وهذه الرواية؛ لا تصلح للاحتجاج بها لإثبات ذكر " عبد الرحمن بن جبير بن نفير " في الإسناد؛ فإن ابن زبريق هذا ضعيف؛ بل قال الذهبي في " الميزان " (1) في ترجمة " عمرو بن الحارث ":
" تفرد بالرواية عنه إسحاق ابن إبراهيم ـ زبريق ـ، ومولاة له اسمها علوة؛ فهو معروف العدالة، وابن زبريق ضعيف ".
قلت: وأبو داود؛ إنما رجع إلى كتاب عبد الله بن سالم، والكتاب أتقن، فكيف إذا كان المخالف ضعيفاً، وقد حدث من حفظه؟!
لكن؛ جاءت متابعة لعمرو بن الحارث على ذلك " عبد الرحمن بن جبير بن نفير " في الإسناد.
فقد رواه: أبو التقي عبد الحميد بن إبراهيم، عن عبد الله بن سالم ـ بمثله.
أخرجه: الطبراني في " الصغير (1/201) .
وقال الطبراني:
" لا يُروى هذا الحديث عن ابن معاوية إلا بهذا الإسناد، تفرد به الزبيدي، ولا نعرف لعبد الله بن معاوية الغاضري حديثاً مسنداً غير هذا ".
وهذه المتابعة لا تنفع؛ لأمرين:
الأول: أن أبا التقي هذا ضعيف جداً.
الثاني: أنها راجعة إلى رواية ابن زبريق.--------------------------------------------
(1) " الميزان " (3/251) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
فقد ذكر الأئمة أن تلك الأحاديث التي يرويها أبو التقي عن عبد الله بن سالم، إنما أخذها من كتاب ابن زبريق، وأنه لُقن إياها، ولم يكن يحفظ.
قال أبو حاتم الرازي:
" كان في بعض قرى حمص، لم أخرج إليه، وكان ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم الزبيدي، إلا أنها ذهبت كتبه، فقال: لا أحفظها، فأرادوا أن يعرضوا عليه، فقال: لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، ثم قدمتُ حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فإذا القوم يروون عنه هذا الكتاب، وقالوا: عُرض عليه كتاب ابن زبريق ولقنوه، فحدثهم بهذا، وليس هذا
عندي بشيء؛ رجل لا يحفظ، وليس عند كتاب!! ".
حكاه: ابن أبي حاتم عن أبيه في " الجرح والتعديل " (1) ، وحكى أيضاً نحوه عن محمد بن عوف الحمصي.
فهذا؛ يدل على أن متابعة أبي التقي راجعة إلى رواية ابن زبريق، فلا متابعة، وابن زبريق قد عرفت حاله وحال روايته.
وبهذا؛ لا يعتمد على الرواية الزائدة (2) .
لكن؛ قال المزي في ترجمة " يحيى بن جابر الطائي " (3) :--------------------------------------------
(1) " الجرح والتعديل " (3/1/8) .
(2) ولأبي التقي حديث آخر، شأنه كشأن هذا، واغتر بعض الأفاضل فأثبت المتابعة بمقتضى روايته. راجع: " صحيح ابن حبان " (6761) و " الصحيحة " (1163) .
(3) " تهذيب الكمال " (31/249) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
" روى عن جبير بن نفير، والصحيح: أن بينهما عبد الرحمن بن جبير بن نفير ".
قلت:وهذه عادة جماعة من متأخري المحدثين: إذا كان الحديث قد اختلف في إثبات زيادة رجل في إسناده وإسقاطه، وكان الحديث بإسقاطه منقطعاً، ذهب إلى ترجيح إثبات الزيادة؛ ليسلم الحديث من الانقطاع، أو لأن الزيادة حينئذ تكون بمنزل تفسير المبهم؛ حيث قد تحققنا من وجود واسطة، لم تُذكر في الرواية الناقصة.
وصنيع من تقدم من الحفاظ، يدل على خلاف ذلك، وأن ذلك ليس قاعدة مطردة، لاسيما مع اتحاد المخرج؛ فمع اتحاده يُلجأُ إلى الترجيح، لا إلى الجمع؛ فالتحقق من سقوط واسطة شيء، وتعيينها شيء آخر.
ومثل صنيع المزي في هذا الحديث؛ ما صنعه بعض أهل العلم في حديث: الزهري عن سهل بن سعد في
" الماء من الماء "؛ كما بينته في تعليقي على " فتح الباري " لابن رجب الحنبلي (1/381) .
