أما المتون فإنه لم يثبت منها إلا ما كان حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أثراً عن الصحابى، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم فلم يذكره إلا نادراً.
وقد أثبت أيضاً ما وجد من الزيادات من المتون في كتابي الحميدي "الجمع بين الصحيحين"، ورزين بن معاوية "الجمع بين الكتب الستة".
2- بنى ترتيب الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث فكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه، فإن اشتمل الحديث على أكثر من معنى واحد فلا يخلو: أن يكون اشتماله على ذلك اشتمالاً واحداً، أو أحد المعاني فيه أغلب من الآخر، فإن كان اشتماله عليه اشتمالاً واحداً أورده في آخر الكتاب في كتاب سماه: "كتاب اللواحق" وقسمه إلى أبواب عدة، يتضمن كل باب منها أحاديث تشتمل على معاني من جنس واحد، أما ما كان مشتملاً على أكثر من معنى واحد إلا أنه بأحدها أخص وهو فيه أغلب، فإنه يثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه، وقد قصد فيه غالباً أن يكون في باب المعنى الذي هو في أول الحديث.
3- ثم قسم كل كتاب إلى أبواب وفصول وأنواع، وأحياناً إلى فروع وأقسام – أيضاً - بحسب ما اقتضته القسمة التي أوردها في كتابه، وكان الموجب لهذا التقسيم اختلاف معاني الأحاديث التي تختص بكل كتاب، فإن منها ما يتعلق بوجوبه، ومنها ما يتعلق بأركانه وحقيقته، ومنها ما يتعلق بالحث عليه والترغيب فيه، ومنها ما يتعلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
بفضله وشرفه.
4- جمع ما جاء من الأحاديث في فضائل جميع الكتب المودعة في كتابه، وما جاء في فضائل الأنبياء والصحابة وغيرهم فجعله كتاباً واحداً سمَّاه: "كتاب الفضائل والمناقب" وأودعه أيضاً كل حديث يتضمن فضل شيءٍ من الأعمال والأقوال والأحوال والرجال.
5- قال رحمه الله: " … فخرجت أسماء الكتب المودعة في الكتاب وجعلتها مرتبة على حروف أب ت ث طلباً لتسهيل كلفة الطلب، وتقريباً على المريد بلوغ الأرب، ولم أضبط في وضعها الحرف الأصلي من الكلمة فحسب، وإنما لزمت الحرف الذي هو أول الكلمة، سواء كان أصلياً أو زائداً، ولم أحذف من الكلمة إلا الألف واللام التي للتعريف حسب، فأودعت كتاب: الإيمان، والإسلام، وكتاب الإيلاء، وكتاب الآنية في حرف الهمزة، وهذا حرف أصلي ووضعت فيه كتاب الإعتصام، وكتاب إحياء الموات، وهذا حرف زائد؛ فإن الإعتصام حقه أن يكون في حرف العين، وإحياء الموات في حرف الحاء، وكذلك جميع الكتب على هذا الوضع، ولم أقصد به إلا طلب الأسهل، فإن كتب الحديث يشتغل بها الخاص والعام، والعالم بتصريف اللفظ والجاهل به.
ثم وجدت في الأبواب أبواباً عدة، هى من جملة الكتب التي انقسم الكتاب إليها، وإذا ذكرتها في الحرف الذي يختص بها أكون قد أفردت أحد أحكام ذلك الكتاب عنه، وفرقتها ووضعته في غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
موضعه الأولى به مثال ذلك: أن كتاب الجهاد هو في حرف الجيم، وفي جملة أحكام الجهاد أبواب عدة لا يجوز أن تنفرد عنه، مثل: الغنائم، الغلول، والنفل، والخمس، والشهادة، وكل وا حد منها يختص بحرف غير حرف الجيم فإن ذكرته في حرفه تقسم كتاب الجهاد، وعدلت في واجب الوضع فذكرت هذه الأبواب في جملة كتاب الجهاد في حرف الجيم، ثم عمدت إلى آخر كل حرف من تلك الحروف التي تختص بهذه الأبواب فذكرت فيه فصلاً ليستدل به على مواضع هذه الأبواب من الكتاب، فذكرت في آخر حرف الغين أن الغنائم والغلول في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وفي آخر حرف الفاء أن الفىء في كتاب الجهاد من حرف الجيم، وكذلك تتبعت جميع الحروف وفعلت بها هذا الفعل".
