المذكور قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، إما بطريق النصوصية وإما بطريق الاستنباط»(1).
رد استدلاله بتكرار قراءة سورة الإخلاص في حديث آخر
الشبهة السادسة
قال: «الخامس: «التزام أحد الصحابة رضي الله عنهم قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة من قيامه في الليل، فقد سمع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه رجلًا يقرأ
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وأنه يتقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن»(2). وزاد في رواية: أن رجلًا قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من السحر {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لا يزيد عليها»(3).
وكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: ليس في هذا الحديث أن الصحابي يتقصد تكرار قراءة سورة الإخلاص لأنها مستحبة لذاتها، بل لأنه خشع عند قراءتها وتدبرها، فصار يكررها تدبرًا وخشوعًا، فلا مانع أن يكرر أحد آية أو سورة تدبرًا وخشوعًا، وليس هذا ابتداعًا؛ لأنه داخل في جملة التعبد بعموم القراءة والتدبر، وتقدم أن هناك فرقًا بين التعبد بالإطلاق وفي الجملة، وبين التقييد والتخصيص، فإن من--------------------------------------------
(1) فتح الباري (13/ 356).
(2) أخرجه البخاري رقم (5013).
(3) (ص 128).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
كررها لذاتها تعبدًا وقع في التعبد بالعبادة المقيدة، وهو المنهي عنه شرعًا، فلما كان فعل الصحابي محتملًا، فإنه يحمل على الاحتمال الذي لا يتعارض مع الشرع، وهو أن العبادات قائمة على التوقف والحظر.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه، لاشك أنهم تركوه لعمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر مطلقًا، فلا يترك هذ الأصل لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد استدلاله بمناجاة الصحابي باسم الله الأعظم
الشبهة السابعة
قال: «السادس: مناجاة رجل من الصحابة ربه عز وجل بدعاء لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم في حلقةٍ، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد تشهد ودعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد دعا باسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى»(1)--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (19/ 238).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
فهذه صيغة دعاء لم يسمعها ذلك الرجل من رسول الله، والمهم في الدعاء أمران: أولها: سلامة لفظه من الخطأ الشرعي، وثانيها: صحة قصد القلب إلى الله عز وجل، ولا يشترط فيه أن يكون بصيغة توقيفية، مع اعتقادي بأن كلام خير الناس هو خير كلام الناس»(1).
وكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول: أنه ليس في هذا الحديث أن الصحابي كان متقصدًا هذا اللفظ من الدعاء على وجه الدوام، فهو إذن من العبادات والأدعية المطلقة، والقول بأنه يتقصده لذاته في كل صلاة يلزم عليه الإثبات، ففرق بين الدعاء بلا تقصد لذاته، الذي يداخل في جملة الدعاء الذي أمرنا به، وبين تقصد دعاء معينٍ لذاته، فلما كان فعله محتملًا لم يصح حمله على الاحتمال الذي يعارض الأدلة والآثار والإجماع.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.--------------------------------------------
(1) (ص 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
رد استدلاله بزيادة الصحابي «حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»
الشبهة الثامنة
قال الكاتب: «السابع زيادة رجل من الصحابة رضي الله عنهم ذكرًا بعد رفعه من الركوع خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذكر هو «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من المتكلم آنفًا؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها»(1) فهذا ذكر زاده صحابي في الصلاة بدون سنة توقيفية من عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لما كان ذكرًا يسيرًا يناسب واقعة الحال من حمد الله عز وجل على إدراك الركعة أقره صلى الله عليه وسلم عليه»(2).
وكشف هذه الشبهة من أوجه أربعة:
الوجه الأول: أنه ليس في هذا الحديث أن الصحابي كان متقصدًا هذا اللفظ من الدعاء لذاته، فهو إذن من العبادات والأدعية المطلقة، والقول بأنه يتقصده لذاته في كل صلاة يلزم عليه الإثبات، ففرق بين الدعاء بلا تقصد لذاته، الذي يداخل في جملة الدعاء الذي أمرنا به، وبين أن يتقصد دعاء معينًا لذاته، فلما كان فعله محتملًا لم يصح حمله على الاحتمال الذي يعارض الأدلة والآثار والإجماع.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (799)، ومسلم رقم (600).
