وتصدر والد الإمام البخاري للتحديث فقصده الطلبة، وروى عنه أهلُ العراق. ومن جملة تلاميذه: يحيى بن جعفرٍ البِيكَنْدِيُّ، وهو الذي حدث البخاريَّ عن أبيه.، وأحمد ابن جعفر، ونصر بن الحسين.
وقد ذكر البخاري أباه في التاريخ الكبير في غير موضع، وترجم له باقتضابٍ، ومما ذكره عنه قوله: "حدثني أصحابنا يحيى وغيره عن أبي قال: رأيت حماد بن زيدٍ وجاءه ابن المبارك بمكة فصافحه بكلتا يديه". وذكره الإمام أبو حاتم محمد بن حِبَّان (270 - 354) في الطبقة الرابعة من الثقات.
أُمُّ البخاري:
هي أم الحسن وأم أحمد، ولم يصل إلينا كثير من أخبارها، ولكن الروايات التي وصلت تفيد أنها كانت امرأة صالحة، تقية، عابدة، مجابة الدعوة، تعرف قدر العلم.، ولذلك دفعت بابنها إلى المكتب ليطلب العلم، ثم رحلت به إلى الحجاز ليؤدي فريضة الحج، ويتابع طلب العلم ولقاء الشيوخ وسماع الحديث، وأذنت له بالتخلُّف في الحجاز وقفلت راجعة مع ابنها البكر أحمد.
وقد رُويت عنها قصةٌ تظهر مدى قربها من الله تعالى: هي أن البخاري فقد بصره في صغره، فاغتمَّت أمه لذلك، وكانت تبتهل إلى الله تعالى أن يرد عليه بصره .. فرأت ذات ليلة في المنام نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، فقال لها: قد رد الله على ابنك بصره، بكثرة دعائك له، فقام في الصباح وقد شفاه الله تعالى ورد عليه بصره.
وهذه القصة من أعظم الكرامات التي تظهر مكانة هذه الأم عند الله تعالى، ومكانة هذا الطفل الذي تولاه الله تعالى منذ صغره، ليكون بعد ذلك علمًا من أعلام الأمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الإسلامية، ويكون كتابه الجامع الصحيح أهم كتاب للمسلمين بعد القرآن الكريم.
أسرة البخاري:
كان للإمام البخاري أخٌ واحدٌ أكبر منه اسمه أحمد، رحلت بهما أمهما إلى الحج، ورجع أحمد مع أمه إلى بخارى، وتوفي فيها. وبقي البخاري في الحجاز لطلب العلم. ولا نعرف من أخبار أخيه سوى أنه كانت له زوجة، كانت تتردد على البخاري.
روى وراقه محمد بن أبي حاتمٍ في كتابه شمائل البخاري قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يُستجب له. فقالت له امرأة أخيه بحضرتي: فهل تبيَّنت ذلك أيها الشيخ من نفسك، أو جرَّبت؟ قال: نعم، دعوت ربي عز وجل مرتين فاستجاب لي، فلن أحب أن أدعوَ بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يُعجل لي في الدنيا. ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب والبخل".
ويبدو من تتبع أخبار الإمام البخاريِّ التي كتبها ورَّاقه في كتابه: شمائل البخاري أنه كانت للبخاري زوجة. فقد أراد البخاري أن يقاسم وراقه أمواله في قصة طويلة ساقها الذهبي قال فيها البخاري لوراقه: "لي جوَارٍ وامرأةٌ، وأنتَ عَزَبٌ، فالذي يجب عليَّ أن أناصفك لنستويَ في المال وغيره، وأربحُ عليك في ذلك".
وتفيد بعض الروايات أنه كان للبخاري ولدٌ اسمه أحمد يكنَّى أبا حفصٍ، نقل الذهبي عن غُنجارٍ بسنده إلى بكر بن منيرٍ قال: "كان حُمِلَ إلى البخاري بضاعةٌ أنفذها إليه ابنه أحمد، فاجتمع بعض التجار إليه فطلبوها بربح خمسة آلاف درهم، فقال: انصرِفوا الليلةَ. فجاءه من الغد تجارٌ آخرون.، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف. فقال: إني نويت بيعها للذين أتوا البارحة". وفي رواية أخرى زيادة: ولا أحب أن أنقض نيتي. وساق ابن عساكر الرواية بإسناده عن غُنْجارٍ وزاد فيها "أنفذها إليه ابنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
أحمد أبو حفصٍ". فهل سمى ابنه على اسمه أخيه أحمد وكناه بكنية شيخه ورفيق أبيه، أم أن المعنيَّ في هذه الرواية تاجرٌ اسمه أبو حفص أنفذ إلى البخاري بضاعة مع ابنه أحمد. كل ذلك محتمل، لكن يبقى نص ابن عساكر دليلًا على أن للبخاري ابنًا اسمه أحمد كنيته أبو حفص حتى يظهر دليل معارض.
