وأما استدلالهم الثالث بقول عمر: «نعمت البدعة هذه» فلا يصح لسببين:
السبب الأول: أنه ليس من جملة البدع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل القيام جماعة في رمضان ثم تركه لمانعٍ، وهذا المانع زال بموته، فصار فعله سنةً شرعيةً، فقد أخرج الشيخان(1) عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخْفَ علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها»، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.
فإذن يُحمل قول عمر بن الخطاب على المعنى اللغوي لا الشرعي، لأن هذا الفعل ليس بدعةً شرعيَّةً، بل سنَّةٌ نبويَّةٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما صلاة التراويح، فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه»(2)، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا، وصلاها أيضًا في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: «إن الرجل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (2012)، ومسلم رقم (761).
(2) أخرجه النسائي رقم (2210)، مسند أحمد (3/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»(1)، كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد، وفي قوله هذا ترغيب لقيام شهر رمضان خلف الإمام، وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعاتٍ في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم ويقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم.
وأما قول عمر: «نعمت البدعة هذه» فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكمًا بقول عمر الذي لم يخالَفْ فيه؛ لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. نعم، يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف، على إحدى الروايتين، فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة، أما غيرها فلا.
ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك: بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداء من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقًا، ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه، فإذا عمل--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود (1375)، والترمذي (806)، والنسائي (1364)، وابن ماجه (1327)، وأحمد (35/ 331).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ … - ثم قال: - وإذا كان كذلك: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى؛ وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة»(1) فعلّل صلى الله عليه وسلم عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم.
فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج؛ عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته صلى الله عليه وسلم فانتفى المعارض»(2).
قال السبكي: «قال ابن عبد البر: لم يسن عمر من ذلك إلا ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عبد البر: لم يسن عمر بن الخطاب منها إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه ويرضاه، ولم يمنع من المواظبة إلا خشية أن تفرض على أمته، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا صلى الله عليه وسلم، فلما علم عمر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص بعد موته صلى الله عليه وسلم، أقامها للناس وأحياها وأمر بها، وذلك سنةَ أربع عشرة من الهجرة»(3).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 93).
(3) فتاوى السبكي (1/ 158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
قال الشاطبي: «أنه إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال، من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك لا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلَّم فيه، لأنه نوع من تحريف الكَلِمِ عن مواضعه، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرضَ عليهم»(1).
وقال: «وقد مر أنه إنما سماها بدعة باعتبار ما، وأن قيام الإمام بالناس في المسجد في رمضان سنة، عمل بها صاحب السنة؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما تركها خوفًا من الافتراض، فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة، فعاد العمل بها إلى نصابه، إلا أن ذلك لم يتأتَّ لأبي بكر رضي الله عنه عنه زمان خلافته؛ لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه، وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه، حتى تأتَّى النظر فوقع منه ما علم، لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم يجر عليه عمل من تقدمه دائمًا، فسماه بذلك الاسم، لا أنه أمر على خلاف ما ثبت من السنة»(2).
قال ابن رجب: «وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية، لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: «نعمت البدعة هذه»، وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة، فنعمت البدعة». وروي عن أبي بن كعب، قال له: «إن هذا لم يكن،--------------------------------------------
(1) الاعتصام (1/ 332).
(2) المرجع السابق (2/ 151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
فقال عمر: قد علمت، ولكنه حسن»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معلِّلًا بأنه خشي أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الأفراد في العشر الأواخر»(1).
قال ابن حجر الهيتمي: «وقول عمر رضي الله عنه في التراويح: «نعمت البدعة هي»، أراد البدعةَ اللغوية، وهو ما فعل على غير مثال، كما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ}] الأحقاف: 9 [، وليست بدعة شرعًا، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم»(2).
وأما استدلالهم الرابع بجمع القرآن في مصحفٍ واحدٍ فلا يصح لسببين:
السبب الأول: أن جمع المصحف من الوسائل المعتبرة والمصالح المرسلة، وذلك أن المقتضي لجمعه ليس موجودًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يخشى ذهاب القرآن لوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما بعد موته، لكن لما كثر قتل القراء خشي ذهابه بذهاب حفاظه، وهو الذي كان السبب في إشارة عمر على أبي بكر بجمع القرآن، أو ان يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع القرآن في زمانه؛ لأنه لا زال في طور الزيادة والتقديم والتأخير، وهذا ما لا يكون بعد موته صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (2/ 128).
