ليس به بأس. وأما ما روي من تضعيف ابن معين له، فقد ذكره أبو داود بقوله: "بلغني عن يحيى أنه ضعفه، وقال مرة: يتشيع، وهذا مع كونه منقطعًا يحتمل أن يكون تضعيفه لتشيعه. فراجع ترجمته في تهذيب التهذيب جـ 10 ص 485 - 486. وأما جعفر بن سليمان، فالكلام فيه أكثر من الكلام في نوح، يظهر ذلك بمراجعة ترجمته في التهذيب أيضًا جـ 2 ص 95 - 98، فمخالفة مثله لنوح غير مؤثرة.
والترمذي، وإن جعل رواية جعفر أصح، لكنه ما ذكر وجه ترجيحه.
فالظاهر أن الحديث صحيح، وقد تقدم في كلام ابن جرير رحمه الله توجيهه من حيث المعنى، فلا نكارة فيه، والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 84)
63 - الرُّكُوعِ دُونَ الصَّفِّ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف.
واستدلال المصنف رحمه الله على ما ترجم له بحديث أبي بكرة واضح، وأما استدلاله بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، فغير واضح، إلا أن يكون ذلك الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تحسن صلاتك" قد رآه ركع دون الصف، فأنكر عليه ذلك، لكن الحديث لا يدلّ على هذا، بل في رواية أحمد وابن خزيمة، ما يدل على أنه كان داخل الصف، كما سيأتي التنبيه عليه في آخر شرح الحديث، إن شاء الله تعالى، فالله تعالى أعلم.
8714 - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ زِيَادٍ الأَعْلَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَالنَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَاكِعٌ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (حميد بن مسعَدَة) بن المُبَارك السامي الباهلي البصري،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 85)
صدوق، مات سنة 244، من [10]، أخرج له مسلم والأربعة. تقدم في 5/ 5.
2 - (يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرًا -أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، مات سنة 182، من [8]، تقدم في 5/ 5.
3 - (سعيد) بن أبي عروبة/ مِهْران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، مات سنة 156، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 34/ 38.
4 - (زياد الأعلم) ابن حسان بن قُرَّةَ الباهلي البصري، ثقة، من [5].
روى عن أنس، والحسن البصري، وابن سيرين. وعنه ابن عون، والحمادان، وسعيد بن أبي عروبة، وهمَّام بن يحيى، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ثقة. وقال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال أبو حاتم: هو من قدماء أصحاب الحسن. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله. وقال الدارقطني: هو قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي(1).
5 - (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار الأنصاري، مولاهم، أبو سعيد--------------------------------------------
(1) "تت" جـ 3 ص 362. "ت" ص 109.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 86)
البصري، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيراً، ويدلس، مات سنة 110، رأس [3]، أخرج له الجماعة، تقدم في 32/ 36.
6 - (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَةَ بن عَمْرو الثقفي، صحابي مشهور بكنيته، وقيل: اسمه مَسْروح -بمهملات- أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، مات سنة 51 أو 52، أخرج له الجماعة. تقدم في 41/ 836. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وزيادًا، فانفرد به هو، والبخاري، وأبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه مَن لُقِّبَ بصورة الكنية، وهو أبو بكرة، قيل له: أبو بكرة؛ لأنه تدلى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقه يومئذ.
ومنها: أن فيه الأعلم، وهو لقب لزياد بن حسان، لقب به لأنه كان مشقوق الشفة العليا. يقال: عَلِمَ يَعلَم، من باب تعب: إذا انشقت شفته العليا، فالذكر أعلم، والأنثى عَلْمَاء، مثل أحمر وحمراء. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 87)
شرح الحديث
(عن زياد الأعلم) هو ابن حسان، من صغار التابعين، تقدم آنفًا سبب تلقيبه بالأعلم، أنه قال (حدثنا الحسن) البصري (أن أبا بكرة) نفيع بن الحارث رضي الله عنه (حدثه) في هذه الرواية رد على من أعلّ الحديث بعنعنة الحسن في أكثر الطرق. قال في "الفتح": وقد أعَلَّه بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع من أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف عنه، وردّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة، عن الأعلم، قال: "حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه". أخرجه أبو داود، والنسائي(1).
