مناظرة بين الشافعي وإسحاق بن راهويه 1 رضي الله عنهما 2:
روي عن إسحاق قال: كنا بمكة والشافعي بها، وأحمد بن حنبل أيضا بها، وكان أحمد يجالس الشافعي وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد: يا أبا يعقوب، لم لا تجالس هذا الرجل؟ فقلت: ما أصنع به وسنه قريب من سننا؟ كيف أترك ابن عيينة وسائر المشايخ لأجله؟ فقال: ويحك إن هذا يفوت وذلك لا يفوت3.
قال إسحاق: فذهبت إليه فتناظرنا في كراء بيوت أهل مكة، وكأن الشافعي تساهل في المناظرة، وأنا بالغت في التقرير، ولما فرغت من كلامي وكان معي رجل من أهل مرو فالتفت إليه وقلت: مردك هكذا مردك لا كمالي نيست، يقول بالفارسية: هذا الرجل ليس له كمال4، فقال لي: أتناظر؟ قلت: للمناظرة جئت، فقال الشافعي: قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [الحشر: 8] ، فنسب الديار إلى مالكها أو إلى غير مالكها؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة5: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" 6 فنسب الديار إلى أربابها أم إلى غير أربابها؟ واشترى عمر بن الخطاب--------------------------------------------
1 هو أبو يعقوب بن راهويه، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي: عالم خراسان في عصره، وهو أحد كبار الحفاظ، طاف البلاد لجمع الحديث، وأخذ عنه كبار رجال الحديث كالبخاري وطبقته، وكان ثقة في الحديث، وقال فيه الخطيب: اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، استوطن نيسابور وتوفي بها سنة 238هـ. تاريخ بغداد 6/ 345، وفيات الأعيان 1/ 199، والسير 11/ 358.
2 آداب الشافعي ومناقبه 177-181، وطبقات الشافعية الكبرى 2/ 89-90.
3 أي: إن هذا ليس بمقيم عندنا.
4 القائل بالفارسية إسحاق بن راهويه للرجل الذي هو من أهل مرو، هذا الرجل عن "الشافعي" ليس له كمال، فعلم بالشافعي أن إسحاق قال فيه سوءا.
5 في السنة الثامنة من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر كتاب الطبقات الكبير 1/ 124، السيرة النبوية 2/ 153.
6 صحيح مسلم 3/ 1407، وسنن البيهقي الكبرى 6/ 24، 9/ 118 وسنن الدارقطني 3/ 60، وسنن أبي داود 3/ 162، والسنن الكبرى 6/ 382، وتحفة المحتاج 2/ 512، والمغني 4/ 178، والأم 7/ 361.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
دارا للسجن من مالك أو من غير مالك؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ " 1 قال إسحاق: فقلت: الدليل على صحة قولي أن بعض التابعين قال به، فقال الشافعي لبعض الحاضرين: مَن هذا؟ فقيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم، قال إسحاق: فقلت: هكذا يزعمون، فقال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بعرك أذنيه، أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال عطاء وطاوس2 والحسن3 وإبراهيم4، وهل لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة؟ فقال إسحاق: اقرأ {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25] فقال الشافعي: هذا في المسجد خاصة، وفي رواية قال إسحاق: لما عرفت أني أفحمت قمت، ثم يحكي عن إسحاق أنه إذا ذكر الشافعي كان يأخذ لحيته بيده ويقول: واحيائي من محمد بن إدريس، يعني من هذه المناظرة، ولا سيما من قوله: مردك لا كمالي نيست5.--------------------------------------------
1 بداية المجتهد 1/ 292، والسيل الجرار 4/ 550، ونصب الراية 4/ 267، ومعجم البلدان 5/ 8، وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه 24/ 95.
2 هو أبو عبد الرحمن، طاوس بن كيسان الخولاني الهمذاني، بالولاء: من أكابر التابعين تفقها في الدين، ورواية للحديث، وتقشفا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، أصله من فارس، ومولده ومنشؤه في اليمن، توفي حاجا بالمزدلفة، أو بمنى سنة 106هـ. السير 5/ 38.
3 هو أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري: تابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبد الأمة في زمانه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، ولد في المدينة، وشب في كتف علي بن أبي طالب، ثم سكن البصرة وله مع الحجاج مواقف، وقد سلم من أذاه، توفي في البصرة سنة 110هـ. وفيات الأعيان 2/ 69، والسير 4/ 563.
