وبذلك؛ جزم الشيخ أحمد شاكر ـ عليه رحمة الله تعالى ـ في تعليقه على "المحلى".
الثاني: أن الإمام أحمد، قد رواه في "المسند" (6/150-218) من طريق عفان بن مسلم، عن "حماد بن سلمة"، لا عن "ابن زيد".
وكذا؛ رواه: ابن عبد البر في "التمهيد" (6/368) .
وعفان بن مسلم، هو راويه عن حماد عند ابن الأعرابي وابن حزم؛ كما تقدم.
الثالث: أن حماد ابن زيد ليست له رواية عن قتادة أصلاً، ولم يذكروا ذلك في ترجمته، ولو كان يروي عنه، لما أغفلوا ذكره؛ فإنهما إمامان مشهوران ـ أعني: قتادة وحماد بن زيد ـ، فلو كان ابن زيد يروي عن قتادة لما أهملوا ذكر ذلك.
ثم أوقفني بعض … إخواني (1) على ما يؤكد هذا، ويقطع به:
وذلك؛ ما رواه المقدمي في "تاريخه" (1017) ، عن سليمان بن حرب، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: "كنت هيأت الصحف لقدوم قتادة من واسط، من عند خالد بن عبد الله القسري، لأكتب عنه، فمات بواسط، وذلك في سنة سبع عشرة ومائة".
قلت: وهذا من أدل دليل على أن حماد بن زيد لم يسمع عن قتادة، ولم يلتق به أصلاً.--------------------------------------------
(1) هو: أخي أبو يحيى الجزائري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
والحاصل؛ أن هذا الحديث حديث "حماد بن سلمة" وحده، وأن ما وقع في "المحلى" مما أوهم متابعة "حماد بن زيد" له؛ خطأ، لا وجه له من الصحة (1) .
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
حديث: حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس".
أخرجه:الترمذي (2887) والدارمي (2/456) .
ومقاتل بن حيان ثقة؛ لكن أعله الإمام أبو حاتم الرازي بعلة دقيقة:
فقال ابن أبي حاتم في "العلل" (2) :
"سألت أبي عن حديث رواه قُتَيبة بن سعيد وابن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل [قلت: لم ينسبه] ، عن قتادة ـ فذكره.
قال أبي: مقاتل هذا، هو: مقاتل بن سليمان؛ رأيت هذا الحديث في أول كتاب وضعه مقاتل بن سليمان، وهو حديث باطل، لا أصل له".
ومعنى هذا: أن مقاتلاً الذي في الإسناد، هو: ابن سليمان--------------------------------------------
(1) انظر: مثالاً شبيهاً بهذا في "غاية المرام" (46) ، وآخر في "الإرواء" (1382) للشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ وقد بينهما الشيخ، فجزاه الله خيراً.
(2) "علل الحديث" (1652) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
ـ الكذاب المعروف ـ، وليس هو: ابن حيان الثقة.
فلعل الحديث كان "عن مقاتل" غير منسوب، فأخطأ من نسبه، فقال "مقاتل بن حيان"، وإنما هو "ابن سليمان".
وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فقال (1) :
"هذا كلام موضوع".--------------------------------------------
(1) "المنتخب من علل الخلال" (50) بتحقيقي.
وراجع: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني (169) ، وكذا رسالة شيخنا محمد عمرو بن عبد اللطيف في تخريج هذا الحديث (ص9-19) .
وربما يكون الراوي منسوباً في الرواية، ثم يأتي من يذكره باسمه دون نسبه، فيُشتبه عليه أو على غيره براوٍ آخر يشترك معه في الاسم والطبقة.
كما وقع ذلك؛ في حديث رواه: أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (1/357) من طريق علي بن هاشم، عن إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر ـ مرفوعاً ـ: "لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام".
هكذا؛ وقع عنده: "إبراهيم ابن يزيد"؛ منسوباً؛ وهو الخوزي، وهو ضعيف جداً.