(2) الفتاوى الحديثية (ص: 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
لانقطاع الوحي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته صلى الله عليه وسلم واستقرت الشريعة بموته صلى الله عليه وسلم أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته صلى الله عليه وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة»(1).
وعلى كلا الاحتمالين؛ فإن الحال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرت عن الحال قبل وفاته، إما بزوال مانع أو وجود مقتض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بخلاف ما كان تركه لعدم مقتض، أو فوات شرط، أو وجود مانع، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع، ما دلت الشريعة على فعله حينئذ، كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس في التراويح على إمام واحد، وتعلم العربية، وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانع»(2).
قال الشاطبي: «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جمع القرآن في المصحف، وليس ثَمَّ نصٌّ على جمعه وكتبه أيضًا، بل قد قال بعضهم: كيف--------------------------------------------
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 97).
(2) القواعد النورانية (ص: 150).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتل (أهل) اليمامة - ثم قال: -.
هذا أيضًا إجماع آخر في كتبه، وجمع الناس على قراءة لا يحصل منها في الغالب اختلاف؛ لأنهم لم يختلفوا إلا في القراءات حسبما نقله العلماء المعتنون بهذا الشأن - ثم قال: -.
ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما صنعوا من ذلك، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعًا؛ فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه.
وإذا استقام هذا الأصل فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها، إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث من الأمر بكتب العلم»(1).
قال ابن حجر الهيتمي: «لما كان مفعولًا بأمره لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده، وكذا جمع القرآن في المصاحف، والاجتماع على قيام شهر رمضان، وأمثال ذلك مما ثبت وجوبه أو استحبابه بدليل شرعي»(2).
والسبب الثاني: أن أبا بكر وعمر من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم كما في حديث العرباض بن سارية.--------------------------------------------
(1) الاعتصام (3/ 12 - 15).
(2) الفتاوى الحديثية (ص: 200).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
قال الشاطبي: «وفي الصحيح(1) قوله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»(2)، فأعطى الحديث - كما ترى - أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودًا بدليل شرعي، فذلك سنة لا بدعة، وإما بغير دليل، ومعاذ الله من ذلك، ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم.
فدليله من الشرع ثابت، فليس ببدعة، ولذلك أردف الأمر باتباعهم بالنهي عن البدع بإطلاق، ولو كان عملهم ذلك بدعة لوقع في الحديث التدافع»(3).
قال ابن رجب: «ومن ذلك(4) جمع المصحف في كتاب واحد، توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم علم أنه مصلحة، فوافق على جمعه (2)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي، ولا فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا، بل جمعه صار أصلح»(5).
قال ابن رجب: «ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا(6)--------------------------------------------
(1) يحتمل أنه يريد أن الحديث صحيح ويحتمل أنه يريد أن الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإن أراد الاحتمال الثاني فهو وهم - والله أعلم - لأنه ليس فيهما ولا في أحدهما.
(2) سبق تخريجه.
(3) الاعتصام (1/ 319).
(4) أي اتباع الخلفاء الراشدين.
(5) جامع العلوم والحكم (2/ 129).
(6) أي القيام في الليل جماعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
قد صار من سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي»(1).
وأما استدلالهم الخامس بمفهوم المخالفة في حديث «ما ليس منه فهو رد» فلا يصح؛ لأن المنطوقات الكثيرة وإجماع السلف على حرمة البدع وذمها مقدمة على هذا المفهوم لو قدر التعارض وعدم إمكان الجمع.
والأولى أن يحمل هذا المفهوم على أنه من المصالح المرسلة المعتبرة التي لم تُفعل إلا بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كجمع القرآن وهكذا …
فهي من العبادات التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجود مانعٍ، وهذا مثل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستمرار في قيام رمضان جماعةً في المسجد، وهذا كله لأجل أن لا يتعارض مفهوم هذا الحديث مع السنة التَّركية، فإن السنة التَّركيةَ دليلٌ شرعيٌّ معتبر - كما سيأتي إن شاء الله -.