(2) (ص 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟! لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
الوجه الرابع: أنه بمراجعة أقوال أهل العلم فإن القول باستحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع ليس مشهورًا عند العلماء، بل منهم من أبطل الصلاة به، ومنهم من رآه من السهو الذي ينجبر بسجود.
قال التنوخي: «في كتاب مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها، وما ورد لابن شعبان من أن قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الثناء، على قائل ذلك»(1).
قال زروق: «قال ابن رشد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه … ) الحديث، وكره مالك ذلك لئلا يعتقد أنه من فرائض الصلاة أو--------------------------------------------
(1) التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات (1/ 413).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
من فضائلها، وقال ابن شعبان تبطل صلاة قائله، قال: وقول ابن شعبان تبطل صلاة قائله لا معنى له لثبوته والله أعلم»(1).
قال ابن قدامة: «النوع الثاني، أن يأتي فيها بذكر أو دعاء لم يرد الشرع به فيها، كقوله: (آمين رب العالمين) وقوله في التكبير: (الله أكبر كبيرًا) ونحو ذلك، فهذا لا يشرع له السجود؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلًا يقول في الصلاة: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، فلم يأمره بالسجود)»(2).
وأول من رأيته ذكر استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع النووي، واستغرب هذا طائفة ممن جاء بعده من الشافعية، وبين بعضهم أنه خالف جمهور الشافعية.
قال النووي: «ثبت عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: (كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءه: ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) رواه البخاري فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار، فيقول في ارتفاعه: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قال: اللهم ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات، وملء الأرض … إلى قوله: منك الجد»(3).--------------------------------------------
(1) شرح زروق على متن الرسالة (1/ 226).
(2) المغني (2/ 24).
(3) المجموع شرح المهذب (3/ 420).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
قال أبو البقاء الدميري: «زاد المصنف في (التحقيق): (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولم يذكره الجمهور وهو في (البخاري) من رواية بن رافع، وفيه: (أنه ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)، وذلك أن عدد حروفها بضعة وثلاثون حرفًا»(1).
قال زكريا الأنصاري: «وفي المجموع عن الأصحاب إذا لم يرضوا اقتصر على ربنا لك الحمد، وفي التحقيق مثل ما في الأصل، وزاد عليه: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، عقب: لك الحمد؛ وهو غريب»(2).
قال الشربيني: «وزاد في التحقيق بعده: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ولم يذكره الجمهور، وهو في البخاري من رواية رفاعة بن رافع وفيه أنه (ابتدر ذلك بضعة وثلاثون ملكًا يكتبونه)»(3).
وكأن ابن رجب ذهب إلى ما قال النووي فقال: «قد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية -، وأن مثل هذا الذكر حسنٌ في الاعتدال من الركوع في الصلوات»(4).
وما عزاه للشافعي وأحمد فإنه ليس في استحباب هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، وإنما في أن الزيادة على الوارد جائز كما يفهم بالرجوع لما يقرره أصحابهما.--------------------------------------------
(1) النجم الوهاج في شرح المنهاج (2/ 138).
(2) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 158).
(3) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (1/ 367).
(4) فتح الباري (7/ 202).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
وعلى كلٍّ ذكرت هذا الوجه وإن كان دقيقًا يقصر عنه فهم الكاتب؛ لأنه غير متخصص في العلوم الشرعية، لكن لابد من ذكره ليعرف وليُحرص على فهم العلم على فهم العلماء، لئلا يُخرج عن سبيلهم.
