وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجمهور الفرق الإسلامية أنه ليس في القرآن تحريف ولا نقصان، وذلك لأن الله تعالى قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وإذا كان الله تعالى الحافظ له كيف يتمكن أحد من تحريفه؟ ولأن تبليغ القرآن كما أنزل كان واجبا على الرسول عليه الصلاة والسلام إلى كافة الناس بنفسه أو بمن تبعه، قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فانتصب صلى الله عليه وسلم لتعليمه فأمر بذلك من حضر وبعث إلى من ليس بحضرته، حتى انتشر في الأقطار التي دخلها الإسلام واشتهر في المواضع التي حل فيها الإيمان، ولم يزل المسلمون يتعبدون بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ويرون ذلك من أفضل الطاعات والأعمال من زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى زماننا هذا، وكل ما هذا شأنه لا يمكن تغييره ولا إسقاط شيء منه. ولأنه لو كان فيه تحريف بتغيير أو نقصان لم يبق وثوق بالأحكام. ولأنه لو كان الأمر كما ذكر لرواه جميع فرق الشيعة عن أهل البيت.
وقد شدد النكير سائر فرقهم على القائل بالتحريف والإسقاط وحكموا بتكفيره، لا سيما الزيدية، ورووا عن أهل البيت أنهم كانوا يقرأون هذا القرآن، ويتمسكون بعامه وخاصه، ويستشهدون به. والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن. وقد علموه أولادهم وخدامهم وسائر أهل بيتهم، وكانوا يأمرون بتلاوته في الصلاة. ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
المطلب الثالث عشر أن الله تعالى مريد
ذهبت الإسماعيلية إلى أنه تعالى لا يتصف بالإرادة، لأنه تعالى موجب، ولا إرادة للموجب، فإن كل ما يصدر عنه لازم لذاته، ولأن الإرادة فعل من أفعاله، وكل فعل مسبوق بالإرادة، فيلزم أن تكون الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى وهلم جرا، فيلزم التسلسل، وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية وسائر المليين من أنه تعالى مريد لأنه قادر، وفعل القادر مسبوق بالإرادة، والإرادة صفة قديمة لا تحتاج إلى إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل، ولأن النصوص الدالة على اتصاف الواجب سبحانه بهذه الصفة كثيرة جدا بحيث لا تكاد تحصى، قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} و {يحكم ما يريد}، {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، وغير ذلك من الآيات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
المطلب الرابع عشر أن إرادة الله تعالى متعلقة بكل كائن
ذهبت الفرق الثمانية من الزيدية والإمامية كلهم، إلا الإسماعيلية النافين للإرادة، إلى أنه تعالى غير مريد لجميع الكائنات، فإنه لا يريد الشر والكفر والمعصية، وقعت أو لم تقع. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن تبعهم من أنه سبحانه مريد للكائنات، من الخير والشر، والنفع والضر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية. قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا}، {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم}، {ولو شاء الله ما أشركوا}، {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}، {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه}، {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه}، {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم}، {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}، {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}، {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
وغير ذلك من الآيات.
وروى الكليني عن محمد بن [أبي] نصر قال: قلت لأبي الحسن الرضا: "إن لبعض أصحابنا القول بالجبر، وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال علي بن الحسين: قال الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت" إلى آخر الحديث. ولأنه تعالى أخبر أن الذين حرفوا التوراة من أحبار اليهود لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فلو أراد إيمانهم لزم التناقض. ولأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخبر المتفق عليه أنه قال: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". وروى الكليني وصاحب المحاسن عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى"، وروى جمع عن غيره من الأئمة بمعناه. وروى الكليني أيضا عن سليمان بن جلد عن أبي عبد الله قال: "إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله"، ثم تلا هذه الآية: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}. ولأنه سبحانه أمر إبليس أن يسجد لآدم وهو يعلم أنه لا يسجد، فإن أراد منه الطاعة فقد أراد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)
الممتنع، وأن يقلب علمه جهلا. وروى الكليني أيضا عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله ما ينص على أنه تعالى يريد ضلال بعض عباده إرادة حتم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ولأنه سبحانه لو أراد الإيمان من الكافر وأراد الكفر من الكافر، وأراد الطاعة من العاصي وأراد منه العصيان، وقد صدر الكفر من الكافر والعصيان من العاصي؛ لزم أن لا يحصل مراد الله تعالى، ويحصل مراد الكافر والعاصي؛ فيلزم أن يكون كل منهما غالبا والله تعالى مغلوب، وهو ضروري البطلان. فقد روى الكليني عن الفتح بن زيد الجرجاني عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا تغلب إرادة الله تعالى، سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم. وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن ما هو ناص على أنه تعالى يريد المعصية من العبد إرادة حتم، فإنه أراد أن يأكل آدم من الشجرة، وأن لا يسجد له إبليس.
