وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى (إرادة الثواب، أو إرادة الإنعام)، و (الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير)(1).
ومن المخالفات التي وقع فيها بعض هؤلاء بالإضافة إلى ما تقدم:
1 ـ قولهم بأن في الأسماء اسما غير مشتق.
2 ـ قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية.
3 ـ مسألة الاسم والمسمى:
وأما بالنسبة لما يتعلق بالمسألة الأولى، فإن بعض الأشاعرة يقسمون الأسماء إلى قسمين:
القسم الأول: أسماء مشتقة.
القسم الثاني: أسماء غير مشتقة.
قال البغدادي: ((جملة أسمائه قسمان مشتق وغير مشتق))(2).
فيجعلون اسم الله غير مشتق أي لا يدل على معنى، فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة، وهذا مخالف لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متضمنة لمعان وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى.
وأما المسألة الثانية وهي كون أسماء الله توقيفية.
فإن الماتريدية وجمهور الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه--------------------------------------------
(1) شرح الأسماء الحسنى للرازي ص 287.
(2) أصول الدين للبغدادي ص 118.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
المسألة، ولكن القاضي الباقلاني من الأشاعرة لا يشترط أن يكون توقيف من الكتاب والسنة في أسماء الله واشترط أمرين:
1 ـ أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.
2 ـ أن لا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى(1).
وتوقف الجويني في هذه المسألة(2).
وأما المسألة الثالثة وهي مسألة الاسم والمسمى.
فإن قول الأشاعرة والماتريدية فيها واحد، فهم يقولون: ((الاسم عين المسمى))(3).
وحقيقة هذه العبارة عندهم أن المسمى أي الله غير مخلوق وأما التسميات فهي مخلوقة.
فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، وإن أظهروا أنهم موافقون لأهل السنة في اللفظ بقولهم: ((إن أسماء الله غير مخلوقة)).
ومرادهم بذلك أن الله غير مخلوق. وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة(4).
القول الخامس: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معانيها جميعاً وإثبات ما يتعلق بها من الأحكام والمقتضيات.
وهذا قول أهل السنة والجماعة واعتقادهم يمكن إجماله في النقاط التالية:--------------------------------------------
(1) شرح المقاصد للتفتازاني (4/ 344، 345)، ولوامع الأنوار للسفاريني (1/ 124).
(2) الإرشاد ص 136 - 137.
(3) أصول الدين للبغدادي ص 114، 115، وتبصرة الأدلة ص 198.
(4) مجموع الفتاوى (6/ 195 - 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
1 ـ الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
2 ـ الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله عز وجل هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
3 ـ الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معان في غاية الكمال فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معناها، كما يزعم المعتزلة.
4 ـ احترام معاني تلك الأسماء وحفظ ما لها من حرمة في هذا الجانب وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام.
5 ـ الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام.
وبالجملة فإن أهل السنة يؤمنون بأسماء الله إيمانا صحيحاً وفق ما أمرت به نصوص القرآن والسنة ووفق ما كان عليه فهم سلف الأمة، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه، فألحدوا في أسماء الله إلحاداً كلياً أو جزئياً، كما سبق وأن بيناه خلال عرض الأقوال الأربعة السابقة. وهذا التمهيد ضروري لطالب العلم، حتى يقف على الحقيقة ويعرف الباطل معرفة تفصيلية، وحتى لا يشتبه عليه الحق والباطل. فإن الاشتقاق مثلا في لفظ الجلالة (الله) والخلاف الموجود فيه بين أهل السنة وطوائف أهل الباطل مرجعه إلى ما ذكرت، فهو خلاف عقدي وإن كان أهل الأهواء جعلوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الخلاف اللغوي وهو عدم الاشتقاق سلما ومطية لخدمة معتقدهم في هذا الباب أعني باب الأسماء الحسنى.
