الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
مدخل
…
الباب الخامس: في شروط المناظرة وآدابها وآفاتها
ملخصا من كتاب فاتحة العلوم1 لحجة الإسلام الغزالي، ولنقدم على ذكرهما مقدمة في بيان سبب إقبال الخلق على المناظرة.
اعلم2 أن الأعصار قد اختلفت في إقبال الخلق على أنواع العلوم، فالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون، وهم أئمة مستقلون بالفتوى، كانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا في وقائع نادرة، وكان الإسلام في زمانهم على طراوتهم3، ولم يكن لهم رغبة في العلم إلا لله تعالى، لا جرم4 كان اشتغالهم بمهمات الدين، ومراقبة القلب وملازمة التقوى، وطلب علم القرآن والحديث للعمل والهداية لا للرياء والرواية5، فأقبلوا على الله بكنه5 همتهم.
فلما انقضى عصرهم تولى الخلافة أقوام لا استقلال لهم بعلم الفتوى، واتسعت الولاية فاحتاجوا إلى القضاة والفقهاء المستقلين بالفتاوى والأقضية، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو على الطراز الأول في ملازمة صفو الدين من الشوائب، وكانوا إذا طُلبوا هربوا، فاضطر الخلفاء إلى إكرامهم والإلحاح في طلبهم.
فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء بذلك فأكبوا على طلب علم الفتاوى توصلا إلى نيل العز والجاه، وكثرت الرغبة في علم المذهب واتسع [بيداء--------------------------------------------
1 فاتحة العلوم للغزالي 107، وفيه: "الباب الخامس: في شروط المناظرة وآفاتها، وبيان سبب إقبال الخلق عليها".
2 فاتحة العلوم 107، والنقل منه حرفيا.
3 في فاتحة العلوم: "على طرواته"، وطري: غضٌّ بيِّن الطرواة.
4 الأصل في الرواية: السقاية، ثم استعملت في رواية الشعر والحديث؛ لأنها في كل منها يراد بها: حمل ما يُرْوى.
5 كنه كل شيء: قدره ونهايته وغايته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
العلم] 1 وأكب الناس عليه، ثم عرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أكرم2.
ولم يخل المكرَم3 عن ذل الطلب4، فأصبح المطلوب طالبا، والهارب الراهب راغبا، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دينه المعرضين عن السلاطين وولاياتهم وأموالهم، ومن فضل الله تعالى أنه لم يخل عصر منهم.
وقد كان أكثر الإقبال في ذلك العصر على علم الفتاوى والأقضية، وهو المسمى الآن بعلم المذهب، ثم نبعت طائفة المتكلمين من المعتزلة5 وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء من مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصب فيه، وأقبلوا على من اشتغل بذلك العلم، فأكب الناس على الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذب6 عن الدين والنضال عن السنة كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام.
ثم ظهر بعد ذلك من الصدورمن لم يستصوب7 الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة فأعرض عن المتكلمين، وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر في الفقه وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة--------------------------------------------
1 زيادة في فاتحة العلوم يقتضيها السياق، والبيداء: المفازة والفلاة الواسعة.
2 في فاتحة العلوم: "ومنهم من أنجح" والنجح والنجاح: الظفر بالشيء، وقد أنجح ونجح.
3 في فاتحة العلوم: "المنجح".
4 إلى هنا ينتهي النقل الحرفي من فاتحة العلوم.
5 المعتزلة: فرقة من المتكلمين يخالفون الجمهور من المسلمين ببعض المعتقدات، وسموا بذلك؛ لأن إمامهم واصل بن عطاء، اعتزل مجلس الحسن البصري، وجعل مجلسا له خاصا به، فقال الحسن: اعتزلنا واصلا.
6 الذب عن الشي: الدفع والمنع.
7 الصواب: ضد الخطأ، واستصوبه رآه صوابا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
والشافعي رضي الله عنهما خاصة، فترك الناس الكلام وانثالوا1 على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصة.