وكانت للبخاري جارية تخدمه، فأعتقها لما أخطأت. ويفيد خبر آخر أنه اشترى جارية وانتقاها دميمةً.
وكانت له قرابات بعيدة من النساء في مدينة بخارى، وكانت تأتيه الرسائل منهن وهو في رحلاته ويجيب عليها. وكان له أقرباء في بلدة خرتنكَ، قيل إنه نزل عليهم قبيل وفاته.، وسيأتي اسم من نزل عليه عند الحديث عن وفاته رحمه الله تعالى.
طلبُ البخاريِّ للعلم:
بدأت نشأة البخاري في حضن أبيه الذي كان وثيق الصلة بعدد من كبار أهل العلم، يتردد عليهم ويرجعون إليه. ولا شك أن الأب غرس في ابنه حب القرآن الكريم والحديث الشريف وطلب العلم، حتى نشأ البخاري وذلك فيه سجيةٌ وهوًى.
وسرعان ما توفي والده وتركه يتيمًا، فاعتنت به أمه وربته أحسن تربية، وأرادت له أن يكون عالمًا كأبيه، فأرسلته إلى المكتب يطلب العلم. ويخبرنا البخاري هنا كيف أن الله تعالى ألهمه حفظ الحديث في المكتب وهو دون العاشرة من العمر.
وكان يتردد على بعض الفقهاء بمَروَ وهو صبيٌّ، وكان ما زال يكتب الحديث في المكتب.، فسأله أحد المؤدبين: كم كتبت اليوم؟ فقال: اثنين، وأراد بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يومًا، فكان كما قال ذلك الشيخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وعَرَف البخاري بما تأدب عليه في المكتب أن طلب العلم لا بد فيه من الحفظ فانصرف إليه، فأخذ كتب مشاهير المحدثين واشتغل بحفظها، ومما حفظه في تلك المرحلة المبكرة التي بلغ فيها بلغ السادسة عشرة من عمره:
1. كتب الإمام عبد الله بن المبارك (118 - 181):
قال يحيى بن معين في وصفها: "كانت كتبه التي يحدِّث بها عشرين ألفًا أو واحدًا وعشرين ألفًا". ولم يُمَيِّزِ الراوي العدد، ولم يبيِّن ما هو المعدود، وبين الشيخ زاهد الكوثري أن المعدود الأحاديث. وأرى أنه لا يَبعد أن تكون الأوراق، فإن ابن المبارك حمل عن ألفي شيخ، ولو كان المقصود عدد الأحاديث، لكان الكلام: "كانت أحاديثه التي يحدث بها عشرين ألفًا إلخ". ويؤيد ما ذهبنا إليه ما سيأتي أن البخاري حفظ في البصرة خمسة عشر ألف حديث في ستة عشر يومًا، وكان رفقاؤه يكتبون وهو لا يكتب.
2. كتب الإمام وكيع بن الجراح (129 - 197):
وهي: التفسير، وكتاب الزهد، والسنن، وفضائل الصحابة، والمُسند، والمصنف، والمعرفة والتاريخ، ونسخة [مرويات] وكيع عن الأعمش. وتدخل هذه المصنفات كلها في فنون الحديث لأن أبواب العلم كانت تعتمد على رواية بالأسانيد.
فانظر مقدار ما كان يشتغل البخاري بحفظه في مدة وجيزة. لتعرف مقدار ما حفظه، بعد ذلك، ولا تستغرب قوله: إنه انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث.
ولا يُستغرب انتشار كتب ابن المبارك ووكيعٍ في بخارى.، فكلاهما كان يميل إلى مذهب أبي حنيفة، وكانت خراسان وبخارى من أهم معاقل مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ثم اشتغل البخاري بطلب الفقه على مذهب أهل الرأي، أي مذهب أبي حنيفة، فكان يتردد على الإمام أبي حفص الكبير، وهو أحمد بن حفصٍ البخاري (150 - 217).، من كبار أئمة الحنفية وتلميذُ محمد بن الحسن الشيباني (131 - 189). ومما قرأه عليه البخاري كتاب الجامع لسفيان الثوري.
