وذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد1؛ لأن الإجماع دليل قاطع، يحكم به على الكتاب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به، فكيف يثبت به المقطوع؟
وليس ذلك بصحيح؛ فإن الظن متبع في الشرعيات، والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن، فيكون ذلك دليلًا كالنص المنقول بطريق الآحاد.
وقولهم: "هو دليل قاطع".--------------------------------------------
خولف إلى آخر المسائل التي وقع فيها الخلاف، هل هي إجماع أو لا؟.
ومثال الثاني: وهو: المتفق عليه، لكنه نقل آحادًا: أن ينقل إجماع عن الصحابة بطريق الآحاد. هذا معنى كلامه.
إلا أن جمهور الأصوليين يقسمونه إلى أربعة أقسام: وضحها الطوفي بقوله: "إن الإجماع إما نطقي، أو سكوتي، وكل واحد منهما: إما تواتر أو آحاد:
فالنطقي: ما كان اتفاق مجتهدي الأمة، جميعهم عليه نطقًا، بمعنى: أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة، نفيًا أو إثباتًا.
والسكوتي: ما نطق به البعض، وسكت البعض.
وكل واحد من هذين إما أن ينقل تواترًا أو آحادًا.
ثم قال: ومراتبها متفاوتة في القوة والضعف، وأقواها: النطقي المتواتر، ثم النطقي المنقول آحادًا، لضعف الآحاد عن التواتر، ثم السكوتي المتواتر، ثم السكوتي المنقول آحادًا". شرح مختصر الروضة "3/ 126، 127".
1 أي: أن الإجماع يكون مستنده خبر من أخبار الآحاد، وهو رأي جمهور العلماء.
قال الآمدي: -بعد أن بين أن العلماء اختلفوا في ثبوت الإجماع عن خبر الآحاد-: "فأجازه الحنابلة، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وأنكره الباقون". انظر: الإحكام "1/ 281". =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
قلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع -أيضًا- في حق من شافهه، أو بلغه بالتواتر، وإذا نقله الآحاد كان مظنونًا، وهو حجة، فالإجماع كذلك، بل هو أولى؛ فإنه أقوى من النص، لتطرق النسخ إلى النص، وسلامة الإجماع منه؛ فإن النسخ إنما يكون بنص، والإجماع لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص1.--------------------------------------------
= وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص332: "الإجماع المروي بأخبار الآحاد حجة، يعني عند مالك، خلافًا لأكثر الناس".
1 ولذلك قال العلماء: الإجماع لا ينسخ، ولا ينسخ به، وقد تقدم توضيح ذلك في باب النسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
فصل: [الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا]
الأخذ بأقل ما قيل: ليس تمسكًا بالإجماع، نحو اختلاف الناس في دية الكتابي:
فقيل: دية المسلم1.
وقيل: النصف2.
وقيل: الثلث3.--------------------------------------------
1 وهو مذهب الحنفية. انظر: تيسير التحرير "3/ 258" شرح فتح القدير "8/ 307".
2 وهو ظاهر مذهب الحنابلة: انظر: المغني "8/ 398".
3 وهو ما ذهب إليه الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد. انظر: الأم "6/ 105" والمغني "8/ 398" وظن بعض العلماء أن الإمام الشافعي يعتبر ذلك إجماعًا. وهو غير صحيح، حتى قال الإمام الغزالي: "وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله" ثم بين وجهة نظر الإمام الشافعي رضي الله عنه فقال: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
فالقائل: إنها الثلث ليس هو متمسكًا بالإجماع؛ لأن وجوب الثلث متفق عليه، وإنما الخلاف في سقوط الزيادة، وهو مختلف فيه، فكيف يكون إجماعًا؟
ولو كان إجماعًا كان مخالفه خارقًا للإجماع، وهذا ظاهر الفساد. والله تعالى أعلم.
