أخرجه: ابن أبي الدنيا في " ذم الدنيا " ـ كما في " جامع العلوم " لابن رجب.
وتابعه: طالوت على ذلك.
قاله: أبو نعيم في " الحلية " (8/42) .
فتبين؛ أن هذا الشاهد، لا يصح موصولاً، وأن الصواب فيه الإرسال، أو الإعضال.
هذا؛ وقد ذكر الشيخ الألباني ـ أكرمه الله تعالى ـ هذه الطرق في " السلسلة الصحيحة "، (944) ، وبين عللها، ثم قال:
" قد تقدم حديث سفيان من طرق عنه، وهي وإن كانت ضعيفة، ولكنها ليست شديدة الضعف ـ باستثناء رواية خالد بن عمرو الوضاع ـ؛ فهي لذلك صالحة للاعتبار، فالحديث قوي بها، ويزداد قوة بهذا الشاهد المرسل؛ فإن رجاله كلهم ثقات ".
قلت: وفي كلام الشيخ نظر؛ فإن رواة هذا الحديث عن سفيان ـ غير خالد بن عمرو ـ كلهم ضعفاء، ومنه من هو ضعيف جداً، ولم يتابعهم واحد من الثقات من أصحاب الثوري، وهذا مما لا يحتمل، فإن كثرة الرواة للحديث مشعرة بشهرته، فكيف يشتهر الحديث عن سفيان، ولا يجئ من رواية أصحابه الثقات،
الملازمين له، والعارفين بحديثه؟!
وقد سبق إنكار الأئمة لهذا الحديث عن الثوري، على كل من رواه عنه؛ لاسيما قول العقيلي " ليس له من حديث الثوري أصل "، وقول ابن عدي: " هذا الحديث عن الثوري منكر "، وقول أبي حاتم: " هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
حديث باطل بهذا الإسناد ".
فالحديث؛ ليس من حديث الثوري أصلاً.
على أنه لو كان من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ ثقةً؛ لما صح؛ ـ والحالة هذه ـ أن تصحح
رواياتهم، أو يقوى بعضها بعضاً؛ لما سبق من أن كل من رواه عن الثوري ـ غير خالد ـ، إنما أخذه عن
خالد، ثم دلسه، فعاد الحديث حينئذ إلى خالد الوضاع، وصارت هذه المتابعات صورية، لا حقيقة لها في
الواقع، فكيف وهو ضعفاء؟!
وقد سبق الإشارة إلى أن الشيخ الألباني ـ حفظه الله ـ قد أعل هذه المتابعات بتلك العلة، وأنه قال في متابعة أبي قتادة الحراني ما نصه:
" يحتمل احتمالاً قوياً أن يكون تلقاه عن خالد بن عمرو، ثم دلسه، كما قال ابن عدي (1) في متابعة ابن كثير ".
وأما المرسل المذكور؛ فلو صح أنه مرسل، وليس معضلاً كما في بعض الروايات، لما صلح أيضاً لتقوية الحديث؛ لتقاعد الروايات الأخرى عن حد الاعتبار.
بل الظاهر؛ أن هذا المرسل هو أصل هذا الحديث، وأنه لا يصح إلا مرسلاً (2) .
ومثال الشاهد:
حديث: أبي الزبير، عن جابر، أن أم مالك كانت تُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) كذا؛ وقائل هذا إنما هو العقيلي، فتنبه.
(2) انظر: أمثلة أخرى، في " الضعيفة " (2/88-96-97) و " المنار المنيف " (ص 22) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
في عكة لها سمناً، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه النبي صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " عصرتيها؟ " قالت: نعم. قال: " لو تركتيها ما زال
قائماً ".
أخرجه: مسلم (7/59) وأحمد (3/340) .
فهذا الحديث؛ قد خلط فيه بعض أدعياء العلم (1) عدة تخليطات.
فأولاً: أراد أن يدفع شبهة تدليس أبي الزبير له عن جابر، فجاء له بشاهد معناه.