وزعموا أنهم إنما يفعلون ذلك لله تعالى، وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان مع أنهم كانوا يخالفون في جملة من الأحاديث، والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح أهم في مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل [الولاة و] 2 الصدور للتوسل إلى الصلات والولايات3، فلم يشتغلوا إلا بما يروج4 عندهم، ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهم لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ومناقضاتهم.
قال: فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدره الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة لا غير5. انتهى.
هذا ما كان في زمن الغزالي، وأما في عصرنا هذا فقد قصرت الهمم، وراج الجهل وذووه، فلا إكباب لمن ينتسب للعلم على شيء مما تقدم، ولكن ربما وقع بينهم مناظرات ومناقضات لائقة بحالهم، ونحن إنما اتبعنا--------------------------------------------
1 ثال: صب، وانثالوا: اجتمعوا وانصبوا من كل وجه.
2 زيادة من فاتحة العلوم.
3 في فاتحة العلوم: "إذ كان بهم التوسل إلى الإدرار، والصلات، والولايات" ودر اللبن: كثر وسال، ويقال في العطاء: الإدرار، والوصل: ضد الهجران، والصلة: الهبة أو الجائزة والعطية جمعها صلات، والولايات: جمع ولاية، وهي الإمارة.
4 راج الأمر يروج: نفق.
5 فاتحة العلوم 108-109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
الإمام الغزالي في ذكر أمرها تنبيها على شروطها وآفاتها لاحتمال وقوعها فليعلم.
قال الغزالي1 بعد ذكره الباعث على الإكباب على الخلاف والمناظرة المذكورة: فقل ما ترى رجلا يتعلم الخلاف خوفا من أن يقال له يوم القيامة: لم تتعلم الخلاف؟ وما من أحد إلا ويخاف أن يقال له يوم القيامة: لم لم تخلص في علمك وعملك؟ ولم راءيت الناس بطاعتك، يا فاجر ويا غاوي2 يا فاسق يا مرائي؟ كما ورد في الخبر أن المرائي ينادى بهذه الألقاب3، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب، فانظر الآن من يتعلم لخوف الآخرة ما أهم ما يشتغل به. انتهى.--------------------------------------------
1 فاتحة العلوم 109.
2 غاوٍ وغاوي: ضال.
3 فاتحة العلوم 109، انظر فتح القدير 1/ 41، وكشف القناع 6/ 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
الفصل الأول: في بيان شروط المناظرة 1:
اعلم أن المناظرة في أحكام الشرع من الدين أيضا، ولكن لها شروط ومحل ووقت.
فمن اشتغل بذلك في وقته ومحله وقام بشروطه فقد اقتدى بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم تشاوروا في مسائل، وبالسلف الصالحين كالشافعي ومحمد بن الحسن وغيرهما، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا إلا لله ولطلب ما هو حق عند الله تعالى2، وقد مر قول المذكورين وغيرهما في ذلك، وسيأتي ذكر نبذة يسيرة من عيون مناظرتهم آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، ولمن يناظر لله وفي الله علامات: الأولى: ألا يشتغل به من لم يتفرغ عن فرض العين؛ لأن غايته أنه فرض كفاية، فيكون كمن ترك الصلاة المفروضة، واشتغل بنسج الثياب ويقول: غرضي بذلك ستر عورة من يصلي، فيقال له: كذبت لو أردت ذلك لصليت أولا لنفسك، ثم نظرت إلى صلاة غيرك.
الثانية: ألا يرى فرض كفاية آخر أهم من المناظرة ويتركه، فإن المناظر طلب مآخذ الشرع لينال رتبة الاجتهاد، وهذا من فروض الكفايات، فإن رأى فرض كفاية معطلا لا قائم به فلا يشتغل بما قام به جماعة.
وعلم الأحاديث في هذا العصر من فروض الكفايات ولا قائم به وقد أشرف--------------------------------------------
1 فاتحة العلوم 110.
