Arabic source text

📘 আর-রিহলাতু ফী তলবিল হাদীস - ত আতর (আল-খাতিব আল-বাগদাদী - মৃত্যু 463 হিজরী)

📘 الرحلة في طلب الحديث - ت عتر (الخطيب البغدادي - ت 463 هـ)

📘 আর-রিহলাতু ফী তলবিল হাদীস - ত আতর (আল-খাতিব আল-বাগদাদী - মৃত্যু 463 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الرحلة في طلب الحديث - ت عتر (الخطيب البغدادي)القسم: علوم الحديث
الكتاب: الرحلة في طلب الحديث
المؤلف: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (392 - 463 هـ)
المحقق: نور الدين عتر
رئيس قسم علوم القرآن والسنة، في جامعة دمشق
الناشر: أمين دمج (ثم صورته دار الكتب العلمية، بيروت)
الطبعة: الأولى، 1395 هـ‍ - 1975 م
عدد الصفحات: 179
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)

بسم الله الرحمن الرحيم

"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
"قرآن كريم"
"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة".
"حديث شريف"

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)

‌‌الإهداء
إلى العلامة الكبير المجاهد، فضيلة أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى مجاهد، الذي أفدت منه في علم الحديث وفقهه، في رحلاتي العلمية إلى كعبة علوم الإسلام: الجامع الأزهر.
لقد كنت لنا أستاذا عظيما، ومرشدا ناصحا وأسوة حسنة.
وكنت مثالا في الجهر بالحق وإعلاء كلمته، غرست فينا روح العلم والعمل في مجالس المذاكرة التي خصصتنا بها.
وقد أكرمك ربك بنشر العلم على أعلى مستوياته، في أول الحرمين أقدس البلاد، ثم اصطفاك لرحمته في أكرم جوار، جوار رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، تكريما لجهادك فيه، ولحبك لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

نور الدين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
وبعد:
فان الله تعالى قد جعل الأمة الاسلامية هادية مهتدية، تحمل لواء العلم وتجلو ظلمات الجهل، وقد قام ورثة الأنبياء فيها من أئمة الدين بإضاءة منار العلم بما بحثوه في حلقاتهم العلمية، وما صنفوه من المصادر الجليلة، التي خلدها التاريخ مفخرة للمسلمين ونبراسا يهتدون به في تجديد ما درس من حضارتهم، وإحياء ما غطى عليه الجهل من معارف كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وقد أخذنا على عاتقنا نشر مجموعة من هذا المصادر لها أهميتها ومكانها في مكتبة العلوم الاسلامية، تحت هذا العنوان " سلسلة روائع تراثنا الاسلامي "، راجين من الله تعالى أن يتفضل بالتيسير والقبول.
وهذا كتاب " الرحلة في طلب الحديث " ننشره بين يدي هذه المجموعة تشجيعا لطلاب العلم بل لكل المسلمين وترغيبا في طلب العلم وبذل غاية الوسع والطاقة من أجله أسوة بما كان عليه سلفهم الصالح حيث كان الواحد منهم يرحل المسافات الشاسعة ويجتاز الفيافي والقفار، يأدتم كسر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)

الخبز اليابس، ويكتفى بالطعام الجلف، ويلبس خلق الثياب ويعاني الأهوال للفوز بطلب العلم، بل لطلب مسألة من العلم، أو لسماع حديث واحد.
وقد جمع الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب الرحلة هذا أخبارا عجيبة وتحفا نادرة من أخبار رحلاتهم هي رحلاتهم من أجل الحديث الواحد فقط، ثم قام محققة فضيلة الدكتور الشيخ نور الدين عتر رئيس قمس علوم القرآن والسنة بجامعة دمشق بجلاء هذه المأثرة الجليلة من مآثر مجدنا العلمي وأبرز حيويتها ونضارتها بما قدم به لهذا الكتاب من دراسة قيمة واسعة عن الرحلة من منبعها وهو الاعجاز العلمي للقرآن الكريم، ثم برد كيد الكائدين لهذه الأمة من متعصبة المستشرفين الذين حاولوا زحزحة المسلمين عن مفاخرهم وأمجادهم، وكذلك فيما علقه على الكتاب من تعليقات حافلة بالفوائد، ثم بهذا الاستدراك الذي ذيل به الكتاب وذكر فيه جملة من أخبار الرحلة في الحديث الواحد، تعادل أخبار الكتاب الأصل، استخرجها من بين عشرات الآلاف من التراجم، مما يدل على ما بذله من الجهد وما لديه من الاطلاع الذي قدم لنا تلك المجموعة من أخبار الرحلة في طلب الحديث الواحد.
وإنا لنأمل أن يوفقنا الله إلى خدمة التراث العلمي الاسلامي وأن نقوم بقسطنا من الواجب نحو هذه الأمة وهو سبحانه ولي التوفيق.

