قصيرة.، خسرت خلالها الدولة العثمانية الحرب في البلقان، فاستقال الصدر الأعظم.، وأعفي معه شيخ الإسلام جمال أفندي من منصبه.
أعيد تعيين جمال أفندي شيخًا للإسلام مع تعيين محمد كامل باشا في منصب الصدر الأعظم، واستمر في منصبه نحو ثلاثة أشهر إلى أن حدثت حادثة اقتحام الباب العالي، وتم إسقاط حكومة كامل باشا، وإعفاء شيخ الإسلام من منصبه، واعتقل وتم نفيه إلى مصر، فأقام قرب القاهرة في ضاحية الرملة. وقد قامت الأرض وقعدت عند رحيل جمال أفندي إلى مصر، وقلق الإنجليز.
بقي الشيخ جمال أفندي في مصر إلى وفاته في شهر رجب سنة (1337 / نيسان 1919) فتم نقل جثمانه إلى إستنبول عن طريق الإسكندرية وأقيمت عليه صلاة الجنازة فيها، وشيعت جنازته في إستنبول ودفن في مقبرة الفاتح.
نال شيخ الإسلام جمال أفندي مجموعة من الأوسمة العثمانية، منها: مرصع افتخار.، مرصع امتياز، مرصع عثماني، مرصع مجيدي، ميدالية اللياقة الذهبية. وقد كتب مذكراته السياسية بعنوان: خاطرات سياسية، وثق فيها للأحداث السياسية خلال فترة الاتحاديين، وقد طبع الكتاب في إستنبول سنة 1336.
أعضاء لجنة التدقيق في إستنبول
1. عبد القادر راشد أفندي:
عبد القادر ابن الشيخ خُلوصي أفندي (1260 - 1328/ 1845 - 1912). عالم كبير، أديب وشاعر، يتقن العربية والفارسية. ولد في مدينة إستنبول، ودرس في مدرسة جامع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
السليمانية، وحصل على الإجازة العلمية من مشايخها، وأجازه الحافظ وصفي أفندي القسطموني سنة 1287. حصل على الوسام المجيدي من الدرجة الرفيعة والوشاح العثماني. وشغل وظيفة مدرس في جامع آيا صوفيا ومدرسته، وقاضي عسكر الأناضول، وعضو الهيئة العلمية في قصر السلطان، وعضو مجلس مصالح الطلبة ابتداءً من سنة 1881، وعضو مجلس امتحان القراء 1889، ثم عُين في منصب سكرتير مشيخة الإسلام (-1318).
من مؤلفاته: القصيدة النورية: طبعت في إستنبول (1295/ 1878) مطلعها:
شرعنا ببسم الله والحمدِ والثنا نصلي على سرِّ الإله نبيِّنا
إلهي توسلنا إليك بجمعِنا نعوتًا وأسماءً بها نرتقي المُنى
والوسيلة: وهي شرح على أوراد السيد أحمد الرفاعي والسيد أحمد البدوي. وكتاب وسيلة الرحمن: في تخميس قصيدة البردة. والدرة العلية على ورد الرفاعية.
2. إسماعيل حقي أفندي:
الشيخ إسماعيل حقي أفندي (1250 - 1319/ 1834 - 1901) أحد كبار علماء إستنبول، من تآلفيه حاشية على شرح ملتقى الأبحر للداماد، وحاشية على شرح مرآة الأصول لملا خسرو، ودرس هذه الكتب وأجاز بها في جامع الفاتح.
عُين عضوًا في مجلس انتخاب القضاة ومجلس شؤون الطلبة توفي يوم 15 جمادى الأولى سنة (1319/ 1901) ودفن في مقبرة الفاتح. وهو غير العلامة إسماعيل حقي البروسي (-1127) صاحب تفسير روح البيان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
3. أحمد عاصم أفندي:
الشيخ أحمد عاصم أفندي وكيل الدرس (1252 - 1329/ 1836 - 1911) ينتمي إلى أسرة علمية معروفة. كان والده محمد أفندي مدرس زاده عالمًا معروفًا ومدرسًا في المدرسة الكبيرة بقرية تيرزيويران.
حصل الشيخ أحمد عاصم أفندي على الإجازة من عبد الرحمن أفندي المدرس في جامع الفاتح، وبدأ التدريس فيه سنة 1279. عين مخاطبًا في دروس الحضور (بحضرة السلطان، والمخاطب هو الذي يناقش المقرر في درسه). وبعد نجاحه في دروس المخاطب أصبح مقررًا، وألقى الدروس بمحضر السلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحميد من سنة 1292 إلى سنة 1324.
عين سنة 1292 عضوًا في مجلس التدقيقات الشرعية، وعين وكيل الدرس ورئيس امتحان القراء. وفي سنة 1312 أصبح رئيس قضاة العسكر في الأناضول، توفي في إستنبول، ودفن في مقبرة الفاتح. من مؤلفاته: رسائل التقرير والأسئلة والأجوبة بحضور السلطان، تحتفظ مكتبة السليمانية بنسخة منه بخط المؤلف.