فنقل بعض الباحثين الإسناد من نفس الموضع، لكن اختصر نسب "إبراهيم" هذا، فقال: "عن إبراهيم"، ثم اشتبه عليه، فظن "إبراهيم بن طهمان" الثقة المعروف، فقال: "إبراهيم" هو: ابن طهمان، ثقة من رجال الشيخين!!
مع أنه؛ لو كان غير منسوب في الإسناد لكان تعينه بابن طهمان خطأ، لأن علي بن هاشم ـ وهو: ابن البريد ـ، لا يروي عن ابن طهمان، بل عن الخوزي.
وراجع "الصحيحة" للشيخ الألباني (817) .
وانظر أيضاً: مثالاً يصلح في هذا الفصل، في "الكامل" (2/649) ، وآخر في "علل الحديث" للرازي (1502) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
الشواهد.. والرواية بالمعنى
وتقع أيضاً الرواية بالمعنى في المتون، فقد يُحدِّث الراوي بالمتن لا بلفظه الذي تحمَّله به، بل بالمعنى الذي فهمه منه، وقد يختصره أيضاً، فيرويه بلفظ مختصر، يرى هو أنه يؤدي نفس المعنى الذي يؤديه لفظ الحديث المطوَّل، وليس كذلك، فقد يكون لفظه أعم أو أخص من لفظ الرواية.
فالذي لا يفطن لهذه العلة، ربما استدل بروايته على معنى، لا تساعده ولا تدل عليه الرواية الأصلية.
مثال ذلك:
حديث: عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله ـ وأشار بيده إلى الجانبين ـ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؛ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله".
أخرجه: مسلم (2/29-30) والبخاري في "جزء رفع اليدين" (38) والحميدي (896) وأحمد (5/86-88-102-107) وأبو داود (998) (999) والنسائي (3/4-61) وابن خزيمة (733) وابن حبان (1880) (1881) .
فهذا الحديث؛ واضح مبين مفسر، في أن الصحابة كانوا يرفعون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
أيديهم حالة السلام من الصلاة، ويشيرون بها إلى الجانبين، يريدون بذلك السلام على من عن الجانبين، فأنكر ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عنه.
لكن؛ جاءت رواية مختصرة لهذا الحديث، أُطلق فيها النهي عن رفع اليدين، ولم يقيَد فيها بحالة السلام، فاحتج بها بعض الكوفيين لمذهبهم في المنع من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
وهذه الرواية؛ هي رواية الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة".
أخرجه: مسلم (2/29) وأحمد (5/93-101-107) وأبو داود (912) (1000) والنسائي (3/4) وابن حبان (1878) (1879) .
فهذه؛ رواية مختصرة، فينبغي حملها على الرواية الأولى المفصلة، والمبينة أن هذا الرفع كان في التشهد والتسليم، وليس في الركوع أو الرفع منه.
ولهذا؛ قال ابن حبان في "الصحيح" (1) ، بعد أن خرج هذه الرواية المختصرة:
"ذِكْر الخبر المقتضي للفظة المختصرة، التي تقدم ذكرنا لها، بأن القوم إنما أُمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم، دون رفع اليدين عند الركوع".--------------------------------------------
(1) "الإحسان" (5/199) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
ثم روى الرواية المبينة، رواية ابن القبطية، عن جابر بن سمرة.
وقال البخاري في "جزئه" (1) :
"إنما كان هذا في التشهد، لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور، لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذهب إليه، لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضاً تكبيرات العيد؛ منهياً عنها؛ لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع".
مثال آخر:
حديث: يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن حارث بن جَزْء، قال: أنا أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة"، وأنا أول من حدَّث الناس بذلك.
رواه عن يزيد: الليث بن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، وعمرو ابن الحارث.
أخرجه: ابن ماجه (317) وأحمد (4/190) والطحاوي في "شرح المعاني" (4/232) .
ورواه: عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع (2) ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، به. …--------------------------------------------
(1) "جزء رفع اليدين" (ص124-125) .