الناشر
أمين دمج

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نور السماوات والأرض، أنار قلوب عباده بالعلم والعرفان.
وصلى الله على سيدنا محمد منقذ الانسان من ظلمات الجهل والجاهلية إلى نور العلم والايمان.
أما بعد:
فان المرء ليعجب لما يحدثنا به التاريخ عن علماء الاسلام عامة والمحدثين خاصة من أنباء رحلاتهم المضنية التي قاموا بها من أجل العلم، رغم أبعاد السفر الشاسعة، ومشقاته في أيامهم يجتازون العقبات ويستهينون بالصعوبات في سبيل العلم، لا يطمحون من وراء ذلك إلى جاه أو وظيفة يشغلونها، ولا يطمعون في دنيا يصيبونها.
وإن كتاب " الرحلة في طلب الحديث " للامام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، برهان عظيم وآية كبرى في إثبات ما بلغه علماؤنا العظام من علو الهمة وسمو القصد، وشرف الغاية والوسيلة نقدمه للقراء اليوم نستنهض به هم شبابنا المثقف وحمية طلبة العلم ليسلكوا سبيل أساتذتهم الأوائل علماء أمتهم الخالدين ويعيدوا للعالم أشرف سياحة عرفها، هي السياحة للقاء العلماء والتزود من توجيهاتهم والإفادة من معينهم العلمي والروحي العظيم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)

عثرت على هذا الكتاب في أثناء تطوافي بين مخطوطات " دار الكتب الظاهرية " العامرة، فلفت نظري طرافة موضوعة، ثم طالعته فجدبني إليه حسن اختيار مادته ومضمونه، حيث خصص الامام الخطيب كتابه هذا للرحلة في طلب الحديث الواحد فقط، لا لطلب الحديث جملة.
فاستنسخت الكتاب ثم قابلته بالنسختين الخطيتين بالدار، توطئة لتحقيقه، وتقديمه لشبابنا المثقف، بل لأهل العلم في كافة الأقطار(1).
وقد قدمت للكتاب بتمهيد موجز عن إعجاز النبوة العلمي، لأن مجدنا العلمي والحضاري، بل مجد العالم إنما هو فرع لما ابتنت عليه هذه الدعوة، وتمرة لما قامت عليه من تحرير الفكر والعلم من الأغلال. وشرحت عناية المسلمين بالمحافظة على الأصل الموجه لهذه الحضارة، أعني القرآن والحديث، وما اختصهم الله به من علم لم يعرفه غيرهم، أعني علم نقد الروايات، وما بذلوا من أجله من جهود تفوق الوصف والبيان. وعرفت بالخطيب البغدادي ومنهجه العلمي تعريفا موجزا، يبرز جانب العبرة التي نقصدها من نشر هذا الكتاب. ويرد على أعداء المحدثين من المستشرقين ومن يقلدهم في بعض مزاعمهم.
ثم في التعليق على الكتاب خرجت الأحاديث النبوية، وتكلمت على أسانيدها مراعيا جانب الإيجاز، ورجعت في ذلك إلى المراجع الأصلية المطبوعة والمخطوطة، وكان لذلك فائدة كبيرة في جلاء رتبة أحاديث الكتاب وحالها من الصحة أو الضعف، وفي تحقيق نصها أيضا، فقد--------------------------------------------
(1) وسنعرفك بهاتين النسختين وبطريقة التحقيق التي سلكناها في آخر التقديم للكتاب إن شاء الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)