2 فاتحة العلوم 110.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
على الاندارس وهو أصل الدين، فمن يهمل ذلك ويزعم أنه يتعلم الخلاف لله فهو كمن ترك جماعة من الناس عطاشا مشرفين على الهلاك وهو قادر على أن يسقيهم ما يحييهم به فاشتغل بتعلم صناعة الحجامة، وفي الحجامين كثرة وزعم أن غرضه القيام بفرض الكفاية؛ إذ لو خلا البلد عن الحجامين لتعرضوا للهلاك.
ومن جملة فروض الكفاية التي لا قائم بها لا سيما الآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ومفروشا وهو لا ينكره، ويناظر في دباغ جلد الكلب والتوضي بنبيذ التمر ونحو ذلك مما لا يتفق قط، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الغيبة والإيحاش1 والإيذاء ما يعصي به القائل والمستمع ولا يلتفت قلبه إلى شيء من ذلك، ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى، فانظر هل كانت مشاورة الصحابة ومناظرة السلف من هذا الجنس؟
الثالثة: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله تعالى- حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، كذلك كانت مناظرة السلف، فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة صاحب مذهبه، فأي فائدة له في المناظرة وهو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه، ولو كانت مباحثته عن محل القولين والوجهين لكان أحرى وأنفع، فإنه ربما يفتي به، ولكن ميله إلى إظهار اتساع علمه في إفحام خصمه2 وإظهار ضعف كلامه.
الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، فما خاض الصحابة في المشاورة إلا بعد وقوع الواقعة لا قبله إلا في الفرائض لعلمهم بأن ذلك لا بد من وقوعه عن قرب، وقد مر النهي عن المسائل قبل وقوعها، ولا--------------------------------------------
1 احتوش القوم الصيد: نفَّره بعضهم على بعض، وانحاش منه: نفر منه، والإيحاش مصدر منه.
2 كلمه ففَحَمَ: لم يطق جوابا، وأفحمته: إذا أسكته، والإفحام مصدر منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
ترى المناظر يهتم بتمييز ما تعم به البلوى1 كطلاق السكران وتخليل الخمر وكون الخلع2 فسخا أو طلاقا عما لا تعم به من التوضي بنبيذ التمر، ودباغ جلد الكلب، وذكاة الحمار، ونحو ذلك.
الخامسة: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل3 والصدور4، فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى بصفاء الفكر، وفي حضور الخلق ما يحرك دواعي5 الرياء والحرص على الإفحام ولو بالباطل، وأنت تعلم كسلهم عن الجواب عن المسألة في الخلوة، وتنافسم في المسألة في المحفل.
السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد6 ضالة يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد غيره فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره إذا عرقه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه غيره عليها أنها في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره لا أنه يخجل ويسود وجهه ويربد لونه7، ويجتهد في مجاحدته8 ومدافعته جهده9.
فقد ردت امرأة على عمر رضي الله عنه وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال:--------------------------------------------
1 تعم به البلوى: يكثر قوعه.
2 الخلع: باب من أبواب الفقه الإسلامي، تابع لأحكام النكاح.
3 المحفل: مجتمع الناس، وجمعه: محافل.
4 كل ما واجهك فهو صدر، والصدر: الطائفة من كل شيء.
5 دواعي: جمع داع، وهو ما يدعو الإنسان إلى الشيء خيرا كان أو شرا.
6 نشد الضالة ينشدها: إذا طلبها وعرفها، فهو منشد.
7 اربدَّ وجهه وارمدَّ: إذا تغير.
8 الجحد: نقيض الإقرار كالإنكار، والمجاحدة: مفاعلة منه، تعني المشاكلة، أي: اشتراك الفريقين بالصفة.
9 فاتحة العلوم 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
صدقت، أصابت امرأة وأخطأ رجل1. ورد رجل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أصبتَ وأخطأتُ {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} 2.
وسئل أبو موسى الأشعري3 -وكان أمير الكوفة4- عن رجل قاتل عن سبيل الله فقتل فقال: هو في الجنة، وكان ابن مسعود رضي الله عنه حاضرا فقال: أعد على الأمير فلعله لم يفهمه، فأعاد الجواب فقال ابن مسعود: وأنا أقول: إن أصاب الحق فقتل فهو في الجنة، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر5 بين أظهركم6.