ومثله أيضاً؛ ما صنعه الإمام العلائي في حديث: ابن أبي ليلى، عن بلال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار "؛ فقد رواه بعضهم، فزاد " كعب بن عجرة " بين ابن أبي ليلى وبلال، فقال العلائي (1) :
" هو الصحيح ".
وليس كذلك؛ بل الصحيح عدم ذكر أحد بينهما، وهذا ما ذهب إليه--------------------------------------------
(1) " جامع التحصيل " (ص 276) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
أبو حاتم وأبو زرعة وابن عمار الشهيد (1) ؛ فالحديث منقطع؛ لأن ابن أبي ليلى لم يلق بلالاً.
وقد يكون هذا التعيين المذكور في الرواية المزيدة من قِبَل بعد الرواة اجتهاداً منه؛ رأى أن ابن أبي ليلى إذا روى عن بلال فغالباً ما يكون بينهما " كعب بن عجرة "، فظن أن هذا من ذاك.
ولعل مما يقوي ذلك؛ أن بعضهم زاد بينهما " البراء " بدلاً من " كعب "، فكل زاد ما أداه إليه اجتهاده.
والله أعلم.
***
وقد يكون الراوي ثقة، ولا يعرف بقبول التلقين، إلا أن نقاد الحديث، قد يستظهرون في حديث بعينه، أنه مما أُدخل على ذلك الثقة، فظنه من حديثه، فحدث به، وما هو من حديثه.
مثال ذلك:
إشارة البخاري إلى إعلال حديث " الجمع بن الصلاتين "، بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يدخل الأحاديث على الشيوخ.
كما في " المعرفة " للحاكم (ص 120 -121) (2) .--------------------------------------------
(1) " علل الرازي " (12) ، " علل أحاديث مسلم " لابن عمار الشهيد (ص 62-66) .
(2) وراجع: مقدمة المعلمي على " الفوائد المجموعة " (ص 8) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
مثال آخر:
ما ذكره أبو حامد ابن الشرقي في حديث أبي الأزهر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري ـ الحديث في الفضائل.
قال ابن الشرقي:
" هذا باطل، والسبب فيه أن معمراً كان له ابن أخ رافضي، وكان معمر يمكنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث،وكان معمر مهيباً، لا يقدر أحد على مراجعته، فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر ".
ولم يوافق الذهبي على ذلك، كما في " سير الأعلام " (9/575 - 576) ، وإن كان هو يرى أن الحديث منكر ليس ببعيد عن الوضع، كما في " تلخيص المستدرك " (3/128) ، لكنه يحمل فيه على عبد الرزاق (1) .--------------------------------------------
(1) راجع: ما تقدم في " فصل المنكر.. أبداً منكر "، حول هذا الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
المتابعة.. والتقليد
وقد يروى الثقة حديثاً على الاستقامة والإصابة، فيخالفه فيه من هو أثبت منه وأتقن في الجملة، إلا أن هذا الأتقن أخطأ في هذا الحديث بعينه، فيترك ذاك الثقة ما عنده من الصواب، إلى ما عند غيره من الخطأ، تقليداً منه له، ظناً منه أنه الصواب، فيظهر وكأن هذين الثقتين قد تتابعا على الرواية، فيستبعد ما مثلهما أن يتفقا على الخطأ، وليس الأمر كذلك؛ بل رواية أحدهما راجعة إلى رواية الآخر، فلا متابعة، ولا تعدد.
مثال ذلك:
ما رواه: شعبة وأبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير عن عائشة، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوعية ـ الحديث.
قال أبو حاتم الرازي (1) :
" كان شعبة يخطئ في اسم " خالد بن علقمة "، وكان أبو عوانة يقول: " خالد بن علقمة "، فقال شعبة: لم يكن بـ " خالد بن علقمة "، وإنما هو: " مالك بن عرفطة "، فلقنه الخطأ، وترك الصواب، وتلقن [ما] قال شعبة؛ لم يجسر أن يخالفه ".
وقد اتفق علماء الحديث على أن شعبة ـ وكذا من تابعه ـ قد أخطأ--------------------------------------------
(1) " علل الحديث " (1563) .
وراجع: " تهذيب الكمال " (8/135-137) مع هامش محققه.
و" الكامل " (3/1153) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
في اسم هذا الراوي، وأن الصواب في اسمه " خالد بن علقمة ".