4 هو أبو عمران النخعي، إبراهيم بن يزيد بن قيس: من أكابر التابعين صلاحا وصدقا وحفظا للحديث، من أهل الكوفة، قال فيه الصفدي: فقيه العراق، كان إماما مجتهدا له مذهب، وقال الأعمش: كان صيرفي الحديث، مات مختفيا من الحجاج 96هـ. وفيات الأعيان 1/ 25، والسير 4/ 520.
5 نسبة إلى "مالان"، وفي الأصل: "مالائي هست"، وهو مصحف كله على ما يظهر، وفي معجم الأدباء 17/ 293-298: "لا كما لانيست" نسبة إلى: "لا كمالان" وكل منهما قرية بمرو؛ ينسب أهلها إلى الغفلة؛ كما قال في معجم البلدان 5/ 8. و"مردك" تصغير "مرد"، وهو الرجل الصغير، أو الحقير كما في التاج 7/ 135.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
مناظرة بينهما أيضا 1:
روينا أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي -أحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد2 الله عن ابن عباس عن ميمونة3 أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بجلدها؟ قال إسحاق: حديث ابن عكيم4 كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب5 أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر6، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع، قال--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 91-92.
2 هو أبو عبد الله، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي: مفتي المدينة، وأحد الفقهاء السبعة فيها، من أعلام التابعين، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز، قال الواقدي: ثقة فقيه، كثير العلم والحديث، شاعر، وقال ابن سعد: كان ثقة عالما فقيها كثير الحديث والعلم بالشعر، له شعر جيد، وقد ذهب بصره، مات بالمدينة سنة 98هـ. وفيات الأعيان 3/ 115، والسير 4/ 475، وطبقات الحفاظ 42.
3 هي أم المؤمنين، ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية: آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر من مات من زوجاته، بايعت بمكة قبل الهجرة، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة 7هـ، وعاشت 80 سنة، وتوفيت في سرف قرب مكة، ودفنت به سنة 61هـ، وكانت صالحة فاضلة. الإصابة ترجمة 1026.
4 هو عبد الله بن عكيم الجهني: قيل: له صحبة، وقد أسلم بلا ريب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف أبي بكر الصديق، قال البخاري: أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح، وقد حدث عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وكان عثمانيا يحب عثمان بن عفان، وينتصر له، وقد توفي في ولاية الحجاج سنة 88هـ. السير 3/ 510، وتهذيب التهذيب 5/ 323.
5 الإهاب جمعه أُهُب وأهَب وأهِبَة: الجلد، أو ما لم يدبغ منه، والعصب جمعه أعصاب: أطناب منتشرة في الجسم كله، وبها تكون الحركة والحس.
6 أخرجه أبو داود 4127 و4128، والترمذي 1729، والنسائي 7/ 175، وابن سعد 6/ 113، وهو حديث ضعيف لاضطرابه كما ذكر غير واحد من أئمة الحديث، وقد بسط ذلك الزيلعي في نصب الراية 1/ 120، 122، وابن حجر في تلخيص الحبير 1/ 47-48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى1 وقيصر2 وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، قال السبكي بعد ذكره هذه المناظرة3: وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى الشافعي، فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع، قال: ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، وذلك أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع وإنما ظن ذلك ظنا لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء بل عضدها القرائن وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم جاءنا بالدعوة إلى ما في الكتاب، فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تشكيك على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع فلم يستحق عنده جوابا، وهذا شأن الخارج عن البحث عن الجدليين فإنه لا يقابل بغير السكوت، ورب سكوت أبلغ من نطق.--------------------------------------------
1، 2 حيث كانوا من ملوك الأرض آنذاك، انظر صحيح البخاري 3/ 1074، ومسلم 3/ 1397، وسنن الترمذي 5/ 68، وأحكام القرآن للجصاص 5/ 18، وكتاب التقرير والتحبير 2/ 373، والمغني 10/ 126، وشرح النووي على صحيح مسلم 12/ 112، وسنن البيهقي الكبرى 9/ 177 و179.