الأصل الرابع
استصحاب الحال ودليل العقل
اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة من الواجبات، وسقوط الحرج عن الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل1.--------------------------------------------
= "وظن ظانون أنه تمسك بالإجماع، وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، فلا مخالف فيه "وهو الثلث" وإنما المختلف فيه: سقوط الزيادة، ولا إجماع فيه، بل لو كان الإجماع على الثلث إجماعًا على سقوط الزيادة، لكان موجب الزيادة خارقًا للإجماع، ولكان مذهبه باطلًا -على القطع-.
لكن الشافعي أوجب ما أجمعوا عليه، وبحث عن مدراك الأدلة، فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة، فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية، التي يدل عليها العقل، فهو تمسك بالاستصحاب، ودليل العقل، لا بدليل الإجماع" انظر: المستصفى "2/ 404، 405".
1 المصنف جعل الاستصحاب ثلاثة أقسام، وهي: استصحاب العدم الأصلي، واستصحاب دليل الشرع، واستصحاب حال الإجماع في محل النزاع.
أولًا: استصحاب العدم الأصلي بدليل العقل على براءة الذمة من أي تكليف حتى يرد دليل من الشرع بالتكليف، لأن الأصل براءة الذمة منه، فيستصحب الحال في ذلك، وهذا النوع هو الذي يعرف بالبراءة الأصلية، والإباحة العقلية. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
فالنظر في الأحكام: إما في إثباتها، وإما في نفيها.
فأما الإثبات: فالعقل قاصر عنه.--------------------------------------------
وقد دل على هذا النوع آيات من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275] .
ووجه الدلالة من الآية: أنه لما نزلت الآيات القاطعة في تحريم الربا، خاف الصحابة من الأموال التي اكتسبوها من الربا قبل التحريم، فبين الله -تعالى- لهم أن ما أكتسبوه قبل ذلك كان على البراءة الأصلية ولا حرج فيه.
قال الشوكاني: "فله ما سلف: أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به، لأن فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا، أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا" "فتح القدير 1/ 327".
ومثلها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 115] .
ووجه الدلالة من الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لعمه أبي طالب -عند موته- وقال -كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم-: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" كما استغفر بعض المؤمنين لموتاهم من المشركين، فأنزل الله -تعالى-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113] فندموا على استغفارهم، وخشوا أن يعاقبوا على ذلك فنزلت الآية الكريمة: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} قال الشوكاني: "أي: أن الله -سبحانه- لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلّالًا بعد أن هداهم إلى الإسلام، والقيام بشرائعه، ما لم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن يتبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم، ولا يؤاخذون به". فتح القدير "2/ 469".
وهذا النوع من الاستصحاب حجة عند الجمهور.
ثانيًا: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته ودوامه، كاستصحاب النص وحكمه حتى يرد الناسخ، وكاستصحاب العموم من اللفظ العام حتى يرد دليل =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
...............................................................--------------------------------------------
= على التخصيص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله إلى شخص آخر، ودوام شغل الذمة الثابت بدليل شرعي، حتى تثبت براءتها.
وهذا النوع حجة أيضًا عند الجمهور.
ثالثًا: استصحاب حال الإجماع، إذا وقع نزاع بعد، فيما تم الإجماع عليه.
انظر: العدة "4/ 1262" والتمهيد "4/ 251" وإرشاد الفحول "2/ 248" إعلام الموقعين "1/ 378" التمهيد للإسنوي ص489، تيسير التحرير "4/ 177".
ومن أمثلة ذلك: إجماع الفقهاء على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، إذا استمر ذلك حتى دخل في الصلاة، فإذا رأى الماء أثناء الصلاة، أو سمع وهو يصلي بعض الناس يقولون: قد وجد الماء، فهل يستمر في صلاته، بناء على الإجماع المستصحب قبل الصلاة، وصلاته تكون صحيحة، أم أن الصلاة تبطل، ويستأنفها بالوضوء، ولا اعتبار بالإجماع المتقدم على صحة الصلاة قبل رؤية الماء؟
في هذا النوع خلاف بين العلماء.