ولو اعتُرض الآن بمثل هذا على أقل فقيه لأنكر واستبعد وقال: هذا لا يحتاج إلى ذكره فإنه معلوم وإن لم يذكر، وما يجري هذا المجرى، والله أعلم.
السابعة: لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن سؤال إلى سؤال، بل يورد ما يحضره ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل هكذا كانت مناظرة أهل الدين، فأما قوله: هذا لا يلزمني وقد تركت كلامك الأول وليس لك ذلك، فهذا محض عناد، بل الرجوع إلى الحق أبدا يكون مناقضا للباطل فيجب قبوله، وأنت ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات--------------------------------------------
1 فاتحة العلوم 112.
2 فاتحة العلوم 113.
3 هو عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى، من بني الأشعر، من قحطان: صحابي، من الشجعان الولاة الفاتحين، ولد في زبيد باليمن، وقد مكة فأسلم، ثم سكن الكوفة، واستقر بها، حتى وافته المنية بها سنة 44هـ، وهو أحد الحكمين اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين، وكان أحسن الصحابة صوتا في قراءة القرآن. الإصابة ترجمة 4889، وغاية النهاية 1/ 442.
4 مدينة مشهورة من مدن العراق، لها تاريخ عريق، وحاضر مشرق، أسسها سعد بن أبي وقاص بعد معركة القادسية قرب الحيرة، أنجبت علماء ومحدثين ونحويين ولغويين، وكانت مع البصرة مركزا للثقافة العربية.
5 الحبر: العالم الكبير، وهو واحد الأحبار، وهو أيضا العالم الصالح، وهو مأخوذ من تحبير العلم وتحسينه.
6 فاتحة العلوم 113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
حتى يقيس المستدل على أصل فيطالب بعلته فيذكرها، فيطلب بالدليل على علة الأصل فيقول: هذا ما ظهر لي فإن ظهر لك ما هو أولى منه فاذكره، فيصر المعترض ويقول: أعرفه ولا أذكره ولا يلزمني ذكره، وينقضي المجلس في الإصرار1 على العناد، وقوله: أعرفه ولا يلزمني ذكره مع سؤال عنه كذب على الشرع، فإنه إن كان يعرف وقصده تعجيز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى.
وإن كان صادقا فقد فلق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه ليرجع إليه عند قوته، ويظهر له أمره ويخرجه عن ظلمة الجهل عند ضعفه، ولا خلاف أن إظهار ما علم من الدين واجب عند السؤال، ومن كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فانظر في مناظرات السلف هل سمعت فيها مثل ذلك؟ أو إنكارا على من انتقل من آية إلى خبر، ومن أثر إلى خبر، بل ذكر الله تعالى في مناظرة إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258] ، فانتقل إلى دليل آخر لما رأى الأول لا يدركه فهمه، والله أعلم.
الثامنة: أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول2 والأكابر خوفا من ظهور الحق على لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليه، ووراء هذه الشروط والآداب شروط وآداب دقيقة، ولكن في هذه الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله وإلى من يناظر لعلة.--------------------------------------------
1 أصر على الشيء: إذا لزم، وثبت عليه.
2 الفحل: الذكر من الشيء، وجمعه فحول، ويقال عن الذين غلبوا من الشعراء، أو سادوا من العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
واعلم أن من لا يناظر الشيطان، وهو على قلبه مُسْتَوْلٍ وقد شهد الله له بالعداوة، وأنه لا يزال يدعوه إلى هلاكه، ثم يناظر في مسائل للمخطئ فيها أجر واحد وللمصيب أجران، فهو ضحكة للشيطان، وعبرة للمخلصين، وذلك يشمت1 الشيطان به لما غمسه في ظلمات الآفات كما نعد ونفصلها.--------------------------------------------
1 الشماتة: الفرح ببلية العدو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق
مدخل
…
الفصل الثاني: في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق 1
اعلم أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام والمباهاة والتشوف لإظهار الفضل هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدوه إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب ونحوهما نسبة الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقتل وغير ذلك، وكما أن من خُير بين الشرب وبين سائر الفواحش فاختار الشرب استصغارا له، فدعاه ذلك إلى ارتكاب سائر الفواحش، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها.