4. حسن حلمي أفندي:
هو الشيخ حسن حلمي بن أمين أفندي (1251 - 1321) بدأ دراسته وهو في سنة الثانية عشرة في إستنبول على الشيخ شريف أفندي ودرس بعد ذلك في مدرسة الفاتح.
عمل مقررًا في مدرسة الفاتح، وتولى منصب قاضي عسكر الأناضول وروملي. وحضر الدروس السلطانية كمخاطب من سنة 1296 إلى سنة 1313 وكمقرر بعدها إلى سنة 1320 .. توفي في إستنبول ودفن في مقبرة الفاتح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
الفصل التاسع: اعتناء المسلمين بالجامع الصحيح
من المتفق عليه بين العلماء أنه لم يحظ كتاب بعد كتاب الله تعالى بمثل ما حظي به الجامع الصحيح للإمام البخاري من احتفاءٍ واعتناء واهتمام في جوانب متعددة منها: الرواية والسرد، والشرح، والنسخ، والتذهيب.
خدمة الجامع الصحيح بالمؤلفات:
فقد كتب عليه نحو مائة شرح، وألفت الكتب في تراجم رجاله وضبط أسمائهم، وفي وصل معلَّقاته، وحل مغلقاته، وشرح غوامض عباراته، وإعراب المشكل من كلماته، وتلخيصه واختصاره، وترتيب أحاديثه، وتأليف المستخرجات عليه أي استخراج أحاديثه بغير أسانيده، وشرح ترجمات أبوابه، وبيان الأسانيد التي يُروى بها، وشرح آخر حديث منه في الختم، وإعداد الفهارس لأحاديثه ولرواته، وغير ذلك. وقد جمع صديقنا العلامة السيد محمد عصام عرار في كتابه: (إتحاف القاري بجهود وأعمال العلماء حول صحيح البخاري) أسماء مائتين وخمسين كتابًا ونيفًا، هي غيض من فيض المؤلفات المتتالية حول الإمام البخاري وصحيحه.
ختم الجامع الصحيح في رمضان:
وقد جرت عادة العلماء في حواضر الإسلام الكبرى بغداد ودمشق وإستنبول والقاهرة وتونس وفاس ومراكش وغيرها على قراءة الجامع الصحيح في الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان، أو في رمضان وحده. وتقام عند الختم الولائم والاحتفالات، وتُلقى الخطب والقصائد، ويحضر العلماء والكبراء، وفي بعض البلاد كالمملكة المغربية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
في ظل الدولة العلوية وتونس أيام الدولة الحفصية، يحضر السلطان مجلس الختم بنفسه، ويوزع العطايا على العلماء. وكانت هذه العادة منتشرة في دمشق وبغداد والقاهرة وإستنبول وقونية وطرابلس والجزائر ومعظم المدن الكبرى في المغرب.
وربما كانت هذه العادة قد بدأت في مدينة إشبيلية بالأندلس، في أوائل القرن السادس الهجري.، على يد الإمام القاضي أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الإشبيلي (451 - 539). يقول أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابنُ الأبَّار (595 - 658) في ترجمة الإمام الحافظ العلامة المقرئ أبي محمد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الله الرُّعَيني الحَجْري (505 - 591) تلميذ القاضي أبي بكر ابن العربي (-543) من كتاب التكملة لكتاب الصلة:
"وقَرأ على شُريحٍ صحيح البخاري في رمضان سنة 534، وحكى أنه قرأه في إحدى وعشرين دُولةً [أي نَوبةً]. قال: وقد اجتمع للسماعِ نحو ثلاثمائة من أعيان طلبة البلاد. وكان شريح رحمه الله بطول العمر قد انفرد بعلو الإسناد، لسماعه إياه من أبيه وأبي عبد الله بن منظور عن أبي ذرٍّ، فكان الناس يرحلون إليه بسببه، وقد كان عيَّن لقراءته شهر رمضان، فيكثر الازدحام عليه في هذا الشهر كل سنة، ويتواعد أهل الأقطار المتباعدة للاجتماع فيه عنده. وكان أبو عبد الله النميري الحافظ موعودًا بقراءته في تلك السنة، فارتُقب مقدمُه من غرناطةَ بلده، والناس مجتمعون للسماع، فلم يصل لعذر منعه. فحظي ابن عبيد الله [المترجم] بهذه القراءة، ويقال إنه نُصب له كرسيٌّ يقعد عليه للإسماع. وشُهرت [أي هذه القراءة] لكثرة من رحل من سامعيها ومن حدث بها بعد ذلك".
ومما يتعلق بهذا البحث ختم الصحيح يوم المولد النبوي، فقد كان بعض العلماء قديمًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
يقسم صحيح البخاري إلى أجزاء يخرجها في يوم المولد النبوي الشريف، وتوزع على الحاضرين بعد الانتهاء من ختمات القرآن الكريم، فيقرأ كلٌّ قسطًا، ثم يختم الشيخ. وممن كان يفعل ذلك كل سنة السيد محمد بن جعفر الكتاني.
