تقدم في المقدمة الثامنة؛ لذا لم يخصص بها عامًّا ولم يقيد بها مطلقًا، ولم يرد بها قياسًا لأنه معارض لها.
وبهذا ينتهي الرد الإجمالي الذي قصدت منه بيان أن الكاتب مضطرب وغير متصور لما يكتبه، ولا لما يريده.
وأؤكد أن السبب في ذلك - فيما يظهر لي - أمران:
الأول: عدم فهمه وعدم تخصصه بالعلم الشرعي.
الثاني: أنه يريد تشريع بعض البدع، كالاحتفال بالمولد وغيره، فلما اعتقد شرعيتها سعى جاهدًا للاستدلال لما يعتقده، قال ابن القيم في مناسبة أخرى:
«ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثم استدل، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدل ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل»(1).
وفي مثل تناقضه واضطرابه يصدق قول من قال:
مَساوي لو جُمعْنَ على الغواني … لما أُمْهِرْن إلَّا بالطَّلاقِ
ولأنه قد لا يتصور بعض القراء شناعة تأصيل العرفج، فسأقرب - بفضل الله وتوفيقه - بعض العظائم التي زلّ فيها الكاتب في مناظرة ليسهل تصورها ومعرفتها.
والذي يمثل أهل السنة أجعله باسم (الناصح)، والذي على طريقة العرفج أجعله باسم (المخالف).--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (5/ 246).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
قال المخالف: أنا أتعجب من العلماء، فإنهم لم يفهموا البدعة وضابطها؛ لذا بدعوا أشياء مما يدل على عدم فهمهم لضابطها، ويؤكد هذا أنهم مختلفون في تبديع كثير من الأمور.
قال الناصح: القول بأن العلماء لم يفهموا ضابط البدعة دعوى لا تقبل إلا ببرهان.
أما الاختلاف في تبديع كثير من الأمور فليس دليلًا على عدم فهمهم لضابط البدعة، وذلك لأمرين:
الأول: أنهم متفقون على تبديع أمور أكثر.
الثاني: أنه لا زال العلماء يختلفون في تنزيل التأصيلات العلمية على الوقائع، وهو المسمى عند الأصوليين بـ (تنقيح المناط).
قال المخالف: أنا لي استقراء لصنيع العلماء في التبديع، وبناء عليه ظهر لي أن ضابط البدعة ليس منضبطًا عندهم.
قال الناصح: ليس كل استقراء مقبولًا، ولا كل من استقرأ كان استقراؤه تامًّا، فقد يكون الاستقراء ناقصًا، أو يكون فهمه لكلام العلماء غير صحيح.
قال المخالف: لتقتنع بما أقول: لنبدأ بمسألة (كل بدعة ضلالة).
قال الناصح: توكل على الله.
قال المخالف: زعم بعض العلماء بأن كل بدعة ضلالة، وعلى هذا مؤاخذات، وقبل الإشارة لبعضها .. فهل أنت تقول: «إن كل بدعة ضلالة»؟.
قال الناصح: نعم أنا أرى أن كل بدعة في الدين ضلالة لعموم الحديث، وأرى أن من يقرر أن في الدين بدعة حسنة فهو متناقض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
قال المخالف: زعمُ التناقض وهمٌ منك.
قال الناصح: لا بأس، إن الذي يوصف بأنه بدعة حسنة لا يخرج عن حالين:
إما أنه قد دلّ الدليل عليه ولو بالعموم وغيره، أو أن الدليل لم يدل عليه.
فإن كان قد دل عليه، فلا يصح أن يسمى بدعة بالمعنى الشرعي؛ لأنه ليس بدعة؛ لدلالة الدليل عليه.
وإن لم يكن دلّ عليه، فلا يصح التعبد به؛ لأن العبادات توقيفية وهي على الحظر والمنع إلا لدليل.
قال المخالف: المشكلة في عدم فهمك لمعنى البدعة الحسنة، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «نعمت البدعة هذه» فهو بهذا يقرر أن في الدين بدعة حسنة، فهل تقول: إن عمر متناقض؟ هذا أولًا.