فمنها: الحسد، قال صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"2، ولا ينفك المناظر منه فإنه تارة يغلب وتارة يُغلب وتارة يحمد في كلامه، وتارة يحمد كلام غيره، ولذلك قال ابن عباس3: خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم في بعض؛ فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة4.
ومنها: الكبر والترفع على الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" 5 أي: لا يدخل الكبر مع صاحبه إلى الجنة، ولا تنفك--------------------------------------------
1 فاتحة العلوم 115.
2 أخرجه ابن ماجه في سننه، من حديث أنس 2/ 4263، وقال البوصيري 260: وهو ضعيف.
3 فاتحة العلوم 115.
4 تغايرت الأشياء: اختلفت، والزريبة: حظيرة الغنم، وهي من خشب.
5 رواه مسلم في صحيحه 1/ 147، في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، والترمذي حديث رقم 1999، في كتاب البر والصلة، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور.
ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن غير حقود"1، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى.
ومنها: الغيبة2، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة3، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين4 والذم والتوهين5، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر.
ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره.
ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12] قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" 6، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات7 الأقران والخصوم.--------------------------------------------
1 قال في كشف الخفاء 2/ 293: "ذكره في الإحياء، قال مخرجه العراقي: لم أقف له على أصل".
وانظر أيضا تذكرة الموضوعات 14، والأسرار المرفوعة 985، وقول العراقي في تخريج الإحياء 1/ 46.
2 انظر كتاب: "رفع الريبة عما يجوز ولا يجوز من الغيبة" للإمام الشوكاني "بتحقيقنا"، ضمن رسائل سلفية.
3 طبقات الشافعية 4/ 62، وسبل السلام 4/ 76، وعون المعبود 14/ 16، ومواهب الجليل 1/ 99، وحواشي الشرواني 2/ 432.
4 التهجين: الهجنة من الكلام، وما يعيبك، وتهجين الأمر: تقبيحه.
5 الوهن: الضعف في الأمر، أو العمل، والتوهين: تكلف الضعف في ذاته، أو ادعاؤه في غيره.
6 رواه أبو داود رقم 488، وأبو يعلى رقم 1675، والطبراني في معجمه الكبير 1155، وانظر مجمع الزوائد 8/ 1314.
7 العثرة: الزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
المناظرة عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع فوق المقدار حتى إنهم ليتقاتلون على القرب من الصدور.
ومنها: الحقد، ولا تكاد تنفك المناظرة عنه لا سيما لمن حرك رأسه في كلام خصمه أو رجحه عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن غير حقود"1، وورد في ذم الحقد ما لا يخفى.
ومنها: الغيبة2، وقد شبهها الله تعالى بأكل الميتة3، ولا يزال المناظر مثابرا عليها، فإنه لا يخلو عن حكاية كلام صاحبه في معرض التهجين4 والذم والتوهين5، وربما يحرف كلامه فيكون كاذبا ملبسا، وقد يصرح باستجهاله واستحماقه، والغيبة أشد من الزنا كما ورد في الخبر.
ومنها: تزكية النفس، قال تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] ولا يخلو المناظر عن تزكية نفسه تصريحا أو تعريضا بنفي غيره وتهجين كلام غيره.
ومنها: التجسس وتتبع العورات، قال الله تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12] قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تتبعوا عورات المسلمين، فمن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" 6، ولا يخلو المناظر عن طلب عثرات7 الأقران والخصوم.--------------------------------------------
1 قال في كشف الخفاء 2/ 293: "ذكره في الإحياء، قال مخرجه العراقي: لم أقف له على أصل".