فقال بعضهم، ومنهم الإمام الشافعي: لا تبطل الصلاة، وقال البعض الآخر -ومنهم الإمام أبو حنيفة-: تبطل الصلاة، ولا اعتبار بالإجماع السابق؛ لتغير الحال، وهو الذي رجحه علماء الحنابلة.
ولذلك سيأتي رد الشيخ "ابن قدامة" على القائلين بحجيته، حيث قال: "وهذا فاسد، لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم، فأما مع الوجود، فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال".
وقال الشوكاني مرجحًا ما ذهب إليه الإمام الشافعي-: "والقول الثاني هو الراجح؛ لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل، قائم في مقام المنع، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، فمن ادعاه جاء به". إرشاد الفحول "2/ 252".
قلت: ويؤيده النهي عن إبطال العبادة على الدخول فيها؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد: 33] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
وأما النفي: فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد دليل السمع الناقل عنه، فينتهض دليلًا على أحد الشطرين1.
ومثاله: لما دل السمع2 على خمس صلوات، بقيت السادسة غير واجبة، لا لتصريح السمع بنفيها؛ فإن لفظه قاصر على إيجاب الخمسة، لكن كان وجوبها منتفيًا، ولا مثبت للوجوب، فيبقى على النفي الأصلي.
وإذا أوجب عبادة على قادر، بقي العاجز على ما كان عليه، ولو أوجبها في وقت، بقيت في غيره على البراءة الأصلية.
فإن قيل:
إذا كان العقل إنما كان دليلًا بشرط أن لا يرد سمع، فبعد وضع الشرع لا يعلم نفي السمع، ومنتهاكم: عدم العلم بوروده، وعدم العلم ليس بحجة.
ولو جاز ذلك، لجاز للعامي النفي مستندًا إلى أنه لم يبلغه دليل3.--------------------------------------------
1 أي: إما الحكم المذكور أو إثباته.
2 وهو النوع الأول من أنواع الاستصحاب الذي أوضحناه قريبًا.
3 هذا اعتراض أورده المصنف على المنكرين لحجية الاستصحاب، خلاصته: أن دلالة العقل إنما تكون حجة قبل ورود الشرع، أما بعد وروده الشرع فغير مسلم، وإلا لجاز للعامي أن يستند إلى ذلك. بحجة أنه لم يبلغه.
وأجاب عنه المصنف إجابة مختصرة شرحها الشيخ الطوفي فقال: "إن الناس إما عامي لا يمكنه البحث والاجتهاد في طلب الدليل، أو مجتهد يمكنه ذلك:
فإن كان عاميًّا، فتمسكه بالاستصحاب مع عدم الدليل الناقل، هما مما ذكرتم من التمسك بالجهل، فهو لعدم أهليتها كالأعمى يطوف في البيت على متاع، وآلة البصر لا تساعده على إدراكه.
أما المجتهد الذي يمكنه الوقوف على الدليل، فتمسكه بعد الجدّ والاجتهاد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
قلنا:
انتفاء الدليل قد يعلم، وقد يظن؛ فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا صلاة سادسة؛ إذ لو كان لنقل وانتشر، ولم يخفَ على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، لا عدم علم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس حجة، والعلم بعدم الدليل حجة.
وأما الظن: فإن المجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة، فلم يظهر له دليل مع أهليته. واطلاعه على مدارك الأدلة، وقدرته على الاستقصاء، وشدة بحثه، وعنايته، غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهذا غاية الواجب على المجتهد.
وأما العامي: فلا قدرة له؛ فإن الذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع، إذا فتش وبالغ، أمكنه القطع بنفي المتاع، والأعمى الذي لا يعرف البيت، ولا يدري ما فيه، لا يمكنه ادعاء نفي المتاع.
