على مضاجعهم، ويكبرون الله تعالى بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذوات شفرتين، لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال". ومعلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المنتقم بها من الأمم. وفيه: "أن الله أظهر من صيفون إكليلا محمودا"، وصيفون العرب، والإكليل النبوة، ومحمود هو محمد صلى الله عليه وسلم. وفي مزمور آخر منه: "أنه يجوز من بحر إلى بحر، ومن أنهار إلى أنهار، إلى منقطع الأرض، وأن تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، وتلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين، وتسجد وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص الضطهد البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالضعفاء والمساكين، وأنه يعطي من ذهب بلاد شتى، ويصلي عليه في كل وقت، ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد". ومعلوم أنه لم يكن هذا إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من البشائر التي لا تحصيها الدفاتر، وكلها تدل صراحة على أن النبي محمد لا علي. وقد اعترفت العيسوية من اليهود وكثير من النصارى بنبوته صلى الله عليه وسلم، غير أنهم يزعمون أنه مبعوث للعرب خاصة.
وقد ثبت عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه لدى الفريقين أنه كان يقول: "وأشهد أن محمدا عبده المصطفى وأمينه المرتضى، أرسله لوجوب الحجج وظهور الفلج وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا بها، وحمل على الحجة دالا عليها". وكان يقول أيضا: "أقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء"، ولأنه لما ادعى محمد صلى الله عليه وسلم النبوة بادر علي إلى تصديقه، فآمن به ونصره وقاتل معه من أنكر نبوته.
والحاصل أن هذا كلام مما لا ينبغي أن يلتفت إليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
ولا يستوجب أن يعرج عليه، فإن بطلانه غير خفي على أحد، وفساده لا ينكر ولا يجحد. والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته ويودع من شاء حكمته ونبوته. والله يهدي من يشاء على صراط مستقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
الفصل الحادي عشر في أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين
ذهبت الخطابية والمعمرية والمفضلية والإسحاقية والمنصورية والسبعية إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بخاتم النبيين. فزعمت الخطابية أن الأئمة أنبياء، وأن أبا الخطاب نبي. وأبو الخطاب هذا كان يتردد إلى جعفر بن محمد الصادق فلما علم منه غلوه فيه تبرأ منه، فلما اعتزل عنه ادعى الأمر لنفسه، فزعم أنه نبي، والأنبياء عليهم السلام فرضوا على الناس طاعته. والمعمرية زعمت أن جعفر بن محمد نبي، وبعده أبو الخطاب، وبعده معمر. وزعمت العجلية والمفضلية والمنصورية أن الرسل لا تنقطع أبدا، وأن أبا منصور نبي. وكان أبو منصور رجلا من بني عجل، وكان أبوه من عجل، سما نفسه إلى الصادق، فلما رأى سوء اعتقاده تبرأ منه وطرده. وزعم أنه رأى الله ومسح رأسه بيده وقال: "يا بني، اذهب فبلغ عني"، ثم أنزله إلى الأرض، وكان يقول: أنا الكسف في قوله تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم}. وزعمت السبعية أن خاتم الرسل هو المهدي. وزعمت الإسحاقية أن الأرض لا تخلو من نبي. وكل ذلك باطل.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من المسلمين من أن محمدا خاتم النبيين، لقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار وأخبار الكتب السماوية. ولا حجة لهؤلاء الغواة على ما زعموه. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
الفصل الثاني عشر في أن الله تعالى لم يفوض أمر الدين إلى أحد من الرسل والأئمة
ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى فوض أمر الدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ثم من بعده إلى الأئمة من أهل بيته.