3 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
مناظرة بين الشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما 1:
حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة فقال له الشافعي: يا أحمد، ما تقول إنه يكفر؟ قال: نعم، قال: إذا كان كافرا فبِمَ يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه،--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
قال: يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بإسلامه بها، فانقطع أحمد وسكت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
مناظرة جرت بحرة الشافعي رضي الله عنه
…
مناظرة جرت بحضرة الشافعي رضي الله عنه 1:
حكي أن الفضل بن الربيع2 قال للشافعي: أحب أن أسمع مناظرتك مع الحسن بن زياد اللؤلؤي3، فقال الشافعي: ليس هو في هذا الحد، ولكني أحضر بعض أصحابي حتى يكلمه بحضرتك، ثم أحضر الشافعي رجلا كوفيا كان على مذهب أبي حنيفة، ثم صار من أهل مذهب الشافعي، فلما دخل اللؤلؤي قال الكوفي: إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض أقوالهم فأريد أن أسألك عنه، فقال اللؤلؤي: قل، فقال الكوفي: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟ فقال: صلاته فاسدة، فقال: ما حال طهارته؟ قال: طهارته باقية، قال: ما تقول: إن ضحك في صلاته؟ قال: يعيد الطهارة والصلاة، فقال الكوفي: قذف المحصنات في الصلاة أيسر من الضحك فيها؟ قال: فوثب اللؤلؤي وأخذ نعله ومضى وقال: وضعنا في هذا، فضحك الفضل بن الربيع، فقال الشافعي: ألم أقل لك إنه ليس في هذا الحد.--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 80.
2 هو أبو العباس، الفضل بن الربيع بن يونس: وزير أديب حازم، كان أبوه وزيرا للمنصور العباسي، واستحجبه المنصور لما ولَّى أباه الوزارة، ثم أصبح وزيرا للرشيد بعد نكبة البرامكة، ثم وزيرا للأمين، ولما ظفر المأمون بالخلافة استتر الفضل، ثم عفا عنه المأمون، وأهمله بقية حياته، وتوفي بطوس سنة 208هـ. تاريخ بغداد 12/ 343.
3 هو أبو علي، الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي: قاض، فقيه، من أصحاب أبي حنيفة أخذ عنه وسمع منه، وكان عالما بمذهبه بالرأي، نسبته إلى بيع اللؤلؤ، وهو من أهل الكوفة، نزل بغداد، وعلماء الحديث يطعنون في روايته، له مصنفات، وتوفي في سنة 204هـ. تاريخ بغداد 7/ 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
مناظرة جرت بحضرة الشافعي وأقام هو الحجة فيها:
حكي أن بشر المربسي1 دخل يوما على الشافعي وعنده رجل من أهل المدينة، وكان الشافعي عليلا متكئا مضطجعا، فناظر بشر المدني في إفراد الإقامة فقال: أجمعنا على أنه إذا ثنى الإقامة فقد أتى بالإقامة، واختلفنا في أنه إذا أفردها هل أتى بها؟ فيجب أن نأخذ بالمتفق ونترك المختلف قال: فتحير المدني، فاستوى الشافعي عند ذلك وقال: إن كان ما قلت صحيحا فقد لزمك أن تقول بالترجيع في الأذان؛ لأنا قد اتفقنا على أن الأذان مع الترجيع صحيح واختلفنا في صحته بدونه، فسكت بشر حتى ظهر للكل انقطاعه، ثم عاد الشافعي إلى اضطجاعه.--------------------------------------------
1 هو أبو عبد الرحمن، بشر بن غياث المربسي، العدوي، بالولاء: فقيه معتزلي عارف بالفلسفة ويُرمى بالزندقة، وهو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، وإليه نسبتها، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف، وقال برأي الجهمية، وأوذي في دولة هارون الرشيد، وقيل: كان أبوه يهوديا، وهو من أهل بغداد، ينسب إلى درب المريس فيها، توفي في سنة 218هـ. تاريخ بغداد 7/ 56.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريج وأبي بكر محمد بن داود رحمهم الله
…
مناظرة بين أبي العباس أحمد بن سريح 1 وأبي بكر محمد بن داود 2 رحمهما الله 3
حُكي أنهما اجتمعا، فاحتج ابن داود على أن أم الولد تُباع، قال: اجتمعنا على أنها إن كانت أمة تباع، فمن ادعى أن هذا الحكم يزول بولادتها، فعليه الدليل، فقال له ابن سريج: واجتمعنا أنها إن كانت حاملا لا تباع، فمن ادعى أنها تباع إذا انفصل الحمل فعليه الدليل فبهت أبو بكر.