تنبيه: خالف بعض المتأخرين الإجماع على حرمة البدع، فذكروا أن من البدع ما هو مكروه وليس محرَّمًا، وقد تقدم ذكر الأدلة على أنها كلَّها محرمة، وعلى هذا أيضًا إجماع أهل العلم، وللشاطبي تحقيق بديع في أن البدع كلها محرمة، بل إنها كبائر، ووجه قول من قال من السلف: إنها مكروهة، فقال: «وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم، ولو فرض عاملًا بالبدعة المكروهة، إن ثبت فيها كراهة التنزيه»(2).--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (2/ 129).
(2) الاعتصام (1/ 251).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وقال: «فالبدع المكروهة ضلال، وأما ثانيًا: فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه، فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لَفْظَ المكروه على بعض البدع، وإنما حقيقة المسألة: أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذَّمِّ - كما تقدم بيانه -، وأما تعيين الكراهة التي معناها نفي إثم فاعلها، وارتفاع الحرج عنه ألبتة، فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع، ولا من كلام الأئمة على الخصوص.
أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على من قال: «أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أنكح النساء … »، إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك صلى الله عليه وسلم وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني»(1).
وهذه العبارة من أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعْلَ مندوب أو ترْكَ مندوب إلى فعل مندوب آخر … - ثم قال: -
وكلية قوله: «كل بدعة ضلالة»(2) شاهدة لهذا المعنى، والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم … - ثم قال: -
والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع شديد وليس بهين، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}] النور: 15 [.
وأما كلام العلماء، فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها؛ لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم، أو المنع، وأشباه ذلك. - ثم قال: -
فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها «أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه» وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة، فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه؟ اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنه بدعة مكروهة؛ على تفصيل يذكر في موضعه إن شاء الله … - ثم قال: -
وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة - حسبما تبين في علم الأصول الدينية -، فكذلك يقال في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها كما تقدم، وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة … - ثم قال: - فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسن انحصار - حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب -؛ كذلك تنحصر كبائر البدع أيضًا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص منه في إثبات الصغائر فيها، وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين، إما أصلًا، وإما فرعًا؛ لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع؛ زيادةً فيه، أو نقصانًا منه، أو تغييرًا لقوانينه، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك بمختصٍّ بالعبادات دون العادات - إن قلنا بدخولها في العادات -، بل تشمل الجميع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وإذا كانت بكليتها إخلالًا بالدين؛ فهي إذًا إخلال بأول الضروريات؛ وهو الدين، وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة، وقال في الفرق: «كلها في النار إلا واحدة»(1)، وهذا وعيد أيضًا للجميع على التفصيل.
هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها، مع أن الإخلال بكل واحد منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة»(2).
المقدمة السابعة
الأصلُ في العباداتِ التوقف والمنعُ والحظر إلا بدليلٍ،
فلا يصحُّ لأحدٍ أن يتعبَّد اللهَ بشيءٍ إلا بدليل.
ويدل على هذه المقدمة العظيمة أدلة منها:
الدليل الأول: كل دليل في النهي عن المحدثات، والتحذير من البدع، وتقدم ذكر طرف منها.
وجه الدلالة: أن الشريعة ذمت كل عبادة جديدة لم يأت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام، فدل هذا على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) الاعتصام (2/ 379 - 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الدليل الثاني: كل أثر عن الصحابة في ذم المحدثات والأمر بالاتباع كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا»(1)، وتقدم نقل طرفٍ من ذلك.
وجه الدلالة: أن الصحابة نهوا عن إحداث عبادة جديدة، مما يدل على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
الدليل الثالث: حكى شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع عليها فقال: «وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}] الشورى: 21 [فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله»(2).
وقال: «وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله بما سنح له وأحبه ورآه، بل لا يعبده إلا بالعبادة الشرعية وقد قال فضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}] هود: 7 [قال: أخلصه وأصوبه قيل: ما أخلصه وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة»(3).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 84).
