Arabic source text

📘 আল-মাদখাল ইলা সহীহিল বুখারী (মুহাম্মাদ আবু আল-হুদা আল-ইয়াকুবী)

📘 المدخل إلى صحيح البخاري (محمد أبو الهدى اليعقوبي)

📘 আল-মাদখাল ইলা সহীহিল বুখারী (মুহাম্মাদ আবু আল-হুদা আল-ইয়াকুবী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
40. الحافظ ابن كثير (-774):
هو إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقْتَدَى به في أوانه، والمقدَّمُ على سائر أضرابه وأقرانه.
41. الحافظُ أبو الفضل العسقلاني (773 - 852):
ولو فتحتُ بابَ ثناءِ الأئمة، ممَّن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفِدت الأنفاس، فذاك بحرٌ لا ساحلَ له.
وبعد ما تقدم من ثناءِ كبار مشايخه عليه لا يُحتاج إلى حكاية مَن تأخر، لأن أولئك إنما أثنوا بما شاهدوا، ووصفوا ما علِموا.
42. الحافظ بدر الدين العيني (-855):
الحافظ الحفيظُ الشهير، المميز الناقد البصير، الذي شهِدتْ بحفظه العلماءُ الثقات.، واعترف بضبطه المشايخُ الأثبات، ولم يُنكِر فضله علماء هذا الشان، ولا تنازَع في صحة تنقيده اثنان، الإمام الهمام، حجةُ الإسلام.
43. شهاب الدين القسطلاني (-922):
هو الإمام، حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النقاد الأعلام، شيخ الحديث، وطبيب علله في القديم والحديث، وإمام الأمة عُجمًا وعُربًا، ذو الفضائل التي سارت السَّراة بها شرقًا وغَربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردة، والضابط الذي استوى لديه الطارفة والتالدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

‌‌الفصل الثالث: من أقوال الإمام البخاري
* رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وكأنِّي واقف بين يديه، وبيدي مِروحةٌ أذُبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين فقال لي: أنتَ تَذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح ..
* دخلتُ على الحُمَيْدِيِّ (وهو من أبرز شيوخه) وأنا ابنُ ثماني عشْرة سنَة، وبينه وبين آخر اختلافٌ في حديث، فلما بَصُرَ بي الحُمَيْدِيُّ، قال: جاء مَنْ يفصِلُ بيننا. فعرضا عليَّ، فقضيتُ للحُميديِّ، وكان الحقُّ معه.
* ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
* ما اغتبتُ أحدًا قطُّ منذ علمت أن الغيبة حرام.
* إنِّي لأرجو أن ألقى اللهَ ولا يحاسبُني أنِّي اغتبت أحدًا من هذه الأمة.
* ما أتيتُ شيئًا بغير علم قطُّ منذ عقلت.
* ما أردت أن أتكلم بكلام فيه ذكر الدنيا إلا بدأتُ بحمد الله تعالى والثناء عليه ..
* وقال لورَّاقه محمد بن أبي حاتم، بعد ما أملى عليه كثيرًا من الحديث وخشي أن يكون قد ملَّ: طِبْ نفْسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
* ذكر عمر بن مجاهد أنه دخل على محمد بن سَلَامٍ البِيكَنْدِيِّ (-225) بعد انصراف البخاري، فقال له: لو جئت قبل ذلك لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألفَ حديثٍ. قال:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

فخرجت في طلبه حتى لحقتُه، وسألته:
- أنت الذي يقول: إني أحفظ سبعين ألف حديث؟ فأجاب البخاري:
- نعم، وأكثر. ولا أحدِّثك بحديثٍ عن الصحابة والتابعين إلا عرَّفتُكَ مولدَ أكثرهم، ووفاتَهم، ومساكنَهم. ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي من ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ومن جواهر كلام الإمام البخاري هذه النصيحة التي نصح بها أبا العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمذاني، وهذه قصتها كما ساقها الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المِزِّيُّ (654 - 742) في تهذيب الكمال: عن أبي المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن إبراهيم بن الفضل البخاري، قال: لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمذاني عن قضاء الري، ورد بخارى سنة ثماني عشرة وثلاث مائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي، سماه أبو الحسن التميمي، فنزل في جوارنا، قال: فحملني معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه. وقال له: أسألك أن تحدث هذا الصبي بما سمعت من مشايخك رحمهم الله، فقال: مالي سماع، قال: فكيف وأنت فقيه، فما هذا؟ قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إِلَى طلب الحديث، ومعرفة الرجال، ودراية الأخبار، وسماعها، فقصدت مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ ، ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في معرفة الحديث، فأعلمته مرادي وسألته الإقبال علي بذلك. فقال لي: يا بني، لا تدخل في أمر إِلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره. قال: فقلت له.: عَرِّفني حدود مَا قصدت له ومقادير مَا سألتك عنه. قال:
"اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملًا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعًا، مع أربع.،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

