وقد حكاه عن مالك أيضاً أبو مصعب، وأشهب، والوليد بن مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك.
وقال البخاري: يُروى عن عدة ومن أهل الحجاز والعراق والشام والبصرة واليمن - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ورفع الرأس منه، منهم سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله ابن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وغيرهم عدة كثيرة. انتهى.
وقال البيهقي: وقد رويناه عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ثم عن مالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ثم عن الشافعي، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعدة كثيرة من أهل الآثار بالبلدان.
وقالت طائفة: لا يَرفَع يديه فيما سوى الافتتاح، وهو قول سفيان، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن صالح بن حي، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، قال ابن عبد البر: وتعلق بهذه الرواية عن مالك أكثر المالكيين.
وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة". وهو المشهور عند
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 144)
أصحاب مالك، والمعمول به عند المتأخرين منهم. انتهى.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين، قال محمد: والذي آخذ به أن أرفع على حديث ابن عمر.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه الرفع في تكبيرة الإحرام فقط عن علي، وابن مسعود، والأسود، وعلقمة، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، وأبي إسحاق السبيعي، وحكاه عن أصحاب علي، وابن مسعود، وحكاه الطحاوي عن عمر، وذكر ابن بطال أنه لم يختلف عنه في ذلك، وهو عجيب، فإن المعروف عنه الرفع في المواطن الثلاثة.
وقال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر أن هذا هو مشهور مذهب مالك أن الرفع في المواطن الثلاثة هو آخر أقواله، وأصحها المعروف من عمل الصحابة، ومذهب كافة العلماء إلا من ذكر. انتهى. وكذا قال الخطابي: إنه قول مالك في آخر أمره.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا يَعلم(1) مصرًا من الأمصار تركوا بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة، فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام.
وقال ابن عبد البر: لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند--------------------------------------------
(1) هكذا نسخة "الطرح" "يعلم مصراً"، ولعل الأولى "لا نعلم مصرًا" فليحرر.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 145)
كل خفض ورفع ممن لم يُختلَفَ عليه فيه إلا ابن مسعود وحده، وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع. انتهى.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن الطريق عن علي في ترك الرفع واهية.
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه: ولا يثبت عن علي، وابن مسعود، ولو كانا ثابتين عنهما لا يثبته(1) أن يكون رآهما مرة أغفلا رَفْع اليدين، ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظه ابن عمر لكانت حجة. انتهى.
وروى البيهقي في "سننه" عن وكيع، قال: صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما فرغوا من الصلاة قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تكثر رفع اليدين أردت تطير؟! فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة قد رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟! فسكت أبو حنيفة، قال وكيع: فما رأيت جوابًا أخصر من جواب عبد الله لأبي حنيفة.--------------------------------------------
(1) هكذا نسخة الطرح "لا يثبته" ولعل الصواب: "يشبه أن يكون الخ" بحذف "لا" و"يشبه" بالشين المعجمة من الشبه. فليحرر.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 146)
وروى البيهقي أيضاً عن سفيان بن عيينة، قال: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى، فقالط الأوزاعي للثوري: لِمَ لا ترفع يديك في خفض الركوع، ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة؟! قال: فاحمارّ وجه سفيان، فقال الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت؟ قال الثوري: نعم، فقال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق، قال: فتبسم الثوري لمّا رأى الأوزاعي قد احْتَدَّ. انتهى ما قاله ولي الدين رحمه الله تعالى(1).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: احتج القائلون بالاستحباب بالأحاديث الكثيرة من الصحابة حتى قال الشافعي: رَوَى الرفعَ جمع من الصحابة، لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم.