استطعت بذلك إزالة الاشكال عن رواية الخطيب لبعض الأحاديث، حيث وجدت أصول المراجع تشتمل على زيادة تجلو الأمر وتزيل اللبس.
كما أني أوضحت الألفاظ التي تحتاج للتفسير في الاسناد أو المتن، لجلاء معاني الكتاب.
ثم جعلت خاتمة ذلك زيادة أحاديث وأخبار كثيرة أضفتها إلى الكتاب، مما لم يذكره الخطيب البغدادي رحمه الله.
وهكذا جاء عملنا - إن شاء الله - شاملا جوانب الكتاب، مكملا لفوائده، وإنا لنرجو أن نكون قد وفقنا إلى ما نقصده من جلاء هذه المأثرة العظيمة من روائع مجدنا العلمي. واستنهاض همم شبابنا المثقف، وحمية طلبة العلم.
وهو سبحانه سندنا ونعم الوكيل.

وكتب
نور الدين عتر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)

‌‌إعجاز النبوة العلمي
من المعجزات العظمى للنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم معجزاته العلمية ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يعلم قراءة ولا كتابة، ولم يتلق عن أحد علما من علوم الدين أو علوم الدنيا، وقومه العرب في الجزيرة أميون، عدمت فيهم القراءة والكتابة، إلا ما وجد على قلة وندرة من مبادئ يسيرة جدا للكتابة نقلتها عنهم الآثار.
ومع ذلك فقد جاء بالعلم وبعثت بالمعرفة. حتى كانت أول آيات تنزل عليه هي: " اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ".
ومن معجزات هذا النبي الكريم، أنه في دعوته القوية الصافية، يأتي بأدلة العقل المستبصرة من الفكر الصحيح، ومن حقائق الكون الراسخة، فالقرآن الكريم يتحدث عن حقائق الكون حديث الخبير بها، ويأتي بها شواهد صدق تعرف العباد بربهم سبحانه، ولذلك فان الانسانية على مر العصور وتقدمها في العلوم لا تخرج عما قرره القرآن من قواعد الكون العامة التي تدل على أن القرآن لا يمكن أن يصدر إلا من الله، وأن علوم محمد لا يمكن أن تأتي إلا من الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)

وخلاصة تلك الأصول الكونية:
1 - أن كل هذه المكونات في الطبيعة في الأرض أو السماء مخلوقة لله، مقهورة لسلطانه مسيرة ذليلة لقدرته وإرادته. وبهذا بطل ما كان يعتقده أهل الأديان في بعض الجمادات الأرضية أو الكواكب من تأثير في حياة الانسان، وتحرر الانسان من العبودية لها والخوف منها.
2 - أنها تدل على وجود الله ووحدانيته، وصفاته العليا، بما أودع فيها من عجائب الصنع وآيات الابداع. فأمر بالتفكر فيها والبحث عن مكنوناتها، وهو بهذا يفتح باب البحث في علوم الكون على مصراعيه، بل يكلف الناس بهذا، في الوقت الذي كان العالم كله يعتقد أن ذلك أمر محظور، وأنه مناوأة لله عز وجل.
3 - أن كل شئ في العالم يسير بنظام دقيق " الشمس والقمر بحسبان "، " وكل شئ عنده بمقدار ".
4 - أن كل هذه الكائنات خلقت لمنفعة الانسان، بل إنها مسخرة له، علويها وسفليها، كما قال الله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شئ عليم " البقرة: الآية: 29.
وقال أيضا: " وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه … " الجاثية: الآية: 13 ولقد حملت هذه الأمة مشعل العلم والحضارة، وأضاءت بهما العالم كله، دهرا طويلا حيث كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس، وكان الفكر العلمي فيها رهن السجون والاغلال، بل كان الفكر العلمي نهب القتل والاغتيال، حتى تلمذت على المسلمين،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)