(2) كذا؛ جاء اسم أبيه في "شرح العلل" لابن رجب (1/424) و"الثقات" (4/109) ، وجاء عند الطحاوي: "رافع". والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
فزاد في إسناده رجلاً.
أخرجه: الطحاوي (4/233) .
وانفرد بن لهيعة بروايته، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن حارث بن جزء، قال:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول مستقبل القبلة؛ وأنا أول من حدَّث الناس بذلك (1) .
فقلب متن الحديث ولفظه؛ وإنما لفظه المعروف هو ما رواه الجماعة، في النهي عن ذلك.
فقد يغتر البعض فيجعل الحديث، بهذا اللفظ المقلوب، شاهداً لأحاديث الرخصة في استقبال القبلة حال البول؛ بينما لفظ الحديث المعروف ينص على خلاف ذلك.
وقد أغرب جداً الهيثمي، حيث استدل بهذا اللفظ المقلوب على نسخ النهي عن استقبال القبلة حال البول، فقال في "مجمع الزوائد"، بعد أن ساقه بهذا اللفظ المقلوب:
"روى له ـ أي: لعبد الله بن حارث بن جزء ـ ابن ماجه، أنه أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك؛ وهذا يدل على النسخ"!!
وقد روى ابن لهيعة أيضاً، هذا المتن المقلوب بإسناد آخر، عن--------------------------------------------
(1) ذكره ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (1/424) ، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/205-206) لأحمد في "المسند"، ولو أجده فيه، ولا ذكره ابن حجر في "أطرافه" وإنما الذي في "المسند" (4/191) بهذا الإسناد باللفظ المعروف. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
صحابي آخر، وتفرد به أيضاً، وقد خطَّأه العلماء في ذلك.
رواه مرة، عن أبي الزبير، عن أبي قتادة الأنصاري، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول مستقبل القبلة.
أخرجه: الترمذي (10) ، وضعَّفه؛ وكذلك ضعَّفه ابن عبد البر في "التمهيد" (1/312) .
وهذا؛ يدل على اضطراب ابن لهيعة، وعدم ضبطه لإسناد الحديث ومتنه.
مثال آخر:
حديث: علي بن عياش، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.
أخرجه: أبو داود (192) والنسائي (108) .
فهذا الحديث؛ استُدل به على نسخ الوضوء مما مست النار، وجعله بعض من كتب في "الناسخ والمنسوخ" مثالاً على ما يعرف فيه النسخ بتنصيص الصحابي على كونه متأخراً.
وليس كذلك؛ فإن هذا الحديث مختصر من قصة طويلة، لا تدل على معنى النسخ.
قال الإمام أبو داود بعقبه:
"هذا اختصار من الحديث الأول".
يعني: الحديث الذي رواه قبله (191) من طريق الحجاج، عن ابن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
جريج، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قرَّبت للنبي صلى الله عليه وسلم خبزاً ولحماً، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ.
وبهذا أيضاً؛ أعله الإمام أبو حاتم الرازي؛ قال (1) :
"هذا حديث مضطرب المتن؛ إنما هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ولم يتوضأ؛ كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر؛ ويحتمل أن يكون شعيب حدَّث به من حفظه، فوهم فيه" (2) .
قلت: ووجه الاختصار:
أن قول شعيب في روايته: "آخر الأمرين"، ليس على معنى التراخي، فيكون الفعل المتأخر ناسخاً للمتقدم؛ وإنما معناه: آخر الفعلين في هذه الواقعة المعيَّنة: كان عمله الأول فيها أنه توضأ بعد أكله مما مست النار، وعمله الثاني أنه
صلى بعد أكله دون أن يتوضأ، وقد يكون إنما توضأ في الأولى للحدث لا للأكل، وعليه؛ فلا دلالة في الحديث على النسخ.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (3) ، شارحاً لإعلال أبي داود وغيره لهذا الحديث بالاختصار؛ قال:
"قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر هنا: الشأن والقصة، لا--------------------------------------------
(1) "علل الحديث" لابنه (168) .
