بن راشد، ثم آخر من رواها عن عبد الرزاق إسحاق الدبري ثم آخر من رواها عن إسحاق تلميذه أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة 360 هجرية.
هذه الصحيفة رواها كاملة في مسنده الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كاملة في أثناء مسند أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وأيضًا أخرج صاحبا الصحيحين بعض أحاديثها، الإمام أحمد كما قلنا يعني ذكرها أو رواها كاملة في مسنده، وهي 138 حديثا، محققة، ومطبوعة كما ذكرنا.
من أحاديث هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بسنده إلى همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله لهم فاختلفوا فيه، وهدانا الله إليه ثم كنا فيه تبعًا، فاليهود غدًا والنصارى بعد غد)).
نذكر أيضًا بعض الأحاديث من أحاديث الصحيفة لنثبت وجودها، وكما قلنا هذه الصحيفة لها أكثر من تحقيق موجود في السوق، الدكتور رفعت فوزي حققها الدكتور محمد حميد الله حققها على أكثر من نسخة، وسجل ذلك في بداية كلامه، والتحقيقات موجودة في الأسواق، في المكتبات الإسلامية المعروفة.
هذه الصحيفة كما قلنا كتبت في القرن الأول الهجري، سواء كتبت، في الأغلب أنها كتبت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كتبت في عصر الصحابة، وبيقين كتبت في القرن الأول الهجري، وقبل وفاة أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
العلماء يستدلون بهذه الصحيفة على أمر آخر، وهو أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر معروف، فإن صاحبي الصحيحين -رحمهما الله تعالى- لم يلتزما بجمع كل الأحاديث الصحيح، وإنما التزما فقط بأنهما لن يضعا حديثًا في كتابيهما إلا إذا كان صحيحًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
الصحيفة ثمانية وثلاثون ومائة حديث، وبإسناد واحد الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذن درجتها في الصحة واحدة؛ لأن إسنادها واحد، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها، ولم يخرجا كل أحاديثها؛ ليدل ذلك على أنهما لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، لكن أيضًا ضم هذه الصحيفة إلى الصحائف التي تكلمنا عنها لعلي ولعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما.
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنه- المتوفى بالكوفة سنة 87 هجرية، لقد كتب كتابًا إلى عمرو بن عبيد الله بن معمر القرشي، أمير فارس، عندما وجهه عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- إلى حرب الأزارقة، وقد قرأ هذا الكتاب سالم أبو النضر مولى عمرو وكاتبه، وقد حدث بما فيه من أحاديث، وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بعضها.
ومن أحاديث هذه الصحيفة ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، مولى عمرو بن عبد الله، وكان كاتبًا له، كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال: ((أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)) هذا الحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجهاد، باب الصبر على القتال. ورواه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه؛ ليدل على أن هذه الصحيفة كتبت أيضًا بها جملة من الأحاديث النبوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
والخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- كتب شيئًا من السنة أيضًا، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر بها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه". وتفاصيل مقادير الزكاة طويلة، وهذا أيضًا رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل. والمهم أنها صحيفة، كتبها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لأنس بن مالك، رضي الله تعالى عن الجميع.
ومن الصحابة الكاتبين أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له كتاب، جمع فيه بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ودفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي، أحد التابعين الأجلاء، وأحد الفقهاء السبعة، ورواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك)) ثم يقرأ. يعني يقرأ الفاتحة، ويقرأ القرآن. هذا رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وحتى بها بعض الزيادات الأخرى التي لم يذكرها هنا.