مثال آخر:
حديث: يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين ـ رجل من بني عقيل ـ، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة، ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها، فلا يحدث بها إلا حبيباً، أو لبيباً ".
فقد اختلف الرواة في اسم والد وكيع هذا:
فقال شعبة وهشيم: " وكيع بن عدس "؛ بالعين المهملة.
وقال حماد بن سلمة وسفيان: " وكيع بن حدس " بالحاء المهملة.
وجاء عن أبي عوانة الوجهان.
قال الإمام أحمد:
" أرى الصواب ما قال حماد وأبو عوانة وسفيان، وكان الخطأ عند ما قال هشيم وشعبة. وقال: هشيم كان يُتابع شعبة ".
وقال أيضاً " هشيم يقول: " عدس " يتبع شعبة، وكان كثيراً ما يتبعه ".
وكذلك قال غير واحد من الأئمة (1) .
مثال آخر:
روى: شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت--------------------------------------------
(1) راجع: " المنتخب من علل الخلال " (175) بتحقيقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلاً من الأزد، يُقال له: مالك بن بحينة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يُصلي ركعتين ـ الحديث.
قال الحافظ ابن حجر (1) :
" قوله: " يُقال له مالك بن بحينة "، هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي،وتابعه على ذلك: أبو عوانة وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى بن معين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود،
وآخرون عليهم بالوهم فيه من موضعين: أحدهما: أن بحينة والدة عبد الله، لا مالك.، وثانيهما: أن الصحبة والرواية لعبد الله، لا لمالك ".
وهكذا؛ قال ابن رجب الحنبلي في " شرح البخاري " (2) له، وحكى توهيمهم في ذلك أيضاً عن أبي زرعة، والترمذي، والبيهقي، وغيرهم.
***
وبعض الرواة كان يتساهل في تحمل الحديث، يجلس في مجلس السماع، لا يكتب ولا يحفظ، ثم بعد انقضاء المجلس يأخذ كتاب غيره فيروي منه، متكلاً على سماع غيره، معتمداً على كتابه.
وبطبيعة الحال؛ فإنه إذا كان ذلك الغير قد أخطأ في حديث ما، فإنه صادف موافقة ذلك المتساهل له فيه، فيظهر وكأنهما قد اتفقا على ذلك--------------------------------------------
(1) في " الفتح " (2/149) .
(2) " فتح الباري " له (4/69-70) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
الحديث، فيستبعد في مثله وقوع الخطأ؛ لاتفاق هذين عليه، وليس الأمر كذلك، بل رواية أحدهما راجعة إلى رواية الآخر (1) .
مثال ذلك:
روى: عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن عبد الله بن يزيد، قال: كنا وقوفاً بعرفات، فجاء ابن مربع، فقال: كونوا على مشاعركم ـ الحديث.
قال يعقوب الفسوي (2) :
" فذكرت ذلك لصدقة بن الفضل.
فقال: هذا من ابن المبارك؛ غَلِطَ فيه.
قلت له: فإن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعته من سفيان مثله؟
فقال صدقة: اتَّكَل على سماع غيره ".
قلت: والمحفوظ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية، عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ـ الحديث.
أخرجه: أبو داود (1919) والترمذي (883) والنسائي (5/255)--------------------------------------------
(1) انظر: " الكفاية " للخطيب (ص 237 - 238) .
(2) في " المعرفة " (2/210-211) . وانظر " الإصابة " (5/219) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
وابن ماجه (3011)
والفسوي (2/210) .
***
وبعض الرواة؛ كان يُمكن غيره من كتبه، فيزيد هذا الغير في كتابه ما ليس منه؛ ثم يحدث صاحب الكتاب بما في الكتاب من غير أن يميز بين حديثه وبين ما ليس من حديثه.
كما ذكروا ذلك في ترجمة: سفيان بن وكيع.
وبعضهم؛ كانت قد ضاعت كتبه؛ فصار يحدث من كتب غيره، فوقع التخليط في حديثه؛ إذ ليس باللازم أن يكون في كتابه كل ما في كتاب غيره.
وقد تقدم في " فصل: الشواهد.. وإسناد في إسناد "؛ قول الإمام أحمد في حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم "، وأن محمد بن عبد الله الأنصاري المتفرد به، كانت ذهبت كتبه، فكان بعد يحدث من كتب غلامه أبي حكيم، وأن هذا الحديث من ذاك.
وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)