يقول البخاري: كنت عند أبي حفصٍ أحمد بن حفصٍ أسمع كتاب الجامع جامع سفيان من كتاب والدي، فمرَّ أبو حفصٍ على حرفٍ ولم يكن عندي ماذكر، فراجعته، فقال الثانية كذلك، فراجعته الثانيةَ فقال كذلك، فراجعته الثالثةَ فسكت سويعة ثم قال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدِزْبَهْ، فقال أبو حفصٍ: هو كما قال: واحفظوا فإن هذا يصير يومًا رجلًا.
وكان للإمام البخاري أيام طلبه للعلم ببخارى بلدِه رفقاءُ، منهم: الإمامُ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حفصٍ (-264) الذي صار من بعد مفتي بخارى وأحد كبار الأئمة، وهو ابن أبي حفصٍ الكبيرِ، نقل الذهبي أنه رافق البخاريَّ في الطلب مدةً.
وقد وضع البخاري لنفسه منهجًا دقيقًا في طلب العلم، فمع أنه كان يروي عمن هو فوقه ومثله ودونه من الشيوخ، إلا أنه كان يدقق مع الشيوخ الذين يروي عنهم من غير المشاهير من الأئمة، فكان يسأل الرجل عن اسمه وكنيته ونسبه، وكيف تحمَّل الحديث الذي يرويه، فإن لم يكن من أهل الحفظ والدراية، طلب منه أن يُخرج له أصل كتابه، فيستعيره منه وينسخه.
وهذا الحرص من الإمام البخاري هو الذي أوصله إلى أعلى المراتب بين أهل عصره ومن بعدهم. ومن أمثلة حرصه قوله في بعض كلامه: تركت أنا عشرة آلافِ حديثٍ لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
رحلات البخاري:
ابتدأ الإمام البخاري الرحلة سنة عشر ومائتين وهو ابن ستَّ عشرةَ سنةً، وكانت أول رحلة له إلى الحج صحبةَ أمِّه وأخيه أحمد، وهو أكبرُ منه، وبقي هو في الحجاز لطلب العلم، وقفلَ أخوه أحمدُ بأمه إلى بخارى.
ورحل البخاري بعد ذلك إلى الشام ومصر وبغداد والكوفة والبصرة. وأقام بالبصرة خمس سنين، وبالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين. وكان أول دخوله إلى بغداد آخر سنة عشر ومائتين قبل فتنة خلق القرآن.، وتردد إليها مرارًا، منها ثماني مراتٍ لقي فيها الإمام أحمد بن حنبلٍ. ودخل مدن بلخ ومروَ والرَّي وواسط ودمشق وحمص وعسقلان. وورد نيسابور أول مرة سنة 209، ودخل عسقلان سنة 217 ودخل مصر مرتين إحداهما سنة 217.
ثم رحل بعد ذلك في التحديث، فدخل إلى عدد من البلاد التي كان طلب العلم بها.، بعد أن طبَّقت شهرته الآفاق، وحدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النهر، وقدم الرَّيَّ سنة 250، وأقام بنيسابور خمس سنين ابتداءً من سنة 250. وورد أنه أسمع الجامع الصحيح بمدينة فربر سنة 248، وأسمعه بمدينة بخارى سنة 252.
وقد طاف الإمام البخاري البلاد، ودخل حواضر الإسلام الكبرى، منها مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد عاصمة الخلافة، وقضى معظم عمره متنقلًا بين البلاد راحلًا إما في طلب الحديث أو في إملائه.
ولكنه رغم ذلك آثر العودة إلى خراسان وبلده بخارى. ويبدو أنه ندم على ذلك في آخر عمره، بعدما جرى له من المحن وما قاساه من الشدائد في نيسابور وبخارى وغيرهما جَرَّاءَ حسدِ الأقران. يشير إلى ذلك ما رواه وراقه أبو جعفرٍ محمدُ بن أبي حاتم حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
قال: "سمعت البخاري يقول.: "دخلت بغداد آخر ثمانِ مراتٍ، في كل ذلك أجالس أحمد بن حنبلٍ.، فقال لي في آخر ما ودعتُه: يا أبا عبد الله، تدعُ العلم والناسَ وتصير إلى خراسان! " قال: "فأنا الآن أذْكُر قوله".
شيوخ البخاري:
روى البخاري عن ألف وثمانين شيخًا، روي عنه أنه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال: دخلت بلخَ، فسألوني أن أُمْلِيَ عليهم لكل من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ.