6- أثبت المؤلف اسم راوي كل حديثٍ أو أثرٍ على هامش الكتاب حذاء أول الحديث وذلك لفائدتين:
أحداهما: أن يكون الاسم مفرداً يدركه الناظر في أول نظرة، ويعرف بها أول الحديث.
والثانية: لأجل إثبات العلايم التي رقمها المؤلف بالهمزة على الاسم. وذلك أنه رقَّم على اسم كل راوي علامة من أخرج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الستة التي علم لها ب "خ" البخاري، "م" لمسلم، "ط" لموطأ مالك، "ت" للترمذي، "د" لأبي داود،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
"س" للنسائي، فإذا كان الحديث قد أخرجه جماعتهم أثبت – رحمه الله – قبل اسم الراوي العلايم الست، وإن كان قد أخرجه بعضهم أثبت عليه علامة من أخرجه.
والأحاديث التي وجدها في كتاب رزين بن معاوية وليست في الأصول الستة أثبتها ولم يثبت عليها علامة.
7- اعتنى رحمه الله بشرح غريب كل حديث، لكنه خوفاً من الإطالة بالتكرار أو كثرة الإحالات إن هو جعل غريب كل حديث أو فصل أو باب عقيبه، خوفاً من ذلك جمع غريب كتب كل حرف في آخر ذلك الحرف، فمثلاً غريب أحاديث الكتب المذكورة في حرف الألف جمعه في آخر حرف الألف وهكذا 1، ولم ير المؤلف أن ينفرد الغريب في كتاب مستقل كما فعل الحميدي، خشية أن يهمل عند الاستنساخ فلا يستفاد منه، وقد عول رحمه الله على كتب أئمة اللغة ك "تهذيب اللغة" للأزهري و "الصحاح" للجوهري، وكتب غريب الحديث ك "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام وغيره.
8- بعد أن استقر وضع الحديث في الأبواب، والكتب والحروف رأى المؤلف أن هناك أحاديث قد تختلف الأنظار في المكان المناسب لوضعها فيه، وإن كان الموضع الذي وضعها فيه يرى هو أنه أولى بها من غيره، وخوفاً من التباس مكانها لنوع اشتباه في معانيها،--------------------------------------------
1 في الطبعة التي بتعليق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط أعيد توزيع الغريب حيث جعل غريب كل حديثٍ عقيبه، وهكذا، وهذا أمرٌ قد أعرض عنه المؤلف لئلا يطول الكتاب بالتكرار وكثرة الإحالات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
واختلاف وجهات النظر في المكان الأولى بها، وخوفاً من الكلفة على الطالب والمشقة في البحث عن مكانها، خرج المؤلف – رحمه الله – منها كلمات ومعاني تعرف بها تلك الأحاديث وأفرد لها باباً في آخر الكتاب أثبت فيه تلك الكلمات مرتبة على حروف المعجم (أب ت ث) ، ويضع الكلمة أو المعنى بالهامش وبإزائها ذكر موضعها من أبواب الكتاب، فإذا طلب الباحث حديثاً فيه نوع اشتباه وغاب عنه موضعه؛ فما عليه إلا أن يختار لفظة أو معنى مشهوراً في ذلك الحديث ثم يعمد إلى ذلك الباب في آخر الكتاب ليطلبها فيه. 1--------------------------------------------
1 هذه هي الطريقة التي سلكها المستشرقون في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، وها هو ابن الأثير قد سبقهم إلى ذلك، وقبله أهل معاجم اللغة وكتب غريب الحديث التي رتبت على الكلمات الغريبة، وانظر: جامع الأصول 1/76–86 مقدمة المؤلف، الفصل السادس من الباب الثاني، وهذا الباب في آخر الكتاب لم أره مطبوعاً ولعله سقط من تلك الطبعتين والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الباب الخامس: اتجاه تدوين السنة بعد القرن الخامس إلى نهاية القرن التاسع
تعريف موجز بأحوال المسلمين في تلك القرون الأربعة
…
الباب الخامس: اتجاه تدوين السُّنَّة بعد القرن الخامس إلى نهاية القرن التاسع.
في هذا الوقت الممتد عبر أربعة قرون تقريباً، مرت على المسلمين فيه محن وبلايا يشيب لهولها الولدان، ومن هذه المحن:
1- استمرار الانحطاط العلمي والجمود الفكري الذي بدأ - كما أشرت سابقاً - من أوائل القرن الخامس الهجري تقريباً.