وكان أنس -رضي الله تعالى عنه- من الصحابة الكاتبين، وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم له، نص الحديث عند مسلم -رحمه الله تعالى- فيما رواه بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك رضي الله عنهم أجمعين- رواية ثلاثة من الصحابة عن بعضهم، من لطائف الإسناد هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
قال أنس: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. يعني أريد أن أسمعه منك، وأن ترويه لي قال أي عتبان: "أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي" يعني: عتبان أصابه في بصره بعض المرض، فلا يستطيع أن يستمر على صلاة الجماعة في المسجد بشكل مستمر، فأراد أن يتخذ لنفسه في بيته مسجدًا، وأن هذا المسجد يشرف بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب من النبي العظيم صلى الله عليه وسلم أن يأتيه إلى منزله، وأن يصلي في مكانه؛ ليتخذه مصلى له بعد ذلك، وصلى عنده النبي صلى الله عليه وسلم وتم هذا الأمر.
هو حديث طويل، وفي آخره محل الشاهد فيه، قال أنس رضي الله عنه: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه" هذا رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
كان الناس إذا أكثروا على أنس بن مالك رضي الله عنه طلبًا للسماع يلقي إليهم كتبًا ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. هذا النص "قيدوا العلم بالكتاب" ورد مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وورد موقوفًا على كثير من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وأنس وغيرهم، وقد استعرض ذلك كله الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في كتابه (تقييد العلم).
والمهم أن أنسًا كتب الحديث، وأنه كانت عنده كتب أخرى يلقيها إلى طلابه، ويقول لهم: "هذه كتب سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكان يوصي أبناءه بأن يستعينوا بالكتابة "قيدوا العلم بالكتاب" أي: احفظوه وسجلوه ودونوه لكي لا يضيع، قيدوا العلم بالكتاب هذا ورد مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك مناقشات للعلماء في درجته،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وأيضًا ورد موقوفًا على كثير من الصحابة، وهذا الورود يدل على أنها أصبحت قاعدة علمية عندهم أن يقيدوا العلم بالكتاب، وأن يحافظوا عليه من ضياعه بالتسجيل بين دفتي الصحائف حتى لا يضيع.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: الصحابي الجليل سعد بن عبادة، وقد روى الترمذي -رحمه الله تعالى- قال ربيعة: وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال: وجدنا في كتاب سعد "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد" وهذا رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
وابن حجر في (تهذيب التهذيب) يجزم بأن سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- كان من كتاب الجاهلية، ونص ابن حجر في ذلك نقلًا عن ابن سعد، وهذا كلام ابن حجر عن سعد بن عبادة: "كان في الجاهلية يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يقال له الكامل".
إذن سعد له كتاب كتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد، وقضية القضاء باليمين والشاهد قضية فقهية معروفة، ولها أدلتها، ولها مناقشاتها في كتب الحديث والفقه معًا.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في صحف عنده، ورثها عنه ابنه سليمان، ورواها عنه، وهي كما يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في مقدمة تحقيقه لـ (فتح الباري) طبعة كانت طبعتها الأهرام في السبعينات يقول: "وهي على ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلى بنيه، ومن أحاديثها: "بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلى بنيه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة ما قل أو كثر، ونجعله وترًا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة: "في رسالة سمرة بن جندب إلى بنيه علم كثير" كلام ابن سيرين هذا ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) وهو يترجم لسمرة بن جندب -رحمه الله تعالى-.
وقد قال أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- عن هذه الصحيفة: وصلت هذه الرسالة كاملة إلى الحسن البصري، المتوفى سنة مائة وعشر للهجرة، وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلى من يرغب في قراءتها عليه، وجاء في كتاب (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل عن ابن عوف قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه".
والإمام النسائي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ورواه الترمذي أيضًا في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة من أحاديث صحيفة سمرة هذه عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)).
أيضًا من الصحابة الكاتبين: عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وكان عند كريب مولى ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الروايات وذكر عدد منها أن كريبًا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، نتصور حمل بعير في ذاك الزمان من الكتب يعني مكتبة ضخمة جدًّا بمقاييس ذاك الزمان السالف، خصوصًا مع قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين، فكون واحد من الصحابة رضي الله عنهم يعني عنده مكتبة حمل بعير من الكتب، هذه مكتبة ضخمة جدًّا أكثر من ضخمة.
