ما قلتُ شيئًا انتظارَ رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدُّوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم ألا يضيع من حسناتهم؟، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقةً من تلك الحِلَق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصًا نعدُّ به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ ألا يضيع من حسناتكم شيءٌ، وَيحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملَّةٍ هي أهدى من ملَّة محمد، أو مفتِّحو باب ضلالةٍ، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريدٍ للخير لن يُصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: «إنَّ قومنا يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم». وايم الله لا أدري، لعلَّ أكثرهم منكم، ثم تولَّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».
وجه الدلالة: أن الصحابي ابن مسعود اعتمد في الإنكار على هؤلاء بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا هذا الأمر (السنة التركيَّة)، ففعلهم ما بين أمرين: أن يزعموا أنه أهدى، أو أن يكونوا مفتتحين لباب ضلالةٍ، والثاني هو المتعيِّن، وبعد ذكر هذه الأدلة العامة والخاصة في بيان حجية السنة التركية بضوابطها، فإن أهل العلم قرروا حجية السنة التركيَّة.
قال الشافعي: «وللناس تبرٌ غيره من نحاس وحديد ورصاص، فلما لم يأخذ منه رسول الله ولا أحد بعده زكاة؛ تركناه اتباعًا بتركه»(1).--------------------------------------------
(1) كتاب الرسالة (ص 191).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وقال أيضًا: «بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة فعلًا أو تركًا»(1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والترك الراتب سنَّةٌ كما أن الفعل الراتب سنةٌ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ، أو فوات شرطٍ، أو وجود مانعٍ، وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذٍ، كجمع القرآن في المصحف، وجمع الناس في التراويح على إمامٍ واحدٍ، وتعلُّم العربية، وأسماء النقلة للعلم، وغير ذلك مما يُحتاج إليه في الدِّين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به، وإنما تركه صلى الله عليه وسلم لفوات شرطه أو وجود مانعٍ، فأما ما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، وَلَفَعَله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأنه بدعةٌ وضلالةٌ، ويمتنع القياس في مثله .. »(2).
وقال: «فحاصُلُه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في جميع أحواله، فما تركه من القول والفعل فتركه أولى من فعله، وما فعله ففعله أكمل من تركه»(3).
وقال: «والقياس هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوعٌ في مقابلة النَّص، وذاك أن ترْكه صلى الله عليه وسلم سنةٌ كما أن فعله سنةٌ»(4).--------------------------------------------
(1) بواسطة فتح الباري لابن حجر (3/ 474).
(2) القواعد النورانية (ص 150)، وانظره في مجموع الفتاوى (26/ 172).
(3) الصارم المسلول (1/ 174).
(4) شرح العمدة قسم الصلاة (ص 100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وقال: «ولأن التلفظ بذلك لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا عن أحدٍ من التابعين لهم بإحسانٍ، ومعلومٌ أن ذلك لو كان مستحبًّا لفعلوه وعلَّموه وأمروا به، ولو كان ذلك لنُقل كما نُقل سائر الأذكار، وإذا لم يكن كذلك كان من محدثات الأمور … »(1).
وقال: «بل يُقال ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيًا، وزوال المانع سنةٌ كما أن فعله سنةٌ، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، كان ترك الأذان فيهما سنةً، فليس لأحدٍ أن يزيد في ذلك.
- ثم قال: - ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الترك سنةٌ خاصةٌ، مقدمةٌ على كل عمومٍ وكل قياس»(2).
وقال: «لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدِّين الذي يقرِّب إلى الله ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون وسائر الأئمة، وإن علموه امتنع مع توفُّر دواعيهم على العمل الصالح وتعليم الخَلق والنصيحة لهم ألَّا يعلموا أحدًا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحدٌ منهم، فإذا كان هذا الفضل المدَّعى مستلزمًا لعدم علم الرسول صلى الله عليه وسلم وخير القرون لبعض دين الله، ولكتمانهم وتركهم ما تقضي شريعتهم وعاداتهم ألا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحدٍ من اللازمَين منتفٍ إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع؛ علم انتفاء الملزوم وهو الفضل المدَّعَى»(3).--------------------------------------------
(1) شرح العمدة قسم الصلاة (ص 591).