رد استدلاله بتغيير معاذ صفة صلاة المسبوق
الشبهة التاسعة
قال الكاتب: «الثامن سنة معاذ بن جبل رضي الله عنه في المسبوق، فقد كان الرجل من الصحابة رضي الله عنهم إذا جاء إلى الصلاة مسبوقًا يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، فيصلي ما فاته ثم يلحق الجماعة، فيكونون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين قائم وراكع وقاعد، حتى جاء معاذ رضي الله عنه فقال: لا أراه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم على حال إلا كنت عليها، فقال رسول الله: إن معاذًا قد سن لكم سنة، كذلك فافعلوا(1)، فهذه بادرة خير من معاذ ابتدأها اجتهادًا من تلقاء نفسه، وليس عنده في ذلك سنة توقيفية، فصارت سنة المسبوقين إلى يوم الدين»(2).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه ليس في الحديث إحداث وابتداع، وإنما اجتهاد، والمجتهد إذا كان أهلًا للاجتهاد فهو ما بين مصيب أو مخطئ، إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وفرق بين الاجتهاد والإحداث، وذلك أن المجتهد مقر بأنه لا عبادة إلا بدليل، لذا هو يسعى لمعرفة هذا الدليل، وهذا بخلاف من لا--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود رقم (506)، وأحمد (36/ 436).
(2) (ص 130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
يرى أن العبادات توقيفية، فهو لا يحتاج لاجتهاد، بل إن اجتهاد الصحابي من الأدلة على أن العبادات توقيفية، وذلك لأنه لما تقرر عند الصحابة ومن بعدهم أنها توقيفية اجتهدوا لمعرفة مراد الله بالنظر في الأدلة الأخرى، لتكون العبادة قائمة على دليل صحيح.
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة
الشبهة العاشرة
قال الكاتب: «التاسع: رقية أبي سعيد الخدري رجلًا لدغته عقرب، وكان الرجل سيد قومه، وقد أبى أولئك القوم أن يضيفوا أبا سعيد ورهطه رضي الله عنهم، فرقاه بفاتحة الكتاب(1)، وجاء في رواية أنه قرأها ثلاثًا وفي رواية سبعًا، ولم يحدد العدد في روايات أخرى، وكان الباعث لرقية أبي سعيد اجتهادًا من عنده، وليس--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (5007)، مسلم رقم (2201).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
توقيفيًّا من الرسول، فقد جاء في رواية: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وما يدريك أنها رقية؟ قلت يا رسول الله ما دريت أنها رقية، ولكن شيء ألقى الله في نفسي، وفي رواية: ألقي في روعي، كما أن عدد مرات القراءة كان اجتهادًا من أبي سعيد رضي الله عنه، ولم يكن عنده منه توقيف»(1).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الرقية ليست من العبادات التي مبناها على التوقيف، بل هي من التداوي الذي مبناه على التجربة، ويدل لذلك حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك»(2)، فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته رقاهم، مع أن فيهم من كان يرقي في الجاهلية برقى معروفة، ومع ذلك لم يمنع رقيته بشرط ألا تكون شركًا، فدل هذا على أن الرقية من باب التداوي لا العبادات.
قال الإمام ابن تيمية: «ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلًا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم حتى برئ، فأخذوا القطيع؛ فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة»(3).--------------------------------------------
(1) (ص 130).
(2) أخرجه مسلم رقم (2200).
(3) مجموع الفتاوى (20/ 507).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
قال ابن القيم: «ومن ذلك إذا جعل للطبيب جعلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم القطيع من الشاء الذي جعله لهم سيد الحي، فرقاه أحدهم حتى برئ، والجعل كان على الشفاء لا على القراءة»(1).
قال ابن عابدين: «لأن المتقدمين المانعين الاستئجار مطلقًا جوزوا الرقية بالأجرة ولو بالقرآن كما ذكره الطحاوي؛ لأنها ليست عبادة محضة بل من التداوي»(2).
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: «والكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعًا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبًّا للقرآن أو حبًّا فيه، ولا حبًّا للقارئ، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو العلاج، ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء، لأنهم جعلوه على الشفاء لا على التلاوة»(3).