قال الناصح: قبل أن تذكر الأمر الثاني: إن ما وصفه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه بدعة حسنة هو مغاير لما تصفه بالبدعة الحسنة، وذلك أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا ما أردته وهو المعنى الشرعي.
قال المخالف: كيف؟ الذي أراده عمر هو الذي أردتُه تمامًا؛ وذلك أن عمر ابن الخطاب أطلق هذا الوصف على صلاة التراويح جماعة، وهي عبادة.
قال الناصح: هذا يؤكد أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا المعنى الشرعي؛ لأن ما أطلق عليه أنه بدعة هو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لسبب وهو خشية أن يفترض، ثم لما زال هذا السبب رجع عمر وأحيا هذه السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
قال المخالف: بقي أمر ثان؛ وهو أنه لا يصح أن يقال بأن العبادات توقيفية على الإطلاق، فمن أحدث عبادة جديدة فهي صحيحة؛ لأنها بدعة حسنة.
قال الناصح: هذه زلة كبيرة، وهفوة شنيعة لم يسبقك إليها أحد، والأدلة والإجماع على خلاف هذا القول.
سبحان الله! أيصح أن يقال: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق!! إنه لم يقل بهذا حتى العلماء القائلون بأن في الدين بدعة حسنة؛ لأنهم لا يشرعون عبادة إلا بدليل؛ لأجل هذا قال الهيتمي الشافعي: إن الخلاف بين القائلين بأن في الدين بدعة حسنة، وأن البدع كلها ضلالة، خلاف لفظي.
وكلامه صحيح - في الجملة -؛ لأن كل العلماء لا يجوزون عبادة إلا بدليل، وإن كانوا قد يختلفون في تنزيل الأدلة على الوقائع، وأيضًا قد يختلفون في طريقة التعامل مع الأدلة، فمنهم من يوسع في الاستدلال بالقياس والعموم وهكذا …
لكن القول بأن الخلاف لفظي يوهم أن تسمية هذه البدعة بالبدعة الحسنة تسمية صحيحة، وهذا ما لا يوافَقُ عليه وهو غير صحيح، لكن من جهة الثمرة لا ثمرة لهذا الخلاف، وليس القول: (بأن في الدين بدعة حسنة) مجوزًا إحداثَ عباداتٍ جديدة لا دليل عليها.
بل ويلزم من القول بأن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق أن يرجع تشريع بعض العبادات إلى الهوى لا إلى الشرع!!
قال المخالف: إن القول بأنها توفيقية على الإطلاق يترتب عليه أن المستجدات والمستحدثات كالأذان وإلقاء الخطب بمكبرات الصوت بدعة ضلالة وهكذا …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
لذا يجب القول بأنها ليست توقيفية على الإطلاق، ولأجل هذا فإنه بسبب استقرائي لكلام العلماء في البدعة، قسمتهم إلى موسعين ومضيقين.
فمن قال: إن في الدين بدعة حسنة، وأن العبادات ليست توقيفية، وأن هذه المستجدات ليست بدعة فهو من الموسعين، ومن لا فهو من المضيقين.
ثم ظهر لي أن من القائلين بأن البدع كلها ضلالة من يتناقض ويجوز مكبرات الصوت، ولا يجعلها بدعة، مع أن لازم أصله يقضي بأنها بدعة ضلالة، بل ذكر بعضهم أن جمع الصحابة للمصحف ليس بدعة، وهذا خلاف أصله.
ثم استدل بأن قواعد الشريعة دلت على هذا، وهذا يتنافى مع القول بأن كل بدعة ضلالة.
قال الناصح: لقد أُتيت من عدم فهمك لضوابط البدعة وكلام أهل العلم.
قال المخالف: كيف هذا وأنا المتخصص في دراسة البدعة، وألفت فيها كتابًا بعد دراسة وبحث.
قال الناصح: ليس كل من ألف أصاب، فقد ألّف أهل البدع مجلدات في الدعوة إلى بدعهم وعقائدهم الفاسدة، ومع ذلك ضلوا وأضلوا.
قال المخالف: إن زعمك أني لم أفهم شيءٌ كبيرٌ، فإما أن تثبته، أو أن تعرض عنه وتتراجع.