وأعلى شيوخه طبقةً بعض أتباع التابعين، منهم محمد بن عبد الله الأنصاري، وعصام ابن خالد وأبو عاصم النبيل ومكي بن إبراهيم.
وأكثر شيوخه تأثيرًا فيه هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث عليُّ بن المَديني (161 - 234)، رُوي عن البخاري أنه قال: "ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلا عند علي بن المَديني، وربما كنت أُغْرِبُ عليه" ويقول: "ما سمعت الحديث من في إنسانٍ أشهى عندي من أن أسمعه من في علي". وروى عنه في الصحيح أكثر من مائتي حديث. ومع ذلك فإن ابن المديني كان إذا بلغه قول البخاري فيه قال: "دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه". وعن فتح بن محمد النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالسًا عن يمينه، وكان إذا حدَّث التفت إليه كأنه يهابه. ومما يُظهر تأثير ابن المديني في البخاري واختصاص البخاري به أن ابن كثير لما ذكر في البداية والنهاية وفيات سنة 234 قال: "وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
البخاري في صناعة الحديث".
وأكثر من روى عنه من الشيوخ هو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الدمشقي التنيسي (-218)، وهو من رواة الموطأ عن الإمام مالك، روى عنه البخاري في الصحيح ثلاثمائة وخمسةً وأربعين حديثًا، وكان لقيه بمصر سنة مائتين وسبعَ عشرةَ .. ومن أبرز شيوخه:
عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي (-219)
خَلَّاد بن يحيى المُقرئ (-213)
عبيد الله بن موسى العَبْسي (-213)
عصام بن خالد أبو إسحاق الحمصي (-211)
طَلْق بن غنام الكوفي (-211)
أبو عاصم النبيل الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ (-212)
مكيُّ بن إبراهيمَ (126 - 214)
عصام بن خالد الحضرمي أبو إسحاق الحمصي (-214)
أبو نُعيم الفضل بن دُكَين (130 - 219)
علي بن عَيَّاشٍ الحمصي (143 - 219)
آدم بن أبي إياس (132 - 220)
أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي (138 - 222)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
سليمان بن حرب (140 - 224)
محمد بن سَلَامٍ الِبيكَنْدِي (-225)
يحيى بن يحيى التميمي الخراسانيُّ (142 - 226)
عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمانٍ الجُعفي المُسْنَديُّ (-229)
يحيى بن مَعينٍ (158 - 233)
إسحاق بن راهَوَيْهِ (161 - 238)
قتيبة بن سعيدٍ البلخي (149 - 240)
الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241)
علي بن حُجر المروزي (154 - 244
نبوغ البخاري:
كان البخاري نابغةً، شديد الذكاء، دقيق الفهم، واسع العلم، له في في الأسانيد بصيرة نافذة، ونظر ثاقب، وأوتي مع ذلك حدَّةَ الذهن، وسرعةَ الاستحضار. ولذلك صار مرجعًا لشيوخه وهو ما زال بعد في ريعان الشباب.
ومن الأمثلة على نبوغ البخاري في سنٍّ مبكرةٍ أنه حضر مرة في مجلس شيخه محمد بن يوسف الفِريابي (-212) وهو ما زال فَتًى دون الثامنة عشرة من عمره، ، فقال الفريابيُّ.: حدثنا سفيان عن أبي عَروبةَ عن أبي الخطاب عن أنسٍ «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في غُسلٍ واحد»، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عَروبةَ ولا أبا الخطاب، فقال البخاري: "أما أبو عَروبة فمَعْمَرٌ، وأما أبو الخطاب فقَتادةُ، وكان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
الثوري فَعولًا لهذا، يَكْني المشهورين".
وقال له شيخه عبد الله بن يوسفَ التِّنِّيسيُّ (-218) مرة: يا أبا عبد الله! انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقْط، فقال البخاري: نعم.
وقال له شيخه محمد بن سَلَام البيكنَدي (-225): انظر في كُتُبي، فما وجدتَ فيها مِن خطأ فاضربْ عليه. وقال له شيخه إسماعيل بن أبي أويس (-226): انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكرٌ لك أبدًا ما دمتُ حيًّا.
وروي عن الحافظ أبي حامدٍ أحمد بن حمدون (-321): أنه رأى البخاري في جنازة سعيد بن مروان البغدادي، وكان ذلك في نيسابور منتصف شهر شعبان من سنة 252.، وشيخه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ (172 - 258) يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاري يمرُّ فيه كالسهم - أي في سرعة الإجابة - كأنه يقرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}. وسعيد بن مروان هو أحد شيوخ البخاري.