وانظر أيضا تذكرة الموضوعات 14، والأسرار المرفوعة 985، وقول العراقي في تخريج الإحياء 1/ 46.
2 انظر كتاب: "رفع الريبة عما يجوز ولا يجوز من الغيبة" للإمام الشوكاني "بتحقيقنا"، ضمن رسائل سلفية.
3 طبقات الشافعية 4/ 62، وسبل السلام 4/ 76، وعون المعبود 14/ 16، ومواهب الجليل 1/ 99، وحواشي الشرواني 2/ 432.
4 التهجين: الهجنة من الكلام، وما يعيبك، وتهجين الأمر: تقبيحه.
5 الوهن: الضعف في الأمر، أو العمل، والتوهين: تكلف الضعف في ذاته، أو ادعاؤه في غيره.
6 رواه أبو داود رقم 488، وأبو يعلى رقم 1675، والطبراني في معجمه الكبير 1155، وانظر مجمع الزوائد 8/ 1314.
7 العثرة: الزلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
الإعادة، هذا وقد سوى الله تعالى بين من افترى على الله كذبا، وبين من كذب بالحق لما جاءه، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] .
ومنها: الرياء وملاحظة الخلق واستمالة قلوبهم وصرف وجوههم، والرياء هو الداء العضال1.
فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة2، ويتولد منها من الرذائل بل من كل واحدة عشرة أخرى لا نطيل بذكرها وتفصيل آحادها، مثل الغضب والأنفة والبغضاء والطمع وحب المال والجاه، ليتمكن من الغلبة والمباهاة والأشر والبطر، وتعظيم الأغنياء والسلاطين، والتردد إليهم، والأخذ من حرامهم، واستحقار الناس، والفخر والخيلاء، ومغايظة3 الأقران بالتجمل بالخيول والمراكب والملابس المحظورة، والخوض فيما لا يعني، وكثرة الكلام، وخروج الخشية من القلب، واستيلاء الغفلة حتى في عباداته، واستغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة مع أنها لا تنفع في الآخرة، وتحسين العبارة، وتسجيع اللفظ، وحفظ النوادر للمباهاة، إلى غير ذلك، والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم، ولهم درجات شتى، واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ إذا كان قصده طلب القبول، وإقامة الجاه، ونيل العز والثروة، وهي لازمة للمشتغل بعلم المذهب والفتاوى إذا كان طلبه القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على الأقران، وهي لازمة لكل من يطلب العلم لغير وجه الله، فالعلم لا يهمل العالم بل يهلكه ويشقيه، أو يسعده ويقربه من الله ويدنيه.--------------------------------------------
1 داء عضال: شديد معي غالب، أو لا دواء له.
2 فاتحة العلوم 121.
3 المغايظة: الإغضاب، والغيظ: الغضب أو أشده، وقيل: سَوْرته وأوله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
فإن قلت: في المناظرة فائدتان:
إحداهما: ترغيب الناس في العلم؛ إذ لولا حب الرئاسة لاندرست العلوم، وفي سد بابها ما يفتر هذه الرغبة.
والأخرى: أن فيه تشحيذ1 الخاطر وتقوية النفس لدرك مأخذ الشرع.
فتقول: صدقت لم نذكر ذلك لسد باب المناظرة، بل ذكرنا شروطها وآفاتها ليحترز المناظر عن الآفات بعد مراعاة الشروط، ثم يستدر2 فوائدها من الرغبة في العلم لوجه الله لا للدنيا، نسأل الله العافية.
ولنختم الكلام في هذا الباب بذكر مناظرات نفيسة من عيون مناظرات السلف تكملة للفائدة وتبركا بأنفاسهم، حشرنا الله في زمرتهم، آمين.--------------------------------------------
1 شحذته: سقته، وتشحيذ الخاطر: دفعه.
2 استدر يستدر فوائدها: يطلب فوائدها، واستدرت الريح السحاب: استجلبته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
مناظرة بين الشافعي ومالك رضي الله عنهما 1:
وهي سبب إذن مالك له بالإفتاء وسنه أربع عشرة سنة.