قراءة الجامع الصحيح عند الخطوب:
عادة قراءة صحيح البخاري بنية تفريج الكروب قديمة، وقد اشتغل العلماء بقراءته عند الخطوب المُلِمَّة والشدائد المُدْلَهِمَّة، كأوقات الوباء، وعند هجوم الأعداء، وعند القحط. قال الإمام عبد الله ابن أبي جمرة (-675): "إنَّ صحيح البخاريَّ ما قُرئ في شدَّةٍ إلَّا فُرِجت، ولا رُكِبَ في مركبٍ فغرق. وكان [البخاري] مجابَ الدعوة، وقد دعا لقارئه. وقال العلامة الإمام عبد الحق ابن سيف الدين الدهلوي (959 - 1052) فيما نقله عنه السيد صديق حسن خان (-1307).: "قرأ كثيرٌ من المشايخ والعلماء والثقات صحيح البخاري لحصول المرادات، وكفاية المهمات.، وقضاء الحاجات، ودفع البليات، وكشف الكربات، وصحة الأمراض، وشفاء المرضى، عند المضايق والشدائد، فحصل مرادهم.، وفازوا بمقاصدهم، ووجدوه كالترياق مجربًا .. وقد بلغ هذا المعنى عند علماء الحديث مرتبة الشهرة والاستفاضة".
ولعل أصل ذلك ما روي أن قحطًا أصاب سمرقند في بعض الأعوام، فاستسقى الناس مرارًا، فلم يُسقوا. فعرض رجل صالح على قاضي سمرقند أن يخرج مع الناس إلى قبر الإمام البخاري بخرتنك، فيستسقون عنده، فخرج القاضي، واستسقى، وبكى الناس عند القبر، وتشفعوا بصاحبه، فأرسل الله السماء بماء غزير، اضطروا من أجله للإقامة بخرتنك عدة أيام.
ومن هذا الباب ما روي أن أبا القاسم عبد العزيز بن موسى العبدوسيَّ الفاسيَّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
(-837): قرأ صحيح البخاري في يوم واحد وقت حصار فاسٍ، ونسخَ من صحيح البخاري ثمانيَ نسخٍ. ومن أسباب النصر على البرتغال في معركة وادي المخازن الشهيرة في المغرب سنة 986 للهجرة أن الناس اجتمعوا في جامع المنصور بمراكش وقرأوا مائة ختمة من القرآن الكريم وقرأوا صحيح البخاري.
وروي عن الشيخ أصيل الدين عبد الله بن أحمد الحسيني الإيجي القادري (845 - 904) قوله: "قرأت صحيح البخاري نحو مائة وعشرين مرة، في الوقائع والمهمات لنفسي وللناس الآخرين، فبأي نية قرأته حصل المراد وكفى المطلوب".
وحكى المؤرخ عبد الرحمن الجَبَرتيُّ (1267 - 1237) أنه لما دخل الفرنسيون مصر كان علماء الأزهر يجتمعون كل يوم يقرأون صحيح البخاري.
ومن القصص التي حدثت في مصر ورواها الشيخ محمد سليمان نائب المحكمة الشرعية بمصر في كتابه (من أخلاق العلماء) شفاهًا أنه لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة في زمن الخديوي إسماعيل، وتوالت الهزائم على مصر، لوقوع الخلاف بين قواد جيوشها، ضاق صدر الخديوي بذلك، فركب يومًا مع شريف باشا وهو مُحْرَجٌ، فأراد أن يفرِّج عن نفسه، فقال لشريف باشا:
- ماذا تصنع حينما تُلِمُّ بك مُلِمَّةٌ تريد أن تدفعها؟ فقال:
- يا أفندينا، إن الله عوَّدني إذا حاق بي شيءٌ من هذا أن ألجأ إلى صحيح البخاري يقرؤه لي علماءُ أطهارُ الأنفاس فيفرِّجُ الله عني.
قال فكلم شيخَ الأزهر، وكان الشيخ مصطفى العَروسي الذي تولى المنصب بين سنتي (1281 - 1287)، فجمع له من صلحاء العلماء جمعًا، أخذوا يتلون صحيح البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
ومع ذلك ظلت أخبار الهزائم ظلت تتوالى، فذهب الخديوي ومعه شريف باشا إلى العلماء وقال لهم:
- إما أن هذا الذي تقرأونه ليس بصحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئًا .. فوجم العلماء لذلك، فابتدره عالم من آخر الصف وقال له:
- منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو ليُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكم شرارَكم فيدعو خيارُكم فلا يُستجاب لهم». فزاد وجوم المشايخ، وانصرف الخديوي ومعه شريف باشا، ولم ينبسا بكلمة. وأخذ بعض العلماء يلومون القائل ويؤنبونه.