(3) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وقال: «إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله، واجب أو مستحب، إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال: إنه قربة وطاعة، فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به، ولا اتخاذه دينًا، ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين، لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل»(1).
وقد قرر العلماء هذا الأصل بعبارات مختلفة، وقد تقدم نقل كلام بعضهم في مواضع، وسيأتي إن شاء الله نقل كلامهم مبثوثًا في مواضع أخرى، ومن كلامهم في تقريره ما يلي:
قال الإمام مالك بن أنس: «من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}] المائدة: 3 [فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا»(2).
هذا يدل على أن الأصل في العبادات التوقيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}] الشورى: 21 [.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 451).
(2) أخرجه ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (6/ 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
والعادات الأصل فيها العفو، فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}] يونس: 59 [»(1).
فالقول بأن العبادات مبناها على التوقيف يقرره فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره.
قال أبو شامة: وما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني رحمه الله: «ليس لمن ألهم شيئًا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله حين وافق ما في قلبه»، وقال أيضًا رحمه الله: «ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيَّامًا، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين؛ الكتاب والسنة»(2).
وهذا تأصيل قوي في أن العبادات توقيفية.
قال النووي: «فينبغي لكل مصل اجتناب هذا الفعل، وينبغي إشاعة إنكار هذا، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عن محدثات الأمور، وأن كل بدعة ضلالة، ولم ينقل هذا الفعل عن أحد من السلف وحاشاهم»(3).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع»(4).
وقال: «فالأصل في العبادات ألَّا يشرع منها إلا ما شرعه الله»(5).--------------------------------------------
(1) القواعد النورانية (ص: 164).
(2) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: 29).
(3) فتاوى النووي (ص: 47).
(4) مجموع الفتاوى (22/ 510).
(5) الاقتضاء (1/ 64).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
قال ابن القيم: «ولا دين إلا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليلٌ على الأمر»(1).
قال ابن رجب: «وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء»(2).
وقال: «فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود عليه» (2).
وما تقدم من تقرير العلماء أن كل بدعة ضلالة وإجماعهم على ذلك، دالٌ على أن الأصل في العبادات التوقيف، وأيضًا ما سيأتي من تقرير العلماء أن السنة التركية حجة يدل على هذه المقدمة، لأن القول بالسنة التركية تفريع عنها.
وكلام الأئمة في هذا مشهورٌ ونقله يطول، وما تقدم كاف - إن شاء الله -.
تنبيه: مما تقدم يعلم أنه لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين: إن الأصل في العبادات عدم الحظر والمنع والتوقيف، وغاية من جوز بعض المحدثات هو لظنه أن الدليل دل عليها، فأخطأ في الاستدلال، لا في منازعة قاعدة (الأصل في العبادات الحظر)، ومثل ذلك - والله أعلم - من قال: إن في الدين بدعةً حسنة، أراد أنها عبادات جديدة دل عليها الشرع بعموماته وغير ذلك بزعمه، فلأجل هذا سماها بدعة حسنة، وإلا لا يوجد من ينازع ويقول بجواز إحداث عبادات جديدة بلا دليل، بحجة أنه ليس الأصل في العبادات التوقيف والحظر.--------------------------------------------
(1) أعلام الموقعين (1/ 259).