قال الناصح: يلزم بناء على تأصيلك وتقسيمك أن تجعل كل العلماء موسعين، لأنه لا يوجد عالم يقول: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وأيضًا كل العلماء الذين جوزوا عباداتٍ لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته؛ جوزوا ذلك تبعًا للقواعد الشرعية والأدلة العامة.
لذا، فإنك ستضطر إلى إحدى نتيجتين لا محالة؛ إما أن ترمي العلماء بالتناقض؛ لأنهم مرة يوسعون ومرة يضيقون، أو أن تكون متناقضًا؛ للجناية على العلماء بهذا التقسيم الخطأ في نفسه، والجائر في حكمه.
قال المخالف: الحق أحق أن يتبع، إن ما ذكرته عني هو النتيجة التي خرجت بها، فقد وجدت تناقضًا لكني جعلت التناقض من العلماء لا من فهمي.
قال الناصح: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، إن الأولى أن تجعل التناقض منك وإليك، لأنك تصورت موسعين لا وجود لهم، وهو أنهم لا يقولون: إن العبادات توقيفية على الإطلاق، وأيضًا تصورت مضيقين لا وجود لهم، وهو أنهم لا يجوزون شيئًا من العبادات المستجدة بالقواعد الشرعية والأدلة العامة، كجمع الصحابة للمصحف أو إلقاء الخطب عبر مكبرات الصوت وهكذا …
وبهذا تنتهي المناظرة التقريبية التي يعرف من خلالها التصور الخطأ الفادح والشنيع عند العرفج - رده الله إلى رشده -.
وبعد هذا:
إنَّ عجبي لا يكاد ينقضي بأن يخوض غمار هذه المسائل من لم يفهم مسلمات في البدعة، وهي أن الأصل في العبادات المنع والتوقيف مطلقًا، ثم لم يفهم أقوال أهل العلم، ومع ذلك أبى إلا أن يستطيل عليهم تقسيمًا وتصنيفًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وقبل البدء بالرد التفصيلي، إني لأجد كلفة ومشقة لمناقشة كلام الكاتب، وكشف شبهاته، لا لأنها قوية، كلا وايم الله، بل لأنها متناقضة متناطحة، فينكر شيئًا لفظًا ثم يثبته معنى وحقيقة، وأقرب مثال على هذا إنكاره أن العبادات توقيفية على الإطلاق، ثم حقيقة قوله: أنها توقيفية، لذا فإن الذي سأقوم به - بحول الله وإعانته - أن أبين أخطاءه بحسب ما قرره وكتبه بقلمه ولو كان متناقضًا ومضطربًا، وأعتذر مسبقًا أنني سأضطر إلى التكرار في مناقشة أقواله، لأنه يكرر شبهه بطرق متعددة، بل ويبني غيرها عليها، مما يضطرني لتكرار مناقشته، مع كرهي لذلك، لثقله عليّ وعلى القارئ الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
الرد التفصيلي
إن عدد الشبهات التي تم كشفها - بفضل الله - نحو أربعين شبهة، وهذه الشبهات هي أهم ما رأيته في الكتاب، وإلا فإنَّ تتبع كل شبهاته مما يطول، والمقصود قد حصل بما ذكر.
والآن أبدأ - بحول الله - بكشف الشبهات تفصيليًّا:
من أصول الضلال عند الكاتب منازعته في أن
الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق
الشبهة الأولى
نازع الكاتب في أن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق فقال: «إن هذه الأدلة الشرعية توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة»(1).
وقال: «التوقيف في العبادات قضية يعتمد عليها المضيقون للبدعة في تحريم كثير من المحدثات، فما إن ينظر أحدهم إلى محدثة إلا ويسارع بتحريمها بحجة أنها عبادة، والعبادة توقيفية، وبالتالي فلا يجوز إحداثها»(2).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:--------------------------------------------
(1) (ص 153).
(2) (ص 423).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
إن هذه الشبهة من الأصول التي ضل فيها الكاتب وأضل، ثم إنه لم يكتف بالمنازعة في هذا الأصل مع شدة ضلاله، بل زاد الطين بِلَّةً، وعاب على من سماهم مضيقين بأنهم يعتمدون على هذا الأصل في تحريم كثير من المحْدَثات.