مناظرة بينهما أيضا 4:
وهي من ألطف المناظرات، روينا عن أبي الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي5 قال: كان أبو بكر محمد بن داود وأبو العباس بن سريج إذا حصلا في مجلس القاضي أبي عمر -يعني محمد بن يوسف6- لم يجر بين اثنين--------------------------------------------
1 هو أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج البغدادي: فقيه الشافعية في عصره، وكان يلقب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وقام بنصرة المذهب الشافعي، فنشره في أكثر الآفاق، وكان حاضر الجواب، له مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظاهري، وله نظم حسن، وله نحو 400 مصنف، مولده ووفاته في بغداد سنة 306هـ. وفيات الأعيان 1/ 66، والسير 14/ 201.
2 هو أبو بكر، محمد بن داود بن علي الظاهري: أديب، مناظر، شاعر، قال الصفدي: الإمام بن الإمام، من أذكياء العالم، كان يلقب بعصفور الشوك؛ لنحافته وصفرة لونه، وهو ابن الإمام داود مقتولا سنة 297هـ. تاريخ بغداد 5/ 256، والوافي بالوفيات 3/ 58.
3 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 25.
4 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 26-27، وانظر أيضا تاريخ بغداد 5/ 260-263، والمنتظم 6/ 594-595، ووفيات الأعيان 4/ 260، والوافي بالوفيات 3/ 60-61.
5 هو أبو الحسن، عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي: الإمام العلامة، فقيه العراق، أبو الحسن عبد الله بن المحدث أحمد بن محمد المفلس البغدادي الداودي الظاهري، صاحب التصانيف كان من بحور العلم، وعنه انتشر مذهب الظاهرية في البلاد، توفي سنة 324. تاريخ بغداد 9/ 385، والسير 15/ 77.
6 هو أبو عمر، محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي، بالولاء: قاض، من العلماء بالحديث، ولد بالبصرة، وولي القضاء في بغداد، ثم نقل إلى قضاء الكرخ، وتقلد معه قضاء الشام والحرمين واليمن، وصنف مسندا كبيرا، قرأ أكثره على الناس، وكانوا يضربون المثل بعقله وحلمه، توفي في بغداد سنة 320هـ. تاريخ بغداد 3/ 401، والأعلام 7/ 148.
_________
1 هو أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج البغدادي: فقيه الشافعية في عصره، وكان يلقب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وقام بنصرة المذهب الشافعي، فنشره في أكثر الآفاق، وكان حاضر الجواب، له مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظاهري، وله نظم حسن، وله نحو 400 مصنف، مولده ووفاته في بغداد سنة 306هـ. وفيات الأعيان 1/ 66، والسير 14/ 201.
2 هو أبو بكر، محمد بن داود بن علي الظاهري: أديب، مناظر، شاعر، قال الصفدي: الإمام بن الإمام، من أذكياء العالم، كان يلقب بعصفور الشوك؛ لنحافته وصفرة لونه، وهو ابن الإمام داود مقتولا سنة 297هـ. تاريخ بغداد 5/ 256، والوافي بالوفيات 3/ 58.
3 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرا ما يتقدم أبا بكر إلى الحضور في المجلس، فتقدمه أبو بكر يوما فسأله حدث من الشافعيين عن العود الموجب للكفارة في الظهار1 ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانيا وهو مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل فشرع فيه، ودخل ابن سريج واستشرحهم ما جرى فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود أولا: يا أبا بكر، أعزك الله هذا قول مَن مِن المسلمين تقدمكم فيه؟ فاستشاط2 أبو بكر من ذلك وقال: أتقدر من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافا وهيهات أن يكونوا كذلك، فغضب ابن سريج وقال: أنت يا أبا بكر بكتاب الزهرة3 أمهر منك في هذه الطريقة، فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني؟ والله ما تحسن أن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أحد المناقب إذ كنت أقول فيه "من الطويل":
أكرر في روض المحاسن مقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما4
وينطق سرى عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم … فما إن أرى حبا صحيحا مسلما--------------------------------------------
1 حواشي الشرواني 8/ 186، ومغني المحتاج 3/ 357، والدراري المضيئة 1/ 280، والسير 13/ 110.
2 استشاط عليه: التهب غيظا.
3 هو كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني، وقد طبع في مجلدين بتحقيق د. إبراهيم السامرائي "مكتبة المنار - الأردن 1985".