فإن قيل:
ليس للاستقصاء غاية محدودة، بل للمجتهد بداية ووسط ونهاية،--------------------------------------------
في طلبه، إنما هو بالعلم بعدم الدليل، لا بعدم العلم بالدليل، فهو كبصير اجتهد في طلب المتاع من بيت لا علة فيه مخفيّة له، أي: للمتاع، أي: ليس في ذلك البت أمر يستر المتاع، فيخفيه عن طالبه، فيجزم بعدمه عند ذلك.
فكذلك المجتهد إذا بالغ في طلب الدليل، فلم يجده، جزم بعدمه، فإن لم يجزم به، غلب على ظنه، وهو كاف في العمل، لا سيّما وقواعد الشرع قد مهدت، وأدلته قد اشتهرت وظهرت، وفي الدواوين قد دوّنت، فعند استفراغ الوسع في طلب الدليل ممن هو أهل للنظر والاجتهاد، يعلم أنه لا دليل هناك.
وحينئذ يكون الاستصحاب منه تمسكًا بالعلم بعدم الدليل الناقل، لا بعدم العلم به" شرح مختصر الروضة "3/ 153-154".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي، والبيت محصور، وطلب اليقين فيه ممكن، ومدارك الشرع غير محصورة، فإن الأخبار كثيرة، وربما غاب راوي الحديث.
قلنا:
مهما علم الإنسان أنه قد بلغ وسعه، فلم يجد فله الرجوع إلى دليل العقل؛ فإن الأخبار قد دونت، والصحاح قد صنّفت فما دخل فيها محصور، وقد انتهى ذلك إلى المجتهدين، وأوردوها في مسائل الخلاف.
فإن قيل:
لِمَ لا يكون واجبًا لا دليل عليه، أو له دليل لم يبلغنا؟
قلنا:
أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال؛ لأنه تكليف ما لا يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود الشرع، والبحث يدلنا على عدم الدليل، على ما ذكرناه.
[استصحاب دليل الشرع]
وأما استصحاب دليل الشرع1: فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، واستصحاب النص إلى أن يرد النسخ، واستصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك الثابت، وشغل الذمة بالإتلاف أو الالتزام، وكذلك الحكم بتكرار اللزوم إذا تكررت الأسباب، كتكرر شهر رمضان، وأوقات الصلوات. فالاستصحاب إذن: عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي،--------------------------------------------
1 وهو النوع الثاني من الأنواع الثلاثة التي سبق توضيحها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
وليس راجعًا إلى عدم الدليل، بل إلى دليل ظني مع انتفاء المغير1، أو العلم به.
فصل: فأما استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف:
فليس بحجة في قول الأكثرين2.
وقال بعض الفقهاء: هو دليل3 واختاره أبو إسحاق بن شاقلا4.--------------------------------------------
1 في الأصل: "بل إلى دليل ظن مع انتفاء المغير" والذي أثبتناه -تبعًا للمستصفى- هو الذي يدل عليه السياق.
هذا، ولم يشر المصنف في هذين النوعين إلى آراء العلماء في حجيتهما.
والمشهور في كتب الأصول أن فيهما أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنهما ليسا بحجة، وهو مذهب أكثر الحنفية، وبعض المتكلمين.
المذهب الثاني: أنه حجة، وهو رأي الجمهور.
المذهب الثالث: أنه يصلح للترجيح دون الاستدلال، وهو منسوب لبعض المتكلمين.
المذهب الرابع: أنه حجة للدفع لا للإثبات، وهو رأي أبي زيد الدبوسي، والسرخسي، والبزدوي من الحنفية.
انظر: الإحكام للآمدي "4/ 127 وما بعدها" أصول السرخسي "2/ 323" تيسير التحرير "4/ 176".
2 من الحنفية والمالكية والحنابلة، وبعض الشافعية.
3 منهم: أبو ثور، والمزني، وأبو بكر الصيرفي، وداود الظاهري وبعض الحنابلة، وهو الذي اختاره الآمدي في الإحكام "4/ 136".