وقال البخاري في "جزء رفع اليدين": روى الرفع تسعة عشر نفساً من الصحابة. وسرد البيهقي في السنن، وفي الخلافيات أسماء من روي عنه الرفع نحوًا من ثلاثين صحابيًا، وقال: سمعت الحاكم يقول: اتفق على رواية هذه السنة العشرةُ المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضاً: ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرةُ، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة.--------------------------------------------
(1) "طرح التثريب" جـ 2 ص 252 - 255.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 147)
وروى ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سلمة الأعرج، قال: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع.
وقال البخاري في الجزء المذكور: قال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم، ولم يستثن أحداً منهم. قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يرفع يديه.
واحتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه عند مسلم، وأبي داود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكُنُوا في الصلاة".
وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا رواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: "كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: عَلامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذه، ثم يسلم على أخيه مَنْ عَنْ يمينه، ومَنْ عن شماله".
ورُدَّ هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح، كما تقرر في الأصول. وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ثبوتًا متواترًا كما تقدم، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 148)
تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر.
وربما نازع في هذا بعضهم، فقال: قد تقرر في الأصول أنه إذا جهل تاريخ العام والخاص اطرحا. وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه المسألة بعد موته صلى الله عليه وسلم، وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.
على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال: "فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى".
وأيضاً المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء، وقد جعله بعض الأصوليين مجمعاً عليه، كما في "شرح الغاية".
وربما احتج بعضهم بما رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس بلفظ: "من درفع يديه في الصلاة، فلا صلاة له"، وبما رواه ابن الجوزي عن أبي هريرة بنحو حديث أنس، وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس: إنه موضوع. وقد قال في البدر المنير: إن في إسناده محمد بن عكاشة الكرماني، قال الدارقطني: يضع الحديث. وابن الجوزي جعل حديث أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(1).--------------------------------------------
(1) نيل الأوطار جـ 3 ص 10 - 12.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 149)
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن رفع اليدين عند الإحرام للصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وفي القيام إلى الثالثة، هو مذهب جمهور الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من المحققين، الذين تؤيدهم الدلائل الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والمخالفون ليس لهم دليل مقنع، بل أدلتهم كلها لا تصلح مستندًا حتى يُعْدَل إليهما عما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق التواتر، فسلِّم تسلم، والله ولي الهداية والتوفيق. وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في الأبواب المناسبة له حيث يذكره المصنف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، واختلفوا فيما سواها. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: وفي حكاية هذا الإجماع نظر من وجهين:
أحدهما: أن بعض العلماء يقول بوجوبه، وقد قال النووي بعد ذلك بأسطُر: أجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار. انتهى.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 150)
قال ولي الدين: وحكاه القاضي حسين في تعليقه عن أحمد بن حنبل. وقال ابن عبد البر: كل من رأى الرفع، وعمل به من العلماء لا يُبطِل صلاةَ من لم يرفع إلا الحميدي، وبعض أصحاب داود، ورواية عن الأوزاعي، ثم حَكىَ عن الأوزاعي أنه ذكر الرفع في المواطن الثلاثة، فقيل له: فإن نقص من ذلك؟ قال: ذلك نقص من صلاته. ثم قال ابن عبد البر: وقول الحميدي، ومن تابعه شذوذ عن الجمهور، وخطأ لا يلتفت إليه أهل العلم. انتهى.
وحكى الطحاوي إيجابه عند الركوع، والرفع منه، والقيام من السنن عن قوم، واعترضه البيهقي، وقال: لا نعلم أحدًا يوجب الرفع. وحكى صاحب المفهم عن بعضهم وجوب الرفع كله. وقال ابن حزم في "المحلى": ورفع اليدين للتكبير من الإحرام في أول الصلاة فرض، لا تجزىء الصلاة إلا به. ثم قال: وقد روي ذلك عن الأوزاعي، وهو قول بعض من تقدم من أصحابنا. انتهى.