4 الأبيات في تاريخ بغداد 5/ 262، ووفيات الأعيان 4/ 260، وسير أعلام النبلاء 13/ 111، وطبقات الشافعية الكبرى 3/ 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
فقال له ابن سريج: أوتفخر عليَّ بهذا القول وأنا الذي أقول "من الكامل":
ومساهر بالغنج من لحظاته … قد بت أمنعه لذيذ سناته1
صبا بحسن حديثه وعتابه … وأكرر اللحظات في درجاته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده … ولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود لأبي عمر: أيد الله القاضي قد أقر بالبيت على الحالة التي ذكرها وادَّعى البراءة مما توجه، فعليه إقامة البينة، فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقر إذا أقر إقرارا وناطه2 بصفة كان إقراره موكولا إلى صفته، فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة.--------------------------------------------
1 الأبيات في طبقات الشافعية الكبرى 3/ 27، ووفيات الأعيان 4/ 260 وسير أعلام النبلاء 13/ 111، وتاريخ بغداد 5/ 262.
2 أي: علقه، ووُصل به، وناط الشيء: اقتضبه برأيه من غير مشاورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
مناظرة بين إمام السنة الشيخ أبي الحسن الأشعري 1 وأبي علي الجبائي 2 في أن أسماء الله توقيفية 3:
دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يُسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأن العقل مشتق من العقال وهو المانع، والمنع في حق الله محال، فامتنع الإطلاق، قال الشيخ أبو الحسن: فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما؛ لأن هذا مشتق من حَكَمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة عن الجموح4، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت5 رضي الله عنه "من الوافر":
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء6
وقال الآخر "من الكامل":
أبني حنيفة حكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا7--------------------------------------------
1 أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري: مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين، ولد في البصرة، وتلقى مذهب المعتزلة، وتقدم فيهم، ثم رجع وجاهر بخلافهم، قيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب، وتوفي ببغداد سنة 324هـ. ابن خلكان 3/ 284، والأعلام 4/ 263.
2 هو أبو علي، محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي: من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبة الطائفة الجبائية، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، اشتهر في البصرة، ودفن في جبى "من قرى البصرة" سنة 303هـ. ابن خلكان 4/ 267، والأعلام 6/ 256.
3 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 356.
4 انظر اللسان والتاج "حكم".
5 هو أبو الوليد، حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري: الصحابي، شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وكان من سكان المدينة، وعمي قبيل وفاته، وكان شديد الهجاء، فحل الشعر، توفي في المدينة سنة 54هـ. الأغاني 4/ 134، نكت الهميان 134، والأعلام 2/ 175.
6 انظر ديوان حسان بن ثابت ص74، وطبقات الشافعية الكبرى 3/ 358.
7 البيت لجرير كما في ديوانه 1/ 466، وطبقات الشافعية الكبرى 3/ 358، والفائق 1/ 303.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم، فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم عليه سبحانه وتعالى، قال: فلم يحر جوابا إلا إنه قال: فلم منعت أنت أن يسمى الله عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله تعالى الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته، قال ابن السبكي1: وقع في هذه المناظرة في إنشاد البيت "حكموا" بالكاف، وهو المشهور في روايته، وكنت أجوز أن يكون "حلموا" باللام لمقابلته بالسفهاء، ثم رأيت في كتاب الكامل2 للمبرد3 رحمه الله، وهذا البيتان لجرير4 "من الكامل":
أبني حنيفة نهنهوا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا5
أبني حنيفة إنني إن أهجكم … أدع اليمامة لا تواري أرنبا--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 3/ 358.
2 الكامل للمبرد 2/ 914.
3 هو أبو العباس، محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، المعروف بالمبرد: إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، مولده ووفاته في بغداد سنة 286هـ. تاريخ بغداد 3/ 380.
4 هو أبو حزرة، جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم: أشعر أهل عصره، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه، ويساجلهم، وكان هجاء مرا، ولم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، ولد ومات في اليمامة سنة 110هـ. الأغاني 8/ 1، والأعلام 2/ 119.
5 ديوان جرير 1/ 466، وطبقات الشافعية الكبرى 2/ 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
مناظرة بينهما أيضا في الأصلح والتعليل 1:
سأل الشيخ رضي الله عنه أبا علي فقال: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي؟ فقال: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات2، والصبي من أهل النجاة، فقال الشيخ: فإذا أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا، يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها، قال الشيخ: فإن قال التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت الطاعات بعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك وأَمَتُّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الشيخ: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبائي.