نقل الدميري4 في حياة الحيوان2وغيره أن الشافعي كان جالسا بين يدي مالك فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القمري6 وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده عليَّ المشتري وقال: قمريك ما يصيح فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلقت امرأتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أو سكوته؟ فقال: لا، بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك--------------------------------------------
1 حياة الحيوان الكبرى 2/ 222-223.
2 القمري، جمعه قمر وقماري، والأنثى قُمرية، والذكر ساق حر، كنيته أو ذكرى، وأبو طلحة: طائر مشهور، وضرب من الحمام حسن الصوت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ 1 فقال: لأنك حدثتني عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن2 عن أم سلمة3 أن فاطمة بنت قيس4 قالت: يا رسول الله، إن أبا جهم5 ومعاوية6 خطباني، فقال: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبا جهنم كان يأكل وينام ويستريح، وقال: لا يضع عصاه عن عاتقه على المجاز7، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما، فتعجب مالك من احتجاجه وقال له: أفتِ فقد آن لك أن تفتي، فأفتى في ذلك السن رضي الله عنهما.--------------------------------------------
1 حياة الحيوان الكبرى 2/ 223.
2 هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من فقهاء المدينة السبعة الذين ذكرهم عبد الله بن المبارك، توفي سنة 104هـ. طبقات الفقهاء 1/ 44.
3 هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأوسية: من أخطب نساء العرب، ومن ذوات الشجاعة والإقدام، وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى للهجرة فبايعته وسمعت حديثه، وحضرت وقعة اليرموك، فكانت تسقي الظماء وتضمد جراح الجرحى، توفيت نحو سنة 30هـ. الأعلام 1/ 306.
4 فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية، أخت الضحاك بن قيس الأمير: صحابية، من المهاجرات الأول، كانت ذات جمال وعقل، ولها رواية للحديث، وفي بيتها اجتمع أهل الشورى لما قتل عمر، وتوفيت نحو سنة 50هـ. الإصابة 8/ 276، وتهذيب التهذيب 12/ 443.
5 هو أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، قيل في اسمه عامر، وقيل عبيد: صحابي، من مسلمة الفتح، كان من معمري قريش، ومن مشيختهم، واشترك في بناء الكعبة مرتين: في الجاهلية، وفي الإسلام، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان، وله خبر مع معاوية، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، وقالوا: إنه كان ضرابا للنساء، توفي نحو سنة 70هـ. وفيات الأعيان 2/ 535، والسير 2/ 556.
6 قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن الخاطب هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وهو الصواب، وقيل: إنه معاوية آخر، وهو غلط نبهت عليه لئلا يغتر به، وأوضحته في تهذيب الأسماء واللغات في ترجمة معاوية. شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 98.
7 الحديث رواه مسلم 1480، وانظر الموطأ 2/ 580 و581 في الطلاق، وأبو داود 2284 في الطلاق، والرسالة للشافعي فقرة 856، والسير 2/ 502 و557، وانظر الإصابة 6/ 239، و 7/ 61، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يضع عصاه عن عاتقه" فيه تاويلان مشهوران؛ أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح، والعاتق هو ما بين العنق إلى المنكب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن رضي الله عنهما 1:
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم2: حدثنا الشافعي قال: ذكرت لمحمد بن الحسن الدعاء في الصلاة فقال لي: لا يجوز أن يدعى في الصلاة إلا بما في القرآن وما أشبهه، قال: قلت له: فإن قال رجل: اللهم أطعمني قثاء وبصلا وعدسا وارزقني ذلك أو أخرجه لي من أرضي، أيجوز ذلك؟ قال: لا، قلت: فهذا في القرآن، فإن كنت إنما تجيز ما في القرآن خاصة فهذا فيه، وإن كنت تجيز غير ذلك فلم حظرت شيئا شيئا وأبحت شيئا؟ قال: فما تقول أنت؟ قلت: كل ما جاز للمرء أن يدعو به في غير صلاة فجائز أن يدعو به في الصلاة، بل أستحب ذلك؛ لأنه موضع يرجى سرعة الإجابة فيه، والصلاة القرآن والدعاء، والنهي عن الكلام في الصلاة هو كلام الآدميين بعضهم لبعض في غير أمر الصلاة، قال ابن السبكي3: في المناظرة رد على الشيخ أبي محمد في منعه الدعاء بجارية حسناء.--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 70-71، وآداب الشافعي ومناقبه للرازي ص162-164.