وتلقفت منهم حقائق العلم، والثقة بالعلم، والتضحية من أجل العلم فتحررت بفضل ذلك وعرفت الطريق نحو الحضارة.
وإذا كانت البشرية قد وصلت اليوم إلى القمر والكواكب، فإنها مدينة في ذلك لما قرره القرآن في الآيات التي تلوناها، وفي أمثالها، بل إن القرآن ليقرر ما هو أبعد من مجرد الوصول إلى القمر!، يقرر تسخير هذه الكواكب لصالح هذا الإنسان.
ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الحفاظ على الحقيقة العلمية والأمانة، حين كسفت الشمس يوم موت عظيم، أو ولادته. فقال الناس: والكسوف يقعان بسبب موت عظيم، أو ولادته. فقال الناس: خسفت الشمس لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يجمع الناس يصلي بهم ركعتين سنة الكسوف ثم يخطب فيهم يقول:
"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا … "(1).
ولقد كان المصاب فاجعا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، حزن من أجله حزنا عظيما حتى ذرفت عيناه ووقف يقول هو يردع ولده: " إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ".
ومن ذا الذي يرزأ بمثل هذا الخطب ثم لا يرى الدنيا مكتسية ثوب الحداد لرزئه وأن الشمس والقمر تشاركانه الأسى لمصابه.
لكن محمدا الأمين صلى الله عليه وسلم يراعي قبل هذا كله، وفوق هذا كله الحقيقة العلمية التي اطلعه الله عليها، وإذا به يخطب في الناس ليحطم--------------------------------------------
(1) متفق عليه، البخاري بلفظه في الصلاة: 2: 34. ومواضع أخرى. ومسلم: 3: 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)

هذه الخرافة التي قيلت مواساة له وتسلية لا حزانه. فكان العلم بالكون وبالطبيعة مدينا لهذا النبي الذي فتح العيون على حقائق الأمور الدينية ومهد السبيل لتقديم العلوم الطبيعية والكونية، فاستنارت القلوب بدعوته، وازدهرت الحضارة بشريعته، وتقدمت علوم الطبيعة والكون بتوجيهات رسالته(1).

‌‌اعتناء المسلمين بالحديث والاسناد:
بهذه الروح العلمية النابعة من الاسلام والقرآن حفظت هذه الأمة كتاب الله المنزل إليها، فنقلته بحفظ الصدور تلقيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمانة وثقة وتواتر، كما نقلته أيضا بحفظ السطور أخذا من الصحف التي دونت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأدت القرآن إلى العالم بغاية الدقة في تبليغ نصه وكيفية أدائه وتلاوته في كلماته وحروفه، وإدغاماته وإظهاراته وغناته، ومداته، ووقوفه ووصله … حتى وصل إلينا عبر القرون غضا طريا كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، مما لم يقدر لكتاب غيره.
ثم ذبت الكذب والحلل عن الحديث النبوي بما وضعته من قوانين للرواية هي أصح وأدق طريق علمي في نقل الروايات واختبارها.
وكان من أهم هذه القوانين البحث في إسناد الحديث، وفحص أحوال الرواة. وقد حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث، وعلى التثبث من أحوال الرواة وأن لا يأخذوا من الحديث إلا حديث من يوثق به دينا وحفظا، حتى شاعت لذي كافة الناس هذه القاعدة عن الصحابة:--------------------------------------------
(1) انظر التوسع في شرح حديث الكسوف وما يسن فيه وصفة صلاة الكسوف في كتابنا " هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلوات الخاصة " ص 167 - 175.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)

" إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها(1) " فبعد معرفة رواة الخبر يمكن تفحص أحوالهم، ومعرفة صحة الخبر من سقمه، متأثر بذلك علم ميزان الرجال: " الجرح والتعديل " الذي هو عمود أصول الحديث.
ولقد كان علم السند هذا ابتكارا في قوانين الرواية وفق الله إليه المسلمين وخصهم به دون الأمم السابقة.
يقول الإمام علي بن حزم(2): " نقل الثقة عن الثقة مع الاتصال حتى يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور … ".
ويقول الحافظ أبو علي الجياني: " خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب "(3).