4 هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن شاقلًا، من العلماء المبرزين في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
مثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها، فنحن نستصحب ذلك حتى يأتينا دليل يزيلنا عنه.
وهذا فاسد؛ لأن الإجماع إنما دل على دوامها حال العدم.
فأما مع الوجود: فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الاختلاف، واستصحاب الإجماع عند انتفاء الإجماع محال.
وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهذا لأن كل دليل يضاده نفس الخلاف، لا يمكن استصحابه معه، والإجماع يضاده نفس الخلاف.
والعموم، والنص، ودليل العقل، لا يضاده نفس الاختلاف، فلذلك صح استصحابه معه4.--------------------------------------------
= مذهب الحنابلة، كان جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع توفي سنة "369هـ" "شذرات الذهب 2/ 683".
4 حاصل ذلك: أن القائلين بحجية هذ النوع من الاستصحاب يقولون إن الحكم الثابت قبل الخلاف بالإجماع، حاصل في كل متحقق دوامه، فيكون هذا الحكم دائم الثبوت، وهو المطلوب.
وأجاب عنه المصنف بأن الأصل في كل متحقق دوامه، ما لم يوجد ما ينافيه، ومن المعلوم أن الخلاف الذي حدث ينافي الإجماع الأول، فلا يبقى الحكم مجمعًا عليه.
كما اعترض القائلون بحجيته: بأن استصحاب حال الإجماع المذكور، يقاس على اللفظ العام، في أنه يصير حجة بعد التخصيص.
فأجاب المصنف: بأن هذا القياس مع الفارق، وبيانه: أن الإجماع في صورة التيمم، إنما حصل حال عدم الماء، أما حال وجوده فهو مختلف فيه، والخلاف =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
فصل: [هل النافي للحكم يلزمه الدليل]
والنافي للحكم يلزمه الدليل.
وقال قوم في الشرعيات كقولنا، وفي العقليات لا دليل عليه.
وقال قوم: لا دليل عليه مطلقًا لأمرين:
أحدهما: أن المدّعى عليه الدَّين لا دليل عليه.
والثاني: أن الدليل على النفي متعذر، فكيف يكلف ما لا يمكن؟
كإقامة الدليل على براءة الذمة1.--------------------------------------------
يضاد الإجماع، فلا يجتمعان، ولا يبقى الإجماع مع الخلاف حال عدم الماء، كما أن النفي الأصلي الدال على عدم الحكم لا يبقى مع الدليل السمعي الناقل عن الحكم النافي؛ لكونه يضاده، فالقياس على العموم قياس باطل؛ لأن العموم والنص، ودليل العقل، كالقياس من حيث الاختلاف في الحكم لا ينافيها، فيصح التمسك بها مع الاختلاف، ولا كذلك الإجماع، فإن الخلاف ينافيه، فلا يصح التمسك به معه. انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 156 وما بعدها".
وأقول:
إن هذا الخلاف الذي نقله المصنف في هذه المسألة، والذي نقلناه في النوعين السابقين يؤكد ما قلناه في مقدمة هذ الكتاب من أن المصنف خالف جمهور العلماء في جعل الاستصحاب من الأدلة المختلف فيها، وليس الأصل الرابع من أصول الأدلة.
1 اتفق العلماء على أن المثبت للحكم يلزمه الدليل، والخلاف إنما هو في النافي هل يلزمه الدليل على النفي أو لا؟
في المسألة عدة مذاهب، ذكر المصنف منها ثلاثة:
الأول: أن النافي يلزمه الدليل، وهو مذهب الحنفية وأكثر الشافعية وأكثر الحنابلة. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
ولنا قوله -تعالى-: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1.
ومن المعنى: يقال للنافي: ما ادعيت نفيه، علمته، أم أنت شاك فيه؟
فإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل.
وإن ادعى العلم: فإما أن يعلم بنظر أو تقليد:
فإن ادعى العلم بتقليد، فهو -أيضًا- معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره.