(2) الاقتضاء (2/ 103).
(3) المرجع السابق (2/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
قال ابن القيم: «لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يفعله ولم يشرَعه كان تركه هو السنة. - ثم قال: -
فلذلك كان الصحيح أنه لا يُسنّ الغُسل للمبيت بمزدلفة، ولا لرمي الجمار، ولا للطواف، ولا للكسوف، ولا للاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات»(1).
قال العيني: «وكذا قال الأكمل: أن الترك مع حرصه عليه السلام على إحراز فضيلة النفل دليل الكراهة»(2).
قال الشاطبي: «ثم إطلاقه القولَ بأن الترك لا يوجب حكمًا في المتروك إلا جواز الترك، غير جار على أصول الشرع الثابتة، فلنقرر هنا أصلًا لهذه المسألة لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه ..
وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما، أو تركه لأمر ما؛ على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه، لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها الدين.--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (1/ 418).
(2) البناية شرح الهداية (2/ 71).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
- ثم قال: - والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمرًا ما من الأمور، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان من الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العملي الخاص موجودًا، ثم لم يشرع، ولا نبه على استنباطه؛ كان صريحًا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لقصد الشارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حُدَّ هنالك، لا الزيادة عليه، ولا النقصان منه»(1).
قال ابن رجب: «فأما ما اتفقوا على تركه فلا يجوز العمل به، لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يُعمل به»(2).
قال القَسْطُلَّاني: «وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوى بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذى تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذى فعله»(3).
قال علي محفوظ: «قال ملا أحمد الرومي الحنفي صاحب (مجالس الأبرار) ما ملخصه: لا تكون البدعة في العبادات البدنية - كالصلاة والصوم والذكر والقراءة - إلا سيئةً؛ لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة وعدم مشروعية،--------------------------------------------
(1) الاعتصام (2/ 281).
(2) كتاب بيان فضل علم السلف على الخلف (ص 4).
(3) المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (3/ 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم عدم التنبه أو التكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة.
وكذلك يقال لكلِّ من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة، إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونه بدعة حسنة؛ لما وجد في العبادات ما هو بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مثل صلاة الرغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفي الأذان، وقراءة القرآن في الركوع مثلًا، والجهر بالذكر أمام الجنازة؛ ونحو ذلك .. من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية؛ فهو إما غير بدعة فلا يتناوله ذمّ الشارع، ويبقى عموم حديث: «كل بدعة ضلالة»(1)، وحديث: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» (1) على حاله لا تخصيص فيه، وإمَّا بدعة ويكون مخصوصًا من هذا العام وخارجًا منه، فمن ادّعى الخصوص فيما أحدث وأنه خارجٌ من عموم الذي احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختصٌّ بأهل الاجتهاد، ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
والحاصل أن كل ما أحدث ينظر في سببه؛ فإن كان لداعي الحاجة بعد أن لم يكن - كنظم الدلائل لرد الشبه التي لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي صلى الله عليه وسلم كجمع القرآن؛ فإن المانع منه كون الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال - كان حسنًا، وإلا فإحداثه بمحض العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى، مثلًا الأذان في الجمعة سنة، وقبل صلاة العيد بدعة، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}] الأحزاب: 41 [. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}] فصلت: 33 [. فيقول قائل: هذا زيادة عمل صالح لا يضر، لأنه يقال له: هكذا تتغير شرائع الرسل».
ثم قال: «وقد علمت من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة، وعلمت أن لا معنى للابتداع في العبادات المحضة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفارق الدنيا إلا بعد أن أكمل الله الدين، وأتم نعمته على المسلمين، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}] المائدة: 3 [وروى الطبراني(1) بسند صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم من الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه»، وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول بفعله وتركه؛ هو من اتباع--------------------------------------------
(1) وجدت قريبًا منه عند ابن أبي شيبة (7/ 79) ولفظه: «عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
المتشابه الذي نهى الله عنه، ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لانفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده، ولا يقف الاختراع في الدين، عند حد، وإليك أمثلة في ذلك زيادة على ما تقدم:
الأول: جاء في حديث الطبراني: «الصلاة خير موضوع»(1).