ولا يضرك الخلاف الموجود بين علماء أهل السنة في قضية الاشتقاق في لفظ الجلالة وعدمه، فذاك مرجعه إلى اللغة وأن استعمال لفظ الجلالة استعمال الأعلام الجامدة لغلبة الاستعمال فلا يقع صفة ولا خبراً عند من قال بعدم الاشتقاق فيه من أهل السنة كالشافعي وغيره، لا يعني ذلك عدم دلالته على صفة الألوهية واشتقاقه منها ودلالتها عليه باللزوم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في بابه إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
المبحث الأول: الخلاف في اسم (الله) هل هو مشتق أم جامد.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة.
المطلب الثالث: هل لفظ الجلالة جامد أم مشتق.
المطلب الرابع: مادة اشتقاق اسم ((الله)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
المطلب الأول: تعريف الاسم لغة واصطلاحاً.
أ- أصل اشتقاق الاسم:
اختلف في أصل اشتقاق "الاسم" على قولين:
القول الأول: أنه مشتق من "السُّمُوِّ" وهو العلوُّ والارتفاع، وقال به النُّحاةُ البصريُّون.
القول الثاني: أنه مشتق من "السمة"، وهي العلامة، وقال به النُّحاة الكوفيُّون.
والصواب من القولين هو القول الأول(1)
أولاً: لأن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو "الاشتقاق الخاصُّ"(2).
الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف وترتيبها، فإنهم:
• يقولون في تصريفه: "سمِّيت"، ولا يقولون: "وَسَمْتُ".
• ويقولون في جمعه: "أسماء"، ولا يقولون: "أوسام".--------------------------------------------
(1) كتاب العين 7/ 318، تهذيب اللغة 13/ 117.
(2) الاشتقاق الأصغر الخاص هو الاشتراك في الحروف وترتيبها وهو المشهور، كقولك: عَلِمَ يَعْلَمُ فهو عالم.
(والاشتقاق الأوسط أن يشتركا في الحروف لا في ترتيبها، كقول الكوفيين: الاسم مشتق من السِّمةِ.
(والاشتقاق الأكبر إذا اشتركا في أكثر الحروف وتفاوتا في بعضها، وقيل: أحدهما مشتق من الآخر. (انظر: منهاج السُّنة 5/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
• ويقولون في تصغيره: "سُمَيٌّ"، ولا يقولون: "وُسيم".
• ويقالُ لصاحبه: "مسمَّى"، ولا يقالُ: "موسومٌ".
وأما "السِّمة" فهي تتفق مع الاسم في "الاشتقاق الأوسط " وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السِّين والميم والواو) لكن اشتقاقه من "السُّمُوِّ" هو الاشتقاق الخاصُّ، كما أسلفنا.
ثانيا: ثُمَّ إن "السُّمُوَّ" هو بمعنى العلوِّ والارتفاع والرِّفعة.
و"السَّمة" بمعنى العلامة.
وإذا كان الاسم مقصوده إظهار المسمَّى وبيانه فإن المعنى الثاني وإن كان صحيحا، لكن المعنى الأول أخص وأتم، فإن العلو مقارن للظُّهور، فالاسم يظهر به المسمَّى ويعلو؛ فيقالُ للمسمِّي: سمِّهِ: أي أظهره وأعلِه، أي أعلِ ذكره بالاسم الذي يُذكرُ به، وبعض النحاة يقول: سمي اسمًا لأنه علا على المسمَّى؛ أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف؛ وليس المراد به هذا، بل لأنه يُعلي المسمى فيظهر؛ ولهذا يقالُ: سمَّيته أي أعليته وأظهرته، فتجعل المعلى المظهر هو المسمى، وهذا إنما يحصل بالاسم. وما ليس له اسم فإنه لا يُذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي الذي لا يُعرفُ؛ ولهذا يقال:
الاسم دليل على المسمَّى، وعلمٌ على المسمَّى، ونحو ذلك.
ولهذا كان أهل الإسلام الذين يذكرون أسماء الله، يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه، ويظهرون ذكره. بخلاف الملاحدة الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
ينكرون أسماءه وتُعرِضُ قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره(1).
ب- تعريف الاسم في اللغة:
عُرّف الاسم بعدَّة تعريفات، نذكر منها:
ا- الاسم: هو اللفظ الدَّلُّ على المسمَّى(2).