وإن كان ينظر: فيحتاج إلى بيانه.--------------------------------------------
= المذهب الثاني: أنه يلزمه الدليل في الشرعيات، ولا يلزمه في الأمور العقلية.
وهذا غير مسلم للمصنف، فإن الذي قاله العلماء: عكس هذا، أي: يلزمه الدليل في العقليات دون الشرعيات.
المذهب الثالث: أنه لا يلزمه الدليل مطلقًا.
وهذا ما جاء واضحًا في عبارة الإمام الغزالي في المستصفى "2/ 521".
قال: "اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل؟
فقال قوم: لا دليل عليه.
وقال قوم: لا بد من الدليل.
وفرق فريق ثالث بين العقليات والشرعيات، فأوجبوا في العقليات دون الشرعيات".
والذي قاله الغزالي هو ما جاء في العدة لأبي يعلى "4/ 1270".
وقد أورد الشوكاني تسعة آراء في المسألة ونسبها لأصحابها، فراجع حـ2 ص276-279.
1 سورة البقرة الآية: 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
ولأنه لو أسقط الدليل عن النافي: لم يعجز المثبت عن التعبير عن مقصود إثباته بالنفي فيقول: بدل قوله: "مُحدَث": "ليس بقديم" وبدل قوله: "قادر": "ليس بعاجز"1.
وقولهم: "إن المدعى عليه الدين لا دليل عليه": عنه أجوبة2:
أحدها: المنع؛ فإن اليمين دليل، لكنها قصرت عن الشهادة، فشرعت عند عدمها، واختصت بالمنكر؛ لرجحان جانبه باليد التي هي دليل الملك.--------------------------------------------
1 من أول قول المصنف "ولنا" إلى هنا عبارة عن أدلة للقائلين بأن النافي يلزمه الدليل، وهي دليل نقلى، وآخر عقلي من وجهين:
الدليل الأول: أن الله -تعالى- ألزم النافي الدليل في مقام المناظرة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بمطالبة اليهود والنصارى بدليل على دعواهم النفي -كما في الآية الكريمة-.
الدليل الثاني: من وجهين:
الأول: عبارة عن عدة احتمالات توجه للنافي: هل ما تدعيه من علم أو شك، فإن كان عن شك فلا يطلب بدليل، لأنه معترف بجهله وعدم معرفته، وإن ادعى العلم، فيقال له: هل هو عن نظر واجتهاد، أو تقليد، فإن كان عن نظر وجب بيانه، وإن كان عن تقليد فلا يفيده، لأن الخطأ على المقلد جائز.
الوجه الثاني: أن نافي الحكم لو لم يلزمه الدليل لضاع الحق بين الخصمين وتعطل؛ لأن كلًّا من الخصمين يمكنه أن يعبر عن دعواه بعبارة نافية، فيقول المدعي لحدوث العالم: "ليس بقديم" ويقول المدعي لقدمه: "ليس محدث" وإذا أسقط الدليل عنهما ضاع الحق، وعمت الجهالة. انظر: شرح المختصر "3/ 165".
2 هذه أجوبة على دليل أصحاب المذهب القائل: بأنه لا يطالب بإقامة الدليل على النفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
واحتمال الكذب فيها لا يمنع كونها دليلًا، كاحتمال الكذب في الشهادة.
الثاني: إنما لم يحتج المنكر إلى دليل؛ لوجود اليد التي هي دليل الملك؛ إذ الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه.
الثالث: إنما لم يجب عليه الدليل لعجزه عنه؛ إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف: بأن يلازمه الشاهد من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولًا وفعلًا، بمراقبته للحظات، وهو محال.
وشغل الذمة -أيضًا- لا سبيل إلى معرفته؛ فإن الشاهد لا يحصل إلا الظن بجريان سبب اللزوم، من إتلاف أو غيره، وذلك في الماضي.
أما في الحال: فإنه يجوز براءتها بأداء، أو إبراء، فاكتفى بالشهادة على سبب اللزوم، واكتفى معها باليمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر"1.