وشبهتهم في ذلك: ما رواه حسين بن محمد بن جمهور القمي في النوادر عن محمد بن سنان قال: "كنت عند أبي جعفر، فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إن الله تعالى لم يزل منفردا بالوحدانية، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين، فمكثوا ألف سنة، فخلق الأشياء وأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورهم إليهم، يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون". وما رواه الكليني عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله قال: "إن الله تعالى أدب نبيه صلى الله عليه وسلم فإذا انتهى إلى ما أراد قال له: {وإنك لعلى خلق عظيم} وفوض إليه أمر دينه". وما رواه أيضا عن محمد بن الحسن الميثمي عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: "إن الله تعالى أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه دينه فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فما فوضه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه إلينا".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
والجواب أن هذه الأخبار كلها موضوعة. والحسين بن محمد روى عن الضعفاء، وكثيرا ما اعتمد على المراسيل، قال النجاشي: "ذكره أصحابنا بذلك"، والميثمي من المجسمة.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم من أن الله تعالى لم يفوض أمر الدين إلى أحد، قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}. ولو فوض الله تعالى أمر دينه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة لجاز العمل بكل ما روي عنهم، لأن كلا من هؤلاء صاحب شرع، فلا حاجة إلى التوفيق بين الروايات المتعارضة وارتكاب التكلفات في ذلك، أو لم يجز العمل بشيء منها، لأن كلا منهم راعى مصلحة في الأمر والنهي، وهي مستورة، فيلزم التعطيل. ولأنه لو فوض سبحانه أمر دينه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم لم يعاتبه على كثير من الأمور، [كالإذن بالتخلف] عن غزوة تبوك وإنجاز الأسرى يوم بدر وتحريم مارية القبطية على نفسه وغيرها، والمخصص يطالب بالبرهان. والقول بأن العتاب بسبب التعجيل وترك التأمل قول لا طائل تحته، لأن من فوض الله إليه دينه وكان مأمونا من الخطأ معصوما عن الزلل كيف يصدر عنه ما يوجب العتاب؟ ولأنه صلى الله عليه وسلم أجل من أن يأمر وينهى ويتكلم فيما يتعلق بأمر الدين من غير روية، وقد أدبه ربه فأحسن أدبه حتى انتهى إلى ما أراد. ولأن من كان معه الروح الأمين يقومه ويسدده -على ما زعموا- كيف يصدر عنه ما يوجب العتاب؟ ولأن التأمل في الحكم ليظهر الأولى اجتهاد، وقد أجمعت الإمامية على عدم جواز الاجتهاد على المعصوم، ولو جاز تفويض الأحكام له لجاز أن يجتهد، ليظهر له ترجيح أحد الأمرين. ولأن الأئمة يروون الحلال والحرام عن آبائهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرو أحد من الشيعة أنهم حللوا شيئا حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرموا شيئا حلله. فعزو هذا القول إليهم كذب وافتراء. وقد شددت الزيدية النكير على القائل بالتفويض، وكذبوا من عزاه إلى أهل البيت. والحق أحق بالاتباع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
الفصل الثالث عشر في أن المعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق
ذهبت الإسماعيلية والمعمرية والذمية إلى أن المعراج باطل وخبره كذب. وشبهتهم في ذلك أن الحركة البالغة إلى هذا الحد من السرعة ممتنعة.
والجواب أنها ممكنة في نفسها، كما هو المعلوم من طلوع قرص الشمس، فإنه يحصل في زمان لطيف في غاية السرعة. وقد ثبت في الهندسة أن قرصها يساوي كرة الأرض مئة وستين مرة، وذلك يدل على أن بلوغ الجسم في الحركة إلى ما ذكرنا أمر ممكن في نفسه، ولأن النص دل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى الشام في مقدار لمح البصر، وقد ثبت بالدلائل القاطعة أن خالق العالم قادر على جميع الممكنات. ومن شبههم أيضا أن صعود الثقيل إلى العلو محال فإنه يميل إلى المركز دائما. والجواب أنا لا نسلم أنه محال، بل هو ممكن كما هو مشاهد من صعود الطيور العظام، وقد تقف في الجو عند قبض أجنحتها وبسطها: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن}، والمغناطيس إذا حاذى الحديد وهو فوقه يجذبه إلى العلو مع ثقله.
ومن شبههم أن العروج يستلزم خرق الأفلاك، وهو مستحيل.
والجواب أن الاستحالة ممنوعة، وذلك لأن الأجسام متماثلة، فيصح على كل جسم ما يصح على الآخر، والنص يدل على وقوعه، قال تعالى: {إذا السماء انشقت}، {إذا السماء انفظرت} وغير ذلك. ودلائل الفلاسفة على الاستحالة مردودة في كتب الكلام.
وذهبت طائفة أخرى من الشيعة، وهم المنصورية، إلى أن المعراج لم يكن مخصوصا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن أبا منصور العجلي قد عرج بجسده إلى السماء في اليقظة.
وذهبت الإمامية إلى أن عليا رأى ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
به. ويحتجون بما رواه ابن بابويه في كتاب المعراج من خبر طويل أن عليا كان ليلة المعراج في الأرض، ولكنه رأى من ملكوت السماء ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد رووا ما يعارض هذا من أن عليا كان على نوق من نياق الحبشة وبيده لواء الحمد وحوله شيعته ومحبيه.
وجميع هذه الأقوال مما لا ينبغي أن يلتفت إليها، لأنها أشبه شيء بهذيان المحموم. فما ذهب إليه أهل السنة من أن المعراج، وهو الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السماوات السبع فما فوقها بجسده في اليقظة مختصا به، هو الحق الحقيق بالقبول، لقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}، {ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى}. والأخبار الصحيحة في ذلك كثيرة في كتب الفريقين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
الفصل الرابع عشر في أن ما ورد من النصوص محمولة على ظواهرها
ذهبت السبعية من الإسماعيلية والمنصورية والخطابية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى أن ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة وغيرها ليست على ظواهرها، بل كلها مؤولة.