(أنه دخل السجد) زاد الطبراني من رواية عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه: "وقد أقيمت الصلاة، فانطلق يسعى"، وللطحاوي من رواية حماد بن سلمة، عن الأعلم: "وقد حفزه النفس". وفي رواية همام، عن زياد: "أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم" (والنبي صلى الله عليه وسلم راكع) جملة اسمية في محل نصب على الحال من فاعل "دخل" (فركع دون الصف) أي ركع أبو بكرة قبل أن يصل إلى الصف خوفًا من أن يفوته الركوع معه صلى الله عليه وسلم (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية البخاري من طريق همام: "فذَكَرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية حماد عند الطبراني: "فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيكم دخل الصف، وهو راكع".--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 520.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 88)
(زادك الله حرصًا) أي اجتهاداً على الخير. يقال: حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد، والاسم الحِرْصُ -بالكسر- وحَرصَ على الدنيا من باب ضرب أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغة: إذا رَغِبَ رغبةً مذمومةً، فهو حريص، وجمعه حِراص، مثل ظريف وظراف. أفاده الفيومي. والمعنى الأول هو المناسب هنا. يعني أن منشأ هذا الفعل هو الحرص على العبادة، وإدراك فضل الركوع معه صلى الله عليه وسلم والحرصُ على الخير مطلوب محمود، فلذا دعا له بأن يزيده الله تعالى منه. وقال الزين بن المنير رحمه الله: صَوَّب النبي صلى الله عليه وسلم فعل أبي بكرة من الجهة العامة، وهي الحرص على إدراك فضيلة الجماعة، وخطَّأه من الجهة الخاصة. اهـ.
(لا تَعُدْ) قال الحافظ رحمه الله: ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله، وضم العين، من العَوْد، وحكى بعض شراح المصابيح أنه روي بضم أوله، وكسر العين، من الإعادة. انتهى.
قيل: معناه لا تَعُدْ إلى أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف. وقيل: معناه: لا تعد إلى أن تسعى إلى الصلاة سعيًا، بحيث يضيق عليك النفس. وقيل: لا تعد إلى الإبطاء. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون عائدًا إلى المشي إلى الصف في الصلاة، فإن الخطوة والخطوتين، وإن لم تفسد الصلاة، لكن الأولى التحرز عنها(1).--------------------------------------------
(1) زهر الربى جـ 2 ص 118 - 119.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 89)
وقال الحافظ: لا تعد إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف. وقد ورد ما يقتضي ذلك صريحًا في طرق حديثه، كما تقدم بعضها، وفي رواية عبد العزيز المذكورة: فقال: "مَن الساعي؟ " وفي رواية يونس بن عبيد، عن الحسن، عند الطبراني: "فقال: أيكم صاحب هذا النفس؟ قال: خشيت أن تفوتني الركعة معك". وله من وجه آخر عنه في آخر الحديث: "صل ما أدركت، واقض ما سبقك". وفي رواية حماد عند أبي داود وغيره: "أيكم الراكع دون الصعف"، وقد تقدم من روايته قريبًا: "أيكم دخل الصف وهو راكع".
وتمسك المهلب بهذه الرواية الأخيرة، فقال: إنما قال له: "لا تعد" لأنه مَثَّلَ بنفسه في مشيته راكعًا كمشية البهائم. اهـ(1).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما فسر به الحافظ هو الأولى؛ لأنه المفهوم من مجموع الروايات المذكورة، وأما الاقتصار على بعض المعاني، فيؤدي إلى إلغاء ما دلت عليه بقية الروايات.
والحاصل أنه نهاه عن العودة إلى مثل ما صنع من السعي الشديد؛ بحيث تتضايق نفسه، فيخل بالخشوع المطلوب، ومن الركوع دون الصف، ثم المشي إليه.
وأما ما قاله المهلب من أن سبب النهي هو التشبه بمِشْية البهائم،--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 520 - 521.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 90)
فليس بجيد؛ لأن أصل الركوع المأمور به فيه مشابهة أيضًا للبهائم، فلو كان هو سبباً للنهي، لما شُرِعَ، فتبصر. والله تعالى أعلم.