ومناظرات الأصحاب وغيرهم في سائر العلوم لا تكاد تنحصر، وهذه النُّبذة التي اخترناها كافية في هذا المختصر.--------------------------------------------
1 طبقات الشافعية الكبرى 2/ 356.
2 جمع دركة: وهي الدرجة إذا اعتبرت النزول لا الصعود، ويقابلها الدرجة للصاعد، يقال: الجنة درجات، والنار دركات، وفي طبقات الشافعية: "من أهل الهلكات".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
الباب السادس: في الأدب مع الكتب التي هي آله العلم
وما يتعلق بتصحيحها وضبطها ووضعها وحملها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك 1:
وفيه مسائل2:
الأولى: ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها في العلوم النافعة ما أمكنه شراء3 أو إجارة أو عارية؛ لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وجمعها وكثرتها حظه من العلم، ونصيبه من الفهم، وقد أحسن القائل "من المتقارب":
إذا لم تكن حافظا واعيا
فجمعك الكتب لا ينفع4
وإن أمكنه تحصيلها شراء فلا يشتغل بنسخها5؛ لأن الاشتغال أهم من النسخ، ولا يرضى بالاستعارة مع إمكان تحصيله ملكا أو إجارة6.
الثانية: يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن ضرر منه بها، وكره عاريتها قوم، والأول هو الأصح المختار لها فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، روينا عن وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب7، وعن سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلي بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت فلا ينتفع به، أو تذهب كتبه8، وقال رجل لأبي العتاهية9:--------------------------------------------
1 انظر الباب والعنوان نفسه في كتاب: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة الكناني ص163-193.
2 في كتاب تذكرة السامع والمتكلم ص164: "وفيه أحد عشر نوعا".
3 كان المتقدمون لهم عادات متميزة في شراء الكتب، حيث كان يقال مثلا: لما صنف أبو نعيم كتابه الحلية، حمل هذا الكتاب في حياته إلى نيسابور، فاشتروه بأربعمائة دينار، ويقال: إن كتاب الأغاني اشتراه سيف الدولة من المؤلف بخمسمائة دينار أيضا.
4 البيت بلا نسبة في تذكرة السامع 164.
5 تذكرة السامع 165، علما بأن أكثر المتقدمين اشتغلوا كثيرا في الاستنساخ والكتابة حتى أفنوا أعمارهم في تحصيل الكتب، وأخذ الإحازات بسبب قلة أموالهم، وشدة توقانهم إلى العلم، وهم أشد عناية بالنسخ والمقابلة حتى ذهب نور أبصارهم، وتعبت خواطرهم، وتغيرت أحوالهم، وصاروا منارات للعلم يستضاء بها، ويهتدي بها السارون.
6 تذكرة السامع 167.
7 أدب الإملاء والاستملاء 175.
8 سير أعلام النبلاء 8/ 353، وقد نسب هذا القول لعبد الله بن المبارك، ومثله في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 510، لكنه نسبه لسفيان الثوري 1/ 370.
9 هو إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية: شاعر مكثر، سريع الخاطر في شعره إبداع، وهو يعد من مقدمي المولدين، من طبقة بشار وأبي نواس وأمثالهما، وكان جيد القول في الزهد والمديح وأكثر أنواع الشعر في عصره، نشأ في الكوفة وسكن بغداد، وبها توفي سنة 211هـ. الأغاني 4/ 1، وتاريخ بغداد 6/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
أعرني كتابك، فقال: إني أكره ذلك، فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره؟ فأعاره1. وكتب الشافعي إلى محمد بن الحسن رضي الله عنهما "مجزوء الرجز":
قولا لمن لم ترعيـ … ـنا من رآه مثله2
ومن كأن من رآ … هـ قد رأى من قبله
العلم ينهي أهله … أن يمنعوه أهله
لعله يبذله … لأهله لعله
وإذا استعار كتابا فلا يبطئ به من غير حاجة، وإذا طلبه المالك فيحرم عليه حبسه3، ويصير غاصبا له، وقد جاء في ذم الإبطاء برد الكتب المستعارة عن السلف أشياء كثيرة نظما ونثرا رويناها في كتاب الخطيب الجامع لأخلاق الراوي والسامع4، منها عن الزهري: إياك وغلول الكتب5، وهو حبسها عن أصحابها، قال الخطيب: وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها6.--------------------------------------------
1 أدب الإملاء والاستملاء 175.