فزعمت السبعية من الإسماعيلية أن الوضوء عبارة عن موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الحجة، والصلاة عبارة عن الناطق الذي هو الرسول، بدليل قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، والزكاة عبارة عن تزكية النفس، والكعبة عبارة عن النبي، وكذا الصفا، والباب عبارة عن علي، وكذا المروة، والميقات والتلبية عبارة عن إجابة دعوة الإمام، والطواف بالبيت سبعا عبارة عن الأئمة السبعة، وهم الذين بين النطقاء إلى الأنبياء، والسلام عبارة عن إفشاء سر من أسرارهم إلى من ليس من أهله، والغسل عبارة عن تجديد العهد، والجنة عبارة عن راحة الأبدان عن التكليف، والنار عبارة عن تعبها بمزاولة التكاليف.
والباطنية من الإسماعيلية أولوها مثل السبعية إلا أنهم أولوا الطواف سبعا بموالاة الأئمة السبعة، الذين هم علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وإسماعيل بن جعفر، وهو آخر الأئمة عندهم.
والقرامطة منهم أولوا الجنة بالنعم، والنار بالسقم. وهم الذين فعلوا ما فعلوا بالحجاج في البيت المكرم وأباحوا المحرمات وقلعوا الحجر كما سبق.
والبرقعية منهم أنكروا كثيرا من النبيين.
وزعمت الباطنية أن الأحكام من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك مما ابتدعه الخلفاء، والصوم شهرا ابتدعه عمر.
وقالت الخطابية والمنصورية والمعمرية والجناحية: الفرائض المذكورة في الشريعة أسماء رجال أمرنا بموالاتهم، والمحرمات أسماء رجال أمرنا بمعاداتهم.
وقالت المنصورية والرزامية: الجنة رجل أمرنا بمبايعته وهو الإمام، والنار رجل أمرنا ببغضه وهو خصم الإمام، كأبي بكر وعمر.
وقالت المعمرية: الجنة نعيم الدنيا، والنار آلامها، فالدنيا لا تفنى. إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
غير ذلك من الخرافات والأكاذيب.
والحق ما ذهب إليه أهل السنة ومن وافقهم أن ما ورد في الكتاب والسنة محمول على ظاهره غير مؤول. فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذلك للأمة ونقل إلينا متواترا. ولا حجة للمخالفين على ما زعموا من التأويلات الباطلة.
وقد أباح هؤلاء الفجرة وطء البنات والأمهات والعمات والخالات وغيرهن من المحارم، وسيرون ماذا يلاقون من غضب الله وسيصلون جهنم وساءت مصيرا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
الفصل الخامس عشر في أنه تعالى لم يرسل بعد خاتم الأنبياء ملكا إلى أحد بالوحي
ذهبت الإمامية إلى أن الله تعالى أرسل جبريل بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب يبلغه رسالات ربه، لكنه يسمع صوته ولا يراه. واستدلوا على ذلك بما رواه الكليني في الكافي عن السجاد أنه قال: "إن علي بن أبي طالب كان محدثا، وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة".
والجواب أن هذه الرواية كذب، مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيها الناس، لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات". ومنها ما ثبت عندهم: أن الله تعالى أنزل كتابا مختوما بخواتيم الذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أوصله إلى الأمير، والأمير أوصله إلى الإمام الحسن، وهكذا إلى المهدي، وكان السابق يوصي اللاحق أن يفك خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه. فلا حاجة حينئذ إلى إرسال الملك والإيحاء. ولأنهم زعموا أن الله تعالى فوض أمر الدين إلى الأئمة، فلهم أن يفعلوا ما يشاءون.
وذهبت طائفة من الإمامية إلى أن سيدة النساء فاطمة رضي الله تعالى عنها كان يوحى إليها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جمع ذلك الوحي بعضهم وسماه مصحف فاطمة، ويزعمون أن أكثر الوقائع المستقبلة والفتن والملاحم مذكورة فيه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
والأئمة إنما كانوا يخبرون الناس بأخبار الغيب من ذلك المصحف. سبحانك هذا بهتان عظيم. وكيف ساغ لهم التلفظ بمثل هذا الكلام وهم يتلون قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
الفصل السادس عشر في أن النسخ من وظائف الشارع
ذهبت الاثنا عشرية وجمهور الإمامية إلى أن بعض الأحكام ينسخه خاتم الأئمة. وذهبت الحميرية إلى أن الإمام يجوز له أن ينسخ الأحكام كلها.