كأربع، مثل أربع، في أربع، عند أربع، بأربع، على أربع، عن أربع، لأربع. وكل هذه الرباعيات لا تتم له، إلا بأربع، مع أربع. فإذا تمت له كلها هان عليه أربع، وابتلي بأربع. فإذا صبر على ذلك أكرمه الله في الدنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربع.
أما الأربعة التي تحتاج إلى كتابتها فهي:
أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرائعه، والصحابة ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم. مع أسماء رجالهم، وكناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم. كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع الترسُّل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات .. مثل المسندات.، والمرسلات، والموقوفات، والمقطوعات. في صغره. وفي إدراكه، وفي كهولته، وفي شبابه. عند فراغه، وعند شغله، وعند فقره، وعند غناه. بالجبال، والبحار، والبلدان، والبراري. على الأحجار، والأصداف، والجلود، والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق. عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.، وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره .. لوجه الله تعالى طالبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها، ولنشرها بين طالبيها ومجتنيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده.
ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو. مع أربع هي من إعطاء الله تعالى أعني: القدرة، والصحة، والحرص.، والحفظ.
فإذا تمت له هذه الأشياء هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والموطن. وابتلي بأربع: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، ولذة العلم، وحياة الأبد. وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، ويسَقي من أراد من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم.، وبجوار النبيين في أعلى عليين في الجنة.
فقد أعلمتك يَا بني مجملًا جميع ما كنت سمعت من مشايخي متفرقًا في هذا الباب، فأقبلِ الآن على ما قصدتني له، أو دع".
قال: فهالني قوله وسكتُّ متفكرًا، وأطرقت نادمًا، فلما رأى ذلك مني قال: "فإن لا تطق احتمال هذه المشاق كلها فعليك بالفقه الذي يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعد الأسفار وطي الديار وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة الحديث.، وليس ثواب الفقيه بدون ثواب المحدث في الآخرة، ولا عزه بأقل من عز المحدث".
فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على علم ما أمكنني من علمه بتوفيق الله ومَنِّه، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي يا أبا إبراهيم.
فقال أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الذي لا يوجد عند أحد غيرك خير من ألفٍ حديث يوجد مع غيرك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

‌‌الفصل الرابع: التعريف بالجامع الصحيح
‌‌العنوان التام للجامع الصحيح:
الجَامِعُ المُسْنَدُ الصَّحِيحُ المُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسُنَنِهِ وَأيَّامِهِ. وهذا العنوان عندنا هو الصواب. وهو الذي ذكره الحافظ أبو نصر أحمد بن محمد البخاري الكَلاباذي (323 - 398) في طالعة كتابه أسماء رجال الصحيح المُسَمَّى الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، وهو مصدرٌ قديم معتبر قريب العصر من المؤلف وقد وصفه الذهبي في ترجمته بأنه "عارف بصحيح البخاري". وقد أثبت هذا الاسم جماهير العلماء كالقاضي عياض (-544) والنووي (-676) وابن الصلاح (-643) وابن رُشيدٍ السبتي، وغيرهم.
ويروى: الجامع الصَّحيح المختصر المسند من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنه وأيَّامه، كما ورد على بعض النسخ الخطية المسنَدة، ولكننا نرى أن هذا العنوان بهذا الشكل قد دخله شيء من الغلط في ترتيب الكلمات، والصواب ماأثبتناه لسببين:
السبب الأول: أن من القواعد في ذكر الصفات تقديم العام على الخاص، ليكون في ذكر الخاص بعد ذلك زيادة فائدة بنوع من التخصيص. مثال ذلك في النِّسب وصف إنسان بأنه عربي هاشمي، فلا يصح هنا تقديم الهاشمي على العربي، لأن الهاشمي لا يكون إلا عربيًّا، فلا يكون في الكلمة زيادة فائدة، وكلام العقلاء مَصونٌ عن ذلك. فإذا قلنا (العربي) فإن السائل يستفيد معرفة ذلك وربما يتساءل من أي القبائل أو البطون هو، فيأتيه الجواب مخصِّصًا بكونه هاشميًّا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