وروى عن ثابت بن سعيد ما هو على ذلك أيضا. ولأنه تعالى خلق للعاصي الإرادة والقدرة على خلق أفعاله وجعل له التمكن، كما ذكره المرتضى في درره، فلو أراد بها نفعه وهو يعلم أنه لا ينفعه بل يضره، فذلك عبث وسفه، والله تعالى منزه عن ذلك. ولأن إرادة الممتنع قبيح. ولأنه تعالى أقسم أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلو أراد إيمان من يعلم أنه من أصحاب الجحيم فقد أراد أن لا يبر قسمه. ولأنه تعالى لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس، ولم ينظره إلى يوم الوقت المعلوم، ولم يمكنه من الإضلال.
واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} والرضا هو الإرادة.
والجواب أنا لا نسلم أن الرضا هو الإرادة، ولو كان كذلك لكان الله تعالى راضيا بكفر جماعة أخبر بأنه يريد ألا يجعل لهم حظا في الآخرة وأنه يريد أن لا يطهر قلوبهم، وهو باطل بالاتفاق؛ ولأن الإرادة تنفك عن الرضا، كإرادة من إرادته تابعة لإرادة غيره وهو يكره المراد، وإرادة الله تعالى تابعة لإرادة العبد، وإن كانت متقدمة عليها، فأحسن التدبر.
واحتجوا أيضا بأنه لو كانت المعصية مرادة لله تعالى لكان الكافر العاصي مطيعا بكفره ومعصيته، لأن الإطاعة تحصيل مراد المطاع.
والجواب أن الإطاعة تحصيل ما أمر به المطاع، لا تحصيل ما أراد سواء كان مرضيا عنده أو لا. ألا ترى أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم ولم يرد، وأمر إبراهيم بذبح ولده ولم يشأ.
واحتجوا أيضا بأن إرادة القبيح قبيح، وكذا ترك إرادة الحسن.
والجواب أن كون كل منهما قبيحا ممنوع، فإنه لا قبح منه تعالى، كما تقدم. وترك إرادة الحسن إذا علم عدم وقوعه حسن، وإرادته قبيح، لأنها عبث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)
المطلب الخامس عشر في أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد
ذهبت فرق من الشيعة إلى أن الأمر لازم للإرادة وجودا وعدما.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد؛ لأن الأمر لا يستلزم الإرادة، والنهي لا يستلزم الكراهة، إذ قد ينفك أحدهما عن الآخر، كالآمر للاختبار. وما يقال إنه ليس بأمر حقيقة ممنوع، فإنه ادعاء ومكابرة. ولأن الله تعالى كره خروج جماعة إلى الجهاد، وقد أمرهم بالخروج، قال تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} وقال تعالى حكاية عن شعيب: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} وقال تعالى: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} فإنها ناصة على أن العود في الكفر يكون بمشيئة الله تعالى. وقال تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} وقد أمرهم سبحانه بالإيمان. وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} وقال تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} وقال تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته} وقال تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقال تعالى: {أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى لم يرد إيمان الكل، ولو شاء لآمنوا ولم يشركوا، مع أنه أمرهم بالإيمان، وإنما كذب الله تعالى الكفار في قولهم: لو شاء الله ما عبدناهم، لقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)
سبحانه: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} فإنهم زعموا أن المشيئة هي الرضا، وأن عبادتهم إياهم برضائه تعالى، وهو كذب، فإن الإرادة صفة توجب تخصيص أحد المقدورين بالوقوع، ويرادفها المحبة، فمعنى الأولين أعم من معنى الآخرين، والأعم غير الأخص. وما روي عن أبي حنيفة أن الإرادة والرضا متحدان، فهو مكذوب عليه.
ولأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، وقد رواه الإمامية عن الأئمة أيضا، وتواتر عنهم من طريقهم أيضا، كما ذكره شارح العدة وغيره. وروى البرقي في المحاسن والكليني في الكافي عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول: "لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد". وروى الكليني عن الحسن بن عبد الرحمن الحمالي عن أبي الحسن موسى بن جعفر أنه قال: "إنما تكون الأشياء بإرادته تعالى ومشيئته". وروى الكليني وغيره عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله أنه قال: "أمر الله ولم يشاء، وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، ولو شاء سجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل، ولو لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
يشأ لم يأكل"، إلى غير ذلك من الآثار الصحيحة.
واحتج من خالف أهل الحق بأن الأمر بما لا يراد سفه، وكذا النهي عما يراد، والله سبحانه منزه عنه.
والجواب أن ذلك ممنوع، لأن الغرض من الأمر ليس بمنحصر في إيقاع المأمور به، والغرض من النهي ليس بمنحصر في إيقاع المنهي عنه، فإنه يصح وجود الأمر بدون الإرادة، كما يكون مع الإرادة وجود النهي، ولا يكون سفها. ألا ترى أن السيد إذا أراد إظهار عصيان العبد للحاضرين يأمره بشيء ولا يريده منه، وينهاه عن شيء ويريده، ولأن إرادة وقوع ما لم يعلم أنه لا يقع سفه وعبث، وهو سبحانه منزه عنهما. ولأنه روى الكليني عن فتح بن يزيد الجرجاني: أن لله تعالى إرادتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أوما رأيت أنه نهى آدم وحوا أن يأكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى.
واحتجوا أيضا بأنه سبحانه يكره المعاصي، فكيف يريدها؟
والجواب أنه ربما تجتمع الإرادة والكراهة، كمن أراد أمرا لأمر ما وهو يكرهه، وأفعاله تعالى لا تخلو عن الحكمة والمصلحة. ولأن الكتاب العزيز قد نص على ذلك كما سبق. وفي خاتمة الزبور: "هل تدري يا داود أي المؤمنين أحب إلي؟ الذي إذا قال: لا إله إلا الله اقشعر جلده، وإني أكره له الموت كما يكره الوالد لولده، ولابد له منه، إني أريد أن أسره في دار سوى هذه، فإن نعيمها فيها بلاء، ورجاءها فيها شدة، ومن أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة". فهذا أيضا ناص على أنه سبحانه قد يريد شيئا ويكرهه، فإنه يريد موت المؤمن الموصوف بتلك الصفة ويكرهه.
وقد تركت بعض المطالب هنا لكون ما سبق يغني عنها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
المطلب السادس عشر في بيان أنه لا يجوز البداء على الله
ذهبت الزرارية والبدائية والسالمية وجمع من الإمامية، كمالك الجهني ودارم بن الحكيم وزبان بن الصلت وغيرهم، إلى أنه يجوز البَدَاء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئا ثم يبدو له ما لم يكن ظاهرا له. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة وجماهير المسلمين وغيرهم من المليين وسائر العقلاء من أنه لا يجوز البداء على الله تعالى، للنصوص المتقدمة في شمول علمه تعالى كل شيء، ولأنه يلزم أن يكون الله تعالى جاهلا بعواقب الأمور، والجهل عليه سبحانه محال، لأنه نقص.
واحتج من خالف أهل الحق بقوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، وبما رواه الكليني عن زرارة بن أعين عن أحدهما قال: "ما عبد الله بمثل البداء". وعن هشام بن سالم عنه قال: "ما عظم الله بمثل البداء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
وبأن النسخ جائز بالاتفاق، وهو إما أن يكون لمصلحة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة قبل أو لا، والثاني باطل لأنه عبث والله تعالى منزه عنه، فتعين الأول وهو البداء.
والجواب أن جميع ما استدلوا به باطل. أما الاستدلال بالآية فلأنها لا تدل على المدعى، لأن المحو والإثبات لا يوجبان الجهل، والمعنى ينسخ ما شاء نسخه من الأحكام لمصلحة تجددت بحسب اقتضاء الزمان، كقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} وقوله تعالى: {واقتلوهم حيث وجدتموهم}، فإن الزمان الأول اقتضت المصلحة فيه المتاركة، والزمان الثاني اقتضت المصلحة فيه المقاتلة، ويثبت بدله ما يشاء، أو يتركه غير منسوخ، أو يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات، أو يمحو ظلمة الليل، ويثبت ضوء النهار، ونحو ذلك. وأما الاستدلال بالآثار فهو فاسد، لأنها موضوعة مفتراة، وآثار الوضع عليها ظاهر، ولا ظهور الشمس، لأن وصفه تعالى بما يدل صراحة على أنه جاهل بعواقب الأمور لا يكون عبادة، بل معصية وكفرا وإلحادا وزندقة، ولا يكون تعظيما بل تحقيرا.