2 - الاسم: هو القول الدال على المسمَّى(3).
3 - الاسم: حروف منظومة دالة على معنى، مفرد.(4)
4 - الاسم: قول يدل على مذكور يضاف إليه.(5)
ج- الفرق بين "الاسم" و"المسمَّى" و"التَّسمية":
يجب التفريق بين هذه الألفاظ الثلاثة؛ لأن منشأ الغلط في هذه المسألة من إطلاق هذه الألفاظ لغير معانيها التي لها، فلا يفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها(6).
فـ "الاسم" هو: اللفظ الدال على المسمَّى.
وأما "المسمى" فهو: الشيء الموجود في الأعيان أو الأذهان.
وأما "التسمية" فهي: فعل المُسمِّى ووضعه الاسم للمُسمَّى.
كما أن التحلية عبارة عن فعل " المُحلى" ووضعه الحلية للتَّحلية.
ولهذا تقول: سمَّيت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول:--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 6/ 207 - 309 (باختصار).
(2) بدائع الفوائد 1/ 16.
(3) مجموع الفتاوى 6/ 192.
(4) مجموع الفتاوى 6/ 189.
(5) مجموع الفتاوى 6/ 189.
(6) بدائع الفوائد 1/ 16 - 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
حليته بهذه، التَّحلية، والحلية غير المحلَّى(1)
والتَّسمية: مصدر "سمَّى" "يُسِّمي " "تسمية" فالتسمية نطق بالاسم وتكلُّمٌ به وليست هي الاسم نفسه(2).
فهنا ثلاث حقائق "اسم" و"مسمى" و"تسمية" ك"حلية" و"مُحلى" و"تحلية"، و"علامة" و"مُعْلَم" و"تعليم"، ولا سبيل إلى جعل لفظين منهما مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى، بطل واحد من هذه الثلاثة ولابدَّ(3).--------------------------------------------
(1) بدائع الفوائد 1/ 16 - 17.
(2) مجموع الفتاوى 6/ 195.
(3) بدائع الفوائد 1/ 17.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
المطلب الثاني: هل أسماء الله جامدة أم مشتقة؟
القول الأول: قول أهل السنة والجماعة في المسألة.
من الأمور المتقرِّرة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحُسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدلُّ على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فالعزيز متضمِّنٌ لصفة العزة وهو مشتقٌ منها، والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منه، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلامٌ جامدةٌ لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصيرٌ بلا بصر، وعزيزٌ بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها.
فالرب تعالى يُشتقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماءٌ ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتقٌ من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
فأسماء الله الحُسنى كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسمٍ يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دلَّ عليه الاسم الآخر(1).
وذلك لأن أسماءه الحسنى لها اعتباران:--------------------------------------------
(1) الإيمان لابن تيمية ص 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ـ اعتبارٌ من حيث الذات، واعتبارٌ من حيث الصفات.
فهي أعلام باعتبار دلالتها على الذَّات، وأوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني.
وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد هو الله عز وجل، فـ ((الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم)) كلها أسماء لمسمى واحد هو الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء 110].
فأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.
وهي بالاعتبار الثاني: متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا(1).
قال ابن القيم رحمه الله: ((أسماء الله الحسنى هي أعلمٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى))(2).
وقال رحمه الله: ((أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ--------------------------------------------
(1) بدائع الفوائد 1/ 162، القواعد المثلى ص 8، جلاء الأفهام ص 138.
(2) بدائع الفوائد 1/ 162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوذِر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته … ))(1).
الأدلة على أن أسماء الله أعلامٌ وأوصافٌ.
دلالة القرآن والسنة على ذلك:
تنوعت دلالة القرآن والسنة في إثبات هذه المسألة، فمن ذلك:
أ ـ أن الله يخبر بمصادرها ويصفُ نفسه بها: والمصدر هو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة.
فمن القرآن:
• قال تعالى: {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى 19]، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات 58]، وقال تعالى {الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر 10].
فعُلم أنَّ ((القويِّ)) من أسمائه، ومعناه الموصوف بالقوة.