وكذلك الأمر هنا، فإن وصف المسنَد أعمُّ من وصف الصحيح، وبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، فكل صحيحٍ مسنَدٌ، وليس كل مسندٍ صحيحًا، فالصحيح أخصُّ من المسند مطلقًا، والمسند لفظ عامٌّ يشمل الصحيح وغيره، فتقديمه على الصحيح واجب. ونحن ننزه من هو دون الإمام البخاري بمئات المراحل عن الوقوع في مثل ذلك، فكيف بالإمام البخاري وقد وصل في العلم إلى أعلى المراتب، وتمكن في العربية، ونظم الشعر، وحفظ مائة ألف حديث من الصحيح من كلام أفصح الفصحاء صلى الله عليه وسلم. فلا بد أن يكون وضع العنوان على هذا الشكل: الجامع المسند الصحيح، بتقديم العام على الخاص، لتكون كل كلمة في موضعها من العنوان مفيدة.
السبب الثاني: أن الجار والمجرور (من أمورِ) متعلقان بقوله (المختصر) لا بقوله (المسند)، ولو كان الجار والمجرور متعلقًا بقوله: (المسند) لوجب استعمال حرف الجر (إلى) أو (عن)، فالحديث إما أن يُسند إلى فلان، أو يُسند عنه، أما أن يُسند من أموره فهذا ما لا يصح في كلام الناس. ولا يُقال: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، أو في المسند تضمين، لأن ذلك بعيدٌ في العناوين، ويحتاج إلى تكلّفٍ وتمحُّلٍ يُخرج الكلام عن أسلوب العرب الفصحاء. فلا محيد عن تأخير كلمة (المختصر) لتجاور معمولها وهو الجار والمجرور فيكون الكلام هكذا متسقًا: (المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم). ومما يؤيد ذلك أن أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُننه وأيامه واسعة، وأن البخاري لم يقصد في هذا الكتاب إلى جمعها، وأنه قد انتخب الصحيح من ستمائة ألف حديث، وأنه قد ألف الجامع الكبير والمسند الكبير، وقد قصد في الصحيح إلى الاختصار مما قد حفظه وجمعه من تلك الأمور والسنن والأيام.
ولا حرج في اختصار العنوان عند تداول الكتاب على نحو: (الجامع الصحيح) أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

(صحيح البخاري) أو (البخاري الشريف) كما يسميه الأتراك، فقد درج على ذلك الحفاظ في اختصار اسم هذا الكتاب وغيره من المصنفات، مع وجوب التذكير بعنوانه التام الذي وضعه له مؤلفه، لكي لا يُنسى.

‌‌معنى الجامع وموضوعاتُه:
قَصَدَ الإمامُ البخاري عندما سمَّى كتابه: (الجامع) معنًى دقيقًا متعلقًا بفنون الحديث، ذلك أن الكتب قبله كانت مقتصرة غالبًا على فنون خاصة من الحديث، فأدخل البخاري جميع الفنون في كتابه، فصار لذلك جامعًا. وكانت هذه الفنون فيما ذكره وليُّ الله الدهلوي (-1176) أربعةً هي: فن السنة ويُراد بها الفقه، ولذلك اقتصرت كتب السنن عليه .. وفن التفسير، وفن السير، وفن الزهد والرقائق.
وقال ابنه عبد العزيز الدهلوي (-1239): "والجامع في اصطلاح المحدثين ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث: أي أحاديث العقائد وأحاديث الأحكام وأحاديث الرقائق، وأحاديث آداب الأكل والشرب، وأحاديث السفر والقيام والقعود، والأحاديث المتعلقة بالتفسير والتاريخ والسير، وأحاديث الفتن وأحاديث المناقب والمثالب. وقد صنف أهل العلم بالحديث في كل فنٍّ من هذه الفنون الثمانية تصانيف مفردة … فالجامع هو ما يوجد فيه أنموذجُ كلِّ فنٍّ من هذه الفنون الثمانية المذكورة، كالجامع الصحيح للبخاري والجامع للإمام الترمذي. وأما صحيح مسلم فإنه وإن كانت فيه أحاديث تلك الفنون لكن ليس فيه ما يتعلق بفن التفسير والقراءة ولهذا لا يقال له الجامع كما يقال لأخويه" [نقله من الفارسية العلامة عبد الرحمن المباركفوري (-1353) في مقدمة تحفة الأحوذي].
وبذلك تتضح لنا الموضوعات التي أدرجها الإمام البخاري في كتابه، إذ لم يقتصر على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