وإن تقرير الكاتب عدمَ التسليم بأن العبادات توقيفية على الإطلاق؛ باطل، وعن الدليل عاطل، بل هو مخالف للأدلة الشرعية، وأقوال الصحابة، وإجماع أهل العلم - كما تقدم تقريره في المقدمة السابعة -، فهو قول محدث لا سلف له؛ لذا لم يستطع نقله عن أحد، وإنما فزع إلى المتشابهات وترك المحكمات، وإن مما هو كاف في إسقاط هذا القولِ والكتابِ العلمَ بأنه لا سلف للكاتب في هذا الضلال، سواء الذين زعمهم موسعين أو مضيقين، وهذه كتب أهل العلم، فليذكر الكاتب مَنْ سلَفُه في هذا الضلال، ودونه ودون إثبات ذلك خرط القتاد.
على أن الكاتب - نفسه من حيث لا يدري - يقرر أن الأصل في العبادات التوقيف، كما بينته في الرد المجمل، وليس هذا بأول تناقضاته ومغالطاته.
وجه استدلال الكاتب بمحدثات الصحابة المزعومة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الشبهة الثانية
ذكر الكاتب(1) إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المحدثات، ثم ذكر على ذلك أمثلة، ثم قال: «ولرب قائل يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرهم عليها، فأصبحت تلك المحدثات من السنن التقريرية، فالجواب: إن محل الاستشهاد بفعل الصحابة رضي الله عنهم يكمن في موضعين اثنين:--------------------------------------------
(1) (ص 126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
الأول: هو إقدام الصحابة رضي الله عنهم على فعل تلك الأمور المحدثة قبل أن يبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم مشروعيتها، مع تمكنهم من ذلك بكل يسر وسهولة، الأمر الذي يعني أنهم لم يكونوا يشعرون بالحرج في فعل ذلك، ولم يكونوا يرونها من البدع المذمومة، وإلا لأحجموا عنها.
الثاني: هو إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ما فعلوه وأحدثوه من الأمور الدينية، وعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم عليهم، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم للشيء لا يقتضي تحريمه، وإلا لكان كل ما فعله الصحابة رضي الله عنهم من الأمور محرمًا، لعدم فعله صلى الله عليه وسلم له.
إن هذه الأدلة توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة»(1).
وبناء على زعمه بوجود الإحداث عند الصحابة جعله دليلًا على جواز الإحداث في الدين، وأنه لا يصح أن يقال: إن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
أولًا: أن كلام الصحابة كثير في الأمر بالاتباع وترك الابتداع، مما يدل على أن العبادات توقيفية على الإطلاق، وتقدم ذكر قول بعضهم كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»(2)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (1).--------------------------------------------
(1) (ص 153).
(2) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
فبهذا يعلم قطعًا أن ما توهمه الكاتب على الصحابة من أنهم لا يرون العبادات توقيفية على الإطلاق؛ توهم خطأ، والواجب عليه رد هذا المتشابه للمُحْكَم من أقوال الصحابة، ورده للأدلة الكثيرة، بل ورده للإجماع على أن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لأن العلماء لما قرروا هذا الأصل، وحكوا الإجماع عليه، لم يقيدوه، بل أطلقوه، وقد ذمّ الله من عمد إلى المتشابه وترك المحكم، قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}] آل عمران: 7 [.
وهذا في ظني كافٍ لمن بصره الله ونور قلبه وأراد به الخير، إذ .. هل يمكن أن يقبل أحد من غيره قولًا شرعيًّا انفرد به عن الأمة وخالفها، ولم يوافقه عليه أحد من العلماء، كعلماء المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء السلف؟!
رد استدلاله بوضوء بلال لكل صلاة
الشبهة الثالثة
بدأ بذكر أمثلة عن الصحابة تدل - بزعمه - على أن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق، فقال: «الأول: التزام بلال بن رباح رضي الله عنه للطهارة بعد كل حدث، وصلاته ركعتين بعد كل طهارة، وبعد كل أذان، فكانت هذه من أرجى أعماله الصالحة عند الله، وهذا الالتزام مما اجتهد فيه بلال رضي الله عنه من تلقاء نفسه، ولم يكن عنده سنة توقيفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونص الحديث(1)--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي رقم (3689)، وأحمد (38/ 148) من حديث بريدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح فدعا بلالًا رضي الله عنه، قال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، قال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صلّيت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله علي صلاة ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهما»(1).