الوجه الثاني: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
وهذا كاف في عدم صحة الاستدلال به.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (1/ 291).
(2) حاشية ابن عابدين = رد المحتار (6/ 57).
(3) فتاواه (1/ 243).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الوجه الثالث: أن الأدلة والآثار والإجماع واضحة في أن العبادات على التوقيف والحظر، فلا تترك لهذه الأدلة المحتملة، فإن المحتمل يرد إلى المحكم المجمع عليه.
رد تكرار استدلاله بأن الإحداث في الرقية يدل على الإحداث في العبادة
الشبهة الحادية عشرة
قال الكاتب: «العاشر: وقد تكرر اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في الرقية، فعن خارجة بن الصلت التميمي أن عمه مر بقوم وعندهم مجنون موثق في الحديد، فقال له بعضهم: أعندك شيء يداوى به هذا، فإن صاحبكم - يعني النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء بخير قال: فقرأت عليه الفاتحة ثلاثة أيام في كل يوم مرتين، فبرأ فأعطاه مائة شاة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: «كل فمن أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق»(1)، وزاد في رواية: وكلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال، فقد اجتهد هذا الصحابي في عدد مرات القراءة وأيامها وطريقتها بدون توقيف، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم(2).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا تكرار للاستدلال بالرقية، وأنها غير توقيفية، وتقدم كشف هذه الشبهة في الشبهة السابقة وهو أن الرقية ليست من العبادات المبنية على الحظر بل من الطب والتداوي.--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود رقم (3896)، وأحمد (36/ 155).
(2) (ص 130).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
رد استدلاله بما زعم أن الصحابة أحدثوه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
الشبهة الثانية عشرة
عقد الكاتب فصلًا بعنوان: هدي الصحابة رضي الله عنهم في المحدثات بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم(1).
وكشف هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أنه بهذا العنوان لهذا الفصل يقرر أن كل ما تعبد به الصحابي مما لم ينقل لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما أحدثه، وهذا خطأ بين، فإن هذا ليس لازمًا، بل قد يكون مما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم ينسبه إليه لما عرف من ورعه في النسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يكون أخذ ممن أخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن القيم: «فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شِفاهًا، أو من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق رضي الله عنه والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدًّا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافًا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل:--------------------------------------------
(1) (ص 139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
«لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره»؛ قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»(1).
ثم أيضًا إذا فعل أحدهم فعلًا، ولم ينكر عليه صحابي آخر فيعد إجماعًا على الصحيح.
الوجه الثاني: أنه إذا تعبد الصحابي بعبادة لم يأخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ممن أخذه منه، فإنه يحتمل - تنزلًا - أنه لا يرى العبادات توقيفية لذا أحدثها، ويحتمل أنه فعله اجتهادًا، والقول بالاجتهاد ينافي القول بالإحداث، ويتوافق مع القول بالتوقيف مطلقًا، وذلك أن معنى أنه اجتهد أي إنه نظر في الأدلة مجتهدًا لمعرفة مراد الله، وذلك لأن العبادة توقيفية لا تفعل إلا بدليل.
رد زعمه أن الصحابة بعد وفاة رسول الله لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا
الشبهة الثالثة عشرة
قال الكاتب: «كذلك فقد ابتدأ الصحابة رضي الله عنهم عددًا من المحدثات بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، ولم يكونوا يقبلون - في الوقت نفسه - كل محدثة في الدين، بل كانوا ينكرون من المحدثات ما يعتقدون أنه من البدع السيئة التي--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (4/ 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
تتصادم مع أصول الدين ونصوصه، فكانت طريقتهم البحث والقياس وإلحاق النظير بالنظير»(1).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن قوله: «لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام»؛ حمّال أوجه؛ فإن أراد من غير العبادات، فهذا لا يقوله الصحابة ولا غيرهم ممن وصفهم بالموسعين أو المضيقين: بل ولا وجود لمن هو كذلك منهم إلا في خيالات الكاتب، وما أبعده من خيال عن واقع أهل العلم.