(2) جامع العلوم والحكم (1/ 176).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
المقدمة الثامنة:
ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من العبادات مع وجود
المقتضي وانتفاء المانع فهو سنة تركية ففعله بدعةٌ منكرة
هذه مقدمة مهمةٌ، وبضبطها تنجلي كثيرٌ من البدع، فإن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم للعمل مع إمكان فعله - وهو الحريص كل الحرص على طاعة ربه وأخشى خلق الله وأتقاهم له - والمانع منتفٍ؛ حجةٌ كفعله للعبادة، فإن فعله صلى الله عليه وسلم سنةٌ وتركه صلى الله عليه وسلم سنةٌ، لكن لا يصح الاستدلال بالسنة التركية إلا عند توفُّر الدواعي للنقل ثم لا يُنقَل، وأقوى ما يتصور هذا فيما إذا نقل جزء العبادة دون جزئها الآخر، كما أشار لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية(1) على أن الأصل في العبادات أنها مما تتوافر الدواعي على نقلها، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل بيّن وبرهان واضح، فصلاة الرغائب والألفية لم يثبت فيها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ففعلها مع ترك رسول الله وصحابته لها مع إمكان فعلهم لها، ولا مانع يمنع؛ هو من جملة البدع، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
أما ما ترَكَه رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجود مانعٍ فليس داخلًا في البدع، وذلك كاستخدام مكبّرات الصّوت في الأذان، فلو فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لَنُقِل، لكن لا يصح وصفه بالبدعة، لأنّه وجد مانع من فعله؛ وهو عدم وجوده في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكصلاة القيام جماعةً في رمضان، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه خشية أن يُفترض، فلما زال المانع بموته - إذ الوحي انقطع فما لم يكن مفروضًا فلن يفرض -؛ أمر الفاروق عمر بن الخطاب بفعلها كما ثبت في صحيح البخاري.--------------------------------------------
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص 52) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
فيتلخّص مما تقدم أنّه لا يصح وصف عبادة تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته بأنّها بدعة إلا إذا اجتمع فيه أمران:
أ- توفر الدواعي للنقل، وهذا هو الأصل في كل عبادة، ولا ينتقل عنه إلا ببرهان واضح.
ب- أن لا يوجد مانع يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحابته من فعلها. والله أعلم.
الأدلة على هذه المقدمة نوعان عامةٌ وخاصةٌ:
أما الأدلة العامة فكل ما سبق من الأدلة القرآنية والحديثية في تحريم البدع، فإن فعل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادات مع إمكان فعلها بدون مانع إحداثٌ في الدِّين.
أما الأدلة الخاصة فكثيرة وهذا بعضها:
1 - روى مسلم(1) عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة».
وجه الدلالة: أن الصحابي عمارة بن رؤيبة استدل بالسنة التركية في الإنكار على بشر بن مروان؛ لأنه فعل عبادة لم يفعلها رسول الله.
2 - روى الشيخان(2) عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها وقالوا:--------------------------------------------
(1) رقم (874).
(2) أخرجه البخاري رقم (5063)، ومسلم رقم (1401).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وجه الدلالة: أن هؤلاء لم يعتبروا السُّنَّة التركية دليلًا - تأوُّلًا منهم -، فأنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن التارك للسنة التركية تاركٌ لسنته.
3 - روى الشيخان(1) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنت؟ قالت: لست بحروريةٍ، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
وجه الدلالة: أن عائشة أم المؤمنين استدلت بتركهم وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك.
4 - روى البخاري(2) عن زيد بن ثابت في قصة جمع القرآن وأن عمر بن الخطاب أشار على أبي بكر بجمع القرآن، فقال له أبو بكر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما أن شرح الله صدر أبي بكر لهذا كلَّف زيد بن ثابت به فقال زيدٌ: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (321)، ومسلم رقم (335).
(2) رقم (4986).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وجه الدلالة: أن كلًّا من أبي بكرٍ وزيدٍ احتجا بالسنة التركية(1).
5 - أخرج البخاري(2) عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرآن أقتدي بهما.
وجه الدلالة: أنه ترك ما هم به استدلالًا بالسنة التركية.
6 - ثبت عند الدارمي في سننه(3)، وابن وضاح في كتاب ما جاء في البدع(4)، وغيرهم، عن عمرو بن سلمة قال: «كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ - والحمد لله - إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقةٍ رجلٌ، وفي أيديهم حصًا، فيقول: كبِّروا مائة، فيكبِّرون مائة، فيقول: هللوا مائةً، فيهللون مائةً، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبِّحون مائةً، قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال:--------------------------------------------
(1) فإن قيل كيف خالفوا ما ظنوه سنة تركية؟ فيُقال لأن المقتضي من فعلها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن موجودًا إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم حافظًا للقرآن فلا يخشى ذهابه بخلاف ما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وقد سبق تقرير حجية السنة التركية عند وجود المقتضي وانتفاء المانع والمانع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينتف لأن القرآن محفوظ بوجوده. وقد تقدم.
(2) رقم (1594).
(3) رقم (210).
(4) (1/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)