وكذلك ((العزيز)) من أسمائه، ومعناه الموصوف بالعزة.
فالقوي من له القوة، والعزيز من له العزة، فلولا ثبوت القوة والعزة لم يُسمَّ قويا ولا عزيزاً.
• وقال تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الأحقاف 8]، وقال تعالى {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} [الرعد 6]، وقال تعالى {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف 58].
فالغفور هو المتصف بالمغفرة، والرحيم هو المتصف بالرحمة.--------------------------------------------
(1) جلاء الأفهام ص 133، 134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
• وقال تعالى: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)} [الزخرف 84]، وقال تعالى {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} [غافر 12]. فهو الحكيم الذي له الحكم.
• وقال تعالى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء 166]، وقال تعالى {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة 255].
وفي السنة:
ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسطَ ويرفعه، يرفعُ عملَ الليل قبل النهار، وعملَ النهار قبل الليل، حجابه النُّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))(1).
فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه ((البصير)).
• وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: ((الحمدُ لله الذي وَسعَ سمعه الأصوات))(2).
فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه ((السميع)).
• وفي الصحيح حديث الاستخارة ((اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك))(3).
فهو قاردٌ بقدرة.
• وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تبارك وتعالى: العظمة--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 162.
(2) صحيح البخاري 4/ 195.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. انظر: فتح الباري 3/ 48، ح 1162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
إزاري، والكبرياء ردائي))(1).
فهو العظيم الذي له الكبرياء.
• وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ برضاك من سخطك))(2)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت))(3).
فقد دل القرآن والسنة على إثبات مصادر هذه الأسماء له سبحانه وصفاً، ولو لا هذه المصادر لانتفت حقائق الأسماء والصفات والأفعال، فإن أفعاله غير صفاته، وأسماؤه غير أفعاله وصفاته، فإذا لم يقم به فعلٌ ولا صفةٌ فلا معنى للاسم المجرَّد وهو بمنزلة صوتٍ لا يفيد شيئاً، وهذا غاية الإلحاد(4).
فكلُّ ما دلت عليه أسماؤه فهو مما وصف به نفسه، فيجب الإيمان بكل ما وصف به نفسه.
ب ـ أن الله يخبر عن الأسماء بأفعالها ((أي حُكم تلك الصفة))
• قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة 1].
• وقال تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه 46].
• وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل 19].--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر 136، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس باب ما جاء في الكبر ح 4090 - 4/ 350، 351، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع 2/ 421 ح 4228، وأخرجه الإمام أحمد 3/ 276، 414، 427، 442.
(2) صحيح مسلم 1/ 352.
(3) صحيح البخاري 4/ 194، صحيح مسلم 4/ 2086.
(4) شفاء العليل 566، التفسير القيم 30، 31.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
• وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185].
فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معانٍ وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها؛ فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حُكْمها.
ج ـ أن الله يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه:
((فالله سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحاً،
• كقوله تعالى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح 10].
• وقال تعالى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة 226 - 227]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفورٌ رحيم، يعود على عبدخ بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه بالمغفرة والرحمة.
{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، فإن الطلاق لما كان لفظاً يسمع ومعنى يقصد عَقَّبَه باسم ((السميع)) للنطق به ((العليم)) بمضمونه.
• وقال أهل الجنة {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر 34].
أي لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالوا {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} وفي هذا معنى التعليل: أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات وشكر لنا الحسنات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
• وقال تعالى {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء 147].
فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليمٌ بشكركم لا يخفى عليه من شكره ممَّن كفره))(1).
د ـ الله يستدل على توحيده بأسمائه
فالله سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماءً لا معنى لها لم تدل على ذلك.
• كقول هارون لعبدةِ العجل {يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ} [طه 90].
• وقوله سبحانه في القصة {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه 98].
• وقوله تعالى {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة 163].
• وقوله تعالى {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر 22 - 24].
فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له(2).--------------------------------------------
(1) جلاء الأفهام ص 135 - 136.
(2) جلاء الأفهام ص 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
هـ ـ أن الله يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما:
فالله سبحانه يعلق بأسمائه المعلومات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلاماً محضة لم يصح فيها ذلك.