لو تمسكنا بعموم هذا، كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة؟ وهي اثنتا عشرة ركعة عقب المغرب ليلة الجمعة الأولى من رجب، يفصل بين ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة القدر ثلاث مرات، والإخلاص اثنتي عشرة مرة، وكيف تكون صلاة شعبان بدعة مذمومة وهي مائة ركعة، كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة الإخلاص إحدى عشرة مرة، مع دخولهما في عموم الحديث؟ وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتي. - ثم قال: -
الثاني: قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا}] فصلت: 33 [.
وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41].
إذا استحب لنا إنسان الأذان للعيدين والكسوفين والتراويح، وقلنا: كيف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يأمر به، وتركه طول حياته؟!، فقال لنا: إن المؤذن داع إلى الله، وإن المؤذن ذاكر لله، كيف تقوم عليه الحجة، وكيف تبطل بدعته؟!.
الثالث: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] الآية.--------------------------------------------
(1) المعجم الأوسط (1/ 84)، وفيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام في قيام الصلاة، وركوعها، واعتدالها، وسجودها، إلى غير ذلك من الأمكنة التي لم يضعها الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، ومن الذي يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك، وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة؟ وكيف هذا مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي»(1) رواه البخاري؟ فلا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع وعلى الوجه الذي شرع. - ثم قال: -
ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة، كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت، تركه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضي للفعل، وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه»(2).
قال العلامة ابن باز: «لكن المواضع التي لم يرفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز الرفع فيها، لأن فعله سنة وتركه سنة عليه الصلاة والسلام، وذلك مثل الدعاء بين السجدتين، والدعاء في آخر الصلاة قبل السلام، فإنه لا يُشرَع الرفع فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع في ذلك، وهكذا الدعاء بعد الصلوات الخمس بعد الفراغ من الذكر، فإنه لا مانع من الدعاء بينه وبين نفسه بعد الذكر لوجود أحاديث تدل على ذلك، ولكن لا يشرع في ذلك رفع اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك»(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري رقم (631).
(2) الإبداع في مضار الابتداع (ص 33 - 37)، ونقل بعضه الإمام الألباني وأقره في كتاب صلاة التراويح (ص 37).
(3) مجموع فتاوى ابن باز (11/ 179)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وقال العلامة الألباني: «من المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادةٍ مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله، ولم يتقرَّب هو بها إلى الله بفعله، فهي مخالفةٌ لسنته، لأن السنة على قسمين؛ سنةٌ فعليةٌ وسنةٌ تركيةٌ، فما تركه صلى الله عليه وسلم من تلك العبادات، فمن السنة تركها، ألا ترى مثلًا أن الأذان للعيدين ولدفن الميت مع كونها ذكرًا وتعظيمًا لله عز وجل، لم يجز التقرُّب به إلى الله عز وجل، وما ذاك إلا لكونه سنةً تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فهم هذا المعنى أصحابه صلى الله عليه وسلم، فكثر عنهم التحذير من البدع تحذيرًا عامًّا، كما هو مذكور في موضعه»(1).
قال العلامة ابن عثيمين: «ولدينا قاعدة مهمة لطالب العلم وهي: «أن كل شيء وجد سببه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يحدث له أمرًا، فإن من أحدث له أمرًا فإحداثه مردود عليه».
لأننا نقول: هذا السبب الذي جعلته مناط الحكم موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فلماذا لم يفعله؟ فترك النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مع وجود سببه يكون تركه سنّة، والتعبُّد به غير مشروع»(2).
فائدة: جعل ابن القيم السنة التركية قسمين، وذكر أمثلة مفيدة على كل قسم، فقال: «وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم فهو نوعان، وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: «ولم يغسلهم ولم يصل»(3)،--------------------------------------------
(1) حجة النبي صلى الله عليه وسلم (ص 99).
(2) الشرح الممتع على زاد المستقنع (5/ 133).