فبينما هم كذلك، إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديوي ما قال؟ فقال: أنا. فأخذه وقام. وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأمُلون أن يرجع. وسار شريف باشا بالشيخ إلى أن دخلا على الخديوي في قصره.، فإذا به قاعد في البهو، وأمامه كرسيٌّ أجلسَ عليه الشيخَ، وقال له: أعد يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر، فأعاد الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه. فقال له الخديوي: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا هذا البلاء؟ فقال له: يا أفندينا، أليست المحاكم المختلطة قد فُتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا برخصة؟ أليس الخمر مباحًا؟ أليس أليس، وعدد له منكراتٍ تجري بلا إنكار، وقال: فكيف تنتظر النصر من السماء؟ فقال الخديوي: وماذا نصنع وقد عاشرنا الأجانب، وهذه مدنيتهم.؟ قال: إذن، فما ذنب البخاري وما حيلة العلماء! ففكر الخديوي مليًّا، وأطرق طويلًا ثم قال: صدقت، صدقت، وأمر فرُتبت له في الرزنامجة ثلاثون جنيهًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
وعاد الشيخُ بعد هذا إلى الأزهر، وإخوانه قد يئسوا منه كأنما وُلد من جديد.
وَلَعُ العلماء بقراءة الجامع الصحيح:
وولِع بعض العلماء بقراءة صحيح البخاري وإقرائه، حتى تجاوزوا الحد المعهود والقدر المعتاد في ذلك.، منهم:
- الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (-463): قرأ صحيح البخاري على إسماعيل بن أحمد الحيري سنة 423 في ثلاثة مجالس، مجلسان في ليلتين، والثالث في يوم وليلة، والحيري سمعه من الكُشْمِيهَنِيِّ عن الفربري. وقرأ الخطيب البغدادي صحيح البخاري أيضًا على كريمة بنت أحمد المروزية في مكة في خمسة أيام.
- الإمام أبو بكر ابن عطية الغرناطي (441 - 542): روي عنه أنه كرر صحيح البخاري سبعمائة مرة.
- يونس بن يحيى الهاشمي القصار (-608): حدَّث بصحيح البخاري ستا وثلاثين مرةً.
- الملك الأشرف مُظفَّر الدين موسى بن الملك العادل محمدِ بن أيوبَ (-635): سمع صحيح البخاري بقراءة أبي عبد الله الحسين بن المُبارك الزَّبيدي الرَّبَعِي في ثمانية أيام ..
- أبو عمرو عثمان بن محمد التوزري المالكي (-713): قرأ صحيح البخاري على أكثر من ثلاثين شيخًا.
- المُسْنِدُ المُعَمَّر أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصالحيُّ الحجار المعروف بابن الشِّحْنة (624 - 730): سمع صحيح البخاري على أبي عبد الله الحسين بن المُبارك الزَّبيديِّ الرَّبَعِيِّ سنة 630، وظهر سماعه سنة 706، فقُرئ عليه صحيح البخاري أزيد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
من سبعين مرة. وبارك الله تعالى له في عمره، فعاش بعد ذلك زمنًا متفردًا بعلو الإسناد، ورحل الناس إليه.، ونال غاية العز. ومن لطائف ما جرى له أن قرأ البخاري سنة 630 وأقرأه بعد مائة سنة في سنة 730، وهي السنة التي توفي فيها.
- شهاب الدين أحمد بن عثمان ابن الكُلُوتاتيُّ الحنفي (762 - 835): قال أبو الفضل العسقلاني: "ثم حُبِّبَ إليه طلبُ الحديث، فابتدأ في القراءة من سنة تسع وسبعين وهَلُمَّ جَرَّا، ما فَتَرَ ولا وَنى، فلعله قرأ البخاري أكثر من أربعين مرةً". وذكر غيره أنه قرأه ستين مرة. والكُلُوتات: قلانسُ كانت تلبسُها الجنود، وله عدة سماعاتٍ على نسخة الشهاب النويري الشهيرة من الصحيح المحفوظة في مكتبة كوبريلي في إستنبول.
- جلال الدين أسعد بن محمد الشيرازي الحنفي (-803): من تلاميذ شمس الدين محمدِ بن يوسفَ الكِرْمانيِّ الحنفي (-786)، قال ابن العماد: "وقرأ عليه صحيح البخاري أكثر من عشرين مرة، ويكتبُ خطًّا حسنًا، كتب البخاري في مجلد، وأخرى في مجلدين".
- زين الدين أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن مُقْبِلٍ القاهريُّ الحنفي المعروف بالتاجر (-805): قال الحافظ شمس الدين السخاوي في الضوء اللامع: "قال البرهان الحلبي: إنه أخبره أنه قرأ صحيح البخاري إلى سنة ثمانينَ: خمسًا وتسعين مرةً، وقرأه بعد ذلك مرارًا كثيرةً".
- مجد الدين محمد بن يعقوبَ الفيروزآباديُّ (729 - 817): نقل السيد عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس أنه قرأ صحيح البخاري أزيد من خمسين مرة.