(2) وكذلك؛ ذهب ابن حبان في "الصحيح" (3/417) إلى كونه مختصر.
(3) "فتح الباري" (1/311) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة، فأكل منها، ثم توضأ وصلى الظهر؛ ثم أكل منها، وصلى العصر ولم يتوضأ؛ فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن
الوضوء لصلاة الظهر كان عن حدث، لا بسبب الأكل من الشاة".
قلت: وقد جاءت رواية لهذا الحديث، تنص على أن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الظهر كان بسبب الحدث، إلا أن في إسنادها نظراً.
فقد رواه: أحمد في "المسند" (3/374-375) من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن عقيل، عن جابر، فذكره مطولاً، وفيه:
"فأُتي بغداء من خبز ولحم، قد صُنع له، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل القوم معه. قال: ثم بال، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للظهر، وتوضأ القوم معه. قال: ثم صلى بهم الظهر … " ـ وذكر الحديث.
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
قال البخاري (1) :
"طلحة بن يحيى؛ منكر الحديث؛ يروي عن عروة، عن عائشة ـ مرفوعاً ـ: "الغسل يوم الجمعة واجب"؛ والمعروف عن عروة وعمرة، عن عائشة: كان الناس عمال أنفسهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
فلعل طلحة بن يحيى هذا، فهم من قوله: "لو اغتسلتم" الوجوب، فرواه بلفظ: "واجب"، بحسب فهمه؛ وإلا فاللفظ الصحيح لا--------------------------------------------
(1) "الكامل" (4/1431) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
يدل على الوجوب (1) .
وروايتا عروة وعمرة؛ في "الصحيحين": البخاري (2/8) (3/74) ومسلم (3/3) ، وغيرهما (2)--------------------------------------------
(1) راجع: "فتح الباري" لابن رجب (5/413) .
(2) وانظر: مثالاً آخر في "الكفاية" للخطيب (ص260) ، وآخر في "جامع الترمذي" (1532) و " الإرواء " (2570) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
المتابعة.. وتصحيف الأسماء
أشد ما يكون التصحيف في الأعلام: أسماء، وكنى، وأنساباً، وألقاباً؛ وأثره كبير وخطير، حيث يؤدي في بعض الأحيان إلى الخلط بين الثقات والضعفاء، وأحياناً أخرى إلى إيهام تعدد رواة الحديث، بينما هو من رواية واحد فقط.
انظر ـ مثلاً:
"عبد الله بن عمر العمري"، و "عبيد الله بن عمر العمري"؛ هما أخوان ويشتركان في بعض الشيوخ والرواة، فإذا تصحف أحدهما على الآخر اشتد على الباحث، وصعب عليه إدراك الصواب إلا بعد البحث والتفتيش، وربما انطلى ذلك عليه، وظن أن الحديث محفوظ عنهما جميعاً، فإذا عرفت أن
الأول ضعيف والآخر ثقة، أدركت خطر هذا التصحيف.
وانظر ـ أيضاً:
"شعبة" و "سعيد"؛ فإنهما كثيراً ما يتصحف أحدهما بالآخر، وإذا رويا عن قتادة، فلأمر يزداد صعوبة، لأن قتادة يروي عنه "سعيد بن أبي عروبة" ـ وهو ثقة من كبار أصحاب قتادة ـ، ويروي عنه أيضاً " سعيد بن بشير" ـ وهو ضعيف، صاحب مناكير ـ، فإذا كان راوي الحديث عن قتادة هو "سعيد بن بشير"، ولم يُنسب، ثم تصحف إلى "شعبة" كان الخطر عظيماً، وإذا كان راويه عن قتادة هو "سعيد بن أبي عروبة"، فإن ابن أبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
عروبة قد اختلط في آخر حياته، فإذا تصحف
إلى "شعبة" لم يقِلَّ خطره عن خطر الأول.