وهذا الشاهد؛ هو ما أخرجه: ابن أبي شيبة (31760) والطبراني في " الكبير " (25/145 - 146) من حديث محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن يحيى بن جعدة، عن رجل حدثه، عن أم مالك الأنصارية، أنها جاءت بعكة سمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فعصرها، ثم رفعها إليه،
فرجعت، فإذا هي مملوءة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أنزل في شيء يا رسول الله؟ قال: " وما ذاك، يا أم مالك؟ " قالت: رددت علي هديتي. قال: فدعا بلالاً فسأله عن ذلك، فقال: والذي بعثك بالحق، لقد عصرتها حتى استحييت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هنيئاً لك: يا أم مالك! هذه بركة عجل الله ثوابها "، ثم علمها أن في دبر كل صلاة: سبحان الله ـ عشراً ـ، والحمد لله ـ عشراً ـ والله أكبر ـ عشراً ـ.
وهذا كما ترى؛ إنما هو شاهد بالمعنى، يشهد لمتن الحديث؛--------------------------------------------
(1) راجع: كتابي " ردع الجاني " (ص 134) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
لكن ما دَخْلُ هذا في إثبات السماع
من عدمه؟!
ثانياً: أن هذا الشاهد؛ فيه عطاء بن السائب، وكان قد اختلط، وفيه أيضاً ذاك الذي لم يسم.
فأراد ذلك الدعي أن يدفع ذلك الضعف الذي في إسناد الشاهد بمجرد مجيء متن الحديث أو معناه في حديث جابر السابق؛ وهذا خطأ مركب.
لأنه جعل المشهود له شاهداً، ولأن كون المتن له ما يشهد له، فأين الذي يشهد لهذا السند الذي جاء به عطاء بن السائب، ولم يتابع عليه؟!
والعجب في قوله:
" عطاء بن السائب لم يختلط في هذا الحديث؛ لأن له شواهد كثيرة؛ منها حديث جابر المذكور ".
وأبو حاتم الرازي يقول:
" وما روى عنه ابن فضيل، ففيه غلط واضطراب ".
فهذا؛ حكم من أبي حاتم رحمه الله على هذه الرواية وأمثالها مما رواه محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب.
بل إن تفرد عطاء بهذا الإسناد ـ على اختلاطه ـ دون غيره من الثقات، لهو أكبر دليل على أن هذا الإسناد لهذا المتن غير محفوظ،ولو كان محفوظاً لواه غيره من الثقات!
ثالثاً: أنه جعل اشتمال هذا الحديث على شيء متواتر دليلاً على سماع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
أبي الزبير له من جابر! وهذا في غاية العجب.
فقد قال:
" لم أجد لأبي الزبير تصريحاً بالسماع، لكن أحاديث زيادة الطعام ببركته صلى الله عليه وسلم متواترة، لا تحتاج لما
يقويها ".
وهذه؛ حيدة وخروج عن محل البحث؛ لأن كون الحديث قد اشتمل على بعض ما هو متواتر، لا يستلزم صحة هذا الحديث بعينه، فضلاً عن ثبوت سماع أحد رواته له من شيخه.
* وهاهنا أمر في غاية الأهمية:
ذلك؛ أن الأئمة ـ عليهم رحمة الله ـ قد يطلقون على باب من الأبواب، أو حكم من الأحكام، أو أمر من الأمور، بأنه متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بناء على كثرة الأخبار الصحيحة التي تضمنت هذا الحكم، أو ذاك الأمر.
فيأتي بعض من لم يحسن تصور هذا الباب، فيحكم على كل حديث جاء فيه هذا الأمر، أو تضمن هذا الحكم، بالصحة، بل بالتواتر؛ بناء على ثبوت تواتر هذه الحكم أو ذاك الأمر الذي تضمنه هذا الحديث.
وهذا؛ ليس بشيء! لأن تواتر هذا الحكم، أو ذاك الأمر؛ لكثرة ما جاء فيه من روايات، لا يستلزم تواتر كل أفراد الروايات؛ لأن الحكم بالتواتر إنما هو حكم للقاسم المشترك بين هذه الروايات فقط، دون ما تفردت به كل رواية من هذه الروايات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
ولنضرب مثالاً يوضح المقام.
