ظهرا مثلا، أو عصرا، ولا يخفى أن محله إذا لم تنحصر الفائتة.
وقال ابن السمعاني في أماليه: أفادت أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة. وقال غيره: أفادت أن النيابة لا تدخل في النية، فإن ذلك هو الأصل فلا يرد مثل نية الولي عن الصبي ونظائره، فإنها على خلاف الأصل.
وقال ابن عبد السلام: الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها، وأفاد أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار، والأدعية، والتلاوة؛ لأنها لا تُرَدَّدُ بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح للتعجب فلا، ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يُحَصِّل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو خير من السكوت مطلقا، أي المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لي وقفة هنا أيضا: وذلك أن ما ذَكَرَه، من الأذكار ونحوه داخل في عموم الأعمال، فبأي دليل خرج عنها؟ حتى نقول إنه لا يحتاج إلى النية، بل الظاهر أنه لابد فيه من النية ليثاب عليه، وأما قول الغزالي حركة اللسان الخ، فالظاهر أن المراد به الذكر مع عدم حضور القلب لا مع عدم النية، فلا يلزم من عدم حضور القلب عدم النية فتأمل.
قال الحافظ: ويؤيده (أي قول الغزالي) قوله صلى الله عليه وسلم: "في بضع أحدكم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 247)
صدقة" ثم قال في الجواب عن قولهم " أياتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ أرأيت لو وضعها في الحرام"؟.
وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من فعل الحرام، وليس ذلك مراده.
وخص من عموم الحديث ما يقصد حصوله في الجملة فإنه لا يحتاج إلى نية تخصه، كتحية المسجد كما تقدم.
قال الجامع: قد علمت ما فيه فيما تقدم.
قال: وكمن مات زوجها فلم يبلغها الخبر إلا بعد مدة العدة، فإن عدتها تنقضي؛ لأن المقصود حصول براءة الرحم، وقد وجد، ومن ثمَّ لم يحتج المتروك إلى نية.
ونازع الكرماني في إطلاق الشيخ محيي الدين كون المتروك، لا يحتاج إلى نية بأن الترك فعل، وهو كف النفس، وبأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك، وتعقب بأن قوله: الترك فعل مختلف فيه، ومن حقّ المستدلّ على المانع أن يأتي بأمر متفق عليه، وأما استدلاله الثاني فلا يطابق المَوْرد؛ لأن المبحوث فيه هل تلزم النية في التروك بحيث يقع العقاب بتركها؟ والذي أورده هل يحصل الثواب بدونها؟ والتفاوت بين المقامين ظاهر، والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفا من الله تعالى، فرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه، لا الترك المجرد، والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 248)
تنبيه:
قال الكرماني: إذا قلنا: إن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد القصر، ففي قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" نوعان من الحصر قصر المسند على المسند إليه إذ المراد إنما لكل امرئ ما نواه، والتقديم المذكور. اهـ فتح جـ 1/ ص 20 - 21.
المسألة الثامنة عشرة:
في مذاهب العلماء في اشتراط النية في العبادة:
دل هذا الحديث على اشتراط النية لصحة العبادة وقد اتفق العلماء على ذلك في العبادة المقصودة لعينها التي ليست وسيلة إلى غيرها، وحكى أبو الوليد محمَّد بن أحمد بن رُشْد المالكي في كتابه بداية المجتهد اتفاق العلماء على اشتراط النية في العبادات، وحكى الاختلاف في الوضوء لاختلافهم في أنه وسيلة، أو مقصود، وحَكَى ابن التين السفاقسي أنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية.
وذكر النووي في شرح مسلم: أن الأعمال ضربان ضرب تشترط النية لصحته، وحصول الثواب فيه، كالأركان الأربعة، وغير ذلك مما أجمع العلماء أنه لا يصح إلا بنية، وكالوضوء، والغسل، والتيمم، وطواف الحج والعمرة، والوقوف، مما اشترطَ النيةَ فيه بعضُ العلماء.