أما في مسألتنا: فيمكن إقامة الدليل إن كان النزاع في الشرعيات، فقد يصادف الدليل عليها من الإجماع، كنفي وجوب صلاة الضحى، وصوم شوال، أو النص، كقوله، صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في الحلي" 2، و "لا--------------------------------------------
1 حديث صحيح: أخرجه البخاري في: باب إذا اختلف الراهن والمرتهن، كتاب الرهن، ومسلم: كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه، والترمذي: أبواب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وابن ماجه: كتاب الأحكام، باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
2 روى البيهقي في "المعرفة" من حديث عافية بن أيوب عن الليث عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الحلى زكاة" كما رواه عنه الدراقطني =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
زكاة في المعلوفة" 1، أو بمفهوم، أو بقياس، كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة2.--------------------------------------------
= مرفوعًا "2/ 107" وابن الجوزي في التحقيق.
قال البيهقي: عافية مجهول، وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحًا.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: رأيت بخط شيخنا المنذري أنه قال: "عافية بن أيوب لم يبلغني فيه ما يوجب تضعيفه".
انظر: نصب الراية "2/ 374-375".
1 وهو مستفاد من الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، عن أبي بكر رضي الله عنه من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى عن أبيه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه: "أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين … وذكر كتابًا طويلًا في صدقة الماشية وفيه: وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة.
ورواه عنه -أيضًا- ابن ماجه: كتاب الزكاة، باب إذا أخذ المصدق سنًّا دون سن، أو فوق سن حديث رقم "1800".
وله طرق أخرى عن عمرو بن حزم.
2 هذه المسألة فيها عدة وقفات:
الوقفة الأولى: بيان ما ورد في الرمان من أحاديث أو آثار: ورى مالك في الموطأ، باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول، قال: "السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين، وما أشبه ذلك وما لم يشبه إذا كان من الفواكه" والفرسك بكسر الفاء والسين: الخوخ.
وروى البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، من حديث معاذ بن جبل وفيه: "....... فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم". =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
وإن عدم الأدلة: فيتمسك باستصحاب النفي الأصلي الثابت بدليل العقل.
وأما العقليات: فيمكن نفيها، فإن إثباتها يفضي إلى محال، وما أفضى إلى المحال محال.--------------------------------------------
= الوقفة الثانية: قول المصنف: "كقياس الخضروات على الرمان في نفي وجوب الزكاة" فيه نظر؛ لأن الخضروات مخالفة للفواكه فلا تقاس عليها، ولذلك يقال فيها: قياس مع الفارق. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: أن المقيس عليه ليس محل اتفاق حتى يقاس عليه، فقد ذهب أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إلى وجوب الزكاة في كل ما تخرجه الأرض، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] وقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" إلى آخر ما ذكره الحنفية من أدلة في هذه المقام.
الوقفة الثالثة: أن الخضروات وردت فيها أحاديث خاصة، فلا معنى للقياس ومن تلك الأحاديث: ما أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الخضروات عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كتب إل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضروات -وهي البقول- فقال: "ليس فيها شيء" ثم قال: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.
كما أخرجه الدراقطني: كتاب الزكاة، باب ليس في الخضروات صدقة.
وللحديث طرق أخرى كثيرة عن علي وطلحة وأنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهم جميعًا-.
وقد تكلم الحافظ ابن حجر على هذه الطرق وضعفها كلها.
انظر: تلخيص الحبير "2/ 165"، كتاب الزكاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
ويمكن الدليل عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء أحد المتلازمين دليل على انتفاء الآخر، كقوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 1.
فانتفاء الفساد دليل على انتفاء إله ثان2.
هذا بيان أصول مختلف فيها، وهي أربعة
الأول- شرع من قبلنا:
إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، هل هو شرع لنا؟
وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدًا بعد البعثة باتباع شريعة من قبله3؟--------------------------------------------
1 سورة الأنبياء من الآية: 22.