وقد يغتر البعض بذلك، ويظن أن الحديث يرويه شعبة وسعيد كلاهما عن قتادة، وليس الأمر كذلك.
وإلى هذا المعنى أشار ابن حبان في مقدمة كتاب "المجروحين" له، فقال (1) :
"حتى إذا قال عبد الرزاق: "حدثنا عبيد الله عن نافع"، و "عبد الله عن نافع"؛ ميَّزوا حديث هذا من حديث ذاك؛ لأن أحدهما ثقة والآخر ضعيف.
فإن أُسقط من اسم "عبيد الله": "ياء"، علموا أنه ليس من حديث "عبد الله بن عمر"؛ وإذا زيد في اسم "عبد الله": "ياء"، قالوا: ليس هذا من حديث "عبيد الله بن عمر"، حتى خلصوا الصحيح من السقيم.
وإذا قال ابن أبي عدي: "حدثنا شعبة عن قتادة"، و "حدثنا سعيد عن قتادة"؛ فإذا التزق حرف الدال في بعض الكتب، حتى يصير "سعيد" "شعبة"، خلصوه، وقالوا: ليس هذا من حديث شعبة، إنما هو لسعيد.
وإن انفتح من "الهاء" فرجة، حتى صار "شعبة" "سعيداً" ميزوه، وقالوا: ليس هذا من حديث سعيد، هذا من حديث شعبة.
وإذا كان الحديث عند ابن أبي عدي ويزيد ابن زريع وغندر، عن سعيد وشعبة جميعاً، عن قتادة، ميزوه، حتى خلصوا ما عند يزيد بن--------------------------------------------
(1) "المجروحين" (1/58-60) .
ووقع في المطبوع بعض السقط، استدركته من أصل مخطوط عندي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
زريع، عن سعيد، عن قتادة، مما عند غندر من شعبة، عن قتادة؛ وفصلوا بين ما عند غندر، عن سعيد، عن قتادة، وبين ما عند يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قتادة.
لأن سعيد اختلط في آخر عمره، فليس حديث المتأخرين عنه بمستقيم، وشعبة إمام متقن، ما اختلط ولا تغير.
وإذا قال عبيد الله بن موسى: " حدثنا سفيان، عن منصور " (1) ، و " حدثنا شيبان، عن منصور "، ميزوا بين ما انفرد الثوري عن منصور، وبين ما انفرد شيبان عن منصور.
حتى إذا صَغُرَت " الفاء " من " سفيان " في الكتابة، واشتبهت بـ " شيبان " ميزوا، وقالوا: هذا من حديث سفيان، لا شيبان.
وإذا عَظُمَت " الياء من " شيبان "، حتى صار شبيهاً بـ " سفيان " قالوا: هذا من حديث شيبان، لا سفيان.
وميزوا بين ما روى عبيد الله بن موسى، " عن شيبان "، عن جابر (2) ،
وبين ما روى عن " سفيان " عن جابر؛ في أشباه هذا؛ يكثُر ذكره " اهـ.
هذا؛ وقد يُصحف الراوي الاسم، ثم بعد أن يصحفه ينسبه اجتهادا--------------------------------------------
(1) في المخطوط: " فراس " مكان " منصور " في المواضع كلها؛ وكلاهما يصلح في التمثيل، فكلاهما يروي عنهما سفيان وشيبان.
(2) " جابر "، هو الجعفي، وهو يروي عنه شيبان وسفيان جميعاً، وفي المطبوع مكانه: " معمر "، ومعمر هو ابن راشد وهو لا يروي عن شيبان، بل سفيان فقط.
أما قول المعلق على " المجروحين ": " إن صح ـ يعني: جابراً ـ، فهو أبو الشعثاء جابر بن زيد "، فليس بشيء؛ لأن أبا الشعثاء ليس من شيوخ سفيان ولا شيبان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
ً منه، فيقع في خطأين: التصحيف، والرواية بالمعنى.