2- استمرار الحملات الصليبية على ديار المسلمين، إذ بعد هزيمتهم في معركة حطين سنة (583 هـ) وطردهم من بيت المقدس على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي – مؤسس الدولة الأيوبية في مصر والشام – رحمه الله – استمر لهؤلاء الصليبين وجود – أيضاً – في بعض مدن الشام قرابة قرن من الزمن بعد هزيمتهم في حطين، حيث كانت آخر معركة مع الصليبين في آخر معقل لفلولهم، معركة عكا سنة (690 هـ) كما ذكر ذلك الحافظ الذهبي في حوادث تلك السنة من كتابه "تاريخ الاسلام"، وذكر رحمه الله أنه حضرها بنفسه وسنه يومئذ سبع عشرة سنة، وأنها كانت على أيدي العلماء من الفقهاء والمحدثين والمطوِّعة، حيث كانوا يجرون المنجنيق بأيديهم وهم يرتلون آيات الجهاد ويضرعون بالدعاء.
3- ومنها تلك المحنة العظيمة والرَّزيَّة الأليمة التي نزلت بالمسلمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
على أيدي التتار الوثنيين حيث بلغت ذروتها بسقوط بغداد على أيديهم سنة (656 هـ) 1، واستمرت معاركهم الضارية ضد المسلمين حتى كسرهم الله على يد المسلمين مرتين: الأولى على يد الملك المظفر قطز في معركة عين جالوت سنة (658 هـ) 2، والثانية على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته في موقعة شقحب قرب مدينة دمشق سنة (702هـ) 3، وبعد هذه الموقعة لم يعد للتتار ذكر - فيما أعلم - حيث تفرقوا ودخل كثير منهم الإسلام.
4- ومنها استمرار تسلط أصحاب البدع والأهواء على رقاب المسلمين وتحكمهم فيها، وقد بدأ ذلك من منتصف القرن الرابع الهجرى تقريباً بتسلط البويهيين الروافض على الخلافة في بغداد واستيلاء العبيديين الباطنيين على شمال أفريقيا ومصر والشام، وقبل ذلك تسلط على المسلمين القرامطة الملحدون في البحرين وبعض أجزاء من العراق والشام.
وانتهى باستحواذ الوزير الرافضي ابن العلقمي وصاحبه نصير الكفر الطوسي على الخليفة العباسي في بغداد، ولم يزل ابن العلقمي يزين للخليفة تسريح أفراد الجيش النظامي الذى كان عدده يزيد على ثلاثمائة ألف فأصبح لا يزيد عن عشرة آلاف شخص عند هجوم التتار--------------------------------------------
1 انظر: البداية والنهاية لابن كثير 13 / 200.
2 المصدر السابق 13 / 230.
3 المصدر السابق 14 / 23 – 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
على بغداد 1.
5- ومنها تلك الفتن والقلاقل الداخلية بين بعض ولاة المسلمين وأمرائهم، حيث كان كل أمير مدينة أو ناحية يغير على من حوله من الولايات أو الإمارات الصغيرة وقد كثرت في ديار المسلمين هذه الولايات الصغيرة المتناحرة وخاصة في بلاد الشام وشمال العراق فضلاً عما اشتهر في الأندلس من دويلات الطوائف وما بعدها من الدويلات الصغيرة والمتناحرة.
هذه من أشهر المحن والرزايا التي ابتلي بها المسلمون خلال هذه القرون المتأخرة، إلا أنه كان مما يخفف من حدتها ظهور تلك المصاولة والمجاولة من فينة لأخرى بين المسلمين وأعدائهم وذلك على أيدي الأئمة والعلماء من أهل السُّنَّة والجماعة ومن الأمثلة على ذلك:
أولاً: ما قام به العلماء من أهل السُّنَّة والجماعة من جهود لمقاومة ذلك الانحطاط العلمي والجمود الفكري من أمثال: الحافظ أبو بكر البيهقي، والخطيب البغدادي، ومحمد بن طاهر المعروف بابن القيسرانى، ومحي السُّنَّة البغوي، ثم أبو بكر الحازمي، وأبو موسى المديني، ومحمد بن طاهر السِّلفي، والحافظ ابن الجوزي وغيرهم من علماء المشرق، ومن أمثال الحافظ: ابن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وأبو الوليد الباجي، وأبو عبد الله الحميدي، ثم عبد الحق الأشبيلي، وأبو العباس القرطبي، والقاضي عياض، ورزين بن معاوية وغيرهم من علماء المغرب.