وذكر الحافظ أحمد بن الأزهر العَبدي النيسابوري (-261) أنه كان بسمرقند أربعمائة من طلاب الحديث، فاستعدوا سبعة أيامٍ لمغالطة البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن.، فأتى بكل إسناد على وجه الصواب، وما وجدوا في أجوبته خطأً واحدًا، لا في الإسناد ولا في المتن.
حفظ البخاري:
كان البخاري سريع الحفظ، وكانت له ذاكرة قوية واسعة، وكان سريع الاستحضار لما حفظه. وقد وصل في الحفظ إلى درجة أدهشت شيوخه ومعاصريه، ولم يأت بعده في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
الحفظ والفهم مثله. روي عنه أنه قال: أحفظ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومائتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيح.
وقال أبو بكر محمد بن رزق الله الكَلَوْذَاني (-249): "ما رأيتُ مثلَ محمد بن إسماعيل.، كان يأخذ الكتابَ من العِلم فيطَّلع عليه اطِّلاعةً.، فيحفظ عامَّةَ أطراف الحديث من مرَّة واحدة".
وذكر البخاري عن نفسه أنه يستطيع أن يملي من حفظه عشرة آلاف حديث في الصلاة. فإذا كان هذا مقدار ما يحفظه من الحديث في باب واحدٍ هو الصلاة، فما مقدار ما يحفظه في سائر أبواب العبادات والمعاملات والفضائل والآداب والفتن والتوحيد والتفسير والمغازي.
روي عن حاشد بن إسماعيل بن عيسى البخاريِّ الغزَّال (-261) - وهو أحد كبار الحفاظ من أقران البخاري - أن الإمام البخاري كان وهو غلامٌ يحضر مجالس الحديث معهم عند مشايخ البصرة، ويستمع إلى ما يُملونه من الأحاديث ولا يكتب كما يفعل الطلبة، ومضت ستة عشر يومًا وهو على هذا الحال، فلاموه عند ذلك، فضجِرَ من لومهم وقال لهم:
- قد أكثرتم عليَّ، فاعرضوا عليَّ ما كتبتم.
قال حاشد بن إسماعيل: "فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألفَ حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحْكم كتبنا من حفظه". وقال لهم:
- أتُرون أني أختلفُ هدرًا وأضيع أيامي!
قال: فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
امتحان علماء بغداد للبخاري:
وهذه قصة عجيبة تدل على حفظ البخاري للنصوص على الفور، بدون حاجة إلى تكرار. فقد سمع به أهلُ الحديث لما قدم بغداد، فاجتمعوا لامتحانه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلَبُوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متنَ هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوهَا لعشرة أنفسٍ، لكلِّ رجلٍ عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضَروا المجلسَ أن يُلقوا ذلك على البُخاري.، وأخذوا عليه الموعدَ للمجلس، فحضرَ وحضرَ جماعةٌ كثيرون من الغُرباء من أهل خُراسان وغيرهم ومن البغداديين.
فلمَّا اطمأنَّ المجلسُ بأهله، انتدبَ رجلٌ من العشرة، فسألَه عن حديث من تلك الأحاديث، فقال له البُخاري: لا أعرفه. فما زالَ يُلقي عليه واحدًا بعد واحدٍ حتى فرغَ، والبُخاري يقول: لا أعرفه، فكان العُلماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضُهم إلى بعض، ويقولون: فَهِمَ الرجل، ومن كان لم يَدْرِ القضيَّة، يقضِي على البُخاري بالعجزِ والتَّقصير وقلَّة الحفظ.
ثم انتدبَ الثاني من العشرة، وفعل كالأول، وقال له البُخاري كالأول، ثم انتدبَ الثالث والرابع.، وهكذا إلى تمام العشرة، حتى فَرَغُوا كلهم من إلقاءِ تلك الأحاديث المقلوبةِ، والبُخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه.
فلمَّا علم أنهم فَرَغُوا التفتَ إلى الأول فقال: أمَّا حديثك الأوَّل فقلت: كذا وصوابُه كذا، وحديثُك الثاني كذا وصوابُه كذا، وهكذا الثَّالث والرَّابع إلى تمام العشَرة على الوِلاء. فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ، وكلَّ إسنادٍ إلى متنهِ في الجميع على الوِلاء في السؤالِ، فأقرَّ الناسُ له بالحفظِ، وأذعَنُوا له بالفضل.
قال الحافظ أبو الفضل أحمد بن عليٍّ الشهير بابن حجر العسقلاني (773 - 852): "فما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقَوه عليه من مرة واحدة.
