لـ"رجلًا" (قد صف بين قدميه) جملة حالية من "رجلًا" لكونه موصوفًا بالجملة، أو صفة بعد صفة، قال السندي رحمه الله: كأنّ المراد قد وصل بينهما (فقال) عبد الله (خالف السنة) وفي الرواية الآتية من طريق شعبة عن ميسرة: "فقال أخطأ السنة" (ولو راوح بينهما) أي اعتمد على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة ليُوصِلَ الراحة إلى كل منهما (لكان أفضل)، وفي رواية شعبة: "ولو راوح بينهما كان أعجب إلي".
يعني أن السنة في القيام المراوحة بين القدمين، لا صفّهما مع الإلزاق. والحديث وإن كان فيه انقطاع بين أبي عبيدة وأبيه، لكن سيأتي للمصنف أنه قال: الحديث جيد.
وقد قال به كثير من أهل العلم: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله في كتابه "الأوسط": كان مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، لا يرون بأسًا أن يراوح الصلي بين قدميه. انتهى(1).
وقال النووي رحمه الله تعالى في "المجموع": [فرع]، في الترويح بين القدمين في القيام، قال ابن المنذر(2): قال مالك، وأحمد، وإسحاق: لا بأس به. قال: وبه أقول. قال النووي: وهذا أيضًا--------------------------------------------
(1) الأوسط جـ 3 ص 276.
(2) لعل ما نقله النووي عن ابن المنذر هذا في كتبه الأخرى، فإنه زاد "وبه أقول". وليس في "الأوسط". والله أعلم.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 324)
مقتضى مذهبنا، قال: ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق بينهما. ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى. انتهى(1).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويكره أن يلصق إحدى قدميه بالأخرى في حال قيامه؛ لما روى الأثرم عن عيينة بن عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي، قد صف بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يفرج بين قدميه، ولا يمس إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك، لا يقارب، ولا يباعد. انتهى(2).
لكن يعارضه ما أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدثنا نصر بن علي، نا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: "صفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد من السنة". ورجال هذا الإسناد ثقات، وزرعة، وإن قال في التقريب: مقبول، لكنه وثقه ابن حبان، وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة. فالظاهر أن الحديث صحيح، وإن ضعفه بعضهم. والله تعالى أعلم.
لكن يمكن الجمع بينهما بحمل الصف الذي أنكره ابن مسعود على--------------------------------------------
(1) المجموع جـ 3 ص 266.
(2) المغني جـ 2 ص 396.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 325)
إلزاق إحدى القدمين بالأخرى، وحمل الصف الذي قاله ابن الزبير على صفهما متساويتين، مع التفريج بينهما قليلًا كما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والحاصل أن المستحب صف القدمين مع التفريج بينهما، أو يراوح بينهما إن احتاج إلى ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا فيه انقطاع، كما أسلفته آنفًا. لكن المصنف قال: إنه جيد، ونصه في "الكبرى":
قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد. انتهى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: فظاهر كلامه رحمه الله تعالى أنه يرى صحة حديث أبي عبيدة عن أبيه مع أنه منقطع، وقد ثبت مثله عن علي ابن المديني، ويعقوب بن شيبة رحمهما الله، كما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في "شرح علل الترمذي"، ونصه فيه: قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: هو--------------------------------------------
(1) السنن الكبرى للمصنف جـ 1 ص 310.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 326)
منقطع، وهو حديث ثبت. قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند -يعني في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بأحاديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(1). وكثيرًا ما يحسن الترمذي في جامعه حديث أبي عبيدة عن أبيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، أخرجه هنا -13/ 892 - وفي "الكبرى" -13/ 967 - عن عمرو بن علي الفَلاَّس، عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عنه. و -893 - و"الكبرى" -968 - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيميّ، عن شعبة، عن ميسرة به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
893 - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَيْسَرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي جـ 1 ص 544. بتحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 327)
أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
1 - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصري، ثقة، من [10]، أخرج له النسائي، تقدم في 42/ 47.
2 - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت، من [8]، تقدم في 42/ 47.
3 - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، من [7]، تقدم في 24/ 26.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 328)
14 - سُكُوتُ الإِمَامِ بَعْد افْتِتَاحهِ الصَّلاةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السكوت للإمام بعد افتتاحه الصلاة بالتكبير.
والمراد من السكوت هنا عدم الجهر، لا ما يقابل الكلام، فلا ينافي ما يأتي في الباب التالي وغيره، أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي فيه. والله تعالى أعلم.
894 - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ لَهُ سَكْتَةٌ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (محمود بن غَيْلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، مات سنة 239، وقيل: بعد ذلك، ثقة، من [10]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في 33/ 37.