ثم أشرقت أنوار نهضة علمية جديدة مع بدايات القرن السابع--------------------------------------------
1 البداية والنهاية 13 / 200 – 202.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
الهجري على أيدي علماء السُّنَّة من المحدثين والفقهاء من أمثال: الحافظ عبد الغني المقدسي (ت 600هـ) ، وابن الأثير (ت 606 هـ) ، والضياء المقدسى (ت 643 هـ) ، والحافظ المنذري (ت 656 هـ) ، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام (ت.66 هـ) وغيرهم.
ثم تُوجَت هذه النهضة العلمية بصلب عودها وبلوغ ذروتها على يد شيخ الإسلام الحافظ أبي العباس ابن تيمية (ت 728هـ) وتلامذته مثل: المزي (ت 742 هـ) ، وابن القيم (ت 751 هـ) ، وعلم الدين البرزالي (ت 739 هـ) ، وشمس الدين الذهبي (ت 748 هـ) ، ثم الحافظ أبو الفداء ابن كثير (ت 774 هـ) ، والحافظ ابن رجب الحنبلي (ت هـ79 هـ) ، ثم حمل الراية من بعدهم الحافظ العراقي (ت 806 هـ) ومدرسته من أمثال: أبو بكر الهيثمي (ت 807 هـ) ، ثم البوصيري (ت 840 هـ) ، والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) وغيرهم.
فقد أحيا هؤلاء الأعلام – كل في عصره وبحسب إمكاناته – السُّنَّة، ونشروا العلم، وبصروا الأمة بواقعها الذي تعيشه، وجددوا لها ما اندرس من أمر دينها في تلك العصور التي أحلكت فيها الظلمة على الأمة، وابتعد كثير من الناس عن نور النبوة، فاحتاجوا إلى من يضيء لهم الطريق وينير السبيل.
وقد سلك العلماء بعد هذا القرن الخامس الهجري - في مجال خدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها - مسالك شتى في مصنفاتهم ويبرز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
ذلك من خلال الأعمال التالية:-
1- العناية التامة بكتب السلف، رواية ودراسة وشرحاً وترجمة لرجالها.
2- العناية بعلوم الحديث تأليفاً وترتيباً وتهذيباً، وفي هذا القرن كثرت كتب المصطلح المرتبة المهذبة شرحاً ونظماً.
3- الابتكار في التصنيف والعناية بالترتيب، حيث ظهرت أنواع جديدة من المصنفات منها:
أ- إعادة ترتيب كتب السابقين سواء في المتون أو في الرجال ليسهل الانتفاع بها.
ب- كتب اعتنت بجمع أحاديث موضوعات معينة محدودة مثل: كتب الموضوعات وكتب الأحكام وغيرها.
ج- كتب اعتنت بخدمة كتب أخرى أو حوت موضوعات عامة وشاملة مثل: كتب التخريج، وكتب الزوائد وغيرها.
ثانياً: ما قام به بعض الولاة والحكام من إحياء السُّنَّة وقمع البدعة وإحياء فريضة الجهاد ضد أعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين الباطنين ومن هولاء:
كمشتكين بن دانشمند (ت 499هـ) بطل الإنتصارات الأولى على الصليبين، ثم عماد الدين زنكي (ت 540 هـ) ، وابنه نور الدين محمود الشهيد بن زنكي (ت 569 هـ) ، وقد كان لنور الدين هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
جهود كبيرة في إحياء السُّنَّة ونشر العدل بين الناس وتقريب العلماء وتكريم الصالحين.
وكان من آثار جهوده بروز القائد صلاح الدين الأيوبي (ت 589 هـ) الذي كسر الله على يده شوكة الصليبين في حطين وفتح على يديه بيت المقدس، كما أزال على يديه دولة الباطنيين العبيديين، ومحا مذهبهم الرافضي الباطني الذي حاولوا نشره بين المسلمين عن طريق الأزهر الذي أسسوه لهذا الغرض بعد دخولهم مصر بعد منتصف القرن الرابع الهجري.
وكذلك الملك المظفر قطز بن عبد الله (ت 658 هـ) الذي قهر التتار في عين جالوت سنة (658 هـ) وغيرهم من سلاطين الدولتين الأيوبية والمملوكية.