وإن أراد من العبادات، فقد تقدم إجماع الصحابة ومن بعده أن العبادات مبناها على التوقيف والحظر - كما تقدم في المقدمة السابعة -، وتقدم أن كل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادات حرام التعبد به، على ما سبق تقريره بضوابطه في السنة التركية عند المقدمة الثامنة، لكن لتخليط الكاتب ظن أن من سماهم مضيقين ممن يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لا يجوزون شيئًا من العبادات مما حدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دلت عليه الأدلة وقواعد الشريعة كالمصالح المرسلة، كجمع القرآن في مصحف واحد، أو إحياء عمر صلاة التراويح جماعة، وقد تقدم تفصيل هذا، وأن هذا مما خلط فيه الكاتب كما في الرد الإجمالي.--------------------------------------------
(1) (ص 139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
تكرار رد زعمه أن الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا
الشبهة الرابعة عشرة
قال: «كذلك فقد ابتدأ الصحابة رضي الله عنهم عددًا من المحدثات بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أن كل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، ولم يكونوا يقبلون - في الوقت نفسه - كل محدثة في الدين، بل كانوا ينكرون من المحدثات ما يعتقدون أنه من البدع السيئة التي تتصادم مع أصول الدين ونصوصه، فكانت طريقتهم البحث والقياس وإلحاق النظير بالنظير»(1). ففي هذا زعمه أن الصحابة لا يرون العبادات توقيفية مطلقًا.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن الآثار التي ذكرها الكاتب لا تخرج عن أحوال:
الحال الأولى: عبادات فعلها الصحابي مما قد يكون أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أخذها ممن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا خارج مورد النزاع؛ لأنها راجعة للشرع.
وذلك مثل رفع الصوت بالتكبير في العيد وعشر ذي الحجة(2) وألفاظ قنوت عمر في النوازل(3).--------------------------------------------
(1) (ص 139).
(2) (ص 140).
(3) (ص 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
الحال الثانية: أعمال راجعة إلى المصالح المرسلة، أي ما يجوز إحداثه من الوسائل بضابطه كما تقدم تقريره، وذلك مثل جمع أبي بكر وعمر القرآن(1) وقد تقدم الكلام عليها.
الحال الثالثة: آثار أسانيدها ضعيفة، ومثل هذا لا يحتج به، وذلك مثل إجابة عثمان مقيم الصلاة(2) عند قوله: «وقد قامت الصلاة» بقول: مرحبًا بالقائلين عدلًا ..
وهذا إسناده ضعيف(3)، ولو صح لكانت من الحال الأولى.
الحال الرابعة: عبادات فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركها لمانع ثم زال المانع، وذلك مثل جمع عمر الناس على إمام واحد في قيام رمضان (1) وقد تقدم الكلام عليه.
الحال الخامسة: ما لا علاقة له بالبدعة لأنه لا علاقة له بالعبادة، وذلك مثل تخصيص عبد الله بن مسعود يوم الخميس للوعظ فهو يحتمل أنه لمزية في الخميس، ويحتمل أنه لسبب آخر كتفرغ أو غير ذلك، قال ابن حجر: «واحتمل عمل بن مسعود مع استدلاله أن يكون اقتدى بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في اليوم الذي عينه، واحتمل أن يكون اقتدى بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر»(4).--------------------------------------------
(1) (ص 140).
(2) (ص 143).
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 206) من طريق قتادة عن عثمان ولم يسمع منه كما في جامع التحصيل (ص 255).
(4) فتح الباري (1/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
وعلى الاحتمال الأول يكون هذا المثال للحال الأولى، وعلى الاحتمال الثاني يكون لهذه الحال، وهذا ظاهر صنيع البخاري لأنه وضعه تحت باب (من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة).