وهاك بعض أمثلة التصحيف.
مثال ذلك:
قالت أبو يعلى الخليلي في " الإرشاد " (1) :
" سمعت أبا القاسم ابن ثابت الحافظ يقول: أملى علينا أبو الحسين ابن حرارة الحافظة بأرْدَبِيل حديثاً، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الواحد بن شريك البزار، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن سعيد بن يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه ".
وقال: " هذا حديث غريب من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن علقمة ".
قال: " فلما خرجت إلى الدِّيْنور، وعرضته على عمر بن سهل، فقال: ويحك! غلط شيخك ـ مع حفظه ـ، وشيخ شيخك، وإنما " يحيى ابن شعيب أبو اليسع "، وصحف من قال " يحيى بن سعيد ".
قال " فكتب ذلك إلى ابن حرارة، فقال " جزاك الله يا أبا جعفر عنا خيراً، ورجع إلى قوله " اهـ.
مثال آخر:
حديث لعاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: " عن واصل الأحدب "، فذكر الدارقطني، أنه من تصحيف السمع.--------------------------------------------
(1) " الإرشاد " (2/629) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
ذكر ابن الصلاح (1) ، ثم قال:
" ذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر، كأنه ذهب ـ والله أعلم ـ إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة، وإنما أخطأ فيه سَمْع من رواه ".
مثال آخر:
الحديث: الذي رواه الحاكم في " المعرفة " (ص 150 - 151) ، قال: حدثني عمرو بن جعفر البصري، قال: حدثنا عبدان، قال: حدثنا معمر بن سهل، قال: ثنا عامر بن مدرك، عن الحسن بن صالح، عن أُكيل، عن ابن أبي نُعْم، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين.
قال الحاكم:
" صحف الأهوازيون في " أكيل "، وإنما يرويه الحسن بن صالح عن " بكير " بن عامر البجلي، عن ابن أبي نُعْم، فكأن الراوي أخذه إملاءً؛ سمع بكيراً، فتوهمه أكيلاً ".
مثال آخر:
روى: سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن، ولا أبو بكر، ولا عمر يجهرون بـ " بسم الله الرحمن الرحيم ".
كذا؛ رواه غير واحد عن سفيان، وكذا هو في كتاب--------------------------------------------
(1) في " علوم الحديث " (ص 284) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
الأشجعي عن سفيان.
وخالفهم يحيى بن آدم، فرواه عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس.
ووهم فيه؛ إنما هو: " أبو نَعامة ".
قاله ـ: الإمام أحمد، وابن المديني، والدارقطني (1) .
وأبو نعامة، اسمه: قيس بن عباية، وأبو قلابة، اسمه: لاحق بن حميد.
مثال آخر:
قال ابن عدي في " الكامل " (4/1420) في ترجمة ضرار بن عمر الملطي:
حدثنا القاسم بن الليث بن مسرور: حدثنا عبد الله بن معاوية: حدثنا عبد العزيز بن مسلم ـ هو: القَسْمَليُ ـ، عن ضرار بن عمرو، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة منها ثمانون ".
قلت: وضرار بن عمر هذا؛ ضعيف، وابن عدي إنما ساق هذا الحديث في ترجمته مُنْكِرَاً عليه.
لكن؛ رواه أحمد في " المسند " (5/347 - 355) من طريق عفان بن--------------------------------------------
(1) انطر: " أطراف الغرائب " لابن طاهر (1358) و " شرح البخاري " لابن رجب (4/373) و " النكت على ابن الصلاح " لابن حجر (2/751 - 752) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
مسلم وعبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن أبي سنان، عن محارب، به.
وأبو سنان؛ هو ضرار بن مرة، وصرح به في الموضع الثاني.
وضرار بن مرة، غير ضرار بن عمرو، والأول ثقة، بينما الثاني ضعيف، كما سبق.
فقد يقال: لعل أحدهما تابع الآخر.