علم البخاري بالعربية:
لم يقتصر البخاري في طلبه للعلم على الحديث، بل توسع في علوم العربية، حتى ملك أدوات الاجتهاد، وصار ينظم الشعر. ومن الإشارات التي تدل على تمكنه في علوم العربية أنه هو نفسه جعله شرطًا للمحدث قبل طلب الحديث في نصيحته الشهيرة فقال: "ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو".
ومن تتبع كلام الإمام البخاري الذي رُوي عنه، ومفرداته التي كان ينتقيها، علمَ مقدار علمه بالعربية، فإن كلام الرجل ينبئ عن فصاحته، والمرء مخبوءتحت طَيِّ لسانه، لا تحت طَيْلَسانه.
ومما يدل على تمكنه من العربية ما ساقه من اللغة في تراجم أبواب الصحيح، ومنه ما رواه من كتاب مجاز القرآن لأبي عبيدةَ مَعمرِ بن المُثَنَّى (112 - 208)، مع أن الكتاب يعتمد على اللغة في تفسير القرآن، بدل الاعتماد على السنة.
قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: "وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارةً يصرح بعَزْوِهِ.، وتارةً يُبْهِمُه".
كما أن البخاري ساق في الصحيح خبرًا فيه ثلاثة أبياتٍ لامرئ القيس بن حِجرٍ الكندي مع أنه من شعراء الجاهلية، ويعرف بالملك الضِّلِّيل، وسنتكلم فيما بعد عن الشعر في صحيح البخاري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
وصل البخاري في التمكن بالعربية إلى درجة نظم الشعر، وهي مرتبة تحتاج إلى مُكنة وسليقة وقريحة، مما يدل على أن عربيته صارت ملكة، وأن كونه غير عربي الأصل لم يؤثر فيه على الإطلاق. ومن هنا يتبين لنا تهافت المطاعن التي وجهت إليه من حيث أنه غير عربي. ومن شعر الإمام البخاري قوله:
اغْتَنِمْ في الفَراغِ فَضْلَ رُكُوعٍ … فَعَسى أنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ … ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ
تصدر البخاري للتحديث:
بدأ الإمام البخاري بإملاء الحديث وهو دون الثامنة عشرة. قال أبو بكر بن أبي عتاب الأعين.: "كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفِريابي". وكانت وفاة شيخه الفِريابي سنة 212.
فدل ذلك على أن البخاري كان قد عُرف بالحفظ والرواية قبل ذلك، حتى بدأ الناس يأخذون عنه.
ولم يتصدر البخاري للتحديث إلا بعد تحقق أهليته، رُوي عنه أنه قال: "ما جلستُ للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى نظرتُ في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثًا إلا كتبته" ..
شهرة البخاري:
لم تكن شهرة البخاري مؤسسة على قربه من الخلفاء، بل على نبوغه في العلم والحفظ.، وجهوده في خدمة السنة المشرفة. عن أبي جعفرٍ محمد بن أبي حاتم ورَّاقِ البخاري: أن طلبة العلم كانوا يَعْدُون خلف الإمام البخاري فى طلب الحديث وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسوه فى بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوفٌ.، أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان شابًّا لم يخرج وجهه، أي لم ينبت شعر وجهه بعدُ.
ولما وصل البخاري إلى مدينة نيسابور خرج أهل البلد لاستقباله، فكان عدد من استقبله على الخيل أربعةَ آلافِ رجلٍ، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا، وسوى الرَّجَّالة.
قال الإمام مسلمُ بن الحجاج: لمَّا قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليًا ولا عالمًا فَعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثةً
تلاميذ البخاري:
وصل عدد تلاميذ الإمام البخاري الذين حضروا مجالسه وسمعوا منه إلى عشرات الآلاف.، وذلك لشهرته بالحفظ والضبط والإتقان، وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفًا. وبلغ عدد الذين سمعوا الصحيح منه تسعين ألفًا.
ومن جملة من روى عن الإمام البخاريِّ عددٌ من شيوخه رووا عنه وهو في شبابه، وعدد من أقرانه، وذلك لِما رأوه من حفظه وعلمه.
وأشهر تلاميذه هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطرٍ الفربريُّ المتوفى سنة 320 وقد نيَّف على التسعين. والفربري بكسر الفاء وفتحها، وسماعُنا هو بالكسر.
وآخر من بقي من تلاميذه الذين روَوا عنه الصحيح هو المُسنِدُ أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينةَ البَزْدَوِيُّ النسفي (-329).