2 طبقات الشافعية للإسنوي 1/ 14، ومناقب الشافعي 196، والمحمدون من الشعراء 138، طبعة دار اليمامة، وانظر أيضا تذكرة السامع والمتكلم ص168.
3 تذكرة السامع 168.
4 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 373.
5 أدب الإملاء والاستملاء 176.
6 الجامع لأخلاق الراوي 1/ 376، وانظر أدب الإملاء والاستملاء 177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
الثالثة: لا يجوز أن يصلح كتاب غيره بغير إذن صاحبه1.
قلت: وهذا محله في غير القرآن.
فإن كان مغلوطا أو ملحونا فليصلحه، غاية ما في الباب إن لم يكن خطه مناسبا، فليأمر من يكتب ذلك بخط حسن، ولا يحشيه ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، ولا يعيره غيره، ولا يودعه لغير ضرورة حيث يجوز شرعا، ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه، فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع الاحتياط2، وأنشد بعضهم "من الخفيف":
أيها المستعير مني كتابا … ارض لي فيه ما لنفسك ترضى3
وإذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه مفروشا على الأرض4، بل يجعله مرتفعا، وإذا وضع الكتب مصفوفة فلتكن على شيء مرتفع غير الأرض لئلا تندى فتبلى، ويراعى الأدب في وضعها باعتبار علومها، فيضع الأشرف أعلى الكل، فإن استوت كتب في فن فليراع شرف المصنف5 فيجعله أعلى، وليجعل المصحف الكريم أعلى الكل، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار ونحوه في حائط طاهر نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 169.
2 تذكرة السامع 169.
3 بعده في أدب الإملاء والاستملاء 176:
لا ترى رد ما أعرتك نفلا … وترى رد ما استعرتك فرضا
وانظر البيتين في الجامع لأخلاق الراوي 1/ 375، وقال ابن السمعاني عنهما: "هما لبعض أصحابنا".
4 تذكرة السامع 170.
5 تذكرة السامع 170-171.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
الصرف كالبخاري ومسلم، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم الفقه، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم النحو والتصريف، ثم أشعار العرب، ثم العروض وما في معناه ونحو ذلك، ولا يضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات القطع الصغير كي لا يكثر تساقطها، وينبغي أن يكتب اسم الكتاب1 عليه في حرف عرضه ويجعل رءوس الترجمة إلى مرد الجلد المقابل للسان لئلا تصير الكتابة معكوسة، ويراعى في صف الكتب حسن الوضع، بأن يجعل الحبكة في ناحية، والمجلد الآخر يجعل حبكته في الناحية الأخرى، فتكون الكتب قائمة بلا اعوجاج، وإلا فيتعوج الصف ضرورة؛ لأن جهة اللسان من كل كتاب أعلى من جهة الحبكة؛ لأن جهة الحبكة مضغوطة مقموطة، ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس وغيرها2، ولا مخدة، ولا مروحة، ولا مستندا، ولا متكئا، ولا مقتلة للبق، ولا يطوي حاشية الورقة وزاويتها كما يفعله كثير من الجهلة، وإذا ظفر فلا يكبس ظفره بحيث يهشم الورقة ولو3 مآلا، وإذا استعار4 كتابا فينبغي أن يتفقده عند إرادة أخذه ورده من ورقة محتاج إليها ونحوها، وإذا اشترى كتابا نظر أوله وآخره ووسطه وترتيب أبوابه وكراريسه واعتبر صحته، ومما يغلب على الظن في صحته ما أشار إليه الشافعي أن يرى فيه إلحاقا أو إصلاحا، فإنه شاهد له بالصحة، قال بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم، يريد إصلاحه5.
الرابعة: إذا نسخ شيئا من كتب العلم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة6 مستقبل القبلة، طاهر البدن والثياب والحبر والورق، ويبتدئ كل كتاب بكتابة: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان مصنفه تركها كتابة فليكتبها هو، ثم ليكتب--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 171.
2 تذكرة السامع 172.
3 تذكرة السامع 172.
4 تذكرة السامع 172، وهو النوع الرابع عند ابن جماعة.
5 تذكرة السامع 173.