أبواب السنن المتعلقة بالأحكام، بل جمع كل ما يتعلق بأمور الدين. لكنه لم يكن أول كتاب جامع، فقد سبق الإمامَ البخاريَّ في استعمال كلمة الجامع في العنوان جماعة من المحدثين، ألَّفوا كتبًا بعنوان: الجامع، منهم: معْمرُ بن راشد (-154) وسفيان الثوري (-161) وعبد الله بن وهبٍ (-197) وسفيان بن عيينة (-198). وأوليته هي في التزام الصحيح من الحديث.
وقد أوضح الإمام أبو سليمان الخطابيُّ تنوع موضوعات صحيح البخاري في مقدمة شرحه، وعدَّها من جملة محاسنه، فقال: "وغرضُ صاحب هذا الكتاب إنما هو ذِكرُ ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جليل من العلم أو دقيقٍ. ولذلك أدخل فيه كل حديث صحَّ عنده في تفسير القرآن، وذكرِ التوحيد والصفات، ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحروبه ومغازيه، وأخبار القيامة والحشر والحساب والشفاعة وصفة الجنة والنار، وما ورد منها في ذكرِ القرون الماضية، وما جاء من الأخبار في المواعظ والزهد والرقاق، إلى ما أودعه بعدُ من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن والآداب ومحاسن الأخلاق وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين .. فأصبح هذا الكتاب كنزًا للدين وركازًا للعلوم".
مؤلف الجامع الصحيح:
هو الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجُعفي (194 - 256).
ونسبة الكتاب إلى مؤلفه متواترة، واشتهر في زمانه أنه له، وعرضه على بعض شيوخه، وحدَّث به أمام الآلاف في مدن عديدة.، ولم يشكَّ أحدٌ في نسبته له. فالشكُّ في نسبة الجامع الصحيح إلى الإمام البخاري يخرج الشاكَّ من دائرة العقل إلى دائرة الجنون،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

ويكون كالذي يشك في وجود ما تواترت الأدلة على وجوده، وما نَقلَ جمعٌ من الثقاتِ رؤيته بالعين هو في قوة المرئيِّ بالعين، فإنكار وجود البخاريِّ أو نسبة الصحيح إليه هو كإنكار وجود الشمس والقمر.

‌‌سبب تأليف الجامع الصحيح:
أول سبب باعث للبخاري على تأليف الجامع الصحيح كان رغبةً أظهرها شيخه الإمام إسحاق بن راهَوَيْهِ الحنظليِّ (161 - 238)، يقول الإمام البخاري فيما رواه عنه تلميذه إبراهيم بن مَعْقِلٍ النسفي (-295): "كنت عند إسحاق بن راهَوَيْهِ، فقال: لو جمعتم كتابًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب".
ومن الأسباب التي حملت البخاريَّ على تأليف الصحيح أنه رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام قال.: وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبِيدي مِروحةٌ أَذُبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين، فقال لي: أنتَ تَذُبُّ عنه الكذِبَ، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح.

‌‌وقت ابتداء تأليف الجامع الصحيح:
لا نعلم على وجه التحديد في أي وقت بدأ البخاري تأليف الصحيح، ولكننا سنحاول تتبُّع أخبار الجامع الصحيح من الروايات التي وصلت إلينا عن تأليفه.
1. بين أيدينا نص يفيد أن البخاري قضى في تأليفه ست عشرة سنة، وهذا يدل على أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة 240.
2. كما أن النص الذي يبين ابتداء تأليفه بسبب حث شيخه ابن راهَوَيْهِ له، يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة 238 وهي سنة وفاة ابن راهويه.
3. كما أنه حدَّث بالصحيح سنة 248 بفربر، مما يفيد أنه ابتدأ تأليفه قبل سنة 232.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

4. وثمة نصٌّ يفيد أنه عرض الصحيح على أحمد بن حنبل وعلي بن المَديني ويحيى بن معين، مما يشير إلى أن الكتاب كان مكتملًا سنة 233، وهي سنة وفاة يحيى بن مَعين، وإذا كان قد قضى ست عشرة سنة في تأليفه، فلا يَبْعُد أنه بدأ جمعه نحو سنة 215 خلال رحلاته. وأمضى في تأليفه أربعين سنة، وهو يحرره ويزيد فيه، فالكتاب حصيلة عمر من العلم والبحث والاستقصاء.
نصل من هذه الشذرات إلى أن البخاري قد ابتدأ تأليف كتابه في فترة مبكرة من حياته خلال إقامته في الحجاز، وجمعه وهو يتنقل خلال رحلاته، مع علمنا أنه بَيَّض تراجم أبوابه - أي عناوينه - في المسجد النبوي الشريف بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين.
وقد اشتهر البخاري بعد ذلك بالصحيح، وطاف البلدان يحدث به. ولكنه مع ذلك كان يزيد فيه، شأنَ كل مؤلِّف يتاح له الوقت.
وثمة نص نقله الذهبي من كتاب شمائل البخاري يفيد أن البخاري كان يملي الصحيح على وراقه أبي جعفر محمد بن أبي حاتم، ويبدو أن هذا الوراق لازمه وخدمه في أخريات حياته، مما يعني أن البخاري قضى نحو أربعين سنةً - هي جل عمره بعد أن أيفع، في تأليف هذا الكتاب.، ست عشرة منها في جمعه وتأليفه، وسائرُها في تهذيبه وترتيبه والزيادة فيه .. ويؤكد ذلك ما روي أن البخاري ألف كتبه ثلاث مرات.