ثالثاً: ما كان بين أهل الحل والعقد من أهل السُّنَّة - علماء وأمراء - من تلاحم وتناصح وتواصٍ بالحق والصبر، فقد عرف الأمراء والولاة الذين كانوا ينتهجون منهج أهل السُّنَّة في تلك العصور للعلماء حقهم وحفظوا لهم مكانتهم، ومكنوهم من أداء رسالتهم إلى الأمَّة وتعليمها الهدى والخير. 1
وهذا بعكس ما يفعله الولاة والأمراء من أصحاب الأهواء والبدع من محاربة العلماء والتضييق عليهم، ومنعهم من أداء رسالتهم؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يمكن أن ينفذوا مآربهم ومآرب أسيادهم من--------------------------------------------
1 انظر مثالاً على ذلك: ما فعله الملك الناصر محمد بن قلاوون مع شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن اتضح له أمره وأنه كان مظلوماً من خصومه، فأخرجه من سجن الاسكندرية سنة 709 هـ، واستقدمه إلى القاهرة، وأكرمه وطلب منه المكث عندهم لنشر العلم ودعوة الناس.
انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص: 184، البداية والنهاية لابن كثير 14 / 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
أعداء المسلمين إلا بنشر الجهل في الأمة، وتفشي الأمِّيَّة في المجتمع، وبذلك تنشأ الأمة جاهلة بدينها وبرسالتها في هذه الحياة، وغارقة في شهواتها وطلب معاشها، فتنشغل بذلك عما يدبره لها حكامها وأسيادهم.
كما عرف العلماء – أيضاً - للولاة والأمراء – بِرَّهم وفاجرهم - حقهم من السمع والطاعة والنصيحة لهم، وتبيين الحق لهم، وجمع الكلمة عليهم، وعدم جواز الخروج عليهم ما لم يفعلوا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان. 1--------------------------------------------
1 ومن الأمثلة على ذلك: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – من نائب السلطان في دمشق جمال الدين الأفرم وإعادته إلى ولايته بعد أن كان قد هرب أمام التتار قبل موقعة شقحب سنة 702 هـ، فتولى شيخ الإسلام السلطة في دمشق هو وتلاميذه بعد انتصارهم على التتار في شقحب، وأقام الحدود وأراق الخمور، وجبى الزكاة، ووضع المكوس، ثم استدعى نائب السلطان الأمير جمال الدين الأفرم وسلَّمه السلطة، وتفرغ هو لدعوته وجهاده – رحمه الله، وإن شئت فانظر رسالته إلى السلطان الملك الناصر بن قلاوون في "العقود الدرية" لابن عبد الهادي ص: 123 وغير ذلك كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
الفصل الأول: كتب في موضوعات خاصة ومحدودة
أولاً:- كتب الموضوعات:
تعريفها: هي الكتب التي تجمع الأحاديث الموضوعة المكذوبة مع بيان وضعها، ومن وضعها غالباً وهي في الغالب مرتبة على الكتب والأبواب. 1
اعتنى السلف فيما اعتنوا به بيان الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنهي عن روايتها وكشف أحوال الكذابين، والتحذير من الاستماع إليهم، أو الرواية عنهم، لكن هذا كله كان فيما قبل القرن الخامس منثوراً ومفرقاً في كتب الرجال والعلل وغيرها مثل:
1-العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (ت 241 هـ) .
2- التاريخ للحافظ ابن معين (ت 233 هـ) .
3- الكامل للحافظ ابن عدي (ت هـ 5 36 هـ) .--------------------------------------------
1 الحديث الموضوع هو: المختلق المصنوع المكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحرم روايته إلا مع بيان وضعه لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
4- الضعفاء للعقيلي (ت 322 هـ) وغيرها.
ثم قام العلماء من بعد القرن الخامس بجمع ما تفرق وتأليف ما تناثر من ذلك في كتاب واحد.
ومن أهم المؤلفات في هذا المجال:
1- الموضوعات لأبي سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الأصبهاني (ت 414 هـ) لم يطبع فيما أعلم.
2- تذكرة الموضوعات لأبي الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني (ت 507 هـ) وهو مطبوع.
3- الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للحسين بن إبراهيم الجورقاني (ت 543 هـ) وهو مطبوع.