والحديث يدل على النهي عن الركوع قبل الوصول إلى الصف، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا 63/ 871، وفي "الكبرى" 63/ 943 بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن هَمَّام، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عنه. وأبو داود فيه بسند المصنف نحوه. وأحمد جـ 5 ص 39، 45، 46. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو بيان حكم الركوع قبل أن يصل إلى الصف، وهو النهي، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَعُدْ" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 91)
ومنها: ما كان عليه الصحابة من المسارعة والحرص على إدراك الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، عملاً بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} الآية [آل عمران: 133].
ومنها: إنكار الرئيس على أتباعه إذا رأى منهم منكرًا.
ومنها: الدعاء لمن يسارع إلى الخيرات.
ومنها: أن الحرص على الخير إنما يحمد إذا كان على الوجه المشروع، وإلا فيكون مذمومًا.
ومنها: أنه احتج به من رأى صحة الصلاة خلف الصف وحده، وقد تقدم الجواب عنه في الباب الماضي.
ومنها: أنه احتج به من يقول بإدراك الركعة لمن أدرك الركوع، حيث لم يأمره صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وقد تقدم الجواب عنه أيضًا.
ومنها: أن من أدرك الإِمام على حال ينبغي له أن يصنع كما يصنع الإِمام، وقد ورد الأمر بذلك صريحًا في سنن سعيد بن منصور من رواية عبد العزيز بن رفيع، عن أناس من أهل المدينة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدني قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، فليكن معي على الحالة التي أنا عليها". وفي الترمذي نحوه عن علي، ومعاذ بن جبل، مرفوعًا، وفي إسناده ضعف، ولكنه ينجبر بطريق سعيد بن منصور المذكورة. قاله في "الفتح"(1). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه--------------------------------------------
(1) جـ 2 ص 521.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 92)
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في حكم الركوع قبل الوصول إلى الصف:
ذهب قوم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا يركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم يَدِبُّ حتى يدخل فيه.
رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" جـ 1 ص 255 - 256 عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وسعيد بن جبير، وأبي سلمة، وعطاء. ورواه البيهقي في سننه جـ 2 ص 90 عن أبي بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وفي سنده مكحول مدلس، وقد عنعنه.
واستُدِلَّ لهؤلاء بما أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر، يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد، والناس ركوع، فليركع حين يدخل، ثم يدبّ راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك سنة". قال الحافظ أبو بكر الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلس. وقد حاول الشيخ الألباني في تصحيحه، ولكنه ما أتى بما يزيل تدليس ابن جريج، وغاية ما استدل به، أن ابن جريج قال في آخر الحديث: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك. قال: هذا مما يشعر أنه تلقى
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 93)
ذلك عنه مباشرة؛ لأنه يبعد جِدّاً أن يكون سمعه عنه بالواسطة، ثم يراه يعمل بما حدث به عنه، ثم لا يسأله عن الحديث، ولا يعلو به، هذا بعيد جِدّاً، فالصواب أن الإسناد صحيح. انتهى كلامه.
قال الجامع: هذا الذي قاله الشيخ عجيب منه، فهل مثلُ هذا الكلام يقال في كل مدلس عنعن، أم في ابن جريج فقط؟ فهلا قال مثل هذا في الحديث الآتي: "إذا أتى أحدكم إلى الصلاة، فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف". ورجاله رجال الصحيح أيضًا، فقد أعله بتدليس عمر بن علي المقدمي مع قوله: حدثنا ابن عجلان، فقال ما معناه: كان يقول: حدثنا، ثم يسكت(1). فهلا قال فيه: من البعيد أن يكون عمر دلسه بالسكوت، ثم لا يبينه محمد بن أبي بكر الراوي عنه، وهو ابن أخيه يعرفه حق المعرفة، هذا بعيد جِدّاً؟.
والحاصل أن حديث ابن الزبير لا يصح لعنعنة ابن جريج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وذهب آخرون إلى النهي عنه، منهم أبو هريرة، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف. وفي لفظ: إذا ركعت، والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف. وأخرج عن الحسن أنه سئل عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ فقال: لا--------------------------------------------
(1) هذا هو التدليس المسمى في المصطلح بتدليس القطع.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 94)
يركع. وعن مغيرة، قال: قلت لإبراهيم: إذا دخلتُ المسجد، والإمام راكع، أركع قبل أن أنتهي إلى الصف؟ قال: لا تفعل ذلك.