‌‌الرحلة في طلب الحديث
ولما كان الحديث النبوي هو المصدر الثاني للاسلام، وكان منه بهذه المثابة فقد أعطاه العلماء غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة، على بعد الشقة وعظم--------------------------------------------
(1) اخرج ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: 1/ 1/ 15 بأسانيده عن عدد من التابعين بلفظ: " كان يقال إنما هذه الأحاديث … الخ ". وانظر تفصيل ذلك وبيان موقعه من منهج السلف العلمي في كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث " ص 47 وما بعد.
(2) في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل: ج 2 ص 82.
(3) تقريب الراوي ص 359.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)

المشقة، طلبا للحديث وبحثا عن أسانيد الأحاديث، بل عن إسناد الحديث الواحد. امتثالا لأمر الله تعالى، وتحقيقا لما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين:
قال تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ".(1)
وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من لوازم طريقة المحدثين ومنهجهم في التحصيل العلمي. قال الإمام ابن الصلاح(2): " وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره ". وقال يحيى بن معين: " أربعة لا تؤنس منهم رشدا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث(3) ".
ويبدو أثر الرحلة للناظر في أسانيد الأحاديث واضحا جليا، إذا ما تناولنا أي اسناد منها ودرسنا تاريخ رواته نجد في أغلب الأحيان أنهم ينتمون إلى أكثر من موطن، بل ربما وجدنا كل واحد منهم من بلدة، جمعت الرحلة في طلب الحديث شتاتهم وقربت بعد ما بينهم حتى تسلسلوا في قرن واحد في سند الحديث الواحد … !

‌‌أهداف الرحلة عند المحدثين:
وللرحلة أهداف ومقاصد جليلة لدي أهل الحديث نوضح أهمها فيما يلي:--------------------------------------------
(1) من حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره.
(2) في كتابه علوم الحديث ص 222 بتحقيقنا.
(3) المرجع السابق ص 223.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)

‌‌1 - تحصيل الحديث:
ولعل هذا أول أسباب الرحلة، خصوصا في عهود الاسلام الأولى ومنه جاءت رحلات الصحابة(1) ثم التابعين، وهكذا …
وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم تفرقوا في البلاد ومع كل واحد منهم علم حمله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هناك عدد منهم نستطيع أن نقول إنهم كانوا يحملون جملة الحديث، وهم الذين كان الخلفاء يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين، مثل عبد الله بن مسعود في العراق، وأبي الدرداء في الشام …
ثم انتشر علم الصحابة في تلامذتهم التابعين وتفرق بينهم، فاحتاج العلماء إلى تحصيل الحديث من صدور حملته استكمالا لعلم السنة النبوية. وقد ضرب المسلمون في ذلك مثلا عاليا، وبلغوا شأوا عزيز المال، حتى رحلوا في طلب الحديث الواحد، وها هو ذا كتاب الرحلة الذي بين أيدينا بينة واضحة على هذا المقصد الجليل.

‌‌2 - التثبت من الحديث:
وهذا كان مقصد أبي أيوب رضي الله عنه في رحلته من المدينة المنورة إلى مصر ليثبت من حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيره وغير عقبة بن عامر(2).
وكذلك رحل شعبة بن الحجاج من أجل اسناد لحديث فضل--------------------------------------------
(1) رحلاتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أثبتناه في مطلع استدراكنا على كتاب الرحلة، وكذا رحلاتهم إلى بعضهم البعض مما ذكره الخطيب.
(2) انظر حديث في الرحلة رقم 34 - 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)