4- الموضوعات للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597 هـ) وهو مطبوع.
هـ- العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة لأبي حفص عمر ابن بدر الموصلي (ت 622 هـ) لم يطبع فيما أعلم.
6- الموضوعات لأبى الفضل الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني (ت 650) مطبوع.
7- أحاديث القُصَّاص لشيخ الاسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) مطبوع.
8- اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة لجلال الدين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
السيوطى (ت 911 هـ) مطبوع.
9- النكت البديعات في الأحاديث الموضوعات للسيوطى – أيضاً – وهو تعقبات على ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات"، طبع في الهند قديماً.
10- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة لمحمد بن يوسف بن علي الشامى صاحب السيرة الحلبية (ت 942 هـ) لم يطبع فيما أعلم، والله أعلم.
11- تنزيه الشريعة المرفوعة عن الآخبار الشنيعة الموضوعة لابن عراق على بن محمد الكنانى (ت 963 هـ) مطبوع.
12- تذكرة الموضوعات لمحمد بن طاهر الفتني (ت 986) ، وهو مطبوع.
13- الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة تأليف ملا علي القاري (ت 1014 هـ) وهو مطبوع.
14- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع وهو أيضاً من تأليف ملا علي قاري، مطبوع.
15- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة تأليف محمد بن علي الشوكاني (ت 1255 هـ) ، مطبوع. 1
دراسة موجزة لأحد كتب الموضوعات:--------------------------------------------
1 ذكر الدكتور عبد الرحمن الفريوائي في مقدمة تحقيقه لكتاب "الأباطيل" للجورقاني 1 / 23 – 27 ستة وثلاثين مؤلفاً في الموضوعات، واكتفيت هنا بذكر أهمِّها وأشهرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
وهو كتاب: الموضوعات للحافظ ابن الجوزي.
المؤلف:
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى المولود سنة (510 هـ) والمتوفى سنة (597 هـ) . 1
موضوع الكتاب:
جمع الأحاديث المكذوبة المصنوعة مع بيان حالها وحال من اتُّهم بوضعها، مرتباً على الكتب والأبواب.
قال المؤلف رحمه الله في المقدمة: "أما بعد، فإن بعض طلاب الحديث ألحَّ عليَّ أن أجمع له الأحاديث الموضوعة، وأعرفه من أيِّ طريق يعلم أنها موضوعة، فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصاً عند قلة طلاب العلم، لا سيما علم النقل، فإنه قد أعرض عنه بالكلية، وكثير من القصاص يروون الموضوعات، وخلقاً من الزهاد يتعبدون بها وهأنا أقدم قبل الشروع في المطلوب فصولاً تكون لذلك أصولاً والله الموفق". 2
منهج ابن الجوزي في كتاب الموضوعات:
قدم لكتابه رحمه الله بمقدمة نفيسة وقد اشتمل على:
1- فصول هامة هي:
أ) فضل هذه الأمة ومنزلتها.--------------------------------------------
1 انظر ترجمته مفصلة في: سير أعلام النبلاء 21 / 365 – 384.
2 ابن الجوزي: كتاب الموضوعات 1 / 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
ب) فضل العلماء السابقين.
ج) ثم ذكر أقسام الحديث فجعلها ستة أعلاها الصحيح المتفق عليه وأدناها الموضوع.
د) تكلم عن أقسام الوضاعين وفصل القول عن كل قسم.
2- التمهيد لأحاديث الكتاب بأربعة أبواب:
الأول: في ذم الكذب.
الثانى: في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" حيث أطنب في ذكر طرقه وعدد من رواه.
الثالث: في الأمر بانتقاد الرجال، والتحذير من الرواية عن الكذابين والمجهولين.
والباب الرابع: موضوع الكتاب، وهو الأحاديث الموضوعة مرتبة على الكتب والأبواب الفقهية وقد حوى كتابه خمسين كتاباً. 1
قال رحمه الله في مقدمته: "فأنا أرتب هذا الكتاب كتباً تشتمل على أبواب، فأذكرها على ترتيب الكتب المصنفة في الفقه ليسهل الطلب على طالب الحديث، وأذكر كل حديث بإسناده وأبيِّن علَّته والمتهم به، تنزيهاً لشريعتنا عن المحال، وتحذيراً من العمل بما ليس بمشروع". 2--------------------------------------------
1 ابن الجوزي: كتاب الموضوعات 1 / 53 – 104.