وهذا يقتضي رد إنكار ابن عدي للحديث على ابن عمرو الملطي.
وقد يُقال: لعل ابن عمرو إنما سرق الحديث من ابن مرة.
وعليه؛ يكون معنى إنكار ابن عدي، هو اتهام بان عمرو بسرقته، وليس إنكاراً لأصل الحديث.
وكل ذلك محتمل.
لكن؛ الظاهر: أن هذا خطأٌ من القسملي أو ممن هو دونه، فإن القسملي يروي عنهما جميعاً، فقد يكون أحد ممن دون القسملي صحف اسمه، فقال: " ابن عمرو " بدل " ابن مرة " ثم نسبه اجتهاداً،
فقال: " الملطي ".
والله أعلم.
ويؤكد أن الحديث حديث ابن مرة، وليس ابن عمرو: أن محمد بن فضيل رواه أيضاً عن ابن مرة، به.
أخرجه: الترمذي (2546)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
، وقال " حديث حسن ".
مثال آخر:
حديث: يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " البيعان بالخيار ".
قال أبو يعلى الخليلي (1) :
" هذا خطأ، وقع على يعلى بن عبيد، وهو ثقة متفق عليه، والصواب فيه: عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان، عنه، عن عبد الله بن دينار ".
مثال آخر:
حديث: يرويه أبو الأشعث ـ وهو: أحمد بن المقدام العجلي ـ، عن عبيد بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولاء لُحمة كلحمة النسب، لا يُباع ولا يُوهب ".
أخرجه: ابن عدي في ترجمة عبيد بن القاسم هذا من " الكامل " (5/1988) ، ثم قال:
" لا يرويه عن ابن أبي خالد غير عبيد ".
قلت: وعبيد بن القاسم؛ متروك الحديث.
لكن؛ ذكر ابن التركماني له متابعاً ثقة، فقال (2) : " وقد رُوي الحديث من وجه آخر، بسند رجاله ثقات؛ قال ابن جرير--------------------------------------------
(1) في " الإرشاد " (1/341) .
(2) في " الجوهر النقي " (10/294) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الطبري في " تهذيب الآثار ": حدثني موسى بن سهل الرملي: ثنا محمد ابن عيسى ـ يعني: الطباع ـ: ثنا عبثر بن القاسم، عن إسماعيل بن أبي خالد " ـ به.
و" عبثر بن القاسم " ثقة، لكنه مصحف، والصواب " عبيد بن القاسم "؛ كما عند ابن عدي، وقد صرح ابن عدي بأنه لم يروه غيره.
وقد بين ذلك الشيخ الألباني ـ حفظه الله تعالى ـ، فقال (1) :
" وقد تحرف اسم " عبيد " على البعض إلى " عبثر "، وعبثر هذا ثقة، وكذلك وثق رجاله ابن التركماني ـ كما رأيت ـ، وتبعه السيوطي في " الجامع الكبير " (1/ 383 / 1) ، والظن أنه هو الذي تصحف عليه ذلك التصحيف؛ فإن عبثر هذا، وإن كان من طبقة عبيد بن القاسم، ومشاركاً له في الرواية عن إسماعيل
بن أبي خالد، فإن الراوي عنه عند ابن جرير " محمد بن عيسى الطباع " ـ كما رأيت ـ، ولم يُذكر في جملة الرواة عن عبثر، وإنما عن عبيد، فتعين أنه هو ".
قلت ومما يؤكد هذا: أن الطبراني خرج الحديث في " الكبير "، وعنده: " عبيد بن القاسم ".
فقد ذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (4/231) ، وقال:
" رواه الطبراني، وفيه: عبيد بن القاسم، وهو كذاب ".
وكذلك؛ خرجه أبو نعيم في " معرفة الصحابة ".
وبهذا؛ تدرك خطأ الحافظ في " التلخيص " (2) ؛ حيث اغتر--------------------------------------------
(1) في " الإرواء " (6/113) .
(2) " التلخيص " (4/235)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)