وآخر من مات من تلاميذه هو الإمام العلامة المحدث الثقة القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد الضبِّيُّ البغدادي المَحاملي (235 - 330). ولم يكن يروي صحيح البخاري، لكنه سمع الحديث من الإمام البخاري في بغداد خلال آخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
زيارة للبخاري، لما عقد مجالس أملاها ببغداد. ومن أشهر تلاميذه:
الإمام مسلمُ بن الحجاج (204 - 261) صاحب الصحيح، روى عنه في غير الصحيح
أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (-264)
الإمام أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي (195 - 277)
الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (209 - 279)
الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا (208 - 281)
الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي (198 - 285)
الإمام أبو بكر ابن أبي عاصم (206 - 287)
الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرٍو البزار (-292)
الحافظ أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة (205 - 293)
الإمام محمد بن نصر المروزي (202 - 294)
الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (223 - 311)
الحافظ أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي (214 - 317)
الإمام يحيى بن محمد بن صاعد (228 - 318)
الإمام محمد بن يوسف الفَربري (-320) راوي الصحيح عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وَرَّاقُ البخاري:
الوراق: هو الناسخ الذي يكتب للعالم ويعتني بكتبه، ويحفظها، وينسخ كتبه، للناس. وكان للبخاري وراق لازمه وخدمه في أخريا عمره اسمه أبو جعفرٍ محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق.
كان أبو حاتم شابًّا، لازم البخاري مدة طويلة في الحضر والسفر، وكان يخدمه، وروى عنه الحديث، وألف كتابًا في سيرته سماه: شمائل البخاري، وهو جزء ضخم رواه الذهبي بإسناده ونقل منه. وكان البخاري رحمه الله تعالى يبالغ في إكرامه، ويرفُق به. روى أن البخاري كان يقوم في الليل يصلي ويكت الحديث ولا يوقظه، فسأله، فقال البخاري له: "أنت شابٌّ، فلا أحب أن أفسد عليك نومك".
مُسْتَمْلي البخاري:
المستملي: هو الذي يطلب من المحدث الإملاء ويستزيده، ويُملي على الناس حديثه، ويُبلِّغ الناسَ صوته. ويبدو أنه كان للإمام البخاري جماعة يستملون منه الحديث في كل بلد يحدث فيه إذا كثر الجمع. وكان مستملي الإمام البخاري في بغداد في بعض رحلاته الإمام الحافظ الحجة أبو علي صالح بن محمد الأسدي البغدادي الملقبُ جَزَرَة (205 - 293)، استملى منه الحديث في جمع بلغ عشرين ألفًا. وهو أحد كبار المحدثين، استوطن بخارى بعد وفاة الإمام البخاري سنة 266. وقال محمد بن يوسف بن عاصم: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد. وأحد هؤلاء المستملين أبو معشر الضرير واسمه حمدويه بن الخطاب بن إبراهيم البخاري وهو حافظ ثقة من أهل بخارى. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: بقي إلى حدود الثمانين، أي ومائتين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
مذهب البخاري في الفقه:
تفقه الإمام البخاري في نشأته على مذهب أبي حنيفة، وهو مذهب أهل بلده بخارى.، ومذهب أصحاب أبيه وبعض رفقائه.
وقد تجاذبه أهل كل مذهب لإثبات أنه كان على مذهبهم، ولكن الصواب أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وكان مجتهدًا مطلقًا في الفقه، فقد ملك أدواته، فصار يستنبط الأحكام بنفسه من الكتاب والسنة، وله اختيارات خاصة في الفقه. ولا شك أنه فقيه كبير، ويظهر جانب من فقهه في ترجمات أبواب الصحيح.
مذهب البخاري في الاعتقاد:
كان الإمام البخاري في الاعتقاد على مذهب المحدثين الذين اتبعوا خيار السلف الصالحين، يُثبت ما أثبته الله تعالى لذاته من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تصرف في اللفظ بالاشتقاق، ولا توسع في الاستعمال.
وكان يفوض علم المتشابه لله تعالى، ولا يرى حرجًا في تأويل ما يجب تأويله، كما يُعلم مِن تتبُّع ما خرَّجه في كتابه. وفي الصحيح من الكتب المتعلقة بالاعتقاد كتاب الإيمان في أوله، وكتاب التوحيد في آخره.، وقد ذكر في كتاب التفسير وغيره كثيرًا مما يتعلق بالاعتقاد.