(3) أخرجه البخاري رقم (1347).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وقوله في صلاة العيد: «لم يكن أذان ولا إقامةٌ ولا نداءٌ»(1)، وقوله في جمعه بين الصلاتين «ولم يسبح بينهما»(2)، ولا على أثر واحدةٍ منهما، ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٍ منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحدٌ منهم ألبتة، ولا حدث به في مجمع أبدًا، عُلم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفُّظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: «اللهم اهدنا فيمن هديت» يجهر بها ويقول المأمومون كلهم «آمين»، ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا رجلٌ ولا امرأةٌ ألبتة، وهو مواظبٌ عليه هذه المواظبة لا يخلُّ به يومًا واحدًا، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار، ولطواف الزيارة، ولصلاة الاستسقاء، والكسوف، ومن ههنا يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنةٌ كما أن فعله سنةٌ، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق، فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله؟ وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم!، فهذا سؤالٌ بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحَّ هذا السؤال وقُبِل لا ستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحبٌّ آخر الغسل لكل صلاةٍ، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟، واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر النداء بعد الأذان:--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم رقم (885).
(2) أخرجه البخاري رقم (1673).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
للصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟، واستحبّ لنا آخرُ لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه، ورفعُ المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةً وفُرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟ واستحبَّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنقل؟ وانفتح باب البدعة وقال: كل من دعا إلى باب بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟»(1).
المقدمة التاسعة
البدع تدخل في الوسائل كما تدخل في الغايات
فإن الوسائل توصف بأنها بدعة - بضوابط شرعية - كما توصف العبادات نفسها التي هي الغايات.
قد دلت الأدلة على ذلك ومنها:
1 - أثر ابن مسعود الذي أنكر فيه على الذين كانوا يكبِّرون الله مائة … إلخ - وقد سبق(2) -.
وجه الدلالة: أن ابن مسعود أنكر اجتماعهم على الذكر وعلى عدِّهم بالحصى، فقد اتخذوا اجتماعهم وعدِّ تسبيحاتهم وتكبيراتهم وسيلةً للتنشيط، فدل هذا على أن البدع تدخل في الوسائل، وإلا لما أنكره رضي الله عنه.--------------------------------------------
(1) إعلام الموقعين (2/ 281).
(2) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
2 - قصة جمع القرآن، وفيه أن أبا بكر وزيد بن ثابت قالا: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، أخرجه البخاري(1)، علمًا أن جمع المصحف من الوسائل، ومع ذلك احتجَّا بعدم فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت الوسائل لا تدخلها البدعة لما قالا هذا واحتجَّا به.
وإن كثيرًا من البدع دخلت في الدِّين باسم المصالح المرسلة، لذا معرفة الفرق بينها والبدع المحدثة مهمٌّ.
وخلاصة الفرق ما يلي:
1 - أن يُنظر فيما يراد إحداثُه؛ هل المقتضي لفعله كان موجودًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والمانع منتفٍ؟، فإن كان كذلك، ولم يفعلوا؛ ففعل هذا الأمر من البدع لا من المصالح، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فتكون من المصالح الملغاة، لأنّها معارضة للسنّة التركيّة، فكلّ مصلحة معارضة لدليل شرعي فهي ملغاة، أما لو كان هناك مانعٌ ثم زال، ففعله ليس من البدع، بل من المصالح المرسلة، لأنه لا يتعارض مع السنّة التركية، ومن ذلك عدم وجود الشيء في زمانهم، كمكبرات الصوت في الأذان، ففعله ليس بدعة، لكونه لا يتعارض مع السنة التركية.
2 - إن كان المقتضي غير موجود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظر فيه هل السبب لفعله ذنوب العباد وتقصيرهم؟، فمثل هذا لا يسوغ ما قد يسميه صاحبه بالمصلحة المرسلة، بل يؤمر الناس بالرجوع إلى دين الله والتمسك به، لأنهم مطالبون--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
بذلك، وغيرهم مطالب بدعوتهم لذلك، وهذا مثل تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين ليسمع الناس الخطبة، فمثل هذا من البدع المحدثة.