وكشف هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذا الأثر هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: ليس في هذا الحديث أن بلالًا أحدث هذا الفعل، وإنما فيه أن بلالًا فاز بهذه المنزلة لمواظبته على هذه العبادة، فيحتمل أن بلالًا عرف الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس آخر، وليس في الحديث ما يدل على أنه أحدثه،
لاسيما وقد أخرج الشيخان(2) عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدِّث نفسه فيهما بشيء، إلا غفر له ما تقدم من ذنبه».
فبطل الاستدلال بفعل بلال رضي الله عنه على جواز إحداث عبادات، لاسيما والأدلة والآثار والإجماعات كلُّها على عدم جواز إحداث عبادات مطلقًا.
فإذن أقل ما يقال - تنزلًا -: إن فعل بلال محتمل للإحداث، ومحتمل أنه أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع آخر، وإذا توارد الاحتمال بطل الاستدلال،--------------------------------------------
(1) (ص 126).
(2) أخرجه البخاري رقم (159)، ومسلم رقم (226).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
لاسيما وأن الاحتمال بأنه أحدثه معارِض للأدلة والآثار والإجماع، فتعين حمله على الاحتمال الثاني، وهو أنه أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع آخر.
الوجه الثالث: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟ أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
أليس هذا كافيًا في عدم صحة الاستدلال به.
رد استدلاله بصلاة خبيب قبل القتل
الشبهة الرابعة
قال: «صلاة خبيب بن عدي ركعتين قبل قتله، فصار فعله سنة لكل مسلم، وكان أولَ من سن الركعتين عند القتل، وقد جاء في بعض الروايات: وكان خبيب هو سن لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة(1). فهاتان الركعتان من السنن الحسنة التي سنها خبيب رضي الله عنه، فله أجرها وأجر من عمل بها، ولم يكن عنده نص توقيفي خاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهما، ولكن لما كانت الصلاة من أفضل الأعمال الصالحة أراد خبيب رضي الله عنه أن يختم حياته بها»(2).
وكشف هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (3989).
(2) (ص 126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذا الأثر هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع
- كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: لا دليل على أن خبيب بن عدي يستحب الصلاة عند القتل، وليست صلاته عند القتل دليلًا على هذا، وإنما غاية ما في الأمر أنه فعل ما هو مشروعٌ على وجه الإطلاق، ومشروعٌ في الجملة، وهو الصلاة، لما أرادوا قتله أراد أن يختم حياته بعبادة مشروعة في الجملة.
فإن قيل: يحتمل أنه استحب الصلاة عند القتل لذاته.
فيقال - تنزلًا -: إن فعله محتمل لاستحباب الصلاة عند القتل لذاته، ومحتمل أنه صلى لأن الصلاة مشروعة على وجه العموم، والاحتمال الثاني متعين لقاعدة: أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
فإن قيل: قال أبو هريرة: «وكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة»، فهذا يبين أنه فعله على وجه التقييد، وأنه جعل القتل صبرًا سببًا في ذاته للصلاة.
فيقال: لا تلازم، وذلك أنه قد يكون سببُ تشريع الشريعة استحباب الصلاة عند القتل؛ فعلَ خبيب للصلاة على وجه الإطلاق، ثم قيدته الشريعة عند هذا السبب وهو القتل صبرًا، وهذا ليس ممتنعًا شرعًا.
قال ابن الملقن: «قول أبي هريرة رضي الله عنه: (فكان خبيب هو سنَّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة) فهو ظاهر في رفعه، مثل قوله: فصارت سنة، وقد سلف فعله عن غيره أيضًا، وكذا فعل زيد بن حارثة، قال السهيلي: هذا يدل أنها سنة جارية، وكذا فعل حجر بن عدي بن الأدبر حين قتله معاوية، وفيما يأتي سنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
حسنة، والسنة: إنما هي أقوال من الشارع أو أفعال أو تقرير؛ لأنه فعلها في حياته، فاستحسن ذلك من فعله واستحسنه المسلمون، مع أن الصلاة خير ما خُتم به عمل العبد»(1).