الوضوء والذكر بعده، فإن أبا إسحاق السبيعي الذي سمع منه شعبة هذا الحديث مدلس، ولم يكشف لشعبة عن حقيقة أمر السند، وكان شعبة كثير العناية بتتبع المدلسين، فرحل تلك الرحلة المضنية حتى توصل إلى نتيجة مؤسفة هي سقوط رواة من السند أحدهم مطعون فيه، فلم يملك نفسه أن قال: " دمر علي هذا الحديث، لو صح لي هذا الحديث كان أحب إلي من أهلي ومن مالي ومن الدنيا كلها "(1).
ومن التثبت من الحديث أن يكون عند المحدث أحاديث يرويها فيسمع في رحلته بعض هذه الأحاديث بأسناد تلتقي مع إسناده وتتفق في صيغة المتن المروي أو معناه(2) أو يسمع أحاديث أخرى في معني ما يرويه(3) فيطمئن المحدث ويتقوى الحديث حتى يحتج به إن كان فيه ضعف من قبل(4)، أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحا(5). كما أن تتبع الروايات والأسانيد قد يسفر عن خلل يسقط حديثا كان يظنه من قبل صحيحا(6).--------------------------------------------
(1) انظر الحديث وتعليقنا الحافل عليه في الرحلة برقم 59 و 60.
(2) وهو ما يسمى بالتابع أو المتابع والمتابعة.
(3) ويسميه المحدثون الشاهد. انظر تفصيل البحث في التابع والشاهد في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث رقم عام 74 - 75 ص 394 - 398.
(4) وهو الحديث الحسن لغيره، انظر تعريفه وشروطه في كتابنا منهج النقد رقم عام 39 - ص 294 - 252.
(5) وقد بحثنا أنواع الحديث الناشئة من تعدد السند مع اتفاق الرواة في كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص 126 - 132 وزدنا هذا البحث توسعا في كتاب منهج النقد المبحث الثاني من الباب السابع ص 380 - 398.
(6) انظر أنواع الحديث الناشئة من اختلاف الرواة في رواية الحديث في فصل جامع من كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص 132 - 150 وكتابنا منهج النقد المبحث الثالث من الباب السابع ص 399 - 432. وفيه زيادة توسع وتفصيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)

‌‌3 - طلب العلو في السند:
والعلو هو قلة عدد الوسائط في سند الحديث مع اتصال السند.
ويحصل العلو بأن يسمع المحدث حديثا من راو عن شيخ موجود " فيذهب المحدث إلى ذلك الشيخ ويسمعه منه. وهكذا يقل عدد وسائط النقل في السند.
وللعلو فائدة عظيمة هي أنه يبعد الاسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله قد يحتمل أن يقع من جهته خلل في النقل، فإذا قلت الوسائط تقل جهات الاحتمال للخلل، فيكون علو السند قوة للحديث(1).
لذلك عني المحدثون بالعلو عناية كبيرة، وألفوا فيه المصنفات وتجشموا لتحصيله المشقات، حتى رحلوا إلى الأقطار النائية سعيا وراء علو السند، ما إن يسمع أحدهم بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه مباشرة.
قال الحافظ أبو الفضل المقدسي(2): " أجمع أهل النقل على طلبهم العلو ومدحه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم ".
وقال الإمام أحمد بن حنبل: " طلب الاسناد العالي سنة عمن سلف ".
وقيل ليحيى بن معين في مرض موته: " ما تشتهي؟ ". قال: " بيت خالي، وإسناد عالي!(3) ".--------------------------------------------
(1) علوم الحديث لابن الصلاح ص 231 وانظر منهج النقد في علوم الحديث ص 335 رقم عام 59.
(2) هو محمد بن طاهر، انظر كلمته هذه في " مسألة العلو والنزول " ق 5/ آ.
(3) علوم الحديث ص 231.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)

وقيل للإمام أحمد بن حنبل: أيرحل الرجل في طلب العلو؟
فقال: " بلى والله شديدا، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه(1) ".
وقال أبو العالية: " كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالبصرة فما نرضي حتى نركب إلى المدينة فنمعها من أفواههم … "(2).
وغير ذلك كثير جدا.