2 - (وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسِيّ، أبو سفيان الكوفي، مات في آخر سنة 196 أو أول 7، عن 70 سنة، ثقة حافظ عابد، من
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 329)
كبار [9]، أخرج له الجماعة، تقدم في 23/ 25.
3 - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام، تقدم في الباب الماضي.
4 - (عمارة بن القعقاع) بن شُبْرُمة الضبي الكوفي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، من [6]، أخرج له الجماعة، تقدم في 48/ 60.
5 - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمهْ هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل:
جرير، ثقة، من [3]، تقدم في 43/ 50.
6 - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في 1/ 1. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغدادي، وأبا هريرة، فمدني.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين، روى -5374 - حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 330)
وكلها من صيغ الاتصال، من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به، يأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي
فيه، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 331)
15 - بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنِ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب مشروعية الدعاء بين تكبيرة الإحرم وبين قراءة الفاتحة، وقد ذكر رحمه الله في هذا الكتاب سبعة أنواع من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، فقد تقدم له في 8/ 885 وهذا ثاني الأنواع، و"الدعاء": الابتهال. يقال: دعوت الله أدعوه دُعاءً: ابْتَهَلْتُ إليه بالسؤال، ورَغِبْتُ فيما عنده من الخير. قاله الفيومي(1). والله تعالى أعلم.
895 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: "أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".--------------------------------------------
(1) المصباح المنير جـ 1 ص 194.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 332)
رجال هذا الإسناد: خمسة
1 - (علي بن حجر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة 244، ثقة حافظ، من صغار [9]، أخرج له البخاري،
ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في 13/ 13.
2 - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، مات سنة 188، ثقة، أخرج له الجماعة، تقدم في 2/ 2.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا افتتح الصلاة) أي ابتدأها بالتكبير (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة، وهي تصغير هَنْت. وفيه أوجه:
الأول: "هُنَيْهَةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء، بعدها هاء مفتوحة.
والثاني: "هُنَيَّةٌ" -بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء. وأصلها هَنْوَة، فلما صغرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. كما قال ابن مالك رحمه الله في "خلاصته":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِن عُرُوضٍ عَرِيَا
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 333)
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمًا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
والثالث: "هُنَيْئَة" -بالهمز بدل الهاء الثانية، قال القاضي عياض، والقرطبي: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال: الهمز خطأ. وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. وقد تقدم تمام البحث في أوائل الكتاب، في شرح الحديث 48/ 60 فراجعه تزدد علمًا.
والمراد بالسكوت هنا عدم الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن، لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتى السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟.
(فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ،
فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفًا لكَثرة الاستعمال، وعلمِ المخاطب به، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
وفيه تفدية النبي صلى الله عليه وسلم بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا، وليس خاصًا به، وفيه خلاف تقدم بيانه في الباب المذكور.
(ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة) "ما" استفهامية؛ أي أيَّ شيء تقول في حال سكوتك بين التكبير وقراءة الفاتحة.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: قوله: "ما تقول" يشعر بأنه
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 334)
فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: "ما تقول"، ولم يقع بقوله: "هل تقول"، والسؤال بـ"هل" مقدم على السؤال بـ "ما" هنا،
ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى(1).
(قال:) صلى الله عليه وسلم (أقول) بينهما (اللهم) أي يا الله (باعد) أي أبعد، قال الكرماني رحمه الله: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه. والخِطْأ بالكسر الذنب. وقد تقدم بيان تصريف هذه الكلمة في الباب المذكور، فراجعه.
وإنما كرر "بين" في قوله: "بيني وبين خطاياي"، ولم يكرره في قوله الآتي: "بين المشرق والمغرب" لأنه إذا عطف على الضمير المجرور يلزم إعادة الجار عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك رحمه الله كما قال في "خلاصته":
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
(كما باعدت بين الشرق والمغرب) "ما" مصدرية، أي--------------------------------------------
(1) إحكام الأحكام جـ 2 ص 268 - 269. نسخة الحاشية.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 335)
كمباعدتك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلًا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق من المغرب.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: قوله: "اللهم باعد بيني إلخ" عبارة: إما عن محوها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من
وقوعها، والعصمة منها. وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال. وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى(1).
(اللهم نقني) بتشديد القاف، أمر من التنقية، كناية عن الإزالة والمحو (من خطاياي) وفي رواية البخاري "من الحطايا" (كما ينقى الثوب الأبيض) أي طهرني من خطاياي، وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض من (الدنس) بفتحتين- أي الوَسَخْ.