ذكروا مما تواتر معنى: رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء؛ بناء على كثرة الروايات الصحيحة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقائع مختلفة، والتي تضمنت هذا الأمر.
وهذه الروايات؛ وإن تضمنت هذا الأمر، فقد تضمنت كل رواية من هذه الروايات شيئاً زائداً على هذا القاسم المشترك؛ من كونه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في مكان معين، أو في ساعة معينة، أو على هيئة معينة، أو قال في دعائه قولاً معيناً، أو غير ذلك.
ولا شك؛ أن هذه الزيادات التي تفردت كل رواية ببعضها لم تتواتر، ولا اجتمع لها ما اجتمع لرفعه صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء.
فالشيء المتواتر من تلك الروايات، هو القدر المشترك بينها فقط، وهو رفعه صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء، أما باقي التفاصيل التي تفردت بها كل رواية عن الأخرى فهي صحيحة؛ لصحة الرواية التي تضمنتها بمفردها، وليست بمتواترة.
وعليه؛ فلو جاءت رواية أخرى ضعيفة في نفسها؛ لعدم توفر شرائط الصحة فيها، وتضمنت أيضاً رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه عبد الدعاء، مع زيادات أخرى وتفاصيل مختلفة؛ فإنه لا يصح ـ والحالة هذه ـ أن تصحح تلك الرواية بناء على أن هذه الجزء منها قد تواتر عنه - صلى الله
عليه وسلم -.
لأن تواتر هذا الجزء من تلك الرواية، إنما يدل على صحته في ذاته،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
ولكنه لا يدل على صحة باقي التفاصيل التي تضمنتها الرواية أيضاً؛ لعدم صحة هذه الرواية التي تضمنتها.
والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
المتابعة.. والسرقة
من عُرف بسرقة الحديث، وادعاء سماع ما لم يسمع، لا يصلح حديثه في باب الاعتبار، ومتابعته لغيره لا تنفعه بقدر ما تضره، فإنها تؤكد سرقته لحديث غيره، وروايته من غير سماع.
فإن السارق للحديث ـ غالباً ـ لا يختلق متناً، ولا يركب إسناداً حتى يُبَرأ من تهمة الحديث حيث يتابعه عليه غيره.
وإنما السارق، يأتي إلى أحاديث يرويها غيره بالفعل، عن شيخ من الشيوخ، فيسمعها هو من بعض أصحاب ذلك الشيخ، ثم يسقط الواسطة، ويرتقي بالحديث إلى الشيخ نفسه، مصرحاً بالسماع منه، وهو لم يسمعه منه، فيدعي سماع ما لم يسمع.
والفرق بين السرقة والتدليس واضح؛ فإن المدلس لا يصرح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فإنه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك.
وفي " تاريخ بغداد " (1) .
عن حسين بن إدريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة، عن أبي هشام الرفاعي، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يسرق حديث غيره، فيرويه.
قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون--------------------------------------------
(1) 3/376) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
تدليساً، وهو يقول: حدثنا؟!
فهذا ـ كما ترى ـ لا يتفرد، بل يروي ما يرويه غيره، غير أن غيره سمع، وهو لم يسمع، فيظهر وكأنه لم يتفرد، بل توبع، وليس الأمر كذلك، فإن هذه متابعة صورية، لا حقيقة لها.
فمتابعة السارق؛ لا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكد التهمة عليه، وأنه إنما أخذ حديث غيره، فرواه؛ مدعياً سماعه (1) .
وهذا؛ والأصل في السارق أنه متهم؛ لادعائه سماع ما لم يسمع، لكن؛ قد يقع من بعض الثقات وبعض أهل الصدق ممن لا يُتهمون ـ ما صورته كصورة السرقة، لا عن قصد؛ بل عن خطأ، أو عن تساهل في استعمال ألفاظ الأداء في غير معناها الاصطلاحي.
فمثل هذه الروايات تعامل مثل السرقة، من حيث عدم الاعتداد بها في باب الاعتبار ودفع التفرد، غير أنه لا يثتهم في صدقه من وقع في مثل ذلك من أهل الصدق، بل يحمل ذلك على الخطأ أو التساهل.