واستُدِلَّ لهؤلاء بحديث أبي بكرة رضي الله عنه المذكور في الباب، فإن قوله: "لا تعد" بعد قوله: "أيكم الراكع دون الصف؟ " صريح في النهي عنه. وبما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، قال: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: حدثني عمر بن علي، قال: ثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه من الصف". انتهى(1).
حسنه الحافظ في "الفتح"، وقال الشيخ الألباني: ظاهره الصحة، وقال أيضًا: إن الرجال كلهم ثقات، لكنه أعله بما تقدم ذكره، وقد عرفت أن تصحيحه لحديث ابن الزبير، وفيه عنعنة المدلس، وتضعيفه هذا بالتدليس غير جيد، فإن الطريق الذي صحح به ذاك منطبق على هذا، بلا فرق، وتقويته له بالآثار المذكورة فيه معارض بمثله من الآثار التي ذكرت في هذا.
وأقوى الدليل لهم حديث أبي بكرة، هذا، فإنه صريح في النهي عن الركوع دون الصف.
والحاصل أن أقوى المذهبين في هذه المسألة مذهب من قال بالنهي عن الركوع دون الصف، لحديث أبي بكرة هذا، وما حاول به الشيخ--------------------------------------------
(1) شرح معاني الآثار جـ 1 ص 396.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 95)
الألباني في سلسلته الصحيحة جـ 1 ص 404 - 408، مع اعترافه بكونه ظاهراً في النهي المذكور، إلا أنه اضطر إلى تأويله لئلا يختلف مع حديث ابن الزبير المذكور؛ حيث إنه يرى صحته، مع ما عرفت من ضعفه -غير مقبول، إذ تأويل الحديث الصحيح عن ظاهره ليوافق حديثًا ضعيفًا غير معقول، وما ذكره من التقوية بالآثار التي تقدم ذكرها فلا يلتفت إليه، لوجود ما يعارضها من الآثار في الجانب الآخر، كما ذكرته آنفا. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
872 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَا تُحَسِّنُ صَلَاتَكَ، أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي كَيْفَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ؟ إِنِّي أُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ بَيْنَ يَدَيَّ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (محمد بن عبد الله بن المبارك) المُخَرِّمِيُّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة بضع وخمسين ومائتين، من [11]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في 43/ 50.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 96)
2 - (أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي، مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، مات سنة 201، من كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 44/ 52.
3 - (الوليد بن كثير) المخزومي، أبو محمد المدني، ثم الكوفي، صدوق عارف بالمغازي، رُمِي برأي الخوارج، مات سنة 151، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 44/ 52.
4 - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة، من [3]، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في سنة 120، أخرج له الجماعة، تقدم في 95/ 117.
5 - (كيسان) أبو سعيد المقبري المدني مولى أم شريك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبت، من [3].
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة 100، وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حفر القبور، فسمي المقبري، وجعل نعيمًا على إجمار المسجد، فسمي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيمًا أدرك عمر.
وقال البخاري في صحيحه: قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سمي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر. وزعم الطحاوي في بيان المشكل أنه مات سنة 125، وهو وَهَم منه، فإن ذاك تاريخ وفاة ابنه
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 97)
سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي لكان عُمْرُ أبي سعيد أكثر من مائة وعشرين سنة، وهذا لم يقله أحد. وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع.
وفرق ابن حبان في الثقات بين كيسان صاحب العباء روى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم. أخرج له الجماعة(1).
6 - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، والبخاري، وأبو داود، وأنهم مدنيون إلا شيخه، فبغدادي، وأبا أسامة فكوفي، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة، أكثر الصحابة رواية، روى 5374 حديثًا. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) "تت" جـ 8 ص 453 - 454. "ت" ص 278.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 98)
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أبيه) كيسان، هكذا عند المصنف، ومسلمٍ من طريق الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة بزيادة: "عن أبيه". وكذا عند ابن خزيمة في صحيحه رقم 4474 من طريق عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد و664، من طريق أبي خالد -أعني الأحمر- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد. ووقع في مسند أحمد جـ 2 ص 449 من طريق يزيد -أعني ابن هارون- عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة .. بدون ذكر "عن أبيه".