وكان علي بن عبد الله بن عباس يبعث إلى كريب إذا أراد كتابًا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلى علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلى كريب مرة ثانية، وكأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
كريبًا هذا كان هو أمين المكتبة المسئول عنها أمام الله تعالى، فكان الذي يريد كتابًا يستعيره، ويأخذ منه ما يريد ثم يرده إلى كريب مرة أخرى، لم يستثن أحد من ذلك، وعلي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين- كان يفعل ذلك.
الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى- في كتابه (معرفة علوم الحديث) يقول عن كتب ابن عباس هذه: "ويتعاقب الناس على الرواية عنها، والأخذ منها، حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته، ولكننا مع ذلك لا نستطيع تحديد الزمن الذي تلقى فيه تلك الصحائف، ولا الصورة التي تلقيت عنها لأن الصحائف ليست موجودة، لكن خبرها موجود في بطون الكتب.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- كانت له حلقة في المسجد النبوي يلقي فيها إلى تلاميذه من كتبه، وأيضًا كان له منسك في الحج، كتاب في الحج، وأوسع الروايات التي وصفت حجة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع هي رواية جابر بن عبد الله، تصف الحجة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول أن أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس أنه يريد الحج من عامه هذا إلى أن انتهت الرحلة المباركة، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
هذه الرواية رواها الإمام مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وصف الحجة من أولها إلى آخرها، كما قلت، منذ كانت فكرة أو يعني لم يشرع في العمل بعد، النبي صلى الله عليه وسلم يريد الحج من عامه هذا، فأذن في الناس جميعًا في المدينة وفي حواليها؛ لكي يشرف بالمشاركة من يريد أن يصاحب النبي صلى الله عليه وسلم وفعلًا الروايات تعددت في عدد الصحابة الذين حضروا تلك الحجة المباركة، وبعضهم وصل بهم إلى أربعة عشر ومائة ألف صحابي رضي الله تعالى عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
أيًّا كان العدد محل الشاهد أن جابرًا كان له منسك مكتوب في الحج، ووصفه للحج هو أوسع وصف لحجة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيضًا ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الإصابة) في جزء 5 ص86 يذكر في ترجمة أبي ريحانة الأزدي من الصحابة الذين نزلوا الشام ومصر، يقول: "كانت له صحف، وهو أول من طوى الطومار والطومار هو الصحيفة، يجمع على طوامير؛ إذن له أيضًا صحيفة، هذا الكلام أثبته ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
كل تلك الصحف السابقة التي أشرنا إليها، هذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، والصحائف كثيرة، إنما أردنا فقط ذكر بعضها للإشارة أو للاستدلال على أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه الصحف التي أشرنا لعبد الله بن عباس، ولعلي بن أبي طالب، ولعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة همام بن منبه، وأبي رافع، وعبد الله بن أوفى، إلى آخر وأنس وجابر، كل هؤلاء غير تلك الصحف التي كان فيها بعض من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم والتي كان يكتبها لهم في أي مناسبة من المناسبات.
ومن ذلك ما يرويه ابن أبي ليلى عن عبد الله بن حكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب)) هذا الحديث رواه الإمام الحاكم في (معرفة علوم الحديث) أثناء حديثه عن النوع الحادي والعشرين من علوم الحديث، وهو معرفة ناسخ الحديث من منسوخه. وقال عن هذا الحديث: إنه منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: ((هل انتفعتم بجلدها)) قالوا: يا رسول الله إنها ميتة. قال: ((إنما حرم أكلها)).