وقد تقدمت أمثلة ذلك في " فصل: التدليس.. والسماع " (2) .
وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) ونقل أخونا على الحلبي في " نكته على النزهة " (ص 53-54) ، عن الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، أنه قال:
" إن من عمل بعض الكذابين: أن يسرق الحديث من غيره من أمثاله، وبطريق السرقة هذه تتعدد الطرق، وكلها في الحقيقة ترجع إلى طريق واحد، آفته ذلك الكذاب الأول؛ فتنبه لهذا؛ فإنه أمر دقيق ".
(2) وانظر: كتابي " لغة المحدث " (ص 71-72) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
مثال ذلك:
حديث: قزعة بن سويد، عن عاصم بن مخلد (1) ، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرض بين شعر بعد عشاء الآخر، لم تُقبل له صلاة تلك الليلة ".
أخرجه: أحمد (4/125) والطبراني (7/278) والبزار (2094 - كشف) والعقيلي (3/339) والبيهقي في " الشعب " (5089) وابن الجوزي في " الموضوعات " (1/261) .
وقال البزار:
" لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه، وعاصم لا نعلم روى عنه إلا قزعة، وقزعة ليس به بأس، ولكن ليس بالقوي … ".
وقال العقيلي:
" لا يتابع عاصم عليه، ولا يُعرف إلا به ".
وقال ابن الجوزي:
" هذا حديث موضوع.. وعاصم في عداد المجهولين ".
ثم نقل قول أحمد وابن حبان في تضعيف قزعة.
وقد تُوبع عاصم على هذا الحديث؛ إلا أنها متابعة واهية، لا يعتد بها.--------------------------------------------
(1) وفي بعض الروايات " أبو عاصم " وفي بعضها: " أبو عاصم الأحول ". انظر كتاب " المنتخب من علل الخلال " (رقم: 45) بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
قال البيهقي:
" وكذلك رواه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعث ".
ووصله: البغوي في " الجعديات " (3492) (1) .
قلت: وعبد القدوس هذا متروك، فلا تنفع متابعته.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (2) .
"لكن عاصماً أصلح من عبد القدوس بن حبيب، فكأن عبد القدوس سرقه منه".
قلت: وهذا هو التحقيق، أن متابعة عبد القدوس راجعة إلى رواية عاصم، فيبقى عاصم متفرداً بالحديث، ويبقى إعلال الأئمة السابقين في موضعه.
لكن؛ خالف ذلك الحافظ ابن حجر في موضع آخر، فتعقب الإمام ابن الجوزي حكمه على هذا الحديث بالوضع، فقال في "القول المسدد" (3) :
"ليس في شيء من هذا ما يقضي على هذا الحديث بالوضع؛ إلا أن يكون استنكر عدم القبول من أجل فعل المباح؛ لأن قرض الشعر مباح، فكيف يعاقب فاعله بأن لا تقبل له صلاة؟ ! فلو علل بهذا لكان أليق به من تعليله بعاصم وقزعة؛ لأن عاصماً ما هو من المجهولين، كما قال؛ بل--------------------------------------------
(1) وهي في " الميزان " (2/643) عن " الجعديات ".
(2) "التعجيل" (ص204) .
(3) "القول المسدد" (ص75-76) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
ذكره ابن حبان في "الثقات". وأما كونه تفرد برواية هذا عن أبي الأشعت، فليس كذلك؛ فقد تابعه عليه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعت، رويناه في "الجعديات" عن أبي القاسم البغوي …
ولكن عبد القدوس ضعيف جداً؛ كذبه ابن المبارك، فكأن العقيلي لم يعتد بمتابعته ".
ثم أخذ يدافع عن قزعة، وانتهى إلى " أن حديثه في مرتبة الحسن ".
قلت: وعلى هذا التعقب مؤاخذات:
فإنه لو سلم للحافظ ـ عليه رحمة الله ـ ما قاله، لما سَلِم له دفاعه عن الحديث، والعجب أنه سلم في أول كلامه بأن متنه منكر، فما العجب إذن في الحكم بالوضع على حديث منكر المتن (1) ؟!