وقد ثبت بذلك وجود الخلاف في وجوب الرفع في تكبيرة الإحرام، بل في وجوب الرفع كله. والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من استحباب--------------------------------------------
(1) طرح جـ 2 ص 255 - 256.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 151)
الرفع مطلقاً هو الصحيح، وأما القول بالإيجاب فليس عليه دليل يعتمد عليه، وغاية ما استدلوا به حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا الاستدلال غير صحيح، لاستلزامه وجوب جميع أفعال الصلاة، بحيث لا يوجد فيها شيء من المستحبات، وهذا لا يقولون به. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في بيان حكمة مشروعية رفع اليدين في الصلاة:
قال النووي رحمه الله: اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في رفع اليدين، فقال الشافعي رحمه الله: فعلته إعظاماً لله تعالى، واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان الأسيرُ إذا غُلبَ مَدَّ يديه إعلاماً باستسلامه. وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بكليته على صلاته، ومناجاة ربه سبحانه وتعالى، كما تضمن ذلك قوله: "الله أكبر"، فتطابق فعله وقوله. وقيل: إشارة إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير يختص بالرفع لتكبيرة الإحرام. وقيل: غير ذلك، وفي أكثرها نظر. والله أعلم. انتهى كلام النووي(1).
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وهذا المعنى الأخير، وهو الإشارة إلى دخوله في الصلاة قد ذكره الحنفية مع زيادة فيه، وهو إعلام--------------------------------------------
(1) شرح مسلم جـ 4 ص 96.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 152)
الأصم، ونحوه بذلك، وذكره أيضًا المهلب من المالكية، وذكر الحنفية أيضًا في رفع اليدين معنى آخر، وهو الإشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله تعالى.
وقال أبو العباس القرطبي: قيل فيه أقوال، أنسبها مطابقة قوله: "الله أكبر" لفعله. وقال ابن عبد البر: معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع، واستكانة، وابتهال، وتعظيم لله عز وجل، واتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة، ثم حكى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي فيها. وعن النعمان بن أبي عياش، قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحين تريد أن تركع،، وحين تريد أن ترفع. وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة. وروى البيهقي في سننه عن الربيع بن سليمان، قال: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح تعظيم الله، وسنة متبعة، يرجى فيها ثواب الله عز وجل، ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة، وغيرهما. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وما قاله--------------------------------------------
(1) طرح التثريب جـ 2 ص 260.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 153)
الشافعي رحمه الله تعالى أظهر، وأما ما روي عن عقبة رضي الله عنه، أن بكل إشارة عشر حسنات، فيحتاج إلى النظر في صحة سنده. فالله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد روي رفع اليدين من حديث خمسين من الصحابة، منهم العشرة، وقال أيضاً: وقد جمعت رواته، فبلغوا نحو الخمسين. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله: لكن ابن عبد البر اقتصر على ثلاثة عشر، والسِّلَفِي قال: رواه سبعة عشر، ومن علم حجة على من لم يعلم، وقوله: إن منهم عشرة، سبقه إليه غير وأحد، فقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنَّة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فمَنْ بَعدَهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله.
وقال الشيخ تقي الدين في "الإلمام": جزمه ليس بجيد، فإنّ الجزم إنما يكون مع الصحة، ولعله لا يصح عن جملة العشرة.
قال ولي الدين: ولذلك أتى والدي رحمه الله بصيغة التمريض، فقال: رُوي، وممن ذكر أن حديث رفع اليدين رواه العشرة عبد الرحمن ابن محمد بن مندهْ في كتاب له سماه "المستخرج من كتب الناس"،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 154)
لكن في تخصيص الحاكم والبيهقي رواية العشرة بحديث رفع اليدين نظر، فقد شاركه في ذلك حديث: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوّأ مقعده من النار"، ذكر غير واحد أنه رواه العشرة، فحكى ابن الجوزي في مقدمة "الموضوعات" عن أبي بكر بن أحمد بن عبد الوهاب الإسفراييني أنه ليس في الدنيا حديث اجتمع عليه العشرة غيره. وحكى ابن الصلاح ذلك عن بعض الحفاظ، ولعله أراد هذا، وفي هذا الحصر نظر أيضاً لما عرفت، وقد شاركهما في ذلك حديث مسح الخفين، فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة، ومنهم العشرة، كما ذكره عبد الرحمن بن منده في "المستخرج من كتب الناس"(1). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…--------------------------------------------
(1) المصدر السابق جـ 2ص 264.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 155)
2 - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية رفع اليدين قبل التكبير للصلاة.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى يرى ترجيح الرفع. قبل التكبير.