‌‌النسخة الأصلية للجامع الصحيح:
انتقلت النسخة الأصلية للجامع الصحيح بعد وفاة الإمام البخاري إلى تلميذه محمد ابن يوسف الفربري. ومنها نقلت النسخ الأولى للجامع الصحيح. وممن نقل نسخته من الأصل الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي المُسْتَمْلي (-376).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

‌‌هل استوعب البخاري جميع الصحيح:
لم يقصد البخاريُّ من تأليفه الجامع الصحيح استيعابَ جميع الأحاديث الصحيحة، وإنما جمع ما اعتقد أنه أصح الصحيح. وقد قال فيه: "ما أدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح خشية أن يطول الكتاب".
فعدم وجود الحديث في صحيح البخاري لا يدلُّ على أنه مردود أو أنه ليس بصحيح.، ولكن وجوده في صحيح البخاري يشير إلى أنه في أعلى درجات الصحة، فإن وُجد حديث خارج البخاري بإسناد يشبه إسناد البخاري في اجتماع الشرائط كان مثيلًا في الصحة لما أخرجه البخاري أو قريبًا منه. مثال ذلك: أن البخاري ومسلمًا اتفقا على تخريج أحاديثَ من صحيفة همَّام بن منبِّهٍ (-132) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وانفرد كل واحد منهما بأحاديث منها، مع أن الإسناد واحد.
وقد تابع أئمة الحديث بعد البخاري عمله في جمع الأحاديث الصحيحة، فوصلت إلينا مصنفات في الصحيح جليلة، ولكنها دون صحيح البخاري في الرتبة.، منها:
- المسند الصحيح: للإمام مسلمِ بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 - 261)، ويعرف بصحيح مسلم. وقد حققنا اسمه في رسالتنا: لطائف التواشيح فيما يحتاج إليه قارئ المسند الصحيح التي طبعت أيام قراءتنا لصحيح مسلمٍ بدمشق سنة 1426.
- صحيح الإمام أبي بكرٍ محمد بن إسحاق ابن خزيمةَ (-311).
- صحيح الإمام أبي حاتم محمد بن حِبَّانَ البُستي (-354).
- كتاب الإلزامات لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (-385) وهو كالمستدرك، جمع فيه ما وجده على شرطه البخاري ومسلم ولم يخرِّجاه، ورتبه على المسانيد.
- كتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (-405).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

‌‌حرص البخاري في الجامع الصحيح:
من نظر في الجهد الذي بذله الإمام البخاري في تأليف الجامع الصحيح خلال أربعين سنةً يتيقن بأنه استفرغ غاية وُسعه لكي لا يقع في الخطأ، فكان يؤلف، ويراجع، ويعرض كتابه على العلماء، ثم يعود إلى تحريره، ويمليه على الناس ثم يزيد فيه. مع أنه وصل إلى الغاية في الحفظ والتحرير ومعرفة الأسانيد وكشف خفايا علل الحديث.
ولكنه مع كل هذا العلم الذي حصل له، مما يينبغي يورث لمثله اليقين بالوصول إلى الصواب، لم يكتف بذلك، وسلك مسلكًا آخر، وهو تحقيق شروط أخرى تجعل الوقوع في الخطأ بعيدًا، ذلك هو جانب الاستخارة والالتزام بالطهارة قبل الاشتغال بالتأليف. يقول الإمام البخاري في بيان ما كان يصنعه عند تأليف الصحيح: "خرَّجتُه من ستِّمائة ألف حديثٍ، وجعلتُه حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى". وقال: "ما أدخلتُ في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرتُ الله تعالى، وتيقنتُ صحته".
وصحَّ عنه أنه قال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وقد أخطأ جماعةٌ في فهم هذا الكلام، فاعترضوا على البخاري بكثرة عدد الأحاديث التي في الصحيح، وأن تكرار الغُسل بعدد الأحاديث مستبعَدٌ عادةً وإن كان الوقت يتسع له، فأراد أحد الفضلاء الدفاع عن البخاري فأجاب بتقليل عدد الأحاديث المقصودة، وردَّ العدد إلى الأحاديث بغير تكرار، وهي نحو ألفين وستمائة حديث.
أقول: وكلاهما أخطأ قَصْدَ البخاري في مقالته، لأن مراده أنه كان يغتسل ويصلي ركعتين قبل البدء بالكتابة في الصحيح لا قبل كل حديث، فإذا قصد الكتابة بعد العشاء مثلًا اغتسل وصلى ركعتين وقعد يكتب ليلته تلك، وقد يستمر على ذلك إلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