بعض الأحاديث تتناول أحكامًا فقهية أو عقدية أو ما شاكل ذلك، إذا استطردنا إلى توضيحها يطول بنا المقام جدًّا، لكننا نقتصر على يعني محل الشاهد، وهو أنها كانت صحيفة مكتوبة "قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وأيضًا من الكتب التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بكتابتها بالأدق: الصحيفة المشهورة التي تضمنت العلاقة بينه وبين اليهود بالمدينة، وهي صحيفة هامة جدًّا، بها حقوق المسلمين المهاجرين والأنصار، وعرب يثرب واليهود في المدينة، وتكررت فيها كلمة أو لفظة الصحيفة خمس مرات، وجاء في مقدمة هذا الكتاب: ((هذا كتاب محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين)) إلى آخر نص الصحيفة، وهي موجودة في (سيرة ابن هشام) وهي موجودة في كل كتب السيرة، وهي تتكلم عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومن أوائل الأشياء التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة أنه قام بتسجيل تلك الصحيفة مع اليهود؛ لينظم العلاقة بين أهل الديانات المتعددة حين يتساكنون في وطن واحد.
وهذه الصحيفة بها من الفوائد الفقهية والعقدية والتربوية والسياسية ما لا يعد ولا يحصى، بل إننا نطلب من الدعاة أن يحفظوها؛ لأنها تمثل العلاقة بين أهل الديانات المختلفة كما قلت حين يكونون أبناء وطن واحد، تنظمها في منتهى الدقة، وتبين لكل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات.
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا لوائل بن حجر لقومه في حضرموت، حدد له فيه الملامح الرئيسية، ومعالم الإسلام، وكتب أيضًا له في هذا الكتاب بعض الأحكام من الزكاة، وفي حد الزنا وتحريم الخمر، وبيان أن كل مسكر حرام، وهو كتاب طويل وهذا ذكره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتاب (الإصابة).
كل هذه صحائف كتبت بعد إذن النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة، ومنها ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
بكتابتها، ومنها ما كتبه أبو بكر، ومنها ما كتبه الصحابة جميعًا، يعني كثير من الصحابة كما ذكرنا.
وأيضًا كل ذلك غير تلك الصحف التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم ولغيرهم، من ذلك مثلًا الصحيفة التي ذكرناها كتبها أبو بكر لأنس بن مالك في السفر، رضي الله عنهم أجمعين.
ومنها ما رواه ابن سعد -رضي الله تعالى عنه- قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في جراب سيفه كتابًا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((وإن لربكم في أيامكم دهركم لنفحات فتعرضوا لها)) هذا الحديث رواه الرامهرمزي في كتاب (المحدث الفاصل) في ص112 وذكر الهيثمي -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في (مجمع الزوائد) في كتاب الزهد باب التعرض لنفحات رحمة الله تعالى، عن محمد بن مسلمة، وعزاه للطبراني في الكبير، وفي الأوسط.
وكتبت سبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة، تروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت. هذا أيضًا رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، وفي كتاب الطلاق، ورواه مسلم في كتاب الطلاق، باب عدة المرأة المتوفى عنها زوجها. وغيرهم رواها أيضًا.
كل هذه الأدلة، وغيرها من الذي لم نذكره؛ تؤكد لنا في جزم ويقين أن العصر النبوي المبارك لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل تم تدوين كثير منها في صحائف وكتب.
هذه حقيقة علمية، توصل إليها كثير من الباحثين، نكمل حديثنا عنهم إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الدرس: 9 شبهة حول تدوين السنة (3) - الحديث المتواتر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(شبهة حول تدوين السنة (3) - الحديث المتواتر)
استكمال الأدلة على تدوين السنة في عصر النبوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزوجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنستطيع أن نقرر بعد كل هذا الاستعراض أن العصر النبوي الكريم لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل بفضل الله عز وجل تم تدوين جزء منها في صحائف وكتب نستطيع أن نقرر أن هذه حقيقة علمية توصل إليها كثير من الباحثين.
يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في أول سطور تحقيقه لكتاب (فتح الباري) طبعة الأهرام التي أشرنا إليها قبل: "من الحقائق المطوية في الكتب أن الأحاديث النبوية قد دونت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حياة صحابته، فكان لبعض الصحابة كتب تشتمل على ما سمعوا من أحاديث كتبوها بأيديهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم، وقد شارك الرسول صلى الله عليه وسلم في تدوين سنته بإملائه على كتّابه ما أملى، من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلى من رأى إرسالها إليهم؛ لتكون تبصرة وتذكرة فيما افترض من ألوان أو فيما افترض من ألوان الفرائض أو أدبهم به من سنن الأدب" هذا كلام الشيخ في أول تحقيق للكتاب.
يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب، وله رسالته التي حصل بها على درجة التخصص في "الماجستير" كانت في هذا الموضوع من كلية دار العلوم، وأصبحت مرجعًا هامًا متداولًا في الأسواق الآن، جزاه الله تعالى خيرًا عنها، عن قضية تدوين السنة بالذات، عنوان الرسالة "السنة قبل التدوين" يقول في تعليقه على صحيفة همام: "ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف؛ لأنها حجة قاطعة، ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دون في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع أن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الثاني الهجري".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ويقول الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى-: - بعد أن استعرض الأدلة على كتابة السنة منذ مرحلة مبكرة، يقول: "ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى كما هو الشائع بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه.
وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر؛ لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر جريًا وراء بعض المستشرقين كـ"جولد تسيهر" و"شبرنجر" لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وليس على رأس المائة الثانية للهجرة، كما يمن علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق فوق كل ذلك بصدق جميع الوقائع والأحوال والسير والتصرفات، التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السنة جميعًا لا في بعضها دون بعض، كما يظن دوزي" ودوزي اسم مستشرق.
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل اهتمام الصحابة أبدًا بدراسة السنة، ولا بتدوينها، بل ظلوا على ذلك إن لم يكونوا قد زادوا من جهودهم، بل بالقطع نستطيع أن نقول: إن الصحابة قد زادوا من جهودهم لأن مسئولية الحفاظ على الدين بمصارده من قرآن وسنة قد انتقلت إليهم، الحفاظ والتوضيح معًا، وتوضيح الدين للناس وخصوصًا تلك الأمم التي دخلت في الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أصبح معلقًا بهم وعلى مسئوليتهم؛ لأن الوحي قد انقطع، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد بين ظهرانيهم.
وهناك محفزات أخرى كانت لهم تدعوهم إلى مضاعفة الجهد في سبيل نشر السنة وحفظها والعمل على تقييدها، كما سنذكره بعد قليل.
إذن من هذا الاستعراض نستطيع أن نقول: إن السنة كما ذكر ذلك الذين قرأنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
من كلامهم، الشيخ سيد صقر، والشيخ محمد عجاج الخطيب، والشيخ صبحي صالح، وغيرهم كثير كثير، هذه قضية تعرض لها كثير من الباحثين المحدَثين، والحمد لله ثبت بالأدلة أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا وبإذن منه.
إذن لا حاجة بعد ذلك أن نتوقف في تأكيد هذه الحقيقة العلمية بعدما ثبتت بالأدلة القاطعة.
إذن الذين يثيرون الشبهات، ويثيرون الغبار حول تدوين السنة، ويعددون الشبهات حولها فيقولون مثلًا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن بكتابة السنة أو لم يكتب السنة، حتى هم لا يتكلمون الآن عن قضية تأخير تدوينها، ويشككون فيها هناك شبهة التي نرد عليها أنها تأخر تدوينها، وأنها طوال القرن الأول كله الهجري كله لم تكن مكتوبة، كما ذكرنا، فنحن رددنا على ذلك.
هم يثيرون شبهًا أكثر من هذا، تتعلق أيضًا بتدوين السنة يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة السنة، إذن هو لا يريد أن يكون هناك شيء آخر مع القرآن، هو انتقل من التشكيك في تدوين السنة إلى التشكيك في حجية السنة ذاتها، لو كانت السنة حجة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتدوينها منذ أول الدعوة، وهذا أمر رددنا عليه بالأدلة، يعني قضية حجية السنة نحن أفردنا لها بعض المحاضرات، وأثبتناها كقضية قرآنية وعقدية وإيمانية. لكن ما يتعلق بتدوين السنة.