- برهان الدين إبراهيم بن مُحَمَّد الطرابلسي الشافعي (753 - 841): قرأ صحيح البخاري أكثر من ستين مرةً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
- شيخ الإسلام السيد جعفر بن إدريس الكتاني الحسني (1245 - 1323) وهو شيخ شيخنا السيد المكي: ذكر السيد عبد الحي الكتاني في فهرس الفهارس أنه ختم الصحيح بالزاوية الكتانية بفاس أزيد من عشرين مرة. وقد حضر عليه حفيده شيخنا مفتي المالكية بدمشق السيد محمد المكي بن سيدي محمد بن جعفر (1312 - 1393) الصحيح مرارًا، وأجازه جده عامة، وحصل له الفخر بذلك العلو، إذ عاش بعد جده سبعين سنةً، وقد أجازنا السيد محمد المكي ثلاث مرات وسمعنا منه عددًا من المسلسلات، وحضرنا ما لا يُحصى من مجالسه، والفضل في ذلك لوالدنا نادرة عصره العلامة المحقق الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله تعالى الذي اعتنى بنا منذ الصغر، فأحضرنا خلال صبانا مع شيوخه وأصحابه، وأفادنا هذه السماعات والإجازات، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عنا خير الجزاء، وأن يزيد في حسناته، ويرفع من درجاته، إنه سميع مجيب.
رواية الصغار لصحيح البخاري:
ويندرج في هذا الاعتناء حرص الآباء على حضور أولادهم مجالس سماع الصحيح، يرجون لهم بذلك بركة السماع، وحسن الذكر، وبقاء الأُحدوثة، وعلى ذلك شواهد كثيرة، لعل أشهرها ما في إسناد البخاري من طريق أبي العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجار الشهير بابن الشِّحنة (624 - 730) من عجائب: فقد سمعه الحجار على سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك بن الزَّبيدي (545 - 631) في شوالٍ سنة ثلاثين وستمائةٍ وهو ابن ست سنين. وسمعه الزبيدي على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شُعيبٍ السِّجْزِيِّ الهروي الصوفي (458 - 553) في آخر سنة اثنتين وأول سنة ثلاث وخمسمائةٍ وهو دون الثامنة. وسمعه أبو الوقت على أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي (374 - 467) وهو ابن سبع سنين. وسمعه الداودي على أبي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
محمد عبد الله بنُ أحمدَ بنِ حَمُّويَه السَّرَخْسِيِّ (293 - 381) في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وهو ابن ست سنين.
رواية النساء لصحيح البخاري:
وقد شاركت النساء الرجال في رواية الصحيح، وقلَّما يخلو عصر من امرأة مسندة سمعت الصحيح، منهن: خديجة بنت عبد الله بن سعيد الشنتجيالي الأندلسية سمعت الصحيح مع أبيها من أبي ذر الهروي ذكرها ابن بشكوالٍ في الصلة. ومسندة أصبهان أم البهاء فاطمة بنت محمد بن أبي سعد ابن الحسن بن علي البغدادي (-539).، حدث عنها السمعاني وابن عساكر. وهدية بنت عبد المجيد بن سعد المقدسي، سمعت الصحيح من الزبيدي. والمسندة الجليلة الشهيرة عائشة بنت عبد الهادي المقدسية (-816) سمعت الصحيح على الحجار، كانت أسند أهل الأرض في عصرها، ونزل الناس بموتها درجة. والشيخة الأصيلة المعمرة أم الخير أمة الخالق (811 - 902) وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجار.
كرسي صحيح البخاري:
ومن جملة مظاهر الاهتمام والاعتناء بصحيح البخاري إقامةُ الكراسيِّ الخاصة لتدريس الصحيح، وكانت هذه الكراسيُّ وظائفُ ثابتةٌ، لها أوقاف مستمرةً، كلما مات عالم عُين مكانه آخر، ويكون عادةً أعلم علماء البلدة.
ومن الأمثلة على ذلك كرسيُّ صحيح البخاريِّ بشرحه فتح الباري في جامع القرويين، أنشأه السلطان أبو العباس أحمد بن محمد بن الشيخ الوطاسي، وحبَّس عليه نسخةً من فتح الباري مكتوبةً بخط اليد منقولة من نسخة الحافظ العسقلاني، قال الدكتور يوسف الكتاني: "وما تزال وثيقةُ التحبيس محفوظةً بخزانة القرويين تحت رقم (100)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
إلى الآن. وممن كان يدرِّس على هذا الكرسي الإمام عبد الواحد بن أحمد الوَنْشَريسيُّ (-955)، ومحمد المهدي بن محمد الطالب بن سودة (-1294).
وكان في جامع القرويين كرشيٌّ آخر للحديث تأسس في بداية الدولة العلوية، وممن كان يواظب على تدريس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو الفيض حمدون بن عبد الرحمن بن الحاج السُّلمي (-1232) وابنه محمد الطالب (-1273) الذي يروي عنه شيخنا السيد محمد المكي الكتاني بواسطة جده السيد جعفر بن إدريس، كما سيأتي.
وكان في الزاوية الفاسية بمدينة فاس كرسيٌّ خاص بصحيح البخاري أسسه أبو المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (-1013).