وضرب لا تشترط النية لصحته، لكن تشترط لحصول الثواب كستر العورة، والأذان، والإقامة، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإماطة الأذى، وبناء المدارس، والرُّبُط والأوقاف، والهبات، والوصايا، والصدقات، ورد الأمانات، ونحوها. اهـ طرح جـ 2/ ص 11.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 249)
المسألة التاسعة عشرة:
في اختلاف العلماء في اشتراط النية في الوضوء:
احتج بالحديث من أوجب النية في الوضوء والغسل، وهو قول الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، وأبي ثور، وأبي عبيد، وبه يقول الزهري، وربيعة الرأي شيخ مالك، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وذهبت طائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، والحسن بن صالح، وزفر.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: يصح الوضوء والغسل بلا نية ولا يصح التيمم إلا بالنية، وهي رواية عن الأوزاعي ورواية شاذة عن مالك.
واحتج هؤلاء بأن الوضوء ليس مقصودا، وأن المقصود به النظافة، فأشبه إزالة النجاسة، واعترض على الحنفية بأنهم أوجبوها في التيمم، وليس مقصودا، وأجابوا بأنه طهارة ضعيفة فافتقر إلى النية تقوية له، وبأن الله ذكر النية في التيمم {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} أي اقصدوا، وهو النية ولم يذكر ذلك في الوضوء والغسل، واحتجوا أيضا بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء للأعرابي، ولم يَذْكُر له النية مع جهل الأعرابي بأحكام الوضوء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونُقضَ عليهم بتعليمه الصلاة للأعرابي المسيء صلاته ولم يذكر له النية، وقد قلتم بوجوبها في الصلاة فما الفرق؟ وإنما بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم لمن علمه الأفعال الظاهرة التي يقف الناظر على تركها لو تركها، فأما القصد للعبادة فكان معلوما عندهم. اهـ طرح بزيادة من المجموع.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية في الوضوء والغسل لحديث الباب، والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 250)
العشرون:
أنه احتُجَّ بهذا الحديث على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا يجب عليه إعادة الغسل والوضوء، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالفهم الجمهور في ذلك فقالوا: تجب عليه إعادة الغسل والوضوء؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية. قاله في الطرح جـ 2/ ص 12.
الحادية والعشرون:
فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان إذ ليس له إلا ما نواه ولم ينو صوم رمضان وتعيينه شرعا لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لابد من تعيين رمضان لظاهر الحديث بخلاف الحج، وذهب زفر إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين الزمان له. انتهى طرح جـ 2/ ص 16.
الثانية والعشرون:
فيه حجة على مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول الشهر من رمضان لجميع الشهر، وهي رواية عن أحمد أيضا؛ لأن كل يوم عمل بنفسه، وعبادة مستقلة بدليل ما يتخلل بين الأيام في لياليها مما ينافي الصوم من المفطرات.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى إلى وجوب النية لكل يوم إذ هو عمل، ولا عمل إلا بنية. اهـ طرح.
المسألة الثالثة والعشرون:
فيه حجة لمن ذهب إلى أنه إذا أحرم بالحج في غير أشهره أنه لا ينعقد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 251)
عمرة لأنه لم ينو العمرة وإنما له ما نواه، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يكره عندهم الإحرام به قبل أشهره، ولم يختلف قول الشافعي أنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله هل يتحلل بأفعال العمرة، وهو قوله المتقدم نقله عنه، أو ينعقد إحرامه عمرة وهو نصه في المختصر، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، فعلى الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى الثاني تسقط عنه اهـ طرح.
المسألة الرابعة والعشرون:
أنه احتج به لأبي حنيفة والثوري ومالك أن الصرورة(1) يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه.
وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي إلى أنه ينعقد عن غيره ويقع ذلك عن نفسه، لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمَة، فقال: "أحججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح، وفي رواية أبي داود: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولك أن تقول ليس فيه تصحيح الإحرام عن نفسه، وإنما أمره أن ينشئ الأحرام عن نفسه، وقد يجاب بأن الظاهر أن هذا كان بعد مجاوزة الميقات، فلو لم يقع الإحرام المتقدم عن فرض نفسه
لأموه بالرجوع إلى الميقات، أو بإخراج دم لمجاوزة الميقات بغير إحرام صحيح، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا كله على تقدير مجاوزته للميقات، وأما الرواية التي ذكرها الرافعي وغيرها "هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" فقد رواها البيهقي، ولكنها ضعيفة فيها الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف.--------------------------------------------
(1) الصرورة هو الذي لم يحج.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 252)
واستدل لأبي حنيفة ومن وافقه بما رواه الطبراني، ثم البيهقي من طريقه من حديث ابن عباس أيضا: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يلبي عن نُبَيْشَة فقال: "أيها الملبي عن نبيشة احجج عن نفسك" وهذا ضعيف فيه الحسن بن عمارة وهو متروك، قال البيهقي: يقال إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه إلى الصواب، وقد ذهب محمَّد بن جرير الطبري إلى أن الصرورة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه وإنما له ما نواه ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه. اهـ طرح جـ 2/ ص 1
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب عندي القول الأول لحديث الملبي عن شُبْرُمَةَ. والله أعلم.
المسألة الخامسة والعشرون:
قال العراقي: إنهم كما اشترطوا النية في العبادة اشترطوا في تعاطي ما هو مباح في نفس الأمر أن لا يكون معه نية تقتضي تحريمه، كمن جامع امرأته أو أمته ظانا أنها أجنبية، أو شرب شرابا مباحًا ظانا على أنه خمر، أو أقدم على استعمال ملكه ظانا أنه لأجنبي ونحو ذلك، فإنه يحرم عليه تعاطي ذلك اعتبارا بنيته وإن كان مباحا له في نفس الأمر، غير أن ذلك لا يوجب حدًا ولا ضمانا، لعدم التعدي في نفس الأمر، بل زاد بعضهم على هذا بأنه لو تعاطى شرب الماء وهو يعلم أنه ماء ولكن على صورة
استعمال الحرام، كشربه في آنية الخمر في صورة مجلس الشراب صار حراما لتشبهه بالشَّرَبَة، وإن كانت نيته لا يتصور وقوعها على الحرام مع العلم بحله، ونحوه، ولو جامع أهله وهو في ذهنه مجامعة مَن تحرم عليه وصوَّر في ذهنه أنه يجامع تلك الصورة المحرمة فإنه يحرم عليه ذلك، وكل ذلك لتشبهه بصورة الحرام. اهـ طرح جـ 2/ ص 18.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 253)
المسألة السادسة والعشرون:
قال الخطابي: فيه دليل على أن المُطَلِّقَ إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عددا من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق ونوى ثلاثا، كان ما نواه من العدد واقعا واحدة أو اثنتين، أو ثلاثا، وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: هي واحدة وهو أحق بها، وكذلك قال سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل. اهـ طرح جـ 2/ ص 19.
المسألة السابعة والعشرون:
فيه حجة على أهل الرأي في قولهم في الكنايات في الطلاق كقوله: أنت بائن، أنه إن نوى اثنتين فهي واحدة بائنة لكونها كلمة واحدة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددا فهي واحدة بائنة أيضا، والحديث حجة عليهم.
وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى اثنتين فهو كذلك وإن لم ينو عددا فهي واحدة رجعية، قال الخطابي: وهذا أشبه بمعنى الحديث وأولى به اهـ طرح جـ 2/ ص 19.
المسألة الثامنة والعشرون:
فيه رد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب، وقد أورده البخاري في آخر كتاب الإيمان محتجا عليهم بذلك، وما ذهبوا إليه مردود بالنصوص القاطعة والإجماع على أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار اهـ طرح جـ 2/ ص 20.
المسألة التاسعة والعشرون:
في حجة على بعض المالكية من أنهم لا يُدَيِّنُون مَن سبق لسانه إلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 254)
كلمة الكفر إذا ادَّعَى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك في قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخطأ من شدة الفرح" والذي جرت به عادة الحكامِ الحُذَّاق منهم اعتبار حال الواقع منه ذلك، فإن تكرر منه ذلك، وعُرفَ منه وقوعه في المخالفات، وقلة المبالات بأمر الدين لم يلتفتوا إلى دعواه، ومن وقع منه ذلك فَلْتَةً، وعرف بالصيانة والتحفظ قبلوا قوله في ذلك، وهو توسط حسن انتهى طرح جـ 2/ ص 20.