الفجر لا يقوم من مجلسه، وقد يكتب في تلك الليلة مائة حديث أو مائتين بغُسل واحدٍ وركعتين قدَّمهما قبل البدء. ويصح له الإخبار حينئذٍ بأنه ما وضع حديثًا في الصحيح إلا اغتسل قبل ذلك".
والبخاري رحمه الله تعالى إمام في البلاغة، ولو أراد أن يخبر عن أنه كان يغتسل قبل كل حديث لقال: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين"، ولكنه عدل عن ذلك إلى عبارة تفيد ما أراده من المعنى. وبهذا يندفع اعتراض المستخِفِّ بالبخاري، ويستبين خطأ من تصدى للدفاع عنه وتفسير كلامه، فجعل مراتِ غُسله بعدد مرات الأحاديث غير المكررة.
وثمة أمرٌ آخر هنا، وهو أنه قال: "ما وضعتُ"، ولم يقل "ما كتبتُ"، وما ذلك إلا لأنه لم يكتب جميع الصحيح بخط يده، بل كان يُملي في الأعوام الأخيرة على ورَّاقه أبي جعفرٍ، ولفظ الوضع عامٌّ يشمل الإملاء، فإذا أملى فقد وضع حديثًا وأدخله في الصحيح وإن لم يكتبه بيده، ويكون قد اغتسل وصلى ركعتين قبل الجلوس للإملاء.، وهو ما كان يفعله عدد من المحدثين كالإمام مالك، الذي كان يغتسل قبل أن يقعد لإملاء الحديث تعظيمًا لحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ولقد استبهم علي المرادُ من قول البخاري هذا مدةً، واستنكفت عن إدخاله في هذا الكتاب، وتوجهت إلى الله تعالى ففتَح الله علي في فهمه، وله الحمد والشكر.

‌‌شرط البخاري في الجامع الصحيح:
لم يخرِّج البخاري في كتابه الجامع الصحيح إلا الصحيح من الحديث، بل تحرَّى أعلى مراتب الصحيح. ولذلك وصلت أحاديث الجامع الصحيح إلى أعلى درجات الصحة،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

ووُصف بأنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وسبب ذلك الشروط التي نظر إليها وتقيد بها عند جمعه. ولكن البخاري لم يصرِّح بأي شرط في كتابه، وإنما استنبط العلماء شرطه من سَبْرِ أسانيده، ومن بعض كلامه المرويِّ عنه في غير الصحيح.
وشرط البخاري في الحديث الصحيح الذي هو مقصود كتابه أن يكون إسناده من شيوخه إلى الصحابي متصلًا من غير شذوذ ولا علة. وأن يكون كل راوٍ ثقةً، مشهورًا بالعدالة في نفسه، والضبط لما يرويه، وأن يكون في أعلى درجات الضبط والإتقان بين الرواة عن شيخه. وأن يكون كل راوٍ قد ثبت لقاؤه بشيخه الذي يروي عنه إذا لم يصرح بالسماع منه مرةً، ولا يروي حديثًا خالف راويه الثقاتِ الأثبات.
وبين الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي (-507) ذلك فقال: "شرط البخاري أن يخرِّج الحديث المتفقَ على ثقةِ نَقَلَتِهِ إلى الصحابيِّ المشهور، من غير اختلافٍ بين الثقات الأثبات، ويكونُ إسناده متصلًا غيرَ مقطوع. وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ، وإن لم يكن إلا راوٍ واحدٌ وصحَّ الطريقُ إليه كفى".