ولو سلمنا له كلامه في قزعة، وتجاوزنا عما فيه من تساهل واضح؛ فإننا لا نسلم له أبداً ما قاله في دفاعه عن عاصم.
فقوله: " ما هو من المجهولين "، اعتماداً على ذكر ابن حبان له في " الثقات "؛ في غاية العجب! فإن ذكر ابن حبان لمثل هذا الراوي في " ثقاته "، إن لم يؤكد جهالته، فهو لا يرفعها؛ لما عُرف من قاعدته في توثيق المجاهيل، والحافظ ابن حجر من أعلم الناس بذلك.
وأما متابعة عبد القدوس؛ فقد سبق ما فيها، فهي متابعة وجودها كالعدم.
على أن عاصماً رغم أنه تفرد به عن أبي الأشعث، إلا أنه قد خولف أيضاً؛ خالفه من هو أولى منه
بطبقات؛ في موضعين:--------------------------------------------
(1) انظر مقدمة " الفوائد المجموعة " للشيخ المعلمي (ص 7-9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
الأول: في اسم صحابيِّه.
الثاني: في رفعه.
فقد قال ابن أبي حاتم في " العلل " (1) :
" سألت أبي، وذكر حديثاً رواه موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن الوليد بن سليمان، عن أبي الأشعث، عن عبد الله بن عمرو ـ يرفعه ـ (فذكره) ؟
قال أبي: هذا خطأ؛ الناس يروون هذا الحديث، لا يرفعونه؛ يقولون: عن عبد الله بن عمرو فقط.
قلت: الغلط ممن هو؟
قال: من موسى؛ لا أدري من أين جاء بهذا مرفوعاً " اهـ.
قلت: فقد خالف الوليد بن سليمان ـ وهو: ابن أبي السائب القرشي ـ، وهو ثقة، في رواية الناس
عنه، خالف عاصماً في جعله الحديث من مسند " عبد الله بن عمرو "، بدلاً من " شداد بن أوس "، وأيضاً في رفعه؛ حيث أوقفه هو ـ على ما رجح أبو حاتم.
والعجب من الحافظ بن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ حيث ساق كلام أبي حاتم هذا، ولم يستفد منه، ولم يعل الحديث بما يقتضيه هذا الوجه (2) .
وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) " العلل " (2285) .
(2) وانظر: " الضعيفة " (2428) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
مثال آخر:
حديث: مصعب بن سلام، عن شعبة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لزوجها " متعها "، قال: لا أجد ما أمتعها. قال
" فإنه لابد من المتاع "، قال: " متعها؛ ولو نصف صاع من تمر ".
أخرجه: البيهقي (7/257) من طريق علي بن عبد الصمد، عن الوليد بن شجاع السكوني، عن مصعب، به.
ورواه: الخطيب أيضاً (3/71 - 72) من طريق أبي الفتح الأزدي ـ الإمام المعروف ـ، عن محمد بن علي بن سُهيل الحصيب، عن الوليد، به.
وقال الأزدي:
" لم يكن هذا الشيخ ـ يعين: الحصيب ـ مرضياً؛ سرقه، هو عند علي بن أحمد النضر؛ وأصله عن شعبة باطل، إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
وقد تعقب الأزدي الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، في " السلسلة الصحيحة " (1) ، فقال:
" كذا قال الأزدي، وهو مردود بمتابعة علي بن عبد الصمد الثقة لمحمد بن علي بن سهيل الحصيب؛ فانتفت شبهة سرقته، واندفع إعلال--------------------------------------------
(1) " الصحيحة " (2281) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
الأزدي إياه بالسرقة، ولاسيما والأزدي نفسه متكلم فيه، على حفظه ".
قلت: وفي هذا التعقيب نظر؛ من وجوه:
الأول: أن رواية الحصيب، إنما جاءت من طريق الأزدي؛ فالحصيب يرويها عن الأزدي، عنه، فإذا كان الأزدي " مُتكلماً فيه " فكيف يُعتمد على روايته؛ لإثبات متابعة الحصيب لعلي بن عبد الصمد؟
وإذا رُد نقد الأزدي للرواية لكونه " مُتكلماً فيه "، فمن باب أولى أن تُرد روايته، فلا يُعتمد عليها في إثبات تلك المتابعة.