ويرى البخاري رحمه الله تعالى ترجيح المقارنة، فلذا ترجم في صحيحه بقوله: [باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواءً]. والمسألة خلافية، لاختلاف الأحاديث، وسنحقق الكلام في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
877 - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(1) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ، قَالَ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ،--------------------------------------------
(1) وفي نسخة "أخبرنا".
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 156)
وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [10]، تقدم في 45/ 55.
2 - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [8]، تقدم في 32/ 36.
3 - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [7]، تقدم في 9/ 9.
والباقون تقدموا في الباب الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به من المسائل قد تقدم في الباب الماضي، فلا أطيل الكتاب بإعادته، وإنما أذكر ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو:
البحث عن وفت الرفع لليدين.
اعلم أنه اختلفت الروايات في وقت الرفع عند تكبيرة الإحرام، هل يكون قبلها، أو بعدها، أو مقارنًا لها، ففي بعضها قبلها، كحديث ابن عمر المذكور في الباب، وفي بعضها بعدها، كحديث مالك بن
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 157)
الحويرث عند مسلم بلفظ: "كبر، ثم رفع يديه"، وفي بعضها ما يدلّ على المقارنة، كحديث ابن عمر المذكور في الباب الماضي بلفظ "رفع يديه حين يكبر".
وفي ذلك خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعية المقارنة(1).
وقال في "الفتح" عند قول البخاري رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء] ما حاصله: هو ظاهر قوله في حديث الباب: "يرفع يديه إذا افتتح الصلاة". وفي رواية شعيب: "ويرفع يديه حين يكبر". فهذا دليل المقارنة. وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب عنده من رواية ابن جريج وغيره، عن ابن شهاب بلفظ: "رفع يديه ثم كبر". وفي حديث مالك بن الحويرث عنده: "كبر، ثم رفع يديه".
وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند أصحابنا -الشافعية- المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع، ويرجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي دواد بلفظ: "رفع يديه مع التكبير"، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه النووي في "شرح المهذب"، ونقله عن نص الشافعي، وهو المرجح عند المالكية، وصحح في "الروضة" تبعًا لأصلها أنه لا حد لانتهائه.--------------------------------------------
(1) نيل الأوطار جـ 3 ص 12.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 158)
وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: الأصح يرفع، ثم يكبر، لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات، كما في كلمة الشهادة. انتهى ما في "الفتح" باختصار(1).
وقال ابن قدامة رحمه الله: ويبتدىء رفع يديه مع ابتداء التكبير، ويكون انتهاؤه مع انقضاء تكبيره، ولا يسبق أحدهما صاحبه. انتهى(2).
وقال الحافظ ولي الدين رحمه الله بعد أن حكى الاختلاف في مذهب الشافعي ما حاصله: وقال الغزالي في "الوسيط": قال المحققون: ليس هذا اختلافًا، بل صحت الروايات كلها، فنقبل الكل، ولنجوزها على نسق واحد، وتبع في ذلك إمام الحرمين، فإنه حكى عن والده أن الكيفيات كلها على السواء، وأقره عليه. انتهى(3).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل أقوال أهل العلم في المسألة أن الجمهور يرون الرفع مقارنًا للتكبير، وهو المرجح عند المالكية، والشافعية، والحنبلية، ويرى بعضهم تقديم الرفع على التكبير، وهو مذهب المصنف رحمه الله، وفيه إبطال ادِّعَاءِ من يدعي أن المصنف--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 457.