‌‌4 - البحث عن أحوال الرواة:
وذلك لأن معرفة أداء الراوي للحديث كما سمعه هو المقصد الذي عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد، فكان لابد من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز مقبولهم من مردودهم، وقد قلنا في كتابنا " منهج النقد "(3): " ولولا ما بذله الأئمة النقاد في هذا الشأن من الجهود في البحث عن عدالة الرواة واختبار حفظهم وتيقظهم حتى رحلوا في سبيل ذلك وتكبدوا المشاق ثم قاموا في الناس بالتحذير من الكذابين والضعفاء المخلطين لاشتبه أمر الإسلام واستولت الزنادقة ولخرج الدجالون ".
وحسبنا دليلا على أهمية هذا البحث تلك العلوم الكثيرة التي تبحث--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 223، وانظر المستدرك على الرحلة رقم 92.
(2) أخرجه الخطيب في الرحلة برقم 21.
(3) ص 84 رقم عام/ 2/.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

في الرواة من كل جهات البحث فيهم، والتي بلغت أصولها ثلاثين علما(1)!!
ومن أمثلة الرحلة لهذا الغرض سعي الإمام يحيى بن معين إلى أبي نعيم الفضل بن دكين ليختبر حفظه وتيقظه حتى شهد له انه قد بلغ الغاية في ذلك(2).
ولو أن الناس وطلبة العلم عنوا في هذا العصر بهذين المقصدين (الثالث والرابع) في حق المؤلفات الحديثة، ورجعوا إلى (المؤلف) مصدر الفكرة المنشورة، يبحثون حاله كما كان السلف يفعلون لوجدوا كثيرا من أصحاب الكتب لا يستحق القراءة له، ولاكتفوا شرا كثيرا(3) لكنه القعود والاخلاد إلى الراحة جعل للمطبعة ولدعاية الناشرين التجارية قوة لم تكن تكسب من قبل بالشهرة المفتعلة أو الألقاب المصطنعة، حيث كانت الرحلة للقي الرجال تكشف خباياهم.

‌‌5 - مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها:
وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر وتقصي الأسانيد والروايات، لذلك قال العلماء إن التعمق فيه وتحصيل الملكة العلمية لا يتم إلا بالمجالة والمذاكرة ولقاء جهابذة الفن.--------------------------------------------
(1) وقد جمعناها مبوبة مفصلة إلى أقسامها بحسب جهة البحث في الرواة وتقسيمها تقسيما مبتكرا في كتابنا منهج النقد في علوم الحديث ص 66 - 173 فانظر دراسة قواعدها فيه.
(2) انظر خبر هذه الرحلة الطريف في المستدرك على الرحلة برقم 106.
(3) لذلك نرى أن يحتاط المسلم وطالب العلم لدينه من كتاب لم يتوثق من ورع مؤلفه ورسوخه العلمي، وأن يحرص على التلقي المباشر من العلماء الذين عرف من ورعهم وعلمهم ما يجعلهم أهلا للقدوة، فإن الأمر خطير، جد خطير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية(1) " ولو كان حكم المتصل والمرسل واحدا لما ارتحل كتبة الحديث وتكلفوا مشاق الأسقار إلى ما بعد من الأقطار، للقاء العلماء والسماع منهم في سائر الآفاق … ".
وكان سفيان بن عيينة بمكة يرحل إليه علي ين المديني من العراق للمذاكرة في ذلك، فقال ابن عيينة: " يلومونني على حب علي ابن المديني والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني … " وقال يحيى القطان: " أنا أتعلم من علي أكثر مما يتعلم مني ".
وكان الإمام أحمد بن حنبل يصلي من الليل مائة ركعة وأكثر، فإذا زاره يحيى بن معين اكتفي بالقليل من النافلة وجلس للمذاكرة مع يحيى، فقال له ابنه في ذلك؟ فقال: " يا بني إن ما يفوت من النافلة يدرك، لكن إذا فات ما عند هذا الفتى لا يدرك ".
ومن روائع نتائج الرحلة ما أفاده الامام الترمذي في علل الحديث من الامام البخاري، وهذا كتابه " العلل الكبير " شاهد صدق بذلك لكثرة نقوله عن الامام البخاري في معظم أحاديث الكتاب. وقد صرح الترمذي في آخر جامعه بإفادته من هذه المباحثة فقال: " وما كان فيه - يعني الجامع - من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد ابن إسماعيل - يعني البخاري - … "(2).--------------------------------------------
(1) ص 402 - 403 طبع الهند.
(2) آخر جامع الترمذي المشهور ب " سنن الترمذي ". وانظر كتابنا الامام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ص 17 - 18، و 267.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)