2 ابن الجوزي: الموضوعات 1 / 51.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
آراء العلماء في كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي:
قال السيوطي: "وقد نبَّه الحفاظ قديماً وحديثاً على أن فيه تساهلاً كثيراً وأحاديث ليست بموضوعة بل هي من وادي الضعيف، وفيه أحاديث حسان وأخرى صحاح، بل وفيه حديث من صحيح مسلم نبَّه عليه الحافظ ابن حجر، ثم قال: "إن تساهله وتساهل الحاكم أعدم النفع بكتابيهما. 1
وقال السيوطي في آخر "التعقبات": "هذا آخر ما أوردته في هذا الكتاب من الأحاديث المتعقبة التي لا سبيل إلى إدراجها في سلك الموضوعات وعددها نحو ثلاثمائة حديث، منها حديث في مسلم، وحديث في البخاري برواية حماد بن شاكر، وفي "مسند أحمد" ثلانون حديثاً، وفي النسائي عشرة، وفي ابن ماجه ثلاثون حديثاً، وفي "المستدرك" ستون حديثاً".--------------------------------------------
1 جلال الدين السيوطي: تدريب الراوي 1 / 278 – 279.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
ثانياً: كتب الأحكام:
تعريفها: هى في اصطلاح المحدثين: الكتب التي اشتملت على أحاديث الأحكام فقط، وهي أحاديث انتقاها مؤلفوا هذه الكتب من المصنفات الحديثية الأصول، ورتبوها على أبواب الفقه.
وهي كثيرة ومن أشهرها ما يلي:
1- الأحكام الكبرى لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأشبيلى المعروف بابن الخراط (ت 581 هـ) ، وتقع في ست مجلدات.
2- الأحكام الوسطى لعبد الحق الأشبيلي – أيضاً - وتقع في مجلدين، ذكر في خطبتها أن سكوته عن الحديث دليل على صحته.
وقد وضع عليه الحافظ الناقد أبو الحسن علي بن محمد بن القطان (ت 628 هـ) كتابه "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام". 1
3- الأحكام الصغرى له أيضاً ذكر في خطبتها أنه تخيرها صحيحة الإسناد معروفة عند النقاد، تقع في مجلد واحد، وعليها شرح لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق (ت 781 هـ) . 2
4- عمدة الأحكام عن سيد الأنام تأليف تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلى (ت 600 هـ) ، ويقع في جزئين وهو مطبوع، وقد شرحه الحافظ ابن دقيق العيد (ت 702 هـ)--------------------------------------------
1 وقد طبع: "بيان الوهم والإيهام" في ست مجلدات.
2 عن هذه الكتب الثلاثة، راجع: الرسالة المستطرفة للكتاني ص: 178 – 179
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
في كتابه: "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" 1 طبع في مجلدين.
كما شرحه أيضاً الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق، والحافظ سراج الدين ابن الملقن (ت 804 هـ) ، وكذلك شرحه أيضاً الفيروزآبادي (ت 817 هـ) صاحب "القاموس" 2، وهذه الشروح لا أعلم أنها مطبوعة إلى الآن، والله أعلم.
وشرحه الشيخ عبدا لله بن عبد الرحمن البسام - عضو هيئة التمييز بمكة المكرمة - في كتابه "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" وهو مطبوع.
5- الأحكام الكبرى لمجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحرانى (ت 653 هـ) ، قال عنه الحافظ ابن رجب في ترجمته من "ذيل طبقات الحنابلة": "يقع في عدة مجلدات". 3
6- المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم لمجد الدين ابن تيمية – أيضاً - وهو مختصر من "الأحكام الكبرى" كما نص على ذلك الحافظ ابن رجب في ترجمة المجد من "ذيل طبقات الحنابلة" 4، وهو مطبوع.
وقد اعتنى بشرحه كثير من العلماء منهم: الإمام محمد بن أحمد--------------------------------------------
1 وللعلامة الأمير الصنعاني شرحٌ عليه سمَّاه: "العدَّة" وهو مطبوع في أربع مجلدات.
2 الكتاني: الرسالة المستطرفة ص: 180، المباركفوري: مقدمة تحفة الأحوذي ص: 134 الفصل الثلاثون، وذكر المباركفوري شروحاً أخرى كثيرة.
3 2 / 249 من الذيل، ترجمة رقم 359.
4 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)