(2) المغني جـ 2 ص 138.
(3) طرح جـ 2 ص 257.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 159)
شافعي المذهب، وبما ذهب إليه قال الحنفية، كما تقدم في قول صاحب "الهداية".
وعندي أن هذا من المُخَيَّر فيه، فيجوز الرفع مقارنًا للتكبير، وقبله، وبعده، لصحة الأحاديث بذلك، كما نقله ولي الدين عن الغزالي تبعًا لإمام الحرمين، ووالده رحمهم الله تعالى، فإن الأحاديث قد صحت، فحديث الباب صريح في تقديم الرفع على التكبير، وحديث مالك بن الحُويرث عند مسلم المتقدم صريح في تقديم التكبير على الرفع، وحديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم صريح في المقارنة. وكلها صحيح، والعمل بكلها ممكن في الأوقات المختلفة، فلا حاجة إلى الترجيح، لأنه إنما يصار إليه عند تعذر العمل بالروايات كلها، وهنا ليس كذلك،. فالجمع أولى. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 160)
3 - رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على استحجاب رفع اليدين عند التكبير مقابِلَ المنكبين.
و"الحَذْو" -بفتح المهملة، وسكون المعجمة-: المقابل. والمنكب -بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة-: مجمع عظم العضد والكتف.
والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى التخيير بين الرفع حَذْوَ المنكبين، والرفع حيَالَ الأذنين، ولذا ترجم للثاني بعد هذا، وهو الرأي الراجح عندي لصحة الأحاديث بكليهما. والله تعالى أعلم.
878 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [10]، تقدم
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 161)
في 1/ 1.
2 - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت، من [7]، تقدم في 7/ 7.
والباقون تقدموا قريباً.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل تقدمت قبل باب، فلا حاجة إلى إعادتها، وإنما أذكر هنا ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو رفع اليدين حَذْوَ المنكبين، وما في ذلك من اختلاف أهل العلم، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في اختلاف أهل العلم في الحد الذي ترفع إليه اليدان في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: واختلفوا في ذلك فأخذ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بحديث وائل رضي الله عنه ناس من أهل العلم، وقال بعض أصحاب الحديث: المصلي بالخيار إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين، قال ابن النذر: وهذا مذهب حسن، وأنا إلى حديث ابن عمر أميل. انتهى. هكذا نقله عن ابن المنذر وليُّ الدين العراقيُّ في "طرحه" جـ 2 ص 257 - 258.
ونصه في الأوسط: قال أبو بكر: والذي أراه أن يرفع المصلي يديه إلى المنكبين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولا شيء على من رفع
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 162)
يديه إلى حذاء أذنيه، وقد كان الشافعي يقول بحديث ابن عمر، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال بعض أصحابنا: المصلي بالخيار، إن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين.
قال أبو بكر: وهذا مذهب، إذ جائز أن يكون هذا من الاختلاف المباح.
وفيه مذهب ثالث: روينا عن طاوس أنه قال: التكبيرة الأولى التي للاستفتاح باليدين أرفع مما سواها من التكبير، قال: حتى يخلف الرأس. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(1).
وقال ولي الدين رحمه الله: وأخذ بحديث وائل في ذلك سفيان الثوري، والحنفية.
وقال البيهقي رحمه الله: فإذا اختلفت هذه الروايات فإما أن يؤخذ بالجميع، فيخير بينهما، وإما أن تترك رواية من اختلفت الرواية عليه، ويؤخذ برواية من لم يختلف عليه، يعني رواية الرفع إلى المنكبين، قال الشافعي رحمه الله: لأنها أثبت إسنادًا، وأنها حديث عدد، والعدد أولى بالحفظ من واحد. انتهى.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: في صفة الرفع ثلاثة أقوال:--------------------------------------------
(1) الأوسط جـ 3 ص 73.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 163)