2 هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري: فقيه عصره، انتهت إليه الرياسة في العلم بمصر، كان مالكي المذهب، ولازم الإمام الشافعي، ثم رجع إلى مذهب الإمام مالك، وحمل في فتنة القول بخلق القرآن إلى بغداد، فلم يجب لما طلبوه، فرد إلى مصر وتوفي بها سنة 268هـ، وله كتب كثيرة. الوافي بالوافيات 3/ 338، والأعلام 6/ 223.
3 في طبقات الشافعية الكبرى 2/ 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
مناظرة بينهما أيضا وهي مشهورة 1:
وقد رويناها من طريق الحميدي وملخصها2: قال له محمد بن الحسن: ما تقول في رجل غضب من رجل ساجة فبنى عليها بناء أنفق فيه ألف دينار، ثم--------------------------------------------
1 في طبقات الشافعية الكبرى 2/ 141-143 و160-163.
2 انظر آداب الشافعي للرازي ص160-163، وطبقات الشافعي الكبرى 2/ 141-142.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
جاء صاحب الساجة أثبت بشاهدين عدلين أن هذا اغتصب هذه الساجة1 وبنى عليها هذا البناء، ما كنت تحكم؟ قال الشافعي: أقول لصاحب الساجة يجب أن تأخذ قيمتها، فإن رضي حكمت له بالقيمة، وإن أبى إلا ساجته قلعتها له ورددتها عليه، قال محمد: فما تقول في رجل اغتصب من رجل خيط إبريسم فخاط به بطنه، فجاء صاحب الخيط فأثبت بشهادة عدلين أن هذا اغتصب هذا الخيط أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ فقال الشافعي: لا، فقال محمد: الله أكبر تركت قولك، فقال الشافعي: لا تعجل أخبرني لو لم يغصب الساجة من أحد وأراد أن يقلع هذا البناء عنها أيباح له ذلك أم يحرم عليه؟ فقال محمد: بل يباح، فقال الشافعي: أفرأيت لو كان الخيط خيط نفسه فأراد أن ينتزعه من بطنه أمباح له ذلك أم محرم؟ فقال محمد: بل محرم، فقال الشافعي: فكيف تقيس مباحا على محرم؟ فقال محمد: أرأيت لو أدخل غاصب الساجة في سفينة ولجج في البحر أكنت تنزع اللوح من السفينة؟ فقال الشافعي: بل آمره أن يقرب سفينته إلى أقرب المراسي إليه ثم أنزع اللوح وأدفعه إلى صاحبه، فقال محمد: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" 2؟ قال الشافعي: هو أضر بنفسه لم يُضر به، ثم قال الشافعي: ما تقول في رجل اغتصب من رجل جارية فأولدها عشرة كلهم قد قرءوا القرآن وخطبوا على المنابر وحكموا بين المسلمين، فاثبت صاحب الجارية بشاهدين عدلين أن هذا اغتصبها منه، ناشدتك الله بماذا كنت تحكم؟ قال: أحكم بأن أولاده أرقاء لصاحب الجارية، فقال الشافعي: أيهما أعظم ضررا: أن تجعل أولاده أرقاء أو تقلع البناء عن الساجة؟--------------------------------------------
1 أي: شجرة عظيمة، والخشب من شجر الساج.
2 رواه أحمد في المسند 1/ 313، حديث رقم 2867، عن ابن عباس، وشرح سنن ابن ماجه 1/ 169، وشرح الزرقاني 4/ 149، وتفسير القرطبي 8/ 254.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)