أن عبد الرحمن بن أبزى هو الذي روى أول القصة، أعنى قوله: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب. فقال: إن أجنبت، فلم أصب الماء. فهذا القدر إنما هو رواية عبد الرحمن دون عمار، فالصواب أن يقول المصنف: عن عبد الرحمن بن أبزى بدل عن عمار، ويدل على ما قلنا قوله: فقال: عمار لعمر. (جاء رجل) لم يسم. (إني أجنبت) أي: صرت جنباً. (فلم أصب الماء) من الإصابة أي: لم أجده، فقال
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 224)
فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
ــ
عمر: لا تصل حتى تجد الماء. (في سفر) ولمسلم: في سرية، وزاد: فأجنبنا. (أنا وأنت) تأكيد وبيان لضمير كنا، فالمعنى فأجنبنا كلنا. (فأما أنت فلم تصل) لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أن التيمم إنما هو عن الحديث الأصغر لا الأكبر، وهذا هو الأظهر، وقاس عمار الحدث الأكبر على الأصغر. (فتمعكت) أي: تمرغت وتقلبت في التراب، كأنه ظن أن إيصال التراب إلى جميع الأعضاء واجب في تيمم الجنابة كإيصال الماء في غسلها. وبه يظهر أن المجتهد يخطئ ويصيب. (فذكرت ذلك) أي: ما ذكر من امتناع عمر عن الصلاة، وتمعكي في التراب. (إنما كان يكفيك هذا) مجمل تفسيره. (فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض) فيه أن تعليمه صلى الله عليه وسلم لعمار كيفية التيمم كان بالفعل، والرواية الآتية تدل على أنه كان بالقول. قال القاري: والجمع بين الحديثين: أنه عليه الصلاة والسلام جمع في التعليم بين القول والفعل تأكيداً للإعلام وتنبيها على الإهتمام. (ونفخ فيهما) يحتمل أن يكون النفخ لشيء علق بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو علق بيده من التراب شيء له كثرة، فأراد تخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه. (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أي: ظاهرهما. والحديث فيه دليل على أنه يكفي في التيمم ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتصار على الكفين. والاكتفاء بالضربة الواحدة، وبمسح الراحتين وظاهر الكفين، هو مذهب جمهور العلماء، وأهل الحديث عملاً بحديث عمار هذا، فإنه أصح حديث في الباب، كما أقر به التوربشتي والخطابي وابن دقيق العيد وغيرهم قال الشيخ عبد الحى اللكنوي: أقوى الأقوال فيه من حيث الدليل هو الاكتفاء بمسح اليدين إلى الرسغين لما ثبت في روايات حديث عمار الصحيحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه كيفية التيمم حين بلغه تمعكه في التراب، واكتفى فيه على مسح الوجه والكفين – انتهى. وقال الحافظ في الفتح: - وما أحسن ما قال! - إن الأحاديث الواردة في التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار. وما عداهما، فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط. فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع، ففيهما مقال، وأما رواية الآباط أي الآتية في الفصل الثالث، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوى رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد - انتهى.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 225)
رواه البخاري.
ولمسلم نحوه، وفيه قال: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)) .
ــ
وقال الشوكاني في السيل الجرار: إن جميع الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا ضربة واحدة للوجه والكفين فقط. وجمع ما ورد في الضربتين أو كون المسح إلى المرفقين لا يخلو عن ضعف يسقط به عن درجة الاعتبار، ولا يصلح للعمل عليه، حتى يقال: إنه مشتمل على زيادة، والزيادة يجب قبولها، فالواجب الاقتصار على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة - انتهى. قال ابن رشد في البداية: إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء، أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب المصير إلى الأخذ بالظاهر، وإن لم يكن أظهر، فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن يغلب القياس ههنا على الأثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضاً أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة - انتهى. وفي الحديث أن مسح الوجه واليدين بدل في الجنابة عن كل البدن، وإنما لم يأمر عماراً بالإعادة لأنه عمل أكثر مما كان يجب عليه في التيمم. (رواه البخاري) أي: بهذا اللفظ في "باب هل ينفخ في يديه بعد ما يضرب بهما الصعيد للتيمم" وأخرجه أيضاً مسلم كما ذكره المصنف والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه بألفاظ مطولاً ومختصراً.