قال الإمام ابن تيمية: «والضابط في هذا - والله أعلم - أن يُقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحةً، إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يُحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقلٌ ولا دينٌ، فما رآه الناس مصلحةً نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج أمرًا حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من غير تفريط منا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارضٍ زال بموته.
وأما ما لم يحدث سببٌ يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودًا لو كان مصلحةً ولم يُفعل، يُعلم أنه ليس بمصلحةٍ، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق، فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان:
أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم يُنه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يُفعل إن لم يُؤمر به، وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان:
منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نُفاة القياس. ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه، وهم القياسيون، فأما ما كان المقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحةً، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغييرٌ لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدِّين، من الملوك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
والعلماء والعباد، أو من زلَّ منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير واحدٍ من الصحابة: «إن أخوف ما أخاف عليكم زلَّة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن، وأئمةٌ مضلُّون»(1)، فمثال هذا القسم الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ، فلو لم يكن (كونُه بدعةً) دليلًا على كراهيته، وإلا لقيل هذا ذكرٌ لله ودعاءٌ للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات، كقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33]. - ثم قال: -
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريطٍ من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضُّون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفضُّون حتى يسمعوا أو أكثرهم، فيُقال له: سببُ هذا تفريطك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطبهم خطبةً يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، وإن قصدت صلاح دينهم، فلا(2) تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تُبيح لك إحداث معصيةٍ أخرى، بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم، وهذان المعنيان مَنْ فهمهما انحلَّ عنه كثيرٌ من شبهِ البدع الحادثة»(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه الدارمي رقم (675).
(2) يعني: فلست تعلّمهم ما ينفعهم.
(3) الاقتضاء (2/ 100).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
المقدمة العاشرة
القياسُ لا يصحُّ في العباداتِ غير معقولةِ المعنى (العلة)
العلة من أركان القياس، فإذا كانت العلة غير معقولة المعنى فلا يصح القياس، كما قرره الأصوليون، وممن قرر هذا ابن قدامة فقال: «فإن جعل مكان التراب غيره؛ من الأشنان، والصابون، والنخالة، ونحو ذلك، أو غسله غسلة ثامنة، فقال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما لا يجزئه؛ لأنه طهارة أمر فيها بالتراب، فلم يقم غيره مقامه، كالتيمم؛ ولأن الأمر به تعبد غير معقول، فلا يجوز القياس فيه»(1).
وقال: «وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح؛ لأن النهي إن كان تعبدًا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه»(2).
وأيضًا إذا عارض القياس الدليل الشرعي صار قياسًا فاسدًا، كما قرره الأصوليون(3).
فإذا وجد القياس في عبادة معقولة المعنى، لكنه يصادم الدليل الشرعي كالسنة التركية، فإنه يكون قياسًا فاسدًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقياس--------------------------------------------
(1) المغني (1/ 40).
(2) المرجع السابق (1/ 159).
(3) قال الشاشي في أصوله (ص 314): «فصل شروط صحة القياس خمسة: أحدها: أن لا يكون في مقابلة النص. والثاني: أن لا يتضمن تغيير حكم من أحكام النص. والثالث: أن لا يكون المعدى حكما لا يعقل معناه. والرابع: أن يقع التعليل لحكم شرعي لا لأمر لغوي. والخامس: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوعٌ في مقابلة النص، وذلك أن تركه صلى الله عليه وسلم سنة، كما أن فعله سنة»(1).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا الترك سنةٌ خاصةٌ، مقدمةٌ على كل عموم وكل قياس»(2).
ثم ذكر شيخ الإسلام على هذا أمثلة فقال: «وأشنع من هذا استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة أن يُصلي ركعتين بعد السعي على المروة، قياسًا على الصلاة بعد الطواف، وقد أنكر ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف، ورأوا أن هذه بدعةٌ ظاهرةُ القبح، فإن السنة مضت بأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه طافوا وصلَّوا، كما ذكر الله الطواف والصلاة، ثم سعوا ولم يُصلُّوا عقب ذلك، فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر، والترك الراتب سنةٌ، كما أن الفعل الراتب سنةٌ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ.