واحتجوا على ذلك بما رواه محمد بن بابويه القمي عن أبي عبد الله أنه قال: "إن الله تبارك وتعالى آخى بين الأرواح في الأزل قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام، فلو قد قام قائم أهل البيت ورث الأخ من الذين آخى بينهما في الأزل ولم يورث الأخ من الولادة".
والجواب أن هذه الرواية كذب وافتراء. ومما يدل على ذلك أن التكاليف الشرعية لما كانت لازمة لعامة الناس لا بد أن تكون منوطة بالعلامة الظاهرة والأمور الجلية، كالتوالد والقرابة ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا يدركها العقل. ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد.
والحاصل أن قولهم هذا مخالف لظاهر العقل، لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه مع أنه ليس بشارع، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية، وقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} فالناسخ هو الله تعالى، ولا يجوز لنبي ولا رسول أن ينسخ حكما فضلا عن الإمام. ونسأل الله تعالى التوفيق، نعم المولى ونعم الرفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
المقصد الرابع في الإمامة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
المطلب الأول في أن نصب الإمام ليس بواجب عليه تعالى
ذهبت الإمامية إلى أن نصب الإمام واجب على الله تعالى. وهو باطل. والحق الحقيق بالقبول ما ذهب إليه أهل السنة من أن نصب الإمام واجب على العباد لا على الله تعالى، حيث أن الفطرة شاهدة له، إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من بينهم. وكذا الشرع أيضا، إذا الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا.
وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى، بل هو مناف للألوهية والربوبية كما برهنا عليه سابقا. وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس العام من أمور المكلفين من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش وغير ذلك واجب عليهم، فلا بد أن يكون النصب أيضا واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجب عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة لا عليه تعالى، وهو ظاهر.
وأيضا أن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن وجرّ لأمر الإمامة إلى التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء، كما وقع للجماعة الذين اعتقدوا الشيعة إمامتهم. ومع هذا قولهم نصب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
الإمام لطف في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين و [الاستتار]، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما يظهر لذي عينين.
وما أجاب عنه بعض الإمامية -بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف آخر، وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة العناد، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الإمامة، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء، فقد اختفى صلى الله عليه وسلم في الغار خوفا من الكفار- ففيه غفلة عن المقدمات المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لأن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم. وعلى الثاني لم يبق النصب لطفا للزوم المفاسد الكثيرة، بل يكون سفها وعبثا تعالى الله عن ذلك.
وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوّب له. وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذن، فلو كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا امتراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك، كزكريا ويحيى والحسين. وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف الإمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف الملزومات، فيلزم أن لا يكون أحد الفريقين إماما فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين، كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى.
وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم. وإن كان من خوف الإيذاء البدني يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى، وهذا بعيد عنهم. ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها، فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لا يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعلها سيد الشهداء؟
وما قاله المرتضي في كتابه تنزيه الأنبياء والأئمة من أنه فرق بين صاحب الزمان وبين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم، فله مخافة لا تكون لغيره؛ فكلام لا لب فيه، لأن خوف القتل نفسه قد علمته لأن الإمام عندهم عالم بما كان ويكون كما هو مسطور في كتبهم، ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
وأيضا ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى، ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة. على أن السيد محمد الجنفوري في الهند ادعى المهدوية ولم يقتل ولم يخوف.
وأيضا قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية أكثر من رمل الصحارى والحصى، فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة، فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر، وهلا كان كالقوم الذين قال الله تعالى فيهم: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}.
ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار، فكلام واقع في غير موقعه، لأن استتاره عليه الصلاة والسلام لم يكن لإخفاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه، وهذا أيضا كان ثلاثة أيام، فقياس ما نحن فيه عليه غاية حماقة ووقاحة. ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته، بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده. فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ذلك. فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
وقد ترك الشيخ مقداد صاحب كنز العرفان من المتأخرين طريق القدماء وقال: كان الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده. ويرد عليه أن هذا ادعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضا للطف، فلا يثبت [اللطف في] شيء! وبه يفسد كلام الشيعة كله، لأن مبنى أدلتهم عليه؛ يقولون إن أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى! فليتأمل. والله يحق الحق وهو يهدي السبيل.
تتمة
اعلم أن قول الله تعالى: {ابعث لما ملكا نقاتل في سبيل الله} وقوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله تعالى. والعقل يحكم بذلك.
وقد قال أمير المؤمنين: «لا بد للناس من أمير برٍ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» كذا في نهج البلاغة. ولا يمكن حمله على التقية، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه رضي الله تعالى عنه قاله لما سمع قول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
الخوارج: «لا إمارة» فلا محل للتقية في مقابلتهم، فتأمل في هذا الكلام وتفكر في هذا المقام، تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)