قوله: (إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ) الخ. فيه رد صريح على من أجاب عن رواية عمار المتقدمة بأن تعليمه له وقع بالفعل، وقد ورد في الأحاديث القولية المسح إلى المرفقين، ومن المعلوم أن القول مقدم على الفعل. ووجه الرد أن رواية مسلم هذه تدل صريحاً على أن التعليم وقع بالقول أيضاً، كما يدل على ذلك ما وقع في رواية للبخاري: يكفيك الوجه والكفان. وقد تفوه بعض أهل الأهواء أن قوله: يكفيك الوجه والكفان، لعله رواية بالمعنى، وحكاية للفعل بالقول، وإنما كان أشار إليه كما في الرواية المارة؛ إنما كان يكفيك هكذا، وكانت تلك إشارة إلى المعهود. وقال تلميذه الذي لا يتحاشى مثل شيخه عن استطالة اللسان على فقهاء أصحاب الحديث وإساءة الأدب في شأنهم نصرة لقول هذا البعض، والقرينة على أن الأصل في روايته هو التعليم بالإشارة، وأن التعليم بالقول رواية بالمعنى، ما عنه عند البخاري: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض، الخ. ففيه ذكر التعليم القولي مع فعله صلى الله عليه وسلم بالكفين، فلما كان ذكر الكفين جرى في ذيل فعله، وكان بياناً لقوله: أخذ بعض الرواة في بيان القول، ثم رفعه - انتهى. قلت: من عادة هؤلاء المشغوفين بآراء الرجال والأقيسة والأهواء أنهم إذا رأوا حديثاً مرفوعاً صحيحاً مخالفاً لقول إمامهم اشمأزوا منه، واخترعوا لرده تأويلات متبجحين بها، فتارة يجعلونه منسوخاً، وأخرى رواية بالمعنى، وتارة يحاولون
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 226)
531- (4) وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: ((مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلى جدار، فحته بعصاً كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار،
ــ
تضعيفه، وأخرى ينسبون إلى الصحابي فهم خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الوجوه الباطلة التي هي تحريفات معنوية للحديث الصحيح. وعندنا لا تخالف بين هذه الروايات، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه لعمار كيفية التيمم بين الإشارة والقول والفعل، مبالغة في الإعلام، كما أقربه القاري، والشيخ اللكنوي. فالظاهر أنه أشار صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم فسر إشارته بفعله، وعلم مع ذلك بالقول أيضاً. وأما رواية البخاري هذه فالأظهر أن الراوي اكتفى فيها بذكر التعليم بالإشارة والفعل دون القول فلا دلالة فيها على أن الرواية الأخرى التي فيها ذكر القول رواية بالمعنى، فإنها تحمل على أن الراوي اقتصر مرة على ذكر الإشارة والفعل، وأخرى على ذكر القول، ولا بعد فيه عند من له خبرة وإطلاع على الأحاديث. وأما من أعمى الله قلبه وبصيرته فهو معذور. هذا، وقد أجاب القائلون بمسح اليدين إلى المرفقين، وتعدد الضربة عن حديث عمار هذا بوجوه أخرى كلها واهية، قد ردها وأبطلها شيخنا في شرح الترمذي (ج1:ص 134، 135) فارجع إليه لتقف على ما تعللوا به لرد هذا الحديث الصحيح من الأعذار الباردة، وتعتبر. وقد استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بأحاديث لا تصلح للاحتجاج لما لا يخلوا واحد منها من المقال، كما تقدم إليه الإشارة في كلام الحافظ. واحتجوا أيضاً بآثار الصحابة، وأنت تعلم أن الأثر لا يقاوم الحديث المرفوع. وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي أبكار المنن (ص63-65) أحاديث الضربتين، وبين ما فيها من الكلام، فعليك أن تراجعهما.