- ثم قال: - فأما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعةٌ وضلالةٌ ويمتنع القياس في مثله … »(3).--------------------------------------------
(1) شرح العمدة قسم الصلاة (100).
(2) الاقتضاء (2/ 103).
(3) القواعد النورانية (ص 150)، وانظر: مجموع الفتاوى (26/ 170 - 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
المقدمة الحادية عشرة
كل عبادةٍ مشروعةٍ في الجملة فليس لأحدٍ أن يخصصها أو يقيِّدها
بمكانٍ أو زمانٍ أو كيفية أو سببٍ أو غير ذلك إلا بدليل
بهذه المقدمة يعرف كثير من البدع التي راجت باسم الدين، والتبس أمرها على بعض المسلمين، فإن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة والإكثار منها، فليس لأحد أن يشرع صلاة الرغائب أو الألفية بحجة أن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة، وكذلك جاءت الشريعة بالحث على الذكر، فليس لأحد أن يذكر الله بالذكر الجماعي، كحال الذين أنكر عليهم ابن مسعود وهكذا … والدليل على هذه المقدمة ما يلي:
الدليل الأول: كل دليل في التحذير من البدع - وقد تقدم -؛ لأن تخصيص العبادة أو تقييدها بمكان أو سبب … الخ تشريعٌ من الدين بلا دليل شرعي، فيكون من البدع.
الدليل الثاني: كل دليل في حجية السنة التركية - وقد تقدم -، وذلك أن هذا التعيين أو التخصيص لم يفعل، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
الدليل الثالث: أن هذا فهم الصحابة وهم خير القرون، كما في فعل ابن مسعود لما أنكر على الذين يذكرون الله حلقًا، وأخرج الحاكم أن رجلًا عطس عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: «الحمد لله على كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
حال»(1)، فذكر أن الذكر والسلام على رسول الله مشروعان ومحبوبان لله، لكن لم يقيد الذكر بصفة لا دليل عليها، ولما قيد السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببٍ لا دليل عليه، أنكره ابن عمر، وقد قرر هذه المقدمة أهل العلم.
ولخفاء هذا الأصل وأهميته ألف أبو شامة كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) فقال: «فصل في القسم الثاني من البدع المشتبه أمره على الناس.
وأما القسم الثاني الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك أو تركه أفضل من فعله فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله، وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور من زمان مخصوص أو مكان معين؛ كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أُمر به شخص دون غيره، كالذي اختص النبي صلى الله عليه وسلم من المباحات والتخفيفات، فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك، ويقيس الصور بعضها على بعض، ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة، ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحمهلم ذلك الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع عن اتخاذ تلك الطاعات فيها»(2).
ومما قال أبو شامة بعد أن أورد أحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان: «قلت: وليس في هذا بيان صلاةٍ مخصوصةٍ، وإنما هو مُشعرٌ بفضل هذه الليلة والتهجد، وقيام الليل مُستحبٌّ في جميع ليالي السنة وكان على النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا،--------------------------------------------
(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 295)، وصححه الألباني في السلسلة الضعيفة (2/ 294).
(2) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص 28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
فهذه الليلة بعضٌ من الليالي التي كان يصليها صلى الله عليه وسلم أو يحييها، وإنما المحذور المنكر تخصيص بعض الليالي بصلاةٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ، وإظهار ذلك على مثل ما ثبت من شعائر الإسلام، كصلاة الجمعة والعيد وصلاة التراويح»(1).
وقال: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقاتٍ لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البرِّ مرسلةً في جميع الأزمان، وليس لبعضها على بعضٍ فضلٌ إلا ما فضَّله الشرع وخصَّه بنوعٍ من العبادة.
- ثم قال: - فالحاصل أن المكلف ليس له منصبُ التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفةَ عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم»(2).
قال العز بن عبد السلام: «لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سببَ لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصلح بدونها، وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة وإن كانت قربة إذا كان لها سبب صحيح، وكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون»(3).
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية: «قاعدةٌ شرعيةٌ: شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص--------------------------------------------
(1) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص 38).
(2) المرجع السابق (ص 51).
(3) بواسطة: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)