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا) وفي رواية أحمد، وابن خزيمة "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر"، وعند ابن خزيمة من طريق أبي خالد المذكورة: "العصر"، (ثم انصرف) أي سَلَّم من الصلاة. ولفظ أحمد من طريق يزيد، عن ابن إسحاق المذكورة: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم، ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا فلان، ألا تتقي الله، ألا ترى كيف تصلي، إنكم ترون أني يخفى علي شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يديّ".
ولفظ ابن خزيمة من طريق عبد الأعلى المذكورة: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فلما سلم، نادى رجلاً كان في آخر الصفوف،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 99)
فقال: "يا فلان ألا تتقي الله، ألا تنظر كيف تصلي، إن أحدكم إذا قام يصلي، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أراكم، إني والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي".
ولفظه من طريق أبي خالد المذكورة، عن ابن إسحاق: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فبصر برجل يصلي، فقال: "يا فلان، اتق الله، أحسن صلاتك، أترون أني لا أراكم، إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي، أحسنوا صلاتكم، وأتموا ركوعكم وسجودكم".
(فقال: يا فلان ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تُحسن صلاتك) من التحسين. أو الإحسان. يقال: حسَّنَ الشيءَ: إذا زَيَّنَهُ. أفاده في "مختار الصحاح". ويقال: أحسنتُ الشيءَ: عَرَفته، وأتقنته. كما في المصباح، ونحوُه في "ق" والمختار(1).
أي ألا تُزَينُ صلاتك وتُتْقِنها بإتمام الركوع والسجود، والخشوع (ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه) ولفظ مسلم: "ألا ينظر المصلي إذا صلى، كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه".
يعني أن نفع الصلاة لنفس المصلي، فمن واجبه أن يتقن أعمالها؛ لأنه إنما يصلي لنفسه، ومعلوم أن كل من يعمل لنفسه يتقن عمله؛ حيث إن نفعه يعود له، لا لغيره (إِني أبصر) وفي نسخة: "فإني--------------------------------------------
(1) راجع "ق" ص 1534 طبع مؤسسة الرسالة، و"المصباح" جـ 1 ص 136، و"المختار" ص 58.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 100)
أبصر"، وفي رواية مسلم: "إني والله لأبصر" وهو من الإبصار (من ورائي، كما أبصر بين يديّ) وفي الكبرى "من بين يدي" بزيادة "من". أي: إني انظر من وراء ظهري معجزةً مثل ما أرى من أمامي عادةً.
وقال السندي رحمه الله: يحتمل أدن تكون "من" جارّة، أو موصولة. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي قاله يَعْتَمدُ عَلى صحة الرواية بالوجهين، وإلا فما صحت به الرواية هو المتعين. والله تعالى أعلم.
قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكًا في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به. قال القاضي عياض: قال أحمد بن حنبل رحمه الله، وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقةً. انتهى(1).
تنبيه:
استنباط المصنف من هذا الحديث حكم ما ترجم له بعيد جدّاً، كما أشرف إليه في أول الباب؛ لأنه ليس في الحديث أن ذلك الرجل كان خلف الصف وحده، بل في رواية أحمد ما يدل على أنه كان داخل الصف؛ حيث قال: "وفي مؤخر الصفوف رجل … " ولفظ--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 4 ص 149 - 150.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 101)
ابن خزيمة: "نادى رجلاً كان في آخر الصفوف … " فإنه ظاهر في كونه في الصف، لا خارجه. فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه.
أخرجه المصنف هنا 63/ 872، وفي "الكبرى" 63/ 944 بالسند المذكور.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وأخرجه أحمد جـ 2 ص 449. وابن خزيمة رقم 474 و664. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: مشروعية إنكار الرئيس على رعيته إذا رأى منهم تقصيرًا في الأمور الشرعية، ولاسيما ما يتعلق بالصلاة.
ومنها: أنه ينبغي للمصلي أن يعتقد أن صلاته لنفسه، فيؤديها
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 102)
بواجباتها، ومسنوناتها، ومستحباتها حتى يكون نفعها له أتم.
ومنها: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حلف كما تقدم في رواية مسلم، قال النووي رحمه الله: لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف. اهـ(1).
ومنها: إثبات معجزة باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث جعله الله تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة:
أكْثَرُ الأنْبِيَاءِ حَقَّاً تَبَعَا … يَرَى مَنْ خَلْفَة كَقُدَّامٍ مَعَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 2 ص 149 - 150.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 103)