531- قوله: (وعن أبي الجهيم) بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء. (بن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري الخزرجي ابن أخت أبي بن كعب، صحابي معروف، بقى إلى خلافة معاوية. واختلف في اسمه، فقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة. وقيل: هو عبد الله بن الجهيم بن الحارث بن الصمة، نسب إلى جده. وقيل: إنه الحارث بن الصمة. ولفظ "ابن" بين أبي الجهيم والحارث غلط. وقيل: الحارث بن الصمة رجل آخر غير أبي الجهيم. ولأبي الجهيم حديثان في الصحيحين، أحدهما في التيمم على الجدار، والثاني في المار بين يدي المصلي. وسيأتي في باب السترة. وقال ابن الأثير، وابن عبد البر: راوي حديث التيمم غير راوي حديث المرور، فالأول هو أبوالجهيم بن الحارث بن الصمة، والثاني أبوالجهيم عبد الله بن الجهيم الأنصاري، وجعلهما ابن مندة وأبو نعيم والحافظ واحداً. وأبوالجهيم راوي حديث التيمم وحديث المرور غير أبي الجهم صاحب الأنبجانية المذكور في حديث عائشة الآتي في باب الستر، واسمه عامر بن حذيفة. (فحته) بالتاء الفوقية أي: خدشه حتى يحصل منه التراب. وفيه دليل على أنه لا بد في التيمم من التراب. وقيل: حته لتحصيل التراب قصداً إلى الأفضل، وهو محمول على أنه كان جداراً مباحاً أو مملوكاً لإنسان يعرف رضاه. (ثم وضع يديه على الجدار)
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 227)
فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد على. ولم أجد هذه الرواية في "الصحيحين" ولا في " كتاب الحميدي" ولكن ذكره في "شرح السنة" وقال: هذا حديث حسن.
{الفصل الثاني}
532- (5) عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين،
ــ
فيه أنه يجزئ وضع اليدين في التراب للتيمم، ولا يجب ضربة التراب. وفيه أن الضربة الواحدة كافية. (فمسح وجهه وذراعيه) الذراع- بكسر الذال- الساعد ومن الطرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قال الحافظ: الثابت في حديث أبي جهيم بلفظ: يديه، لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث من الضعف-انتهى. (ثم رد على) أي: السلام، فيه دليل على استحباب الطهارة لذكر الله. (ولم أجد هذه الرواية) أي: بهذا اللفظ، أي: نقلت هذا الحديث هنا تبعاً للمصنف ولم أجده. (في الصحيحين) وروايتهما مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب. (ولا في كتاب الحميدي) أي: الجمع بين الصحيحين للحميدي، فالاعتراض وارد على صاحب المصابيح حيث ذكر هذا الحديث في الصحاح الموضوع في اصطلاحه لحديث الشيخين أو أحدهما. (ولكن ذكره) أي: صاحب المصابيح. (في شرح السنة) من كتبه بإسناده من حديث الشافعي، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة، فكأنه غفل عنه في المصابيح. (وقال: هذا حديث حسن) قيل: في تحسينه نظر لأن شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قد ضعفه عامة المحدثين. وشيخ شيخه أبا الحويرث متكلم فيه، وأيضاً هو منقطع لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم، عمير كما في رواية البخاري وغيره. ونص عليه أيضاً البيهقي وغيره كما تقدم في كلام الشوكاني أنه أخرجه البيهقي من طريق الشافعي وتكلم فيه. قلت: أصل الحديث متفق عليه، لكن ليس في روايتهما ذكر الذراع، ولاحت الجدار بالعصا، ولا أنه سلم عليه وهو يبول، بل فيه: أنه أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه - الحديث. كما سيأتي في الفصل الثالث.
532- قوله: (الطيب) أي: الطاهر. (وضوء المسلم) بفتح الواو، أي: طهوره، وأطلق عليه اسم الوضوء مجازاً لأن الغالب في الطهور هو الوضوء، قاله السندي. وقال القاري: بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة الصلاة. وقيل: بضم الواو، أي: استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوضوء المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى التقديرين يفيد أن التيمم رافع للحدث، فيصلي بواحد ما شاء من الفرائض والنوافل. قلت: ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى جعل التيمم عوضاً عن الماء عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل، ويجوز لمن تطهر بالصعيد الطيب ما يفعله المتطهر بالماء. قال الخطابي: يحتج بهذا الحديث من يرى أن للمتيمم أن يجمع بتيممه بين صلوات ذوات عدد، وهو مذهب أصحاب الحديث – انتهى. (وإن لم يجد الماء) إن وصلية. (عشر سنين) المراد منه الكثرة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: 228)