ومن الشواهد على ذهابه إلى التأويل قوله في أول تفسير سورة القصص: " {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: 88] إلا مُلْكَهُ، ويقال: إلا ما أُريدَ به وجه الله" (6/ 112).
وتعرض البخاري إلى محنة شديدة، بسبب خلافه مع شيخ خراسان الإمام محمد بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
يحيى الذُّهلي في مسألة (لفظي بالقرآن مخلوق)، فإن الذهلي كان متشدِّدًا يرمي بالبدعة كل من يقول بذلك. ومع أن الإمام البخاري صرح مرارًا بأنه لم يقل ذلك، إلا أن خصومه اتهموه بالقول باللفظ، وحشدوا العامة ضده، وحذروا الناس منه، حتى خرج من نيسابور وحيدًا. وبقي البخاري صامدًا يحاول أن يوقف هذا المدَّ الذي سلك مسلكًا خطأً، وأبى أن يتراجع لأجل تسكين العامة وإرضاء خصومه، وفضل أن يرحل من بلد إلى بلد، إلى أن ضاقت به الأرض، ولم ينحرف عن الحق قِيد شعرة. وكان جوابه أن أفعالنا مخلوقة وأن ألفاظنا من أفعالنا، وهو مذهب أهل السنة الذي تمسك به بعد ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري ومن تبعه من أهل السنة.
وكان البخاريُّ يرى أن أفعال العباد مخلوقة، وتصدى في هذه المسألة للمعتزلة، فألف كتابًا في الرد عليهم. وكان يرى أن الإيمان قولٌ وعمل، وأنه يزيد وينقص.
صفة البخاري:
وردت صفة البخاري عن الحسن بن الحسين البزاز قال: " رأيت محمد بن إسماعيل بن إبراهيم شيخًا، نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير ".وربما سبب نحوله ما روي أنه كان قليل الأكل جدًّا، فقد مكث أربعين عامًا يأكل الخبز وحده لا يأكل معه الإدام. فلما مرض ذكر الأطباء أن دواءه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه العلماء والطلبة، فقبل أن يأكل مع الخبز سُكَّرًا. وكان يحب القثاء ويؤثره على البطيخ أحيانًا.
أخلاق البخاري:
كان الإمام البخاري واسع الكرم، كثير الإنفاق على الطلبة، شديد الورع في المال والكسب، يصون لسانه عن الغيبة، لا يتكلف التواضع، بل هو فيه سجية. ولم يكن يغضب لذم ولا يفرح بمدح، فقد كان يحلف أن المادح له والذام من الناس هما عنده
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
سواء. ومع تواضعه الشديد فقد كان مترفعًا بالعلم، متعززًا به، يعرف قدر العلم الذي شرفه الله تعالى به، يعز العلم، ويبذله لأهله، ويصونه عن غير أهله.
ولم يكن البخاري يتكسَّب بالحديث، أو يتقاضى أجرًا عليه من الناس، ولا يقبل عليه عطاءً، بل كان يحسن إلى طلبة الحديث، ويتعاهدهم بالنفقة، ويوصيهم بكتمان ذلك. ولم يؤلف كتبه للملوك، ولم يحدِّث بين أيديهم.
ومن أمثلة تواضعه أنه كان مرةً يبني رباطًا خارج بخارى، فكان ينقل اللَّبِنَ بنفسه، رغم أنه اجتمع كثيرٌ من الناس لإعانته على ذلك. فقال له ورَّاقه: يا أبا عبد الله إنك تُكفى ذلك، فقال: هذا الذي ينفعني.
وكانت للبخاري جاريةٌ فأرادت مرةً الدخول عليه، فعثرت بمِحبرة بَين يديه، فقال لها.: كيف تمشين.؟ فقالت: إِذا لم يكن طريقٌ كيف أمشي؟ فبسط يديه وقال: اذهبي فقد أعتقتُكِ. فقيل له: أغضبتك وأعتقتها! فقال: أرْضيتُ نفسي بما فعلت.
وكأن البخاري أراد أن يعمل هنا بقول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة آل عمران: 134]، ولكنه ستر أمره بقوله: "أرضيتُ نفسي بما فعلت".
وتميَّز البخاري من بين كثير من الفضائل بثلاث خصال:
1. كان قليل الكلام.
2. كان لا يطمع فيما عند الناس.
3. كان لا يشتغل بأمور الناس، بل كان كل شغله في العلم.
وكان شديد الثبات على الحق، لا يعدل عنه مهما لقي في سبيل ذلك من الصعاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)