ومن هذه الكراسيِّ في المغرب: كرسي البخاري بجامع الشرفاء بحيِّ المَوَّاسين في قلب مدينة مراكش أنشأه السلطان عبد الله الغالب السعدي (933 - 982). وكرسي البخاري بالجامع الكبير بمدينة تارودانت حاضرة منطقة سوس الشهيرة بالعلم والعلماء جنوبيَّ المملكة المغربية. وممن درَّس صحيح البخاري فيه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن محمد التِّمْنَارْتِي (974 - 1060) صاحب ثبت (الفوائد الجمَّة في إسناد علوم الأمة). وقد حكى في ثبته كيف وشى به بعض الحساد إلى الأمير، ولكن الأمير أقره على قراءة البخاري، وقال للواشي: "دعه فإنما فعل صوابًا" ..
وقد رجع المغرب في السنوات الأخيرة بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى إحياء الكراسي العلمية لأمهات الكتب في سائر العلوم الشرعية، في مساجد المغرب الكبرى.
ومن هذه الكراسيِّ المختصة بصحيح البخاري كرسي الجامع الأموي بدمشق تحت قبة النسر، وهي قبة شهيرة بناها ترتفع خمسة وأربعين مترًا عن أرض المسجد، ولم يكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
بناءٌ في دمشق يعلوها. وصفها ابن جُبيرٍ في رحلته فقال: "وأعظم ما في هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه، ساميةٌ في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غاربٌ لها، يتصل من المحراب إلى الصحن، وتحته ثلاث قباب … ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علوٍّ كأنها معلقة من الجو".
وأقدم من تولى هذا الكرسي شمس الدين محمد الميداني (-1033)، ولكن اختصاص هذا المكان تحت القبة بتدريس الحديث قديم، فقد عقد الحافظ أبو الفضل العسقلاني في هذا المكان مجالس إملائه سنة 836. وألف الشيخ عبد الرزاق البيطار كتابًا بعنوان: (نتيجة الفكْر فيمن درَّس تحت قبة النسر)، وألف الشيخ جمال الدين القاسمي كتاب: (اللف والنشر في طبقات المدرسين تحت قبة النسر).
وقد تولاه ابتداءً من القرن الثالث عشر علماء آل الكزبري، يدرِّسون فيه الصحيح. منهم العلامة الشيخ أحمد مسلم الكزبري (1241 - 1299)، وتولى وظيفة معيد درسه جماعة منهم: الشيخ صالح السمعوني الجزائري والد العلامة الشيخ طاهر الجزائري.
وآخر من تولى هذا المنصب وقام به بحق هو المحدث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني (1267 - 1354). ومما يدل على أن هذا الكرسي أُحدث في أيام العثمانيين أن مخصصاته كانت تُصرف من الدولة العثمانية، وكان راتب هذه الوظيفة خمسة وعشرين ليرة ذهبية.، وكان التعيين فيها يأتي بقرار من السلطان نفسه، لما لها من مكانة عالية، ومنزلة رفيعة.
وكان بالجامع الكبير بمدينة حلبَ كرسيٌّ خاصٌّ لا يجلس عليه إلا مدرِّس صحيح البخاري، أشار إليه موفق الدين سبط ابن العجمي في تاريخ حلب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
جيش البخاري:
روي أن سلطان المغرب المولى إسماعيل بن الشريف (-1039) جد الأسرة العلوية بالمغرب اليوم كان شديد التعظيم لصحيح البخاري، ولشدة تعظيمه له أنه لما أسس جيشه الذي بلغ عدد جنوده مائةً وخمسين ألفًا سمَّى هذا الجيش: (عبيد البخاري).
وسبب هذه التسمية فيما ذكره العلامة عبد الهادي التازي رحمه الله أن السلطان المولى إسماعيل رحمه الله عندما تَمَّ له تنظيمُ الجيش المذكور، جمع أفراده، وأحضر مخطوطةً من صحيح الإمام البخاري، وخطَب في الجيش قائلًا:
"أنتم وأنا عبيدٌ لسُنَّة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المجموعة في هذا الكتاب، فكلُّ ما أمر به نفعله.، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل". وطلب إليهم القَسَمَ على ذلك على صحيح البخاريِّ فعاهدوه. ثم إنَّه أمر بالاحتفاظ بتلك المخطوطة وبحملها في الحروب أمامَ الجيش، تيمُّنًا بها وتبرُّكًا، فلهذا يحمل الجيش المحيط بملك المغرب إلى الآن اسم (البواخر) أو عبيد البخاري. ومن هنا أيضًا انتشرت عادة قراءة صحيح البخاري في القصور الملكيَّة خلال الأشهر الحُرُم.
إقبال العوام على صحيح البخاري:
ومن مظاهر اعتناء المغاربة بصحيح البخاري إقبال العوام على قراءته في القرى والبوادي بين العوام، يشهد لذلك ما ورد في استفتاء أرسل به العلامة أحمد بن عبد القادر التستاوي المغربي (-1127) للإمام عبد الملك بن محمد التاجَمُّوعْتِيِّ السجِلماسي (-1118) في حكم قراءة صحيح البخاري بالخطأ واللحن قال فيه:
"فإنا رأينا أناسًا في قرى البادية يحرصون على قراءة الجامع الصحيح للبخاري، ويرون ذلك من تعظيم شعائر الله، وهم لا يعرفون ما يلزمهم في دينهم، وإن رأوا مجلس فقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
يتعلمون منه أمر دينهم لا يعبأون بذلك، ويرون الحُرمةَ لقارئه سواء كان من أهل ذلك الشان إلخ".