الثاني: دفع اتهام الأزدي للحصيب بسرقة هذا الحديث، بمجرد متابعة على بن عبد الصمد الثقة له، لا يستقيم؛ لما ذكرناه سابقاً من أن المتابعة لا تنفع السارق، ولا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكدها.
والأزدي نفسه يعلم أنه لم يتفرد، فقد ذكر في كلامه أن الحديث عند علي بن أحمد بن النضر (1) ، ومع ذلك اتهم الحصيب بسرقته، فكأنه يرى أنه سمعه منه، ثم ادعى سماعه من الوليد.
الثالث: أن الأزدي لا ينازع في صحة الرواية عن مصعب بن سلام؛ إنما ينازع في سماع بعض من دونه في الإسناد له من شيخه، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ نقد جزئي للرواية، أما أصل الرواية، فقد أعلها بما يقدح في أصل صحة الحديث، وذلك بقوله:
" وأصله عن شعبة باطل؛ إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
يعني: أنه مقلوب؛ قلبه مصعب بن سلام، فليس هو من حديث--------------------------------------------
(1) ضعفه الدارقطني؛ كما في " تاريخ بغداد " (11/316) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
شعبة، بل من حديث الحسن بن عمارة المتروك، وهذا يقدح في الحديث من أصله.
ولا يقال: إن هذا زعم، لا يقوم على دليل.
لأن مصعب بن سلام معروف بهذا النوع من القلب في الأسانيد.
قال الإمام أحمد (1) :
" انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم ابن أبي شيبة مرة، فجعل يذاكر عنه أحاديث شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة؛ انقلبت عليه أيضاً ".
وقال ابن معين (2) :
" صدوق؛ كان هاهنا ـ يعني: ببغداد ـ، فأعطوه كتاباً للحسن بن عمارة، فحدث به عن شعبة، ثم رجع عنه ".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (3) :
" مصعب بن سلام؛ تركنا حديثه، وذلك أنه جعل يُملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة، حدثنا شعبة! فذهبت إلى وكيع، فألقيتها عليه. قال: من حدثك بهذا؟ فقلت: شيخ هاهنا. قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة؛ فإذ الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة!! ".--------------------------------------------
(1) " العلل " لعبد الله بن أحمد (5317) .
(2) " سؤالات ابن الجنيد " (253) .
(3) " معرفة الرجال " لابن محرز (2/213) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
قلت: وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في قوله: " … وقدم ابن أبي شيبة مرة … ".
فأنت ترى؛ أن الأزدي، لم يتفرد بقوله: " أصله عن شعبة باطل، وإنما هو عن الحسن بن عمارة "، حيث إن هؤلاء الأئمة قد سبقوه إلى القول إجمالاً.
وأنظر: أمثلة من تلك الأحاديث التي انقلبت عليه، في ترجمته من " الضعفاء " للعقيلي (4/195)
و" الكامل " لابن عدي (6/2160) و " سؤالات أبي زرعة " للبرذعي (2/331 - 332) .
وبهذا؛ تدرك مدى تسامح الحافظ ابن حجر ـ عليه رحمة الله ـ في " التقريب "؛ حيث قال في مصعب بن سلام " صدوق له أوهام "؛ فإن هذا القول على ما فيه من تسامح واضح، غير موفٍ بحال الرجل؛ لأن خطأه من نوع خاص، فكان على الحافظ أن يبين هذا النوع من خطئه في عبارته، حتى يتجنب ما كان بسبيله.
هذا؛ ولو كان هذا الحديث من حديث شعبة؛ لعرف عند أصحابه الثقات ـ وما أكثرهم ـ؛ ولما تفرد به مصعب بن سلام عنه، مع ما عُلم من خفة ضبطه في الجملة، وفي تخليطه إذا روى عن شعبة خاصة.
وبالله التوفيق (1) .--------------------------------------------
(1) ومن الأمثلة أيضاً: حديث " أنا مدينة العلم وعلى بابها ".