الوجه الثالث: أن العلماء يتناقلون الحديث شرحًا وبيانًا، ولم يفهم أحد منهم أن هذا دليل على أن العبادات غير توقيفية؛ فهل يعقل أن يجهل العلماء دلالة الحديث على هذا؟، أم أنهم تركوا هذا الفهم لعلمهم أنه خطأ لا يلتفت إليه؟!، لاشك أنهم تركوه لعلمهم أنه فهم ساقط.
أليس هذا كافيًا في عدم صحة الاستدلال به؟!
رد استدلاله بتكرار قراءة سورة الإخلاص
الشبهة الخامسة
ذكر قصة الصحابي الذي كان يكرر قراءة سورة الإخلاص في ركعة(2)، ثم قال: والشاهد هنا هو تخصيص سورة الإخلاص بالقراءة في كل ركعة، وكان حب تلك السورة قد غلب على ذلك الصحابي، لما تحتويه من تعظيم لله عز وجل، فخصصها بالقراءة في كل ركعة، ولم يكن عنده نص توقيفي بمشروعيتها، ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله عن ناصر الدين ابن المنير رحمه الله: «في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل، لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل--------------------------------------------
(1) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (21/ 66).
(2) أخرجه البخاري رقم (7375)، ومسلم رقم (813).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره»(1)، ثم ذكر حديثًا والشاهد منه قريب من هذا، ثم قال: «فهذا الالتزام من هذا الصحابي ليس عليه نص توقيفي خاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة تختلف عن سابقتها، فإمام قباء كان يبدأ بـ (قل هو الله أحد)، وأمير السرية كان يختم بها، وإمام قباء كان يفعل ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة أمير السرية، وإمام قباء سأله النبي صلى الله عليه وسلم، أما أمير السرية فقد أمر أصحابه أن يسألوه، وقال إمام قباء: إنه يحبها، وقال أمير السرية: إنها صفة الرحمن، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم إمام قباء بالجنة، أما أمير السرية فقد بشره بأن الله يحبه»(2).
وكشف هذه الشبهة من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن الذي يريد الوصول إليه من هذين الحديثين هو أن الأصل في العبادات عدم التوقيف على الإطلاق، وهذا مخالف للأدلة والآثار والإجماع - كما تقدم -، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
الوجه الثاني: لم أر في كلام العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم من قال باستحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص كما يوهم فعل هذين الصحابيين، فدل هذا على عدم الاستحباب قطعًا؛ لأنه لا يصح لنا أن نخرج عن أقوال أهل العلم إلى أفهامنا، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}] النساء: 115 [.--------------------------------------------
(1) (ص 127).
(2) (ص 128).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
فهل يمكن أن يظفر الكاتب - غير المتخصص في العلوم الشريعة - بحقٍّ جهله العلماء قبله؟!
فبهذا يتبين أن الصحابيين لم يفعلاه على وجه التعبد، وإلا لقرر أهل العلم استحباب القراءة لذاتها، وعلى وجه التقيد، فلما لم يقرروا ذلك، فليس لنا أن نخرج عن أفهامهم إلى هذا الفهم المحدث، فبهذا يتبين أنه ليس للكاتب حجة في هذين الحديثين على دعواه.
وقد أشار لهذا ابن المنير فجعل الدافع ميل النفس لا أمرًا تعبديًّا، وقد تقدم أن الدافع إذا لم يكن تعبديًّا فلا يمنع، لاسيما وقول رسول الله: «إن الله يحبه» ليس صريحًا لأجل قراءة سورة الإخلاص، وإنما يحتمل أنه لمحبته صفة الرحمن، كما قاله ابن دقيق العيد والسفاريني، ويحتمله كلام ابن المنير - وسيأتي نقله -.
ودونك كلام أهل العلم المتوافق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة؛ لذا وجهوا فعل الصحابيين بتوجيهات مختلفة تتفق على عدم استحباب تقصد قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة وصلاة.