وجاء في جواب العلامة التاجَمُّوعْتِيِّ ما يؤكد انتشار قراءة صحيح البخاري في البوادي.: "وقد عمَّتِ البلوى وخصوصًا في قرى البوادي ومداشرها بتجاسُر الطلبة الذي يشارطونهم للائتمام بهم والنيابة في فصل بعض القضايا الشرعية بينهم على قراءة صحيح البخاري، ويرون الإمساك عن قراءته في شهر رمضان حسبما تقرر بذلك العرف في شهر رمضان بالديار المغربية نقصًا في حقهم، وغضًّا من منصبهم، فيُقْدمون على ما لا يحسنون ويبوؤون بعظيم".
وسيأتي الاستفتاء والجواب في موضعهما بإذن الله تعالى، عند التحذير من اللحن في قراءة الحديث. وقد نقلنا السؤال والجواب من نسخة خطية في خزانتنا من كتاب نزهة الناظر وبهجة الغصن الناضر للعلامة التستاوي.
اهتمام السلاطين بصحيح البخاري:
ويتجلى اهتمام السلاطين بصحيح البخاري في عدة مظاهر، منها تكليف النساخ والمذهِّبين والمسفِّرين بكتابة أجمل نسخ صحيح البخاري، ليضعوها في خزائنهم. ومنها ما تقدم من تعيين كراسي صحيح البخاري. ومنها الاهتمام بقراءة صحيح البخاري، وعقد المجالس لذلك في القصور، ويأتي ملوك المغرب في طليعة ملوك الإسلام في هذا المجال، ولا يزالون يحافظون على عادة قراءة الصحيح في قصورهم، وعادة حمل صحيح البخاري في أسفارهم، ولا تعجب إذا علمت أنه ربما يكون من أهم أسباب نجاة الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى من الموت عند قيام الانقلابيين بقصف طائرته، أنه كان يحمل معه نسخة من صحيح البخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
ومن هذه الأمثلة: لما أتمَّ السلطان الحسن الأول (-1311) رحمه الله تعالى بناء قصر الرباط وأراد افتتاحه أقام احتفالًا عظيمًا تم فيه ختم صحيح البخاري. ولما أراد الاحتفال بعيد الفطر سنة 1290، أقام احتفالًا مَهيبًا ختم فيه صحيح البخاري، وحضره العلماء والأعيان، وقد ألقيت فيه بهذه المناسبة أكثر من خمسين قصيدة.
ولما خرجت المسيرة الخضراء سنة 1395 لاسترجاع الصحراء المغربية أمر الملك الحسن الثاني (1348 - 1420) رحمه الله تعالى بعقد مجالس صحيح البخاري رجاء بركته، فتم ختم الصحيح مئات المرات في جميع أنحاء المغرب في مدة وجيزة.
ولا يزال صحيح البخاري يُقرأ في المغرب كل عام في رمضان في معظم مساجد المغرب الكبرى في سائر المدن، ويختم ليلة القدر، ويحضر أمير المؤمنين الملك محمد السادس مجلس الختم، حيث يقوم أحد كبار العلماء من الذين قرأوا الصحيح خلال الشهر بختم الصحيح بين يدي الملك، فيشرح حديث الختم فيه، ويشتغل الحاضرون بالتسبيح والتهليل والدعاء. وهي سنةٌ حميدة اندثرت في العديد من البلاد الإسلامية، وبقي المغرب متمسكًا بها محافظًا عليها، وما هي إلا إحدى مآثر ملوك الدولة العلوية المجيدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
الفصل العاشر: فوائد سماع كتب الحديث
ينقسم علم الحديث إلى شعبتين، الرواية، الدراية. ومن أصول علم الحديث رواية قراءة كتب السنة على الشيوخ سردًا دون شرح. وهي الطريقة التي وصلت إلينا بها كتب السنة المشهورة، وهي الطريقة التي كان يُروى بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرون الأولى، ثم رُوي بها الموطأ للإمام مالك ثم صحيح البخاري وغيره. ولهذه الطريقة في السرد فوائد عظيمة وثمار وفيرة نوجزها في هذه السطور الآتية:
1. اتصال السند: بأقوى طرق تحمل الحديث، من السامع إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بحيث يصير السامع مرتبطًا بسلسلة من العلماء والمحدثين، كل واحد منهم تلقى العلم عن الشيوخ طبقة طبقة، إلى أتباع التابعين، فالتابعين، فالصحابةِ الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وللسند في الإسلام أهمية كبرى، وهو خِصِّيصة من خصائص هذه الأمة. وقد ورد في فضل الإسناد ما لا يُحصى من النصوص، من أعظمها قول محمد بن سيرين فيما أخرجه الإمام مسلمٌ في مقدمة صحيحه: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
2. تقوية الحفظ: والاستذكار للأحاديث، لأن سماعَ نصوص الأحاديث من الشيخ مع النظر في الكتاب يعين السامع على حفظ مكان الحديث وفي أي كتاب مرَّ عليه، أي يعرف مخرج الحديث، وهو باب نفيس قد يقضي الذي يطالع الكتب وحده دهورًا حتى يتمكن فيه. فالذي يسمع أحد كتب الحديث سيعرف إجمالًا ما مرَّ فيه من الأحاديث، وإن لم يحفظها عن ظهر غيب، فإذا سُئل بعد سنين عن حديث فإنه سيجيب السائل بأن الحديث ثابت وهو في كتاب كذا. وهذه فائدة عظيمة لطالب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
العلم، توسع مداركه في الحديث. وكل ما يحتاج إليه من أجل ذلك هو أن يكون حاضرَ الذهن في مجالس سماع الحديث منتبهًا مستمعًا للقراءة بأذنيه، وناظرًا في الكتاب يتابع النصَّ بعينيه ..