• كقوله تعالى {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحجرات 16].
• وقوله تعالى {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [الجمعة 7].
• وقوله تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران 63].
• وقوله تعالى {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب 43].
• وقوله تعالى {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة 117].
• وقوله تعالى {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران 189].
• وقوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء 39].
• وقوله تعالى {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى 27].
ونظائره كثيرة(1).
و ـ وصف الله عز وجل أسماءه بأنها حسنى:
قال ابن القيم رحمه الله: ((أسماءُ الرب تبارك وتعالى كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظاً مجردة لا معاني لها، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنها حسنى كلها فقال {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف 180].
فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال.--------------------------------------------
(1) جلاء الأفهام ص 137 - 138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
ولهذا لما سمع بعض العرب قارئاً يقرأ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة 38] (والله غفور رحيم).
قال: ليس هذا كلام الله.
فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟
فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى.
فعاد إلى حفظه وقرأ: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحم لما قطع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه، ولو كانت هذه الأسماء أعلاماً محضة لا معنى لها لم يكن فرقٌ بين ختم الآية بهذا أو بهذا))(1).
وقال أيضاً: ((أخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله أسماء محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولكانت أسماء الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها))(2).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الله له الأسماء الحسنى دون السوءى، وإنما تميز الاسم الحسن عن الاسم السيء بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي تدل على معنى لم--------------------------------------------
(1) جلاء الأفهام 135 - 136.
(2) الصواعق المرسلة 135 - 136 ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
تنقسم إلى حسنى وسوءى))(1).
دليل الإجماع:
أ ـ إجماع أهل اللغة:
((أجمع أهل اللغة على أنه لا يُقال: عليمٌ إلا لمن له علمٌ، ولا يقال سميع إلا لمن له سمعٌ، وهذا أمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى دليل))(2).
ب ـ إجماع المسلمين:
((أجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو عزته أو عظمته انعقدت يمينه، وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتق منها أسماؤه))(3).
ج. دليل العقل:
• ((أنه يُعلم بالاضطرار الفرق بين الحي والقدير والعليم والملك والقدوس والغفور.
وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في منجاة ربه.
وإذا قال: اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب، لم يكن محسناً في منجاته))(4).
• ـ إن من المستحيل أن يكون عليماً قديراً سميعاً بصيراً ولا علم له ولا قدرة؛ بل صحة هذه الأسماء مستلزمة لثبوت معانيها له،--------------------------------------------
(1) شرح العقيدة الأصفهانية ص 77.
(2) بدائع الفوائد 1/ 165.
(3) القواعد المثلى ص 8.
(4) مدارج السالكين 1/ 28، 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطلٌ قطعاً فتعين الأول))(1) لأن شرط صحة إطلاق هذه الأسماء حصول معانيها وحقائقها للموصوف))(2).
القول الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم ((النجارية، والضرارية، والرافضة الإمامية، والزيدية، وابن حزم وغيرهم)).
فهؤلاء يقولون بأن الأسماء جامدة لا معاني لها وأنها كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به، فقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة.
واستند هؤلاء في زعمهم بأمرين:
أولاً: في القاعدة النحوية التي وضعها النحاة لأنفسهم في التفريق بين الاسم والصفة، فالنحاة يفرقون بين الإسم والصفة، فحقيقة الاسم عندهم: هو كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتق، فإن كان مشتقاً فليس باسم وإنما هو صفة.
قال ابن حزم: ((إننا لا نفهم من قولنا: قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلاً))(3).
الرد على ذلك: هذه القاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانوناً من الصناعة في التصريف والجمع والتصغير والحذف والزيادة والنسبة وغير كلك من الأبواب(4).--------------------------------------------
(1) شرح العقيدة الأصفهانية ص 76.
(2) مختصر الصواعق 2/ 189.
(3) الفصل (2/ 121، 129، 165) وقد سبق بيان ذلك في (ص 13).
(4) أحكام القرآن لابن عربي 2/ 802، 803.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)