وأما الاستدلال بالنسخ فباطل أيضا، لأن النسخ بالنسبة إلى الشارع بيان محض لانتهاء الحكم الأول، لأنه تعالى عالم بأن ذلك مؤقت إلى وقت معلوم، وبالنسبة إلى العباد رفع للحكم، لجهلهم بكونه مؤقتا، ولأن النسخ لمصلحة تجددت لم تكن موجودة قبل، فإن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، كمنفعة شرب الدواء في وقت ومضرته في وقت آخر. فلا يتم الترديد على ما لا يخفى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
المطلب السابع عشر في أنه لا يجب على الله تعالى شيء
ذهبت الشيعة قاطبة إلى أنه يجب على الله تعالى بعض الأمور، واختلفوا في معنى الواجب فقالت طائفة منهم: الواجب ما يستحق تاركه الذم عقلا، وقالت جماعة أخرى: الواجب ما قدره الله تعالى على نفسه أن يعطيه ولا يتركه. وهو باطل.
والحق ما ذهب إليه الفرقة الناجية وغيرهم من الفرق الإسلامية من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، فإنه المتفضل بالتوفيق والخلق والرزق والثواب على الطاعة وغير ذلك، وليس شيء منها واجبا عليه سبحانه، وإنما هو فضل منه؛ إذ الألوهية تنافي الوجوب، والعبد المملوك لا يستحق أجرا ورعاية مصلحة، فإن أعطى فبفضله، وإن منع فبعدله، وهو محمود في كل فعاله.
وبطلان القولين في تفسير الواجب أظهر من الشمس. أما الأول فلأنه لا معنى للوجوب إلا عدم التمكن من الترك، وهو ينافي الاختيار. ولأنه لو وجب عليه شيء لزم أن يكون ناقصا لذاته، مستكملا بفعله، لأنه يستوجب الذم بتركه. ولأنه لو وجب عقلا لزم أن يكون بعض مخلوقاته حاكما عليه، وهو باطل. ولأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون بالاتفاق، فحينئذ لا يخلو إما أن يفعل ما يعلم أو لا، والثاني باطل لأنه ينقلب العلم جهلا، فتعين الأول فلا حاجة إلى القول بإيجاب الفعل له بعض الأشياء. ولأن الفعل إما واجب أو ممتنع غير مقدور عليه، وتاركه لا يستحق الذم، والواجب يقع البتة. ولأن ترك الواجب ممتنع كفعل الممتنع. وأما بطلان المذهب الثاني فلأن تقدير بعض الأشياء على نفسه عبث محض، والله سبحانه منزه عنه. ولأن ترك ما قدره على نفسه أن يفعله إن كان جائزا فات معنى الوجوب، وإن لم يكن جائزا بناءً على أن تركه مستلزم للذم عقلا فيرجع إلى المعنى الأول، وقد تقدم بطلانه آنفا، ولأن الوجوب على كلا المعنيين يدل على أن ترك الزجر عن القبائح وفعل القبيح والبخل والسفه والظلم كان جائزا له تعالى قبل الإيجاب وخلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
الفعل كما لا يخفى.
واستدل من فسر الواجب بما يستحق تاركه الذم عقلا بأن من الأفعال ما يستحق فاعله الذم عقلا، ومنها ما يستحق تاركه الذم عقلا، وكل ما كان كذلك فهو واجب الفعل والترك عقلا.