3. ضبط متون الأحاديث: وخصوصًا ما يشكل منها ضبطه من الغريب، فيعرف السامع وجه قراءته على الصواب. وهذا علمٌ عزيزٌ نادرٌ، لا يدرك بمجرد القراءة في الكتاب دون أستاذ، فالأستاذ هو الطبيب الذي يبين مواضع الإشكال، ويصحح مواضع الغلط. فإذا تصدر الطالب بعد ذلك للخطابة والوعظ والتدريس واستشهد بحديث قرأه على الوجه الصواب من اللغة العربية، سواء في بناء الكلمة من حيث اللغة والصرف، أو إعراب الكلمة من حيث النحو. ويتجنب بذلك اللحن في الحديث النبوي الشريف، وهو أمر شنيع، وقد كره المالكية في صلاة الجمعة إمامة الذي يلحن في الحديث الشريف، لأنه يحرف كلام النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان ذلك بغير قصد، لكنه تقصير يجب عليه استدراكه، وإنما يكون استدراكه قبل حلوله بقراءة كتب الحديث الشريف على الشيوخ الثقات الذين يضبطون. ومن هنا يتبين أن القراءة إذا لم يكن فيها ضبطٌ لا يُعْتَدُّ بها، ولا تُعْتَبَرُ سماعًا صحيحًا، لأن شرط السماع هو السماع على وجه الصواب. وفي آخر هذا الفصل مزيد بيان وإيضاح لهذه المسألة.
4. ضبط أسماء الرواة: ومعرفة الأسماء وطبقات الشيوخ والتلاميذ، وضبط المشكل من أسماء الرواة، ومعرفة المختلف والمؤتلف، والمتفق والمفترق، وتمييز الصحابة من التابعين، ومعرفة من كان أبوه صحابيًّا، ومعرفة شيوخ كل مؤلف، ومعرفة الكُنى والألقاب، وغير ذلك مما يتعلق بالرواة والأسانيد.
وهذه منافع جمةٌ، وفوائد عظيمة، تطرق سمع الإنسان مرةً بعد مرةٍ، في كل كتاب من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
كتب الحديث يقرأه. فإذا واصل ذلك، واجتمع لديه ذهن صافٍ، وفكر واعٍ، وقلب من مشاغل الدنيا خالٍ، فإنه يكتسب ملكةً في علم الرجال والأسانيد، تعينه على طلب علم علل الحديث.
5. الاستزادة من العلم: ومن جملة فوائد سماع كتب الحديث الشريف على الشيوخ العلم الغزير الذي يستفيده السامع من الأحاديث التي تطرق سمعه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بابًا من أبواب العلم إلا تكلم فيه، وجميع ذلك متفرق في كتب السنة. فقارئ صحيح البخاري مثلًا يزداد علمًا في أبواب الفقه والتفسير والاعتقاد والآداب والفضائل، ويلتقط هذا العلم من أصح كتابٍ بمجرد السماع، ولا يحتاج في معظم ذلك إلى شرح.
6. الاطلاع على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم -: ومن جملة فوائد سماع كتب الحديث الشريف على الشيوخ اطلاع السامع على أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، وازدياد معرفته بدقائق حياته مع أهله ومع الصحابة الكرام، فإن أكثر الأحاديث تكشف عن جوانب من السيرة النبوية، وهي تقص حوادث جرت للصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكلما ازداد المسلم معرفةً بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم كلما ازداد محبة له، وتعلُّقًا به، وحرصًا على تعظيمه واتباع سنته.
7. كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم -: ومن جملة الفوائد كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما مرَّ اسمه، فإن منتهى كل إسناد إلى قول الراوي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، ونحو ذلك. ولا شك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأذكار، وأعظم القربات. وهو سبب لتفريج الهموم، ودفع البلاء، وتوسيع الأرزاق.
8. سماع الحديث طاعة: ومن جملة الفوائد أن سماع الحديث طاعة لله تعالى من عدة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)