وهو مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولما كان ذلك أظهر في--------------------------------------------
(1) "المصدر السابق" جـ 2 ص 269 - 270.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 336)
الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
(اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج) -بفتح فسكون-: ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده، (والبرد) -بفتحتين-: حَبُّ الغَمَام، ماء ينزل من السماء جامد كالملح، ثم يذوب على الأرض. أي طهرني من ذنوبي بأنواع المغفرة التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الوسخ.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وقوله: "اللهم اغسلني … إلخ" يحتمل أمرين- بعد كونه مجازًا عما ذكرناه:
أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنا الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء.
الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذا الأشياء مجازًا عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286].
فكل واحدة من هذه الصفات -أعني العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالًا على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 337)
لا ينظر إلى أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى(1).
وقد تقدم البحث في هذا مطولًا برقم -48/ 60 - فراجعه تستفد.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -15/ 895 - و 48/ 60 - وفي "الكبرى" -15/ 969 - و 42/ 60 - عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، عن عمارة ابن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وفي 14/ 894 - و"الكبرى" -14/ 968 - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة به. ومسلم فيه عن زهير بن حرب،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق جـ 2 ص 270 - 271.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 338)
عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، كلاهما عن محمد ابن فضيل - وعن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن عمارة به. وأبو داود فيه عن أحمد بن أبي شعيب، عن محمد بن فضيل به. وعن أبي كامل به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمد كلاهما عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ 2 ص 231 و 448 و 449، والدارمي رقم 1247، وابن خ زيمة 465 و 1579 و 1630.والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة، وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية.
ومنها: جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية.
ومنها: ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته. واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار.
ومنها: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من المحافظة على تتبع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 339)
حفظ الله بهم الدين.
ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وقد تقدم هذا للمصنف في الباب الذي مر ذكره، قال في الفتح: واستبعده ابن
عبد السلام. وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل. انتهى(1). والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح:
قال الإمام النووي رحمه الله في "شرح مسلم": وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا دليل للشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد،
والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح. وقال مالك رضي الله عنه: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى(2).
وفي "شرح المهذب": فيستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد،
ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن--------------------------------------------
(1) فتح جـ 2 ص 472.
(2) شرح مسلم جـ 5 ص 96 - 97.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 340)
بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك رحمه الله، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلًا، بل يقول: الله أكبر {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] إلى آخر الفاتحة. واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما يفتتحون الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " [الفاتحة: 2] متفق عليه، ويأتي للمصنف -20/ 903.
ودليلنا الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس رضي الله عنه أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، متفق عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة التظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة
ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي. والله أعلم.
وأما ما يستفتح به فيستفتح بـ"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" إلخ. الآتي -17/ 897 - وبه قال علي بن أبي طالب، وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة،
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 341)
وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" إلخ الآتي 18/ 899 - ولا يأتي بـ"وجهت وجهي". وقال أبو يوسف: يجمع بينهما، ويبدأ بأيهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث "وجهت وجهي" أميل. قال النووي: دليلنا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح بـ "سبحانك اللهم شيء(1)، وثبت "وجهت وجهي"، فتعين اعتماده، والعمل به. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله ببعض تصرف(2).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح - ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رويناه عن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم.
وكان الشافعي يقول: بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن علي.
وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك"، ومثل "وجهت وجهي"، ومثل قوله: "الله أكبر كبيرًا"، وما أشبه ذلك.
فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا--------------------------------------------
(1) سيأتي الكلام على الحديث، وأنه صحيح بمجموع طرقه، راجع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الآتي برقم 18/ 899.
(2) "المجموع" جـ 3 ص 321 - 322.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 342)
يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].
قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي من عمل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كله ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو، وأصح ذلك إسنادًا حديث علي، فإن لم يقله فكالذي روي عن عمر، وابن مسعود - يعني "سبحانك اللهم وبحمدك". انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(1).
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأصح في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو "اللهم باعد بيني وبين خطاياي … إلخ" المتفق عليه، وأما "وجهت وجهي" الذي في حديث علي رضي الله عنه، فأخرجه مسلم فقط. فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ رحمه الله: ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من
الشافعية، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أصح ما ورد في ذلك انتهى(2).
وقال المجد ابن تيمية رحمه الله في "المنتقى": واختيار هؤلاء الصحابة- يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ "سبحانك اللهم"، وجهرُ
عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه--------------------------------------------
(1) الأوسط جـ 3 ص 85 - 86.
(2) فتح جـ 2 ص 472.
(খণ্ড: 11) (পৃষ্ঠা: 343)