المسألة الثلاثون:
فيه حجة لمالك ومن وافقه في إسقاط الحيَل، كمن مَلَّكَ ولده أو غيره مالا له قبل الحول أو باعه أو أتلفه أو بادل به، فرارا من الزكاة، أو باع بالعينة المشهورة، أو تزوج المرأة ليحلها لزوجها، وإن لم يشترط ذاك في نفس العقد، أو مَلَّك الدارَ لغير الشريك لإسقاط الشفعة، أو أوقع عقد الدار التي فيها الشفعة بثمن فيه ما تجهل قيمته كفص ونحوه أو زاد في ثمنها وعوضه عن عشرة آلاف دينار مثلا، ونحو ذلك من الحيل المسقطة للحقوق أو الموقعة في المناهي، وإنما يُخَادع بالنيات مَن لا يطلع عليها، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري من حديث أنس أن أبا بكر كَتَبَ له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" وقال في الحديث الصحيح: "يبعثون على نياتهم" والذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور أصحابه كراهة إزالة ملكه للفرار من الزكاة كراهة تنزيه، وجعل بعض أصحاب الشافعي الكرهة للتحريم كقول مالك، وعليه كلام الغزالي في قوله: أثم، وكذلك عندهم البيع بالعينة والاستحلال إذا لم يشترط في العقد، والتحيل لإسقاط الشفعة محمول على الكراهة لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 255)
على التحريم، والحديث حجة لمن قال بالتحريم، والله أعلم.
قال العراقي: ورأيت في كلام بعض أصحاب الشافعي ممن صنف في الألغاز أن الحيل ليس فيها منافاة للشريعة، بل قد ورد الشرع بتعاطي الحيل كقوله تعالى {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص: آية 44]، فما كان من الحيل هكذا ليس فيه إسقاط حق لمستحق له فهو حسن مشروع، وما أدى من الحيل إلى إسقاط حق الغير فهو مذموم منهي عنه. اهـ طرح جـ 2/ ص 21.
المسألة الحادية والثلاثون:
استدل به على أنه لا يجب القَوَد في شبه العمد؛ لأنه لم ينو قتله، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه، وأحمد، وإسحاق، إلا أنهم اختلفوا في الدية فجعلها الشافعي ومحمد بن الحسن أثلاثا، وجعلها الباقون أرباعا، وجعلها أبو ثور أخماسا، وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد فلا نعرفه.
واستدل الشافعي والجمهور بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل" الحديث اهـ طرح جـ 2/ ص 22.
المسألة الثانية والثلاثون:
قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته" الخ، الهجرة بكسر الهاء فعلة من الهَجْر، وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية. قاله صاحب النهاية.
وقال ابن دقيق العيد: الهجرة: تقع على أمور:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 256)
الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة.
الثانية: من مكة إلى المدينة.
الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة.
الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، قال: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب(1) يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. اهـ إحكام جـ 1/ ص 78.
وقال العراقي: بقي عليه من أقسام الهجرة ثلاثة أقسام وهي الهجرة الثانية إلى الحبشة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين كما هو معروف في السير، ولا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة، فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة فإنه عَدَّد الهجرة إلى المدينة في الأقسام لتعددها، والثانية: هجرة من كان مقيما ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام، والثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها" الحديث. ورواه أحمد في مسنده، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب النهاية: يريد به الشام لأن إبراهيم لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به، انتهى، وروى أبو داود أيضا من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطَة إلى جانب مدينة يقال لها--------------------------------------------
(1) كون قصة مهاجر أم قيس لحديث الباب لا يصح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 257)
دمشق من خير مدائن الشام" فهذه ثمانية أقسام للهجرة. اهـ طرح جـ 2/ ص 22.