والجواب أن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى - على ما سبق بيانه في أول مطالب هذا المقصد - ولأن الواجب يقع والممتنع لا يقع من غير أن يحكم العقل شيئا فيهما؛ فجعل الله تعالى محكوما لبعض خليقته ضلال وزندقة. ولا حجة لهم بقوله تعالى: {إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم} قوله تعالى: {كتب على نفسه الرحمة} قوله تعالى: {كان على ربك حتما مقضيا} لأن المراد من الآية الأولى تأكيد الحكم دون الإيجاب، والمعنى وعد بالرحمة وعدا مؤكدا وهو منجز البتة، ولاستحالة تطرق الخلف إلى وعده أجراه مجرى الواجب وذكر النفس للاختصاص ورفع الوسائط. و {على} في الآية الأولى لتأكيد المحاسبة والمجازاة، وفي الثانية لتأكيد التفضل لا للإيجاب، وفي الثالثة لتأكيد ورود كل أحد النار. ومعنى {حتما} أمر مبرم، فإن الحتم إبرام الأمر وإحكامه، وقوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} معناه: وكان ثابتا محققا بمقتضى الوعد، و {على} للتأكيد.
وأقول: لما كان هذا المقام مما تزل فيه الأقدام، لا بأس علينا أن نزيده بيانا ونورد له حجة وبرهانا، فإن حمل هذه الآيات على ما سمعت غير مرضي لدى المحققين، ومنتقد عند أرباب البصائر واليقين. وأحسن ما رأيته ما كتبه الأواه عمدة المحدثين وأحد الحفاظ المتقنين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بالحافظ ابن القيم رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه- في كتابه بدائع الفوائد، الذي هو في الحقيقة درر وفرائد، فقال بعد كلام له في هذا الباب:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
فإن لم يتسع لهذا ذهنك، فسأزيدك إيضاحا وبيانا، وهو أنه قد أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا إيجاب منه على نفسه، فهو الموجب، وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح وكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: «لما قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه في كتاب فهو عنده موضوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «سبقت غضبي». فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتابة، وصفة اليد، ومحل الكتابة، وأنه كتاب، وذكر مستقر الكتاب وأنه عنده فوق العرش؛ فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد، وهو إيجاب منه على نفسه، ومنه قوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} فهذا حق أحقه على نفسه، فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ {الحق} ولفظة {على}. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمعاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار». ومنه قوله صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد. فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة: "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك"، فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه، لا أنهم أوجبوه ولا أنهم أحقوه، بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما، لا السائلون ولا العابدون، فإنه:
ما للعباد عليه حق واجب … كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عُذبوا فبعدله أو نعموا … فبفضله وهو الكريم الواسع
ومنه قوله تعالى: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه على نفسه وأوجبه. ونظير هذا ما أخبر به سبحانه من قسمه ليفعلنه، نحو قوله تعالى: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} وقوله: {لنهلكن الظالمين} وقوله: {قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} وقوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار} وقوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} إلى أمثال ذلك مما أخبر أنه يفعله إخبارا مؤكدا بالقسم. والقسم في مثل هذا يقتضي الحض والمنع، بخلاف القسم على ما فعله تعالى، مثل قوله: {يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين} والقسم على ثبوت ما ينكره المكذبون فإنه توكيد للخبر، وهو من باب القسم المتضمن للتصديق، ولهذا يقول الفقهاء: النهي ما اقتضى حضا أو منعا، والخبر ما اقتضى تصديقا أو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
تكذيبا، فالقسم الذي يقتضي الحض أو المنع، وهو من باب الطلب، لأن الحض والمنع طلب. ومن هذا ما أخبر به أنه لا بد أن يفعله لسبق كلماته به، لقوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون} وقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وقوله تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} فهذا إخبار عما يفعله أو يتركه أنه لسبق كلمته به فلا يتغير. ومن هذا تحريمه سبحانه ما حرمه على نفسه، لقوله تعالى فيما يرويه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم»، فهذا التحريم نظير ذلك الإيجاب.
ولا يلتفت إلى ما قيل في ذلك من التأويلات الباطلة، التي لا يجزم الناظر في سياق هذه المواضع ومقصودها بالمراد منها، كقول بعضهم: إن معنى الإيجاب والكتابة في ذلك كله هو إخباره به، ومعنى كتب ربكم على نفسه الرحمة أخبر بها عن نفسه، وقوله: «حرمت الظلم على نفسي» أي أخبرت أنه لا يكون، ونحو ذلك مما يتيقن أن المراد به ليس هو المراد بالتحريم، بل الإخبار هاهنا هو الإخبار بتحريمه وإيجابه على نفسه، فمتعلق الخبر هو التحريم والإيجاب، ولا يجوز إلغاء متعلق الخبر، فإنه يتضمن إبطال الخبر. ولهذا إذا قال القائل: أوجبت على نفسي صوما، فإن متعلقه وجوب الصوم على نفسه، فإذا قيل: إن معناه أخبرت بأني أصوم، كان ذلك إلغاء وإبطالا لمقصود الخبر فتأمله. وإذا كان معقولا من الإنسان أنه يوجب على نفسه ويحرم ويأمرها وينهاها مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه؟ وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه به، وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له وإرادة أن لا يفعله، فإن محبته لفعله تقتضي وقوعه منه، وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه، فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
تمنع وقوعه. ففرق بين فعله سبحانه وبين فعل عباده الذي هو مفعوله، فإن فعل عباده يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به، بخلاف فعله سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع. فتدبر هذا الموضع الذي هو مزلة أقدام الأولين والآخرين، إلا من عصمه الله تعالى بعصمته وهداه إلى صراط مستقيم.