قلت منذ قليل: إن الصحابة كان لهم محفزات أخرى لمزيد من الاهتمام بالسنة، منها الأحاديث الكثيرة يعني حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغ الشاهد الغائب، وهذا حديث رواه الإمام البخاري في خطب الوداع، قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) ليبلغ: فعل مضارع اقترن بلام الأمر، فيفيد الوجوب، التبليغ واجب على كل قادر عليه، تبليغ القرآن، تبليغ السنة ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج)) ((نضر الله امرأ سمع منا حديثًا)) وقد ذكرنا هذه الأحاديث بتخريجها قبل ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
كل هذه أوامر نبوية، تدل على ضرورة الاهتمام بالسنة أيناقش أحد بعد ذلك في أن عدم كتابة السنة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنها ليست حجة؟ نحن رددنا على هذه الشبهة من وجهين: الأول: إثبات أن السنة دونت بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وأن كثيرًا من الصحابة كتبوا.
ونرد على الجانب الثاني من الشبهة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كانت حجة لكتبها؟ ها هو قد كتبها، وها نحن أثبتنا كتابتها، وأيضًا نرد بأكثر من هذا بكل الأحاديث التي تدل على أنه أمرهم وحثهم على ضرورة العناية بالسنة المطهرة، هذه محفزات النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها لهم، ((نضر الله امرأ سمع مقالتي وأداها كما سمعها، ورب مبلغ أوعى من سامع)) وفي رواية ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) هذه الرواية رواها الإمام الترمذي في كتاب العلم، باب الحث على تبليغ السماع.
ورواه أبو داود أيضًا في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه ابن ماجه في المقدمة، ورواه الدارمي في المقدمة باب الاقتداء بالعلماء، كل ذلك يعني النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بنضارة الوجه لمن أدى حديثًا واحدًا، فكيف بمن قام بدور كبير في صيانة السنة، ولم الاهتمام بالسنة إذا لم تكن حجة؟ كما يقول هؤلاء، ولم الحث على روايتها؟ ولم الأمر بأن يبلغها الشاهد الذي سمع للغائب الذي لم يسمع؟ سواء كان ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد حياته صلى الله عليه وسلم ((ليبلغ الشاهد الغائب)) ليست مقصورة على حياة النبي صلى الله عليه وسلم نعم هو قالها، وهو في حجة الوداع معهم، لكن الأمر إلى يوم القيامة.
كل من علم حديثًا وحفظه وفهمه، وتلقاه عن أشياخه، عليه أن ينقله إلى الأمة من بعده؛ لأن كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو جزء من هذا الدين، وهذه قضية أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية لا يحث على التبليغ فقط، يحث على فهم الأحاديث والعمل بما فيها من أحكام، وإلا فما فائدة جملة ((فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) لماذا يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بالسنة، يعني بسنته هو وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين، والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف وغير الاختلاف ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) وكنا خرجنا هذا الحديث قبل ذلك.
أنا لا أحب أن أستعمل أوصافًا شديدة في حق المخالفين، واحد من الذين يجادلون، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((قد تركتكم على المحجة البيضاء أو على البيضاء ليلها كنهارها)) ويجوز ليلها كنهارها على أنها بدل من البيضاء ((لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) هذا جزء من حديث طويل، أخرجه ابن ماجه في سنته في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم "تركتكم على مثل البيضاء، وتحذيره إياهم بأن يتغيروا عما يتركهم عليه".
والله هناك خوف على من يزيغ عن السنة أن يكون من الهالكين، نسأل الله تعالى السلامة لنا ولكل المسلمين، وأن يرد كل شارد إلى الحق ردًّا جميلًا، وأن يعيده إليه عودًا حميدًا، وأن يبصر الأمة بما عليه سلفها الصالح من اعتقاد حجية السنة، وأنها كالقرآن الكريم في التشريع، وأنها المصدر الثاني، وأننا نستمد منها أدلتنا كما نستمد من القرآن الكريم تمامًا.