قال ابن بطال: «وأما تردد سورة واحدة فى الركعتين، ففي (الواضحة)، عن مالك: لا بأس به، وروى ابن القاسم عن مالك في (العتبية)، أنه سئل عن تكرير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] في النافلة، فكرهه وقال: هذا مما أحدثوا، ومعنى كراهته لتكريرها يريد في ركعة واحدة يكررها مرارًا، وفي حديث أنس حجة لمن أجاز تكريرها في الفريضة في كل ركعة؛ لقوله عليه السلام للذي كان يكررها: (حبك إياها أدخلك الجنة)، فدل ذلك على جواز فعله، ولو لم يجز لبين له ذلك؛ لأنه بعث معلمًا»(1).--------------------------------------------
(1) شرح صحيح البخاري (2/ 391).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
قال ابن دقيق العيد: «قولها: (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه كان يقرأ بغيرها. والظاهر: أنه كان يقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}] الإخلاص: 1 [مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة، وعلى الأول: يكون ذلك دليلًا على جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة، إلا أن يزيد الفاتحة معها، وقوله صلى الله عليه وسلم:
«إنها صفة الرحمن» يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما إذا ذكر وصف فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف، ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بـ «قل هو الله أحد» ولعلها خصت بذلك لاختصاصها بصفات الرب تعالى دون غيرها، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» يحتمل أن يريد بمحبته: قراءة هذه السورة، ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب عز وجل، وصحة اعتقاده»(1).
قال ابن رجب: «وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك.
ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟»(2).--------------------------------------------
(1) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 268).
(2) ذكره البخاري باب الجمع بين السورتين في الركعة، معلقًا، وانظر: تغليق التعليق (2/ 310).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة»(1).
قال ابن حجر: «قال ناصر الدين بن المنير في هذا الحديث: أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتل بحبها، فظهرت صحة قصده، فصوبه، قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانًا لغيره»(2).
قال ابن علان: «لكونه إمامهم (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه يقرأ بغيرها، ففيه دليل جواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة»(3).
قال السندي: «والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم قرره على ذلك، وبشره عليه بما بشره، فعلم به جواز الجمع بين السور المتعددة في ركعة»(4).
قال السفاريني: «ويكون فيه دلالة على جمع السورتين في ركعة واحدة، ويحتمل أن يكون يختم بها في آخر ركعة، يقرأ فيها السورة (بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1])؛ أي: بسورة الإخلاص، وخصت بذلك لاختصاصهما بصفات الرب تبارك وتعالى دون غيرها.--------------------------------------------
(1) فتح الباري (7/ 73).
(2) المرجع السابق (2/ 258).
(3) دليل الفالحين (3/ 265).
(4) حاشية السندي على سنن النسائي (2/ 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
(فأنا أحب أن أقرأ بها) في كل صلاتي؛ تلذذًا ومحبة لذكر صفاته تبارك وتعالى، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بما قال، (فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
«أخبروه: أن اللَّه تعالى يحبه»)؛ لمحبته قراءة هذه السورة، أو لما شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفات الرب عز وجل، وصحة اعتقاده، وفي هذا دليل على: الرضا بفعله ذلك»(1).
الوجه الثالث: بدلالة ما تقدم من عدم فهم أهل العلم أن قراءة سورة الإخلاص تستحب في كل ركعة أو صلاة، فإنه - تنزلًا - يكون الاستدلال بهذا الحديث من المتشابه، فلا يصح أن يرد المحكم وهو أن العبادات على التوقيف لهذا المتشابه.
الوجه الرابع: أن الحديث يدل على أن المتقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف، وذلك أنهم ما قبلوا فعل الأنصاري والصحابي الآخر؛ لأنه مخالف لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون هذان الحديثان من الأدلة الكثيرة على أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف.
قال ابن رجب: «لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)»(2).
ولأنه متقرر عند أهل العلم أن العبادات مبناها على التوقيف، تأول بعضهم فعل هذين الصحابيين بما لا يتعارض مع قاعدة التوقف والحظر في العبادات، بخلاف ما فعله الكاتب، قال ابن حجر: «وقال غيره: يحتمل أن يكون الصحابي--------------------------------------------
(1) كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (2/ 451).
(2) فتح الباري (7/ 73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)