وقال الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم "فمن كان هجرته" الخ، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات، وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان الكلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.
وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام، كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها.
فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله، ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا، وكفاه شرفا وفخرا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله، ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه، لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية الطلوب في الدنيا والآخرة، ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب، وليس بواحد منهما مهاجر، وفي قوله "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه، وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها، فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط، والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر، فقد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 258)
يهاجر الإنسان لطلب الدنيا مباحةً تارة، ومحرمةً تارة، وإفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" يعني كائنا ما كان.
وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة: آية 10] قال: كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله. أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، والبزار في مسنده.
وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا.
وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش، عن شقيق -هو أبو وائل- قال: خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال: فقال عبد الله: يعني ابن مسعود: من هاجر يبتغي شيئا فهو له، وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان في عهد عبد الله بن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر وتزوجها، وكنا نسميه مهاجر أم قيس،
قال ابن مسعود: من هاجر لشيء فهو له.
وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس كانت هي سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم "من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها" وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم، ولم نر لذلك أصلا يصح والله أعلم.
وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى، فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 259)
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف الناس في الجهاد، وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه فمن قاتل في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وفي رواية لمسلم: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميَّة، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فذكر الحديث، وفي رواية له أيضا: الرجل يقاتل غضبا، ويقاتل حمية. وخرّج النسائي من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه".
وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له" وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغزو غزوان، فأما من ابتغَى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونَبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف".
وخرَّج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: "إن قاتلت صابرا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 260)
محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قُتلْت بعثك الله بتلك الحال".
وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد فأتيَ به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جَريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَق فيه إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار" وفي الحديث أن معاوية لما بلغه الحديث بكى حتى غُشي عليه، فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله عز وجل {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} [هود: آية 15].
وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 261)
وخرَّج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر، وحذيفة، وجابر رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ حديث جابر: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تَخَيَّرُوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار"
فقال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى، ويذهب ما سواه.
وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما، كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بَشِّرْ هذه الأمة بالسناء والعز والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب".
واعلم أن العمل لغير الله أقسام:
فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله عز وجل: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: آية 142] وقال تعالى {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: آية 4]، وكذلك وصف الله تعالي الكفار بالرياء المحض في قوله {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: آية 47] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 262)
صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" وخرجه ابن ماجه ولفظه "فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" وأخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا، فإن جدة عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني" وخرّج الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله والرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء" وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له، فأعاد عليه ثلاث مرات، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شيء له" ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 263)
خالصا، وابتغي به وجه الله" وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يَرُدّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: آية 110].
وممن يروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف منهم: عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن
مخيمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من
رياء" ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين.
فإن خالط نيته الجهاد نية غير الرياء، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة؛ نقص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم" وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم
يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.
وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري، أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره، وقال أيضا فيمن يأخذ جُعْلا على الجهاد، إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطى درهما
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 264)
غزا، وإن منع درهما مكث، فلا خير في ذلك. وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية المغازي على الغزو، فلا أرى بأسا، وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره، وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره، فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضره، بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري، وغيره، ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: أن رجلا قال: يا رسول الله، إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا" وذكر ابن جرير أن هذا
الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية. وكذلك روي عن سليمان ابن داود الهاشمي أنه قال: ربما أحدث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات، ولا يرد هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج.
فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 265)
المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره ذلك.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" أخرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه وعنده: الرجل يعمل فيحبه الناس عليه. ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم، وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه،
فقال: "له أجران أجر السر، وأجر العلانية".
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية.
وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي ثم لم أوف به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت. اهـ كلام الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم، وهو كلام نفيس جدًّا، والله أعلم ص 11 - 16.
المسألة الثالثة والثلاثون:
قال الحافظ العراقي رحمه الله: اختلفت الأحاديث الواردة في الهجرة هل انقطعت بفتح مكة أم هي باقية؟
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 266)