6 تذكرة السامع 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
قال الشيخ، أو قال المصنف، ثم يشرع في كتابة ما صنفه المصنف، وإذا فرغ من كتابة الكتاب أو الجزء فليختم الكتابة بالحمدلة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليختم بقوله: آخر الجزء الأول أو الثاني مثلا ويتلوه كذا وكذا1 إن لم يكن أكمل الكتاب، فإن أكمله فليقل: تم الكتاب الفلاني، ففي ذلك فوائد كثيرة، وكلما كتب اسم الله تعالى أتبعه بالتعظيم مثل: تعالى، أو سبحانه، أو عز وجل، أو تقدس، أو تبارك، ويتلفظ بذلك، وكلما كتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم كتب بعده الصلاة عليه والسلام2، وجرت عادة السلف والخلف بكتابة صلى الله عليه وسلم3، ولعل ذلك لموافقة الأمر في الكتاب العزيز في قوله4: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} [الأحزاب: 56] ، ولا يختصر الصلاة في الكتابة، ولا يسأم من تكريرها كما يفعله بعض المحرومين من كتابة: صلعم أو صلع أو صلم أو صم أو صلسلم، فإن ذلك مكروه5 كما قال العراقي ويقال: إن أول من كتب صلعم قطعت يده6، واعلم أن أجر كتابة الصلاة بكمالها عظيم، وهو من أكبر الفوائد العاجلة7، وإذا مر بذكر أحد من الصحابة كتب رضي الله عنه، أو رضوان الله عليه، أو مر بذكر أحد من الأئمة لا سيما الأعلام وهداة الإسلام8 كتب رحمه الله، أو--------------------------------------------
1 تذكرة السامع 174.
2 تذكرة السامع 175.
3 تذكرة السامع 175.
4 تذكرة السامع 176، وانظر أيضا الجامع لأخلاق الراوي 1/ 419.
5 هذا الاختصار فيه إساءة الأدب، وترك الأفضلية؛ لأن الصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم منصوص عليه، والسلام عليه مسنون، ولأنه من حقه صلى الله عليه وسلم على المؤمنين، ولأن ثواب ذلك عائد إلى المسلمين، فكيف يختصر الصلاة عليه وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، وترجى شفاعته يوم الدين، وتملى صلاته في أوان حياته وبعد الممات، وقال ابن منده: سمعت حمزة بن محمد الحافظ يقول: كنت أكتب الحديث ولا أكتب "وسلم"، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقالي: أما تختم الصلاة عليَّ في كتابك؟!
6 انظر تدريب الراوي 2/ 77.
7 شرح صحيح مسلم 295-296 مقدمة، وتذكرة السامع والمتكلم 175-176.
8 تذكرة السامع 177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
رحمة الله عليه، أو تغمده الله برحمته، ولا يكتب الصلاة والسلام لغير الأنبياء والملائكة إلا لاختصاص ذلك عرفا وشرعا بالأنبياء والملائكة عليهم السلام، ومتى سقط من ذلك شيء فلا يتقيد به، بل يثبته مع النطق به، واختار أحمد بن حنبل إسقاط الصلاة والسلام والترضي والترحم رواية مع نطقه بذلك، وإفراد الصلاة عن السلام مكروه وعكسه كذلك كما قاله النووي1.
الخامسة: لا يهتم المشتغل بالمبالغة في حسن الخط2، وإنما يهتم بصحته وتصحيحه، ويجتنذب التعليق جدا، وهو خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، والْمَشْق وهو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف، قال عمر رضي الله عنه3: "شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة، وأجود الخط أبينه". ولا يكتب الكتابة الدقيقة؛ لأنه ربما لم ينتفع به وقت حاجة الانتفاع به من كبر وضعف بصر، ثم محله فيمن عجز عن ثمن ورق، أو حمله في سفر، فيكون معه خفيف المحمل فلا كراهة في ذلك ولا منع للعذر، والكتابة بالحبر أولى من المداد كما مر، وينبغي ألا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري، ولا رخوا فيسرع إليه الحفي.
قال بعضهم4: إذا أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها، ولتكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق، ولا تستعمل في غير ذلك، وليكن ما يقط عليه القلم صلبا، وهم يحمدون القصب الفارسي اليابس جدا، والآبنوس الصلب الصقيل5.
ويراعي من آداب الكتابة ما ورد عن بعض السلف، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاوية، ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم--------------------------------------------
1 مقدمة شرح صحيح مسلم 281-283.
2 تذكرة السامع 177.
3 الجامع لأخلاق الراوي 1/ 403.
4 نفسه 403، وتذكرة السامع 179.
5 تذكرة السامع 180.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)