‌‌كيف وصل إلينا الجامع الصحيح:
هذا سؤال هامٌ طرحه في سياق التشكيك بعض الغرباء عن العلوم الإسلامية، ومن تكلم في غير فنه واختصاصه أتى بالعجائب. ذلك أن لكل كتاب في الإسلام طريقًا للرواية.، إما بالسماع من المؤلف أو القراءة عليه أو الإجازة منه.
وبما أن صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وهو عمدة الأمة في السنة المطهرة، فقد لقي من الاهتمام بنقله وروايته وحفظه ما يليق به، وسنؤجل الحديث عن أوجه الاعتناء به إلى فصل خاص، ونقصر الكلام هنا على نقله وروايته، لنصل إلى أن الأسانيد التي نُقل بها صحيح البخاري إلينا أسانيدُ متواترةٌ، وصلت إلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

أعلى درجات الثبوت واليقين والاطمئنان. وبيان ذلك: أن نسبة الكتاب إلى مؤلفه قد اشتهرت في حياته من عدة أوجه:
1. عرض البخاريُّ كتابه على جماعة من شيوخه، منهم الإمام علي بن المديني والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبو زُرعة الرازي.
2. حدَّث البخاريُّ بكتابه في عدة بلاد أمام جموع تصل إلى الآلاف.
3. روى عن البخاريِّ كتابه عدد كبيرٌ من التلاميذ نقلوه إلى الطبقة التي بعدهم.
4. وهكذا رُوي طبقةً بعد طبقة من قبل جمع عن جمع، حتى وصل إلينا بطريق التواتر ..
وما يزال الكتاب من زمان مؤلفه إلى هذا اليوم يُقرأ ويُدرَّس في المساجد والمدارس الإسلامية في كل مدينة من مدن الإسلام الكبرى. وقد عقدنا فصلًا لأشهر رواة الصحيح عن مؤلفه، وفصلًا لبيان أسانيدنا في روايته عن مؤلفه.

‌‌منهج البخاري في تبويب الجامع الصحيح:
قال الحافظ العسقلاني: "قال الشيخ محيي الدين نفع الله به: ليس مقصود البخاري الاقتصارَ على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها، والاستدلال لأبوابٍ أرادها.، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فيه فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك. وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا. وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسئلة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا. ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة. وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

أنه لم يَثبت عنده حديثٌ بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثَمة وقع مِن بعض مَن نسخ الكتاب ضَمُّ بابٍ لم يُذكر فيه حديثٌ إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه". وأتبع الحافظ كلام النووي بقوله: "ثم ظهر لي أن البخاريَّ مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب على أطوار: إن وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجهٍ خفيٍّ ووافق شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي: (حدثنا) وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده. وإن لم يجد فيه إلا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثمة أورد التعاليق كما سيأتي في فصل حكم التعليق. وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحا لا على شرطه ولا على شرط غيره وكان مما يستأنس به وقدمه قوم على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةَ بابٍ، ثم أورد في ذلك إما آيةً من كتاب الله تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر".

‌‌تراجم أبواب الجامع الصحيح:
بيَّنَّا أن الجامع الصحيح مرتب على الفنون، وقد قسمها البخاري إلى مواضيع متفرعة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، كلُّ موضوعٍ مُفْرَدٌ في كتاب. ثم سهَّل الإمام البخاري الوصول إلى الأحاديث من خلال ترتيب المواضيع المتفرعة عن عنوان الكتاب في أبواب. مثال هذه الأبواب في كتاب الإيمان: باب حلاوة الإيمان، باب ظلم دون ظلم.، باب الدين يسر. وسيأتي بيان عدد كتبه وأبوابه.
وجعل لكل باب عنوانًا يسمَّى ترجمةً، يشير بها إلى المعاني المقصودة من الباب .. ومن هذه التراجم ما هو مختصر ومنها ما هو مطول، وقد وضع البخاري فيها الكثير من الفقه في استنباط المعاني والفوائد من أحاديث الباب حتى قيل: فقه البخاري في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

تراجمه. وللبخاري في تراجمه أسرار حيرت أفكار العلماء.

كما أن البخاري طوَّل بعض التراجم وأدرج فيها عِلمًا جمًّا من غريب القرآن، وأقوال الصحابة والتابعين، وشواهد الحديث من القرآن، وشواهد القرآن من الحديث. وهذه‌‌ أمثلةٌ من تراجم أبواب البخاري:
في كتاب الأذان: باب من لم يرَ التشهد الأول واجبًا لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام من الركعتين ولم يَرجع [1/ 165].
في كتاب الحج: باب الفُتيا على الدابة عند الجمرة [2/ 175].
في كتاب البيوع: باب النهي عن تلقِّي الرُّكبان، وأن بيعه مردودٌ لأن صاحبه عاصٍ آثمٌ إذا كان به عالمًا، وهو خداعٌ في البيع والخداعُ لا يجوز [3/ 72].
في كتاب الأدب: باب الزيارة، ومن زار قومًا فطَعِم عندهم، وزار سلمان أبا الدرداء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأكل عنده [8/ 22].
في كتاب الأيمان والنذور: باب إذا حلف أن لا يكلِّم أحدًا في الجاهلية ثم أسلم [8/ 142].
ومن الأمثلة على فقه البخاري في التراجم أنه بوَّب في كتاب الأدب: باب من كفَّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال. ثم أتبعه ببابٍ آخر كأنه يستدرك فقال: باب من لم يَرَ إكفار من قال ذلك متأوِّلًا أو جاهلًا [8/ 27].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