وانظر: " الفوائد المجموعة " (ص 348 - 352) بتعليق المعلمي اليماني، وكذا " المجروحين " (2/151-152) و " سؤالات البرذعي " (2/519-520) .
وانظر: أمثلة أخرى في " الضعيفة " (583) (1334) (2271) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
المتابعة.. والتلقين
من عُرف بقبول التلقين، لا يصلح حديثه للاعتضاد، وإن كان قابل التلقين غير متهم، لأن الخلل الحاصل من قبوله التلقين، يفضي إلى طرح حديثه، وعدم اعتباره.
وذلك من وجهين:
الأول: أن قبول التلقين " مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقين، أنه قد يقال له: " أحدثك فلان عن فلان بكيت وكيت؟ " فيقول " نعم؛ حدثني فلان عن فلان بكيت وكيت "، مع أنه ليس لذلك أصل، وإنما تلقنه وتوهم أنه من حديثه، وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين، فيلقنونه فيتلقن، ويروي ما وضعوه " (1) .
وقال الحميدي عبد الله بن الزبير (2) :
" فإن قال قائل: فما الشيء الذي إذا ظهر لك في المحدث، أو من حدث عنه، لم يكن مقبولاً؟
قلنا: أن يكون في إسناده رجل غير رضا، بأمر يصح ذلك عليه، بكذب أو جرحة في نفسه، تُرد بمثلها الشهادة، أو غلطاً فاحشاً لا يشبه--------------------------------------------
(1) قاله: الشيخ المعلمي ـ عليه رحمة الله ـ في تعليقه على " الفوائد المجموعة " (ص 408) .
(2) " الجرح والتعديل " (1/1/33-34) و " الكفاية " (ص 233- 235) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
مثله، وما أشبه ذلك.
فإن قال: فما الغفلة التي تُردُ بها حديث الرجل الرضا، الذي لا يعرف بكذب؟
قلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك، فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو بغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف تصحيفاً فاحشاً، فيقلب المعنى، لا يعقل ذلك
فيكف عنه.
وكذلك؛ من لُقِّن فتلقن التلقين، يُرد حديثه الذي لُقن فيه، وأُخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا عُلم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديماً، فأما من عُرف به قديماً في جميع حديثه، فلا يُقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لُقن " اهـ.
الوجه الثاني: أن الملقِّن قد يجيء ذاك الشيخ بحديث يرويه غيره، ويلقنه إياه على أنه من حديثه هو، ويقول له: " حدثك فلان عن فلان بكيت وكيت "، فيقول " نعم "، فيرويه هو، أو يجيز غيره روايته عنه، وليس هو من حديثه، بل من حديث غيره، والواقع أن الحديث حديث غيره، وليس حديثه هو، فلا تنفع تلك المتابعة.
مثال ذلك:
حديث عبد الله بن معاوية الغاضري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يُعطي الهَرَمَة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره ".
يرويه: أبو داود في " السنن " (1582) ؛ قال:
" وقرأت في كتاب عبد الله بن سالم بحمص ـ عند آل عمرو بن الحارث الحمصي ـ: عن الزبيدي، قال: وأخبرني يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن معاوية الغاضري ـ عن (1) غاضرة قيس ـ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ـ فذكره.
فهذا الإسناد منقطع؛ لأن يحيى بن جابر لم يدرك جبير بن نفير، إنما يروي عن عبد الرحمن بن جبير
بن نفير، عنه.
لكن؛ جاءت رواية أخرى بإثبات " عبد الرحمن بن جبير بن نفير "، بينهما.
فقد رواه: إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ـ المعروف بـ " ابن زبريق " ـ، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن يحيى بن جابر الطائي، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، أن أباه حدث، أن عبد الله بن معاوية الغاضري حدثهم ـ فذكره.
أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " (3/1/31-32) والطبراني في " الكبير " ـ كما في " تحفة الأشراف " (7/171-172) ـ والفسوي في " المعرفة والتاريخ " (1/269) والبيهقي (4/95-96) .--------------------------------------------
(1) " عن " بمعنى " من " أو تكون مصحفة من " من "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)