انتهى كلامه المقصود نقله. ولولا ضيق المقام لنقلناه بأسره، فإني لا أظنك تجده في كتاب غيره، وإن أردت استيفاء البحث فارجع إلى ذلك الكتاب لتحظى بالصواب وترى العجب العجاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
المطلب الثامن عشر في بيان أن التكليف لا يجب على الله تعالى
ذهبت الكيسانية والفرق الثمانية من الزيدية والإمامية إلى أن التكليف واجب على الله تعالى.
والحق ما ذهب إليه [أهل] السنة من أن التكليف لا يجب عليه تعالى، بل هو تفضل على الأبرار، وعدل بالنسبة إلى الفجار؛ لأنه لا يجب على الله تعالى شيء، كما سبق. ولأنه لو وجب عقلا بالنسبة إلى من يعلم الله بأنه يؤمن، دون الكافر الذي علم الله أنه لا يؤمن؛ فإن التكليف قبيح، لأنه إضرار له، لأنه إلزام أفعال شاقة لا يترتب عليه نفع في الدنيا، ويستحق عليه عذابا شديدا في الآخرة لا انقطاع له وإن كان سببا عن سوء اختياره، ولا سيما من يعلم أنه يؤمن ويعبد الله سنين ويموت كافرا، كبلعم بن باعور وبرصيصا الزاهد وأمية بن الصلت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
وأبو عمرو وأضرابهم حيث جمع لهم إلزام المشاق في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة، وهذا قبيح عقلا، والقبيح لا يكون واجبا. ولأن تكليف من علم الله أنه لا يؤمن ويموت كافرا عبث، لأنه لا ينزجر عن القبائح. ولأنه لو وجب لوجب أن يبعث في كل قرية رسلا تترا من غير فترة، أو إماما غير جبان لا يخاف الأعداء بمجرد من الأضرار، ويؤيده بالمعجزات الباهرة الدالة على صدق دعواه، ويمكنه من الدعوة، ولم يفعل ذلك كله؛ فإنه قد وقعت فترة بين الرسل، ولم يبعث في كل قرية رسولا، ولم يبعث إلى قطّان شواهق الجبال المشمخرة نبيا، وكثير منهم لم يبلغه دعوة نبي قط، ولم يتول الإمامة بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلا رجال لا يتمكنون من إظهار ما هم عليه من أحكام الشريعة خوفا من المخالفين، حتى غاب خاتمهم منذ مدة مديدة خوفا من الأعداء على ما زعمه القوم، مع كثرة شيعته وأنصاره وأوليائه وتبعته. ولأن تكليف سفهاء الأحلام الذين لا يكادون يفقهون حديثا ولا يميزون بين المعجزة والسحر ولا يهتدون إلى طرق الاستدلال سبيلا، تكليف بما لا يطاق.
واحتج من خالف أهل الحق على وجوب التكليف بأن التكليف زاجر عن القبائح، لأن الإنسان بمقتضى طبعه يميل إلى الشهوات، فإن علم أنها حرام انزجر عنها، فالزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى واجب.
والجواب أن وجوب الزجر عن القبائح بالنسبة إليه تعالى ممنوع، لأن المنزجر عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
القبائح في العالم قليل جدا، فإن أكثر الناس لا ينزجرون عن القبائح مع العلم بقبحها، والتكليف بالنسبة إليهم عبث، وفعل العبث لا يكون واجبا من غير نكير. ولأن من يعلم الله تعالى أنه لا ينزجر بعد التكليف فزجره عبث، وكذا تكليفه. ولأن الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى دون العقل كما تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)