وأيضًا سبق لنا أن ذكرنا الحديث الذي رواه الحاكم وغيره ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو وسنتي)) كما في بعض الروايات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
وبذلك ننتهي من الحديث عن قضية تدوين السنة، وأنها لا تشكل شبهة أبدًا يعول عليها أعداء الإسلام، بل ثبت بالأدلة القاطعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للبعض، أو أذن للمسلمين أن يكتبوا السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكرنا واستعرضنا الحقائق التي أثبتت ذلك.
مراحل كتابة الحديث
بعد كل هذا الاستعراض نقول: إن مكتبة الحديث أو كتابته مرت بالمراحل التالية: كتابة الأحاديث، وفيها سجلت الأحاديث في هذه المرحلة في كراريس، في صحف؛ يعني الواحد منها اسمه الجزء أو الصحيفة، تمت هذه المرحلة في عصر الصحابة، وأوائل التابعين.
والمرحلة الثانية تدوين الحديث، وهي مرحلة ضمت فيها تلك التسجيلات متفرقة، وتم هذا في أواخر القرن الأول الهجري مع أوائل القرن الثاني، ثم جاء تصنيف الحديث؛ أي المصنفات التي كتبت وفق مناهج متعددة، فمنهم من رتبها على كتب وأبواب، ومنهم من رتبها على مسانيد إلى آخره، وهذه بدأت مع الربع الثاني من القرن الثاني الهجري؛ يعني لم تتأخر.
عندنا أجزاء حديثية وعندنا كتب كثيرة، وموطأ الإمام مالك قلنا: إنه كتب قبل وفاة أبي جعفر المنصور -رحمه الله تعالى- لماذا؟ أبو جعفر المنصور انتهت خلافته سنة 158 هجرية، والإمام مالك عرض عليه (الموطأ) أثناء خلافته، وأبو جعفر اقترح على الإمام مالك أن يجعل (الموطأ) الأصل لدى كل المسلمين، وأن يحرق كل ما سواه، ولم يقبل ذلك الإمام مالك، وقال له: إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار، وأصبح في بعض البلاد علم لم يكن عند علم أهل البلاد الأخرى وفقًا لتفرق الصحابة في الأمصار، فلم يقبل أن يكون كتابه هو القائد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
وحده، وإنما علم أن هناك أحاديث كثيرة خارج دائرة (الموطأ) تناقلها الصحابة إلى البلاد، أو نقلها الصحابة إلى البلاد الذين دخلوها، وأقاموا بها.
في تصنيف الحديث كما قلنا، صنفت الكتب على الأبواب، وعلى المسانيد إلى آخره، وبالتالي نستطيع أن نتأكد من الرد على هذه الشبهة، وأن الحقيقة الساطعة هي أن السنة قد دونت خلال عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وأوائل التابعين، صحيح أنها في صحف وأجزاء، لكنها على أي حال قد دونت، وأنه قد تلت ذلك مرحلة تالية، وهي مرحلة طبيعية تترتب تلقائيًّا على المرحلة الأول، وهي مرحلة نسميها مرحلة التكوين أو الجمع، وهي ضم هذه الصحائف المتفرقة لتكون مع بعضها يعني نسيجًا في خدمة السنة المطهرة، ثم ندخل بعد ذلك إلى عصر المصنفات، وبالتالي لا يمكن لا عقلًا، ولا واقعًا أن يأمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، فلا تكون هناك جهود موجودة قبل ذلك، هذا مخالف لسنة الله في تكوين العلوم.
إن المراحل التي يمر بها العلم سبحان الله كنشأة الأطفال تمامًا، جنين ثم يعني حمل، ثم كذا ثم يولد طفلًا رضيعًا صغيرًا إلى أن يكبر.
عمر بن عبد العزيز يمثل مرحلة النضج، مرحلة تدوين السنة في مرحلتها الأخيرة، وحتى كلام عمر بن عبد العزيز يعطي في طياته الدليل على ذلك.
عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يعلم أن الأمة الإسلامية، أو أن الساحة تمتلئ بكثير من الصحف، هو تولى الخلافة يعني إذا أردنا أن نفهم الظروف التي أدت إلى أمره بجمع السنة، يقول: اجمعوا وليس دونوا أو اكتبوا، "اجمعوا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فإني خفت دروس العلم وموت العلماء".
عمر بن عبد العزيز يحكم دولة نستطيع أن نعتبرها أنها كانت نصف الكرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الأرضية الموجودة في ذاك الزمان السالف، من حدود الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن أواسط روسيا شمالًا إلى نيجيريا جنوبًا، هذا من حيث اتساع الدولة.
عمر بن عبد العزيز وجد، وقد أوشك عصر الصحابة أن ينتهي من ناحية الوجود، ومن ناحية التأثير العلمي يعني صحيح أن عصر الصحابة امتد بعد عمر بن عبد العزيز إلى سنة 110 هذا من الناحية التاريخية اتفاقًا، لكن الحقيقة أنه لم يكن قد بقي إلا الواحد بعد الواحد، عصر الصحابة نستطيع أن نقول: انتهى من الناحية السياسية من قيادة الأمة سنة 60 هجرية بموت معاوية رضي الله عنه وبقي تأثيرهم العلمي إلى قرابة نهاية القرن الأول؛ لأنه حين توفي معاوية رضي الله عنه كان جملة من الصحابة لا زالوا أحياء.
منهم خمسة من السبعة المكثرين: ابن عباس وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وكان أيضًا هناك جملة من الصحابة الآخرين: عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، موجودون، ولهم نشاطهم العلمي، وهم الأساتذة في العالم الإسلامي كله.
لما انتهت هذه الظروف عمر بحاسته الإيمانية القوية خاف -بعد انتهاء جيل الصحابة- أن يضيع شيء من العلم من السنة علينا أن نجمع الجهود التي سبقت في تدوينها قبل أن تضيع، فكتب إلى علماء الأمصار أنْ اجمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان يعلم أن المدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، هو كان يريد أن يضم تلك المدونات المتفرقة أولًا ليكون عنده ديوان واحد في السنة، والأهم لكي يحفظ تلك الجهود التي كانت تملأ العالم الإسلامي.
أما أنه بدأ من فراغ، فهذا ما لا يجوز عقلًا، ولا واقعًا، ولا تقبله فطرة؛ لأنه كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
وصل العلم إلى مرحلة النضج، بل بعد ذلك بقليل ظهرت المصنفات، وحين تظهر المصنفات، فمعنى ذلك أن مراحل الجمع والتدوين قد مرت، بعد عمر بن عبد العزيز بقليل ظهر (الموطأ) والأجزاء الحديثية التي كتبها عبد الله بن المبارك المولود سنة 118 وعبد الرحمن بن مهدي أيضًا، وغيرهم كثير وكثير، الليث بن سعد المولود سنة 97 كتب حتى في تاريخ الرجال؛ يعني ليس في الحديث فقط.
إذن عمر بن عبد العزيز قد اعتمد على مدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، وأراد أن يجمعها تحت مظلة الدولة حفاظًا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحديث المتواتر
وننتقل إلى شبهة أخرى أثارها أيضًا أعداء السنة، فنتكلم عن المتواتر والآحاد.
نبدأ فنقول: إن علماء السنة لهم تقسيمات متعددة للحديث، باعتبارات متعددة، لهم تقسيم للحديث باعتبار صحته وضعفه، هذا حديث صحيح أو غير صحيح. التقسيمات بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف.
ومعرفة كل قسم بتفصيلاته وبأقسامه موجود في كتب المصطلح، وأعتقد أن السامعين الكرام من طلاب العلم قد تلقوها مرارًا في مواد متعددة، وعلى رأسها مادة مصطلح أو علوم الحديث.
أيضًا هناك تقسيم للحديث باعتبار القبول والرد، والقبول يشمل الصحيح والحسن، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وبكل درجاته، وهناك تقسيمات أخرى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)