الحال السادسة: عبادات جاء بها الشرع بألفاظ عامة ومجملة، وذلك مثل فعل أبي ذر(1)، فقد أكثر الصلاة لأن الشريعة جاءت بكثرة الصلاة والسجود بأدلة عامة ومجملة، وهو فعلها على وجه العموم، ولم يخصصها.
رد إلزامه بأن الترك يقتضي التحريم
الشبهة الخامسة عشرة
قال الكاتب: «فنجد أن المضيقين لمعنى البدعة يحتجون دائمًا على بدعية أي محدثة بأن المحدثة - قيد البحث - لم يفعلها السلف الصالح، ولو كانت خيرًا لسبقونا إليه، فلما تركوها ولم يفعلوها - مع قيام مقتضاها وانتفاء موانعها - دل ذلك على حرمتها، أي إنهم يحتجون لتحريم المحدثات بترك النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم لها، ومن ثم فهم يعتقدون أن الترك يقتضي التحريم»(2).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن هذا جهل أو بغي، فقد جعل ترك النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة مع وجود المقتضي وانتفاء المانع كالقول بأن (الترك يقتضي التحريم)، وهما لا يستويان؛ لأن قوله: «الترك يقتضي التحريم»، عام للترك الديني والدنيوي، ولما تتوافر الدواعي لنقله، وما لا تتوافر لنقله، ولما يوجد له مانع، وما لا يوجد له مانع.--------------------------------------------
(1) (ص 144).
(2) (ص 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
رد عدم احتجاجه بالسنة التركية
الشبهة السادسة عشرة
قال الكاتب: «وتكاد تكون هذه القاعدة من المسلمات عندهم، فما إن يروا أمرًا جديدًا - له ارتباط بالدين - إلا ويسارعون إلى الحكم بتحريمه؛ لأن النبي لم يفعله، ومن ثم فإنه بدعة ضلالة»(1).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
لاشك أن هذه القاعدة - وهي السنة التركية - من المسلمات، وقد تقدم تحريرها والتدليل عليها، ونقل كلام أهل العلم في تقريرها عند المقدمة الثامنة؛ وقاعدة السنة التركية فرع عن القاعدة المجمع عليها، وهي أن العبادات مبناها على التوقيف - وهي المقدمة السابعة -، وتقدم ذكرها والتدليل عليها.
فبهذا يعرف أنها من المسلمات عند جميع أهل السنة، وليست خاصة بمن وصفهم الكاتب بأنهم مضيقون.
رد زعمه أن أهل العلم لم يذكروا أن الترك يقتضي التحريم
الشبهة السابعة عشرة
قال الكاتب: «ولقد بحثت - كباحث يسعى إلى الحقيقة - في كتب الأصول كثيرًا للوقوف على هذه القاعدة، فلم أعثر لها على أثر، أي أنه لم ينص أحد من علماء أصول الفقه على أن الترك يقتضي التحريم» (1).--------------------------------------------
(1) (ص 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
إن البحث عن القاعدة بهذا اللفظ والمعنى لا يوجد؛ لأنه من خيالات الكاتب الذي ألصقه بمن سماهم مضيقين - وتقدم بيان خطئه -، أما لو بحث عنها بمعنى آخر وهو أن ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة لعبادةٍ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ دليل على وجوب الترك، لوجده كثيرًا في كلام أهل العلم، وقد تقدم في المقدمة الثامنة نقل كلام أهل العلم عن حجية السنة التركية، وللشاطبي كلام قوي على دعواه هذه فقال: «ثم إطلاقه القول بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك، غير جار على أصول الشرع الثابتة، فلنقرر هنا أصلًا لهذه المسألة لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه:
وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما، أو تركه لأمر ما على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين - ثم قال -:
والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمرًا ما من الأمور، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان من الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العملي الخاص موجودًا، ثم لم يشرع، ولا نبه على استنباطه؛ كان صريحًا في أن الزائد على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)