‌‌بداية الجامع الصحيح:
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاريُّ رحمه الله تعالى آمين:
"بسم الله الرحمن الرحيم. باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولُ الله جلَّ ذكره {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [سورة النساء: 163] " ..
حدثنا الحُميدي عبد الله بن الزبير قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيميُّ أنه سمع علقمةَ بن وقَّاصٍ الليثيَّ يقول.: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو إلى امرأة يَنكِحُها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه» ".
ابتدأ البخاري كتابه الجامع الصحيح بموضوع بدء الوحي، وفي هذا الابتداء حكمة دقيقة، تدل على بعد نظره، ومعرفته بطرائق الاستدلال وتأسيسه لمناهج التأليف. فبما أن الكتاب يتعلق بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فإن أول ما يجب من المقدمات هو إثبات نبوة صاحب هذه الأحاديث وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبيان الأدلة على صدقه. وهذا ما فعله الإمام البخاري في هذا الباب، حيث ساق الأحاديث التي تصف بدء نزول الوحي.، وفيها شهادة زوجه السيدة خديجة رضي الله عنها له، وشهادة ورقة بن نوفل له.، ووصف حاله عند نزول الوحي عليه، وشهادة قومه له بالصدق في حديث هرقلٍ.
ثم جعل أول حديث في هذا الباب حديث النية، وهو حديث لا صلة له بموضوع بدء الوحي، تيمنًا بهذا الحديث، ولبيان وجوب تصحيح النية قبل الشروع في طلب العلم، وللإشارة إلى أنه لم يشتغل بتأليف هذا الصحيح إلا بنية خالصة لله تعالى، وأخيرًا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

ليكون كالمقدمة له بين يدي كتابه. وذلك أنه لم يكن من عادة المؤلفين في القرون الأولى وضع مقدمات للكتب التي يؤلفونها، لكن الإمام البخاري جعل حديث «إنما الأعمال بالنيات» كالمقدمة لكتابه .. وقد عمل الإمام البخاري بقول الإمام عبد الرحمن ابن مهدي (135 - 198): "من أراد أن يؤلف كتابًا فليبدأ بحديث «إنما الأعمال بالنيات». وفي جعل الحديث في موضع المقدمة تخلُّصٌ من أن يبدأ بكلام من عنده كتابًا خاصًّا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقدم قوله على قول النبي صلى الله عليه وسلم.
وأول شيخ روى عنه البخاري في الصحيح هو عبد الله بن الزُّبير الحُميدي القرشي (-219) روى عنه حديث النية هذا. والسبب في تقديمه للرواية عنه ما يجب له من الإجلال من بين شيوخه لأنه قرشيٌّ، فأراد البخاري أن يعمل بالحديث النبوي صلى الله عليه وسلم: «قدموا قريشًا ولا تَقَدَّمُوها». [أخرجه البيهقي]، وهي علة سياقته للحديث مختصرًا.
ومن المعاني الخفية التي أرادها البخاري من سياق هذا الحديث بإسناد شيخه الحميدي.، مع أن الحديث غير تام، وإسناده سُداسي نازلٌ، أن في هذا الإسناد تصريحًا من كل راوٍ بالسماع من شيخه، وليس فيه عنعنة، [أي عن فلان عن فلان مما قد يوهم عدم السماع]. والبخاري يُلْمِحُ بذلك إلى أن الأصل في الرواية هو التصريح بالسماع، فإذا عدَل الراوي عن السماع إلى العنعنة، فلا بد من النظر في حديثه والبحثِ عن ثبوت سماعه من شيخه. وهذا باب من العلم كان البخاري إمامًا فيه، قد حرره أحسن تحرير، فلم يَروِ في أصل كتابه حديثًا فيه عنعنة إلا وقد ثبت عنده فيها السماع. فكأنه أراد أن يقول في مقدمة الكتاب: إن كلَّ ما أسوقه في هذا الكتاب مما ليس فيه تصريح بالسماع قد ثبت عندي سماع راويه له. وليس الكلام في المتابعات والشواهد والمعلقات، فإنها ليست مقصود الإمام البخاري في الصحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)