2 من أول قول المصنف: "وأما العقليات … " استدلال منه على أن النافي في العقليات يمكن أن يستدل بأحد أمرين:
الأمر الأول: أن إثباتها يفضي إلى محال، وكل ما يفضي إلى المحال محال.
مثال ذلك أن يقال: العالم ليس بقديم، لأنه لو كان قديمًا للزم تأثير إرادة الصانع وقدرته فيه، لكن تأثير القدرة والإرادة في القديم محال؛ لأنه يصير بذلك أثرًا، وكل أثر محدث، فيلزم أن ينقلب القدم محدثًا وهو محال.
الأمر الثاني: الاستدلال عليه بدليل التلازم؛ فإن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، مثل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] لكنهما لم تفسدا، فلزم أن لا إله فيهما إلا الله تعالى.
انظر: شرح مختصر الروضة "3/ 165".
3 ينبغي قبل أن نعرض لمذاهب العلماء، أن نحرر محل النزاع فنقول: الشرائع السابقة على الإسلام ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما قام الدليل -عندنا- على أنه كان خاصًا بهم، وأن الإسلام قد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
...........................................--------------------------------------------
نسخه، فهذا لا خلاف بين العلماء في أننا غير مكلفين به، مثل قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] .
النوع الثاني: أحكام كانت ثابتة في الشرائع السابقة، وجاء الإسلام فقررها، سواء أكانت في الكتاب أم في السنة، وهذا النوع لا خلاف -أيضًا- في أننا مكلفون بها بالنصوص التي في شريعتنا، لا نقلًا عن الشرائع السابقة، مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ومثل ما أخرجه ابو داود وابن ماجه، عن جابر رضي الله عنه قال: ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم الذبح -أي في يوم العيد- كبشين أقرنين أملحين مرجأين -أي: خصيين- فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، بسم الله، والله أكبر" ثم ذبح "التاج: 3/ 113-114".
النوع الثالث: ما ورد في شريعتنا عن الأمم السابقة ولم يقترن به ما يدل على أنه كان خاصًا بهم، كما لم يتقرن به ما يدل على أننا مكلفون به، فهذا هو محل الخلاف.
وهذا الخلاف مبني على مسألة أخرى، وهي: هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا -قبل البعثة- بشرع أحد من الأنبياء السابقين أو لا؟
فيه أربعة مذاهب:
المذهب الأول: أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا بشرع من قبله من الأنبياء والمرسلين، وهو مذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
المذهب الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبدًا بشرع أحد ممن قبله، وهو مذهب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
فيه روايتان1:
إحداهما: أنه شرع لنا اختارها التميمي، وهو قول الحنفية.
والثانية: ليس بشرع لنا.
وعن الشافعية كالمذهبين.
وجه أنه ليس بشرع لنا سبعة أدلة:
الأول: قوله تعالى: لكل {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} 2 فدل على أن كل نبي اختص بشريعة لم يشاركه فيها غيره.
الثاني: قوله عليه السلام: "بعثت إلى الأحمر والأسود، وكل نبي بُعث إلى قومه" 3.--------------------------------------------
الأشاعرة، والمعتزلة، والرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهو الذي اختاره الآمدي.
المذهب الثالث: أنه جائز عقلًا، ولكنه ممتنع شرعًا، وهو اختيار الإمام فخر الدين الرازي واتباعه.
المذهب الرابع: التوقف وعدم الجزم برأي معين.
انظر في هذه المذاهب: الإبهاج للسبكي "2/ 303" الإحكام للآمدي "4/ 190"، المعتمد لأبي الحسين البصري "2/ 899"، والعدة لأبي يعلى "3/ 756"، والتمهيد "2/ 411"، أصول السرخسي "2/ 99"، تيسير التحرير "3/ 131".
1 أي: عن الإمام أحمد رحمه الله كما تقدم تقريبًا.
2 سورة المائدة من الآية: 48